الجسر العائم

في مرةٍ من المرات هجرته. السبب المباشر كان أمرًا تافهًا إلى حدٍّ ما؛ إذِ انضم إلى اثنين من الجانحين صغار السن (أو اليويو كما كان يطلق عليهم) في الْتهامٍ سريعٍ لكعكة خبز الزنجبيل التي كانت قد أعدتها بِنيَّة تقديمها بعد اجتماع ذلك المساء. ودون أن يلاحظها أحد — على الأقل نيل والشابان الجانحان — غادرت المنزل وجلستْ في كشكٍ من ثلاثة جوانب على الشارع الرئيسي، حيث كانت تتوقف حافلة المدينة مرتين يوميًّا. لم يسبق لها أن جلست هناك، وكان لديها ساعتان أو نحوهما من الانتظار. جلستْ وقرأت كلَّ ما كان مكتوبًا أو منحوتًا على تلك الجدران الخشبية. العديد من الحروف الأولى يحب بعضها بعضًا إلى الأبد. لوري جي مصَّت قضيبًا. دَنك جيلتز مخنث. وأيضًا كان هناك اسم السيد جارنر (معلم الرياضيات).

«كُلِي خراءً بقواعدك يا عصابة إتش دابليو. تزلج أو مُت. الربُّ لا يرضى عن الدنس. كيفين إس. جيفة عفنة. أماندا دابليو جميلة وعذبة وأتمنى لو أنهم لم يسجنوها لأنني أفتقدها من كل قلبي. أريد مضاجعة في بي. هناك سيدات يجلسن هنا ويقرأن هذه الأشياء المقززة القذرة التي تكتبونها.»

بينما تنظر إلى خزان الرسائل الإنسانية هذا، وهي تفكر متحيرة خصوصًا في أمر الجملة المكتوبة كتابة سليمة، ومن فؤادٍ مخلص، بشأن أماندا دابليو، تساءلتْ جيني هل كان هؤلاء الأشخاص بمفردهم عند كتابتهم تلك الأشياء. راحتْ تتخيل نفسها تجلس هنا أو في مكانٍ ما مماثل، بانتظار الحافلة، بمفردها، كما ستكون حتمًا إن هي مضت قُدمًا في تنفيذ الخطة التي هي بصددها الآن. هل ستشعر برغبةٍ قاهرةٍ لكتابة تصريحاتٍ كهذه على الجدران المشاع؟

أحستْ بأنها في اللحظة الراهنة مرتبطة بهؤلاء الأشخاص، وبطبيعة شعورهم حين توجَّب عليهم كتابة أشياء بعينها؛ ربطتها بهم مشاعر الغضب بداخلها، مشاعر الإساءة التافهة (ربما كانت تافهة؟) وبحماستها نحو ما كانت تفعله بنيل أن تجعله يدفع الثمن. غير أن الحياة التي كانت تحمل نفسها للدخول فيها قد لا تمنحها أي شخصٍ لتغضب منه، أي شخصٍ يدين لها بأي شيء، أي شخصٍ من الممكن أن يتأثر حقًّا بأي شيءٍ قد تفعله، أن يناله من فعلها ثواب أو عقاب. قد تصير مشاعرها غير مهمةٍ لأي إنسانٍ عداها هي نفسها، ومع ذلك فقد ينتفخ الآخرون بداخلها، ويخنقون قلبها وأنفاسها.

لم تكن على أي حالٍ من النوع الذي يحتشد حوله الناس في العالم. ومع ذلك كانت انتقائية، على طريقتها الخاصة.

لم يكن قد ظهر للحافلة أثر حين نهضت وسارت إلى البيت.

لم يكن نيل هناك. كان يعيد الأولاد إلى المدرسة، وحين عاد هو كان أحدهم قد وصل من قبلُ مبكرًا على موعد الاجتماع. أخبرته بما قد فعلت حين تجاوزت الأمر وكان من الممكن أن يتحوَّل ما فعلت إلى مزحة. الحق أنه صار مزحة قالتها بصحبة الآخرين مراتٍ عديدة؛ الخروج من البيت أو مجرد وصفها على وجه العموم للأشياء التي قد قرأتها على الجدران.

قالت لنيل: «ألم تفكر على الإطلاق في أن تأتيَ بحثًا عني؟»

«فكرت طبعًا. في الوقت المناسب.»

•••

كان لاختصاصي الأورام مُحيا القساوسة، والواقع أنه ارتدى قميصًا أسود برقبةٍ تحت سترةٍ بيضاء واسعة؛ وقد أوحى ملبسه هذا بأنه أتى توًّا من أحد طقوس إعداد القرابين. كانت بشرته شابة وملساء، بدت مثل حلوى الزبد الشفافة. على قُبة رأسه كان هناك بعض الشعر الأسود الخفيف، مجرد نبتٍ رقيق، لا يختلف كثيرًا عن الزغب الذي على رأس جيني نفسها، على الرغم من أن شعرها هي كان رماديًّا مائلًا للبُني، كأنه جِلد فأر. في البداية كانت جيني قد تساءلتْ هل كان من الممكن أن يكون مريضًا وكذلك طبيبًا في الآن نفسه؛ ومن ثَمَّ، هل كان قد اتخذ هذا المظهر لكي يجعل مرضاه أكثر ارتياحًا؟ الأكثر ترجيحًا أنه كان شعرًا مزروعًا، أو لعلها فقط الطريقة التي يحب أن يصفف بها شعره.

ليس بالإمكان سؤاله. لقد أتى من سوريا أو الأردن أو مكانٍ ما آخر حيث للأطباء هيبتهم. كان فاترًا ومُقترًا في مجاملاته للآخرين.

وقد قال: «الحقيقة أنني لا أحب أن أعطيَ انطباعًا خاطئًا.»

•••

خرجتْ من المبنى المكيَّف إلى وهج نور أصيل أغسطس في أونتاريو. أحيانًا تسطع الشمس لا يحجبها شيء، وأحيانًا تبقى محتجبة وراء سحبٍ هشة؛ وفي الحالين كان الجو حارًّا بلا اختلاف. السيارات المتوقفة، الرصيف، آجر المباني الأخرى، بدا كل ذلك وكأنه يرشقها بالقنابل حرفيًّا، كما لو كانت جميعها حقائق منفصلة بعضها عن بعض أُلقي بها عَبثًا في تعاقبٍ سخيف. لم تكن مُستعدة لأي تغييراتٍ في المشهد المحيط بها في تلك الأيام، فقد أرادت أن يبقى كل شيءٍ حولها مألوفًا ومستقرًّا. والأمر نفسه كان يصدق مع أي تغييرٍ في المعلومات.

رأت السيارة تنتزع نفسها من موضعها عند حافة الرصيف وتشق سبيلها على طول الشارع لِتُقِلَّها. كان لونها أزرق فاتحًا، يومض ويلمع، مقززًا للنفس. الأجزاء الأفتح زرقةً كانت هي مواضع الصدأ التي أعيد طلاؤها. على هيكلها ملصقات تقول: أعرف أنني أقود قطعة خردة، ولكن عليك أن ترى منزلي، واحترموا أمكم الأرض، و(كانت هذه أحدث عهدًا) استخدموا مبيد الآفات، وتخلصوا من الأعشاب، وانشروا السرطان.

خرج نيل لمساعدتها.

قال: «إنها في السيارة.» وشى صوته بنغمة حماسةٍ أوحت في غموضٍ بالتحذير أو الاستعطاف. كان ثَمَّةَ طنين يحيط به، توتر ما، وهو ما أنبأ جيني بأن الوقت غير مناسبٍ لإطلاعه على ما لديها من أنباء، إذا كان يمكن أن نسميَها أنباءً. في وجود أشخاصٍ آخرين كان مسلك نيل يتبدل، حتى ولو كان هناك شخص واحد آخر خلاف جيني، فيصير أكثر حيوية وحماسة واسترضاءً. لم يعد أمرًا مزعجًا لجيني كما في السابق، وقد مضى عليهما معًا واحد وعشرون عامًا. هي نفسها تغيرت — كرد فعل، هكذا كانت تعتقد — فصارت أكثر تحفظًا وميلًا للتهكم ولو بدرجةٍ طفيفة. كان وضع بعض الأقنعة التنكرية ضرورة لا غنى عنها، أو صار فقط عادة مستحكمة ليس بالوسع التخلص منها. على غرار مظهر نيل الذي صار عتيق الطراز إلى حدٍّ مضحك؛ الوشاح الذي يعصب به رأسه، ربطه لشعره على صورة ذيل حصانٍ رماديٍّ وخشن، الحلق الذهبي الصغير الذي يبرق في الضوء شأنه شأن الحواف الذهبية حول أسنانه، ثم الثياب المهملة الشبيهة بما يرتديه الخارجون على القانون.

بينما كانت في زيارتها للطبيب ذهب هو لِيُقِلَّ الفتاة التي سوف تعينهما في معيشتهما الآن. تعرَّف عليها في مؤسسةٍ إصلاحيةٍ للجانحين الشباب، حيث كان مُعلمًا وكانت هي تعمل في المطبخ. كانت المؤسسة الإصلاحية على حواف البلدة التي يعيشان فيها، لا تبعد أكثر من عشرين ميلًا عن هُنا. استقالت الفتاة من وظيفتها في المطبخ منذ بضعة أشهرٍ وعملت في وظيفة رعاية منزلٍ ملحقةٍ به مزرعة حيث كانت ربة البيت مريضة، وذلك في موضعٍ ما غير بعيدٍ عن هذه البلدة المدينة الأكبر. ولحسن الحظ هي الآن بلا عمل.

قالت جيني: «وماذا حدث للمرأة؟ هل ماتت؟»

فقال نيل: «دخلت المستشفى.»

«سيان.»

•••

كان عليهما أن يعتنيا بالكثير من الترتيبات العملية في وقتٍ قصيرٍ للغاية؛ تنظيف الغرفة الأمامية في منزلهما من جميع الملفات والصحف والمجلات التي تحتوي على المقالات المهمة والتي لم يتم تخزينها بَعدُ على أقراصٍ مدمجة؛ وكانت تلك تملأ الأرفف المصطفة على طول جدران الغرفة حتى السقف. جهازا الكمبيوتر كذلك، والآلات الكاتبة القديمة، والطابعة، كان ينبغي إيجاد مكانٍ لهذا كله — مؤقتًا، ولو لم يقل أحد ذلك — في منزل شخصٍ آخر. وهكذا أصبحت الغرفة الأمامية غرفة التمريض.

قالت جيني لنيل إن بوسعه الاحتفاظ بجهاز كمبيوتر واحد، على الأقل، في غرفة النوم، غير أنه رفض. لم يقلها صراحة، لكنها فهمتْ، رأى أنه لن يكون هناك وقتٌ لذلك.

لقد قضى نيل وقت فراغه كله تقريبًا، خلال السنين التي عاشتها معه، ينظم الحملات وينفذها. ليس فقط الحملات السياسية؛ فإلى جانب تلك كانت هناك جهود رامية إلى الحفاظ على مبانٍ وجسورٍ ومقابرَ لها كلها قيمتها التاريخية، ولمنع قطع الأشجار سواءٌ على طول شوارع المدينة أو في البقع المعزولة من الغابة القديمة، ولإنقاذ النهر من انجراف المياه المسطحة إليه وتسميمه وإنقاذ أرض الميعاد من المقاولين وإنقاذ السكان المحليين من كازينوهات القمار. دائمًا وأبدًا كانت هناك رسائل وعرائض لا بد من كتابتها، ودوائر حكومية لا بد من التأثير عليها، وتوزيع ملصقات، وتنظيم مسيرات احتجاجية. كانت الغرفة الأمامية هي المسرح الشاهد على ثورات الرفض والسخط (التي كانت تمنح الناس كثيرًا من الرضا، وفقًا لما ارتأته جيني) وعلى جدالات ومقترحات مرتبكة، وعلى ابتهاج نيل بذلك كله. والآن صارت خواءً فجأة؛ مما دفعها لاستعادة أول مرةٍ دخلت فيها المنزل، وقد أتت مباشرةً من منزل أبويها بطوابقه المنفصلة وستائره المتدلية في طياتٍ أنيقة، وفكرت في كل تلك الأرفف المحتشدة بالكتب، والمصاريع الخشبية على النوافذ، وتلك البُسُط الشرق أوسطية الجميلة التي كانت دائمًا ما تنسى اسمها الصحيح، على الأرضية الخشبية المورنشة. من غرفتها في الكلية كانت قد أحضرت معها نسخة من لوحةٍ للرسام كاناليتو صارت الآن على الجدار الوحيد العاري. كان اسم اللوحة «يوم معركة اللورد مايور على نهر التَّيمز»، وقد علقتها بالفعل لكنها لم تعد تنتبه إليها.

قاما باستئجار سرير مستشفًى، لم يكونا بحاجةٍ حقيقيةٍ إليه بعدُ، غير أنه من الأفضل الحصول على واحدٍ بينما يستطيعان ذلك لأنه غالبًا ما يكون هناك نقصٌ فيها. لقد فكَّر نيل في كل شيء. علَّق ستائرَ ثقيلةً أخذها من غرفة عائلةٍ في بيت صديقٍ مستغنٍ عنها، كان مطبوعًا عليها نقش لأباريقَ وحُلِيٍّ نُحاسيةٍ من التي تزين سروج الخيول، وقد اعتبرتها جيني في غايةٍ من البشاعة. لكنها صارت تعرف الآن أنه يأتي وقت تتساوى فيه الأشياء البشعة والجميلة ويؤديان الغرض ذاته، حين يصير أي شيءٍ يرنو إليه المرء مجرد مشجبٍ يعلق عليه أحاسيس بدنه العنيدة، وخواطر عقله غير المنتظمة.

كانت في الثانية والأربعين من عمرها، وحتى وقتٍ قريبٍ كانت تبدو أصغر من سنِّها. وكان نيل يكبرها سنًّا بستة عشر عامًا. كان قد خطر لها أنها في المسار الطبيعي للأمور ستكون في نفس الموضع الذي يشغله الآن، وأحيانًا ما ساورها القلق بشأن سبيل التعامل مع هذا. ذات مرةٍ حين كانت تمسك بيده في الفراش قبل أن يناما، يده الدافئة والحاضرة، فكرت أنها سوف تمسك بهذه اليد، أو تلمسها، مرة واحدة على الأقل، حين يكون قد مات. لم تجد أنها قادرة على الإيمان بهذه الحقيقة، حقيقة أن يكون ميتًا لا حول له ولا قوة. ومهما طال وقت التنبؤ بهذه الحالة، فلم يكن بمقدورها الاطمئنان إليها. لم تستطع أن تصدق أنه، في موضعٍ عميقٍ بداخله، لم يسلِّم على نحوٍ ما بهذه اللحظة؛ لحظتها هي. مجرد اعتقادها بأنه لم تساوره هذه الفكرة بخصوصها دفعها إلى دوارٍ عاطفي، إحساسٍ بسقوطٍ فظيع.

ومع ذلك؛ كان هناك إحساس بالإثارة. تلك الإثارة التي يحسن السكوت عنها والتي يشعر بها المرء حين تبشره كارثة عَجلى بتحرُّره من كل مسئوليةٍ عن حياته الخاصة. ثُم يتوجب عليك — ويا للخزي! — أن تستجمع شتات نفسك وتبقى هادئًا للغاية.

قال لها، حين سحبت يدها من يده: «إلى أين أنتِ ذاهبة؟»

«لستُ ذاهبة. أستديرُ فقط.»

لم تعرف إن كان نيل قد ساوره مثل هذا الشعور، الآن وقد وقع ما وقع. سألته إن كان قد تقبَّل الفكرة بعد، فهز رأسه نافيًا.

قالت: «ولا أنا.»

ثم قالت: «كل ما هنالك ألا تفتح الباب لمتخصصي العلاج النفسي من صدمة فقدان الأعزاء. أكاد أراهم يتربصون بنا، يريدون أن يهجموا ويوجهوا ضربة استباقية.»

قال بصوتٍ فيه غضب نادر: «لا تضايقيني.»

«آسفة.»

«لستِ مضطرةً على الدوام أن تلعبي دور مهوِّن الشدائد.»

«أعرف.» هكذا قالت، ولكن الحقيقة كانت أنه مع وجود الكثير مما يجري والأحداث الراهنة التي تستولي على أغلب انتباهها وجدت مشقة في أن تلعب أي دورٍ على الإطلاق.

•••

قال نيل: «هذه هي هيلين. هذه من سترعى شئوننا من الآن فصاعدًا. وهي كذلك لن تتسامح مع أي مسلكٍ سيئٍ أو تهاون.»

قالت جيني: «خيرٌ لها.» مدتْ يدها لها بمجرد أن اتخذت مجلسها. لكن يبدو أن الفتاة لم تلحظها، مع وضعها المنخفض ما بين المقعدين الأماميين.

أو لعلها لم تدرِ ماذا عليها أن تفعل. كان نيل قد قال إنها خارجة من أزمةٍ لا تُصدق، وتنتمي إلى أسرةٍ همجيةٍ تمامًا. جرت أمور لا يمكن تخيُّلها تحدث في وقتنا الراهن. مزرعة معزولة، أم متوفاة وابنة متأخرة عقليًّا وأب عجوز مستبد، مخبول لا يتورع عن سِفاح القربى، وابنتان. هيلين هي الابنة الكبرى، التي هربت في عمر الرابعة عشرة بعد مهاجمتها للعجوز. الْتجأتْ لبعض الجيران الذين اتصلوا بالشرطة، فأتت الشرطة وجلبت الأخت الصغرى وأودعت الطفلتين في جناح القاصرات في وحدة رعاية الأطفال. أما العجوز وابنته — وهما نفساهما والد ووالدة البنتين — فقد أُودعا في مستشفًى للأمراض العقلية. تعهد أبٌ وأم بالكفالة بهيلين وشقيقتها، اللتين كانتا طبيعيتين عقليًّا وجسديًّا، وأرسلا الفتاتين إلى المدرسة حيث أمضتا وقتًا بائسًا هناك؛ حيث توجَّب عليهما أن تنالا أعلى الدرجات. لكن كلًّا منهما تعلمت ما فيه الكفاية لأن تحصل على عمل.

عندما أدار نيل السيارة قررت الفتاة أن تتكلم.

قالت: «لقد اخترتما يومًا حارًّا للخروج فيه.» لعلها سمعت الناس يستعينون بعبارةٍ كتلك لكي يبدءوا حديثًا. تحدثتْ بنبرةٍ فِجَّةٍ وبليدةٍ تنضح بالخصومة والارتياب، ولكن يجب عدم اتخاذ هذا على محملٍ شخصي، كما تعلم جيني الآن. كانت تلك ببساطةٍ طريقة بعض الناس في الحديث — وخصوصًا أبناء الريف منهم — في هذا الجزء من العالم.

قال نيل: «إذا كنتِ تشعرين بالحر يمكنك تشغيل مُكيِّف الهواء. إنه من الطراز القديم، كل ما عليكِ هو إغلاق النوافذ.»

لم يكن المنعطف الذي اتخذوه بالسيارة عند الناصية هو ما توقعته جيني.

قال نيل: «علينا الذهاب إلى المستشفى. لا داعي للذعر. شقيقة هيلين تعمل هناك ولديها شيء تريد هيلين أن تأخذه منها. أليس صحيحًا يا هيلين؟»

فقالت هيلين: «صحيح، حذائي الجيد.»

«حذاء هيلين الجيد»، هكذا قال نيل متطلعًا نحو المرآة. «الحذاء الجيد الخاص بالآنسة هيلين وردي.»

قالت هيلين: «اسمي ليس هيلين وردي.» وبدا كما لو أنها لم تكن المرة الأولى التي تقول فيها هذا.

فقال نيل: «أنا أُسمِّيكِ هكذا لأن وجهك مثل الورد.»

«غير صحيح.»

«بل صحيح. أليس كذلك يا جيني؟ جيني متفقة معي، وجهك مثل الورد يا آنسة هيلين ذات الوجه الوردي.»

كان للفتاة حقًّا بشرة وردية رقيقة. لاحظتْ جيني أيضًا حاجبيها ورموش عينَيْها التي تكاد تكون بيضاء، وشعرها الأشقر في نعومة شعر الأطفال، وفمها، الذي بدا شكله عاريًا على نحوٍ يثير الاستغراب، ليس مجرد الشكل المعتاد لفمٍ دون طلاء شفاه. كان لها مظهر بيضةٍ طازجة، كما لو أن ثَمَّةَ طبقة من الجلد ما زالت مفقودة، وطبقة أخرى نهائية من شعر البالغين الأكثر خشونة. لا بد أنها ضحية سهلة للطفح الجلدي والإصابة بالعدوى، سرعان ما يظهر عليها أثر الحك والكدمات، والإصابة بالقرَح حول فمها ودمامل الجفنين ما بين رموش عينيها البيضاء. ومع ذلك فلم تبدُ واهنة البنية. كان محيط كتفيها عريضًا، وكانت نحيلة القوام ولكن ذات هيكلٍ جسديٍّ ضخم. ولم تبدُ غبيةً كذلك، على الرغم من تعبير وجهها الذي يجعل الرأس يبرز للأمام، كأنه تعبير عجلٍ أو ظبي. كل شيء لا بد أن يطفوَ على السطح تمامًا لديها، انتباهها وكل ما يخص شخصيتها يوضع بين يديك مباشرةً وفورًا، في سُلطةٍ بريئة؛ سُلطةٍ كانت في نظر جيني ثقيلةَ الوطأة.

كانوا يصعدون بالسيارة تلًّا نحو المستشفى؛ المكان ذاته حيث أجرت جيني عمليتها الجراحية وقطعت الشوط الأول من العلاج الكيماوي. على الناحية الأخرى المواجهة لمباني المستشفى كانت هناك مقبرة. كان هذا طريقًا رئيسيًّا وقد اعتادا المرور من هنا في الأيام الخوالي كلما أتيا إلى المدينة للتسوق أو للتسلية النادرة بمشاهدة فيلم، وقد اعتادت جيني حينذاك قول شيءٍ ما، مثل: «أي منظرٍ محبطٍ هذا!» أو «لقد فهموا توفير وسائل الراحة بالمعنى الحرفي للكلمة.»

الآن بقيت صامتة. لم تزعجها المقبرة، أدركت أن الأمر لم يكن مهمًّا.

لا بد أن نيل أدرك ذلك أيضًا. قال ناظرًا إلى المرآة: «كم تظنين عدد الموتى الموجودين في تلك المقبرة؟»

للحظةٍ لم تُحِرْ هيلين جوابًا، ثم قالت في شيءٍ من التجهم: «وما أدراني أنا؟»

«الموجودين في المقبرة كلهم موتى.»

قالت جيني: «إنه يضايقني بنفس الكلام أيضًا. إنها مزحة من الصف الرابع.»

لم تجبها هيلين. ربما لم تصل قط إلى الصف الرابع.

توقفوا بالسيارة لدى الأبواب الرئيسية للمستشفى، ثم استداروا حول موقف السيارات بناءً على إرشادات هيلين. كان الناس في المستشفى يرتدون المآزر، وبعضهم يجرجر وراءه أجهزة المحاليل المثبتة في عروقه، وقد خرج للتدخين.

قالت جيني: «أترى ذلك المقعد المستطيل؟ آه، لا يهم، لقد تجاوزناه الآن. كان عليه لافتة تقول «شكرًا لعدم التدخين»، ولكنه موجود بالخارج أمام الناس للجلوس عليه حين يتجولون خارج المستشفى. ولماذا يخرجون منها؟ ليدخنوا. إذن هل ينبغي عليهم ألا يجلسوا؟ أنا لا أفهم ذلك.»

قال نيل: «أخت هيلين تعمل في المغسلة، ما اسمها يا هيلين؟ ما اسم أختك؟»

قالت هيلين: «لويز، توقف هنا. حسنًا، هنا.»

كانوا في موقف السيارات وراء أحد أجنحة المستشفى. لم تكن توجد أي أبوابٍ في الطابق الأرضي عدا بابٍ جرارٍ مخصصٍ لنقل وتفريغ الشحنات وكان محكم الإغلاق. وفي الطوابق الثلاثة الأخرى كانت الأبواب مفتوحة على سلم الحريق الخارجي.

كانت هيلين تخرج من السيارة.

قال نيل: «أتعلمين كيف تجدين طريقك إليها؟»

«بسهولة.»

كان سلم الحريق الخارجي يبدأ من فوق الأرض بنحو أربعة أو خمسة أقدام، لكنها تمكنت من الإمساك بالقضبان وأرجحة نفسها للأعلى، ربما بعد أن حشرت إحدى قدميها مقابل طوبةٍ مخلخلة، وفي غضون ثوانٍ كانت قد صعدت. لم تدرِ جيني كيف فعلتْ ذلك، أما نيل فكان يضحك.

قال: «هيا يا بنت، حطميهم جميعًا.»

قالت جيني: «ألا يوجد أي طريقٍ آخر؟»

كانت هيلين قد ركضت حتى الطابق الثالث واختفت.

قال نيل: «لو وُجد لما استخدمتْ سلَّم الحريق.»

قالت جيني في إجهاد: «كلها نباهة.»

فقال: «لو لم تكن هكذا لما أفلحت في الفرار، كانت بحاجةٍ إلى كل النباهة الممكنة.»

كانت جيني ترتدي قبعة من القش متسعة الحافة، فخلعتها عن رأسها وبدأت تستخدمها كمروحة.

قال نيل: «آسف. لا يبدو أن هناك أي ظلٍّ لنركن فيه. ستخرج من هناك سريعًا.»

قالت جيني: «هل أبدو مُريعة للغاية؟» اعتاد منها أن تسأل ذلك السؤال.

«أنتِ بخير. لا يوجد أي شخصٍ معنا هنا على أي حال.»

«الرجل الذي رأيتُه اليوم لم يكن هو نفس الشخص الذي رأيته سابقًا. أعتقد أن هذا شخص أكثر أهمية. الغريب أن فروة رأسه بدت تمامًا مثل رأسي. ربما يتعمد أن يفعل ذلك على سبيل طمأنة المرضى.»

أرادت أن تواصل وتخبره بما قاله الطبيب، ولكنه قال: «أختها تلك ليست في مثل نباهتها. ويبدو أن هيلين ترعاها وتوجِّه لها الأوامر والنواهي. ومسألة الحذاء هذه مثال نموذجي. أليس بمقدورها شراء حذاءٍ خاصٍّ بها؟ إنها لا تقيم حتى في سكنٍ يخصها، فما زالت تقيم مع الأسرة التي كفلتهما، في مكانٍ ما من الريف.»

لم تواصل جيني حديثها، استنفد تحريك الهواء بالقبعة أغلب طاقتها. راقب هو المبنى.

قال: «أدعو الرب ألا يقبضوا عليها لأنها دخلت المكان من الطريق غير الصحيح. هذا خرق للقواعد. إنها ليست من الفتيات اللواتي وُضعتْ من أجلهن القواعد.»

بعد دقائقَ عديدةٍ أطلق صفيرًا بفمه.

«ها هي آتية الآن … ها هي آتية، نازلة السلم في رحلة العودة إلى الوطن. فهل ستكون … هل … ستكون عاقلة بما يكفي للتوقف قبل أن تقفز؟ أو إلقاء نظرةٍ تحتها قبل أن تَثِب؟ هل ستكون … هل ستكون؟ لا، أبدًا … آاااه!»

لم يكن هناك أي حذاءٍ بين يدي هيلين. وثبتْ إلى داخل السيارة وَصَفَقَتِ البابَ تغلقه وقالت: «المعاتيه الحمقى! بمجرد أن صعدتُ إلى هناك اعترض طريقي هذا المغفل: أين شارتك؟ لا بد أن تعلقي شارتك. لا يمكنك الدخول هناك من دون شارة. لقد رأيتكِ تدخلين من عند سلم الحريق، لا يمكنك فعل ذلك. حسنٌ، حسنٌ، أريد أن أرى أختي. لا يمكنكِ رؤيتها الآن فهي ليست في وقت راحتها. أعلم ذلك؛ ولذلك دخلت من سلم الحريق، لا أريد إلا أن آخذ منها شيئًا بسرعة. لا أريد أن أتحدث إليها ولن أضيع وقتها سآخذ فقط شيئًا منها وكفى. لا يمكنكِ ذلك. بل يمكنني. لا يمكنك … وهكذا بدأتُ أصيح: لويز، لويز! كل ماكيناتهم تعمل بالداخل على مائتي درجةٍ هناك والعرق يَنْصَبُّ صبًّا على وجوه العاملين وأنا أنادي: لويز، لويز! لا أعرف أين هي وهل بوسعها أن تسمعني أم لا. لكنها تظهر وهي تبكي وبمجرد أن تراني تقول: آه، اللعنة، اللعنة عليَّ، لقد ذهبتُ ونسيتُ. لقد نَسيَت أن تحضر لي حذائي. اتصلتُ بها على الهاتف ليلة أمسِ وذكَّرتها، لكن ها هي، آه، اللعنة، نسيَتْ. كان يمكن لي أن أضربها. لكن ذلك الشخص يقول لي: والآن اخرجي من هنا، اذهبي من السلم واخرجي من المكان، ليس من سلم الحريق فهذا يخالف القانون. يا له من لعين!»

كان نيل يضحك ويضحك ويهز رأسه.

«إذنْ هذا ما فعلَتْه؟ نَسيَتْ حذاءك؟»

«هناك في بيت جون ومات.»

«يا للمأساة!»

قالت جيني: «هل يمكننا أن نتحرك بالسيارة الآن ونحصل على بعض الهواء؟ لا أعتقد أن استخدام القبعة كمروحةٍ يُجدي نفعًا.»

قال نيل: «حسنٌ.» ثم عاد إلى الوراء ودار بالسيارة، ومرةً أخرى مروا بالواجهة المألوفة للمستشفى، ونفس المدخنين، أو آخرين مختلفين، يتنزهون في ثياب المستشفى الكئيبة وبأوعية المحاليل المثبتة في أوردتهم. «سيكون على هيلين أن تُخبرنا أين نذهب؟»

نادى متوجهًا للمقعد الخلفي: «هيلين!»

«نعم.»

«أيَّ طريقٍ نسلكه الآن للذهاب إلى بيت هؤلاء الناس؟»

«أي ناس؟»

«حيث تعيش أختك، حيث يوجد حذاؤك. أخبرينا كيف نصل إلى بيتهم؟»

«لن نذهب إلى بيتهم؛ لذا فلن أخبرك شيئًا.»

استدار نيل عائدًا من الطريق الذي أتَوا منه.

«سأقود السيارة على هذا الطريق وحسب حتى يمكن لِك أن ترشديني للاتجاهات بوضوح. هل سيكون من الأفضل إذا خرجتُ إلى الطريق السريع؟ أم في وسط المدينة؟ من أين عليَّ أن أبدأ؟»

«لا تبدأ من أي مكان. لن نذهب.»

«إنه ليس بعيدًا للغاية، صحيح؟ ولماذا لا نذهب؟»

«لقد قدمتَ لي خدمة واحدة وهذا كافٍ.» جلستْ هيلين مائلة للأمام بقدرِ ما وسعها ذلك، وهي تحشر رأسها ما بين مقعد نيل ومقعد جيني. «لقد أخذتَني إلى المستشفى، أليس هذا بكافٍ؟ لستَ مضطرًا لأن تقود هنا وهناك لتُقدِّم لي الخدمات.»

أبطَئوا السير، وانعطفوا إلى شارعٍ جانبي.

قال نيل: «هذه سخافة! سوف تبتعدين عشرين ميلًا وقد لا تعودين إلى هُنا لفترة. وقد تحتاجين إلى ذلك الحذاء.»

لا جواب. حاول هو من جديد.

«أم أنكِ لا تعرفين الطريق؟ ألا تعرفين الطريق من هنا؟»

«أعرفه، ولكني لن أخبرك.»

«إذنْ، فسوف نظل نقود السيارة هنا وهناك. نقود هنا وهناك إلى أن تصيري مستعدة لإخبارنا.»

«حسنٌ، لن أكون مستعدة؛ لذا لن أخبركما.»

«يمكننا أن نرجع ونرى أختك، أراهن أنها سوف تخبرنا. لا بد أنه حان وقت انصرافها الآن، يمكننا توصيلها معنا إلى البيت.»

«عندها وردية متأخرة؛ لذلك لن يُفلح هذا.»

كانوا يمضون بالسيارة في جزءٍ من هذه البلدة لم تره جيني من قبل. مضَوْا ببطءٍ شديدٍ واتخذوا منعطفاتٍ متكررة، وهكذا لم تكد تسري عبر السيارة ولو نسمة واحدة إلا نادرًا. مصنع مغلق الأبواب بألواحٍ خشبية، متاجر التخفيضات، مكتب رهونات. نقود، نقود، نقود، هكذا كانت تقول لافتة وامضة فوق النوافذ ذات القضبان. ولكن كانت هناك منازل أيضًا، مبانٍ ذات مستويين بالية المظهر وعتيقة، وذلك النوع من البيوت المبنية من الخشب فقط، التي شُيدت على عَجلٍ خلال الحرب العالمية الثانية. باحة صغيرة الحجم للغاية من باحات البيوت كانت ممتلئة بأشياء للبيع؛ ثياب منشورة على حبل، مناضد كُدستْ عليها الصحون والأغراض المنزلية. كان ثَمَّةَ كلب يتشمم تحت منضدةٍ ويمكنه أن يطرحها أرضًا، ولكن المرأة التي جلست على الدَّرَج الخارجي، تُدخِّن وتعاين قلة الزبائن، لم يبدُ أنها تكترث لذلك.

قبالة متجرٍ على ناصيةٍ كان بعض الأطفال يلعقون حلوى الآيس كريم الجاهز. ولد منهم كان على حافة المجموعة — لم يكن يتجاوز الرابعة أو الخامسة من عمره — رمى بحلواه نحو السيارة، رمية قوية مفاجئة. ارتطمت قطعة الحلوى بالباب المجاور لجيني، أسفل ذراعها مباشرةً فأطلقتْ صرخة واهنة.

أخرجت هيلين رأسها من النافذة الخلفية.

«أتحب أن ينكسر لك ذراع؟»

بدأ الطفل يعوي. لم يكن يتوقع هيلين، ولعله لم يكن يتوقع أيضًا أن تذهب حلواه هكذا إلى الأبد.

تحدثت هيلين إلى نيل، وقد أعادت رأسها إلى الداخل.

«أنت تبدد الوقود دون جدوى.»

قال نيل: «شمال البلدة؟ جنوب البلدة؟ شمال جنوب شرق غرب، أخبريني يا هيلين ما الخيار الأفضل؟»

«لقد أخبرتك بالفعل. لقد قدمتَ لي أقصى ما يمكنك فعله اليوم.»

«وأنا قلتُ لك، سوف تحصلين على هذا الحذاء الذي يخصك قبل أن نقصد البيت.»

بصرف النظر عن مقدار صراحة حديث نيل، فقد كان يبتسم. كان على وجهه تعبير من اليقظة والانتباه، ولكن قلة الحيلة، والسخف كذلك؛ أمارات على اجتياح الغبطة له. وقع كيان نيل بكامله تحت هذا الاجتياح، كانت نفسه تفيضُ برحيق الغبطة.

قالت هيلين: «أنت عنيد جدًّا.»

«سوف ترَيْن مقدار عنادي.»

«وأنا أيضًا، أنا عنيدة بقدر عنادك تمامًا.»

بدا لجيني أن بوسعها الإحساس باشتعال وجنة هيلين وهجًا، وجنتها التي كانت قريبة للغاية من وجنتي جيني. كان يمكنها سماع صوت أنفاس الفتاة، خشنة ومثقلة بالحماس وتشي بأثرٍ ما لداء الربو. كان حضور هيلين أقرب إلى حضور قطةٍ منزليةٍ أليفةٍ لا ينبغي مطلقًا وضعها في أي عربة، مشدودة الأعصاب للغاية بحيث لا تملك رشدها، ومتحفزة للغاية بحيث لا تنفلت من بين المقعدين.

تخلل نورُ الشمس السحبَ من جديد. كانت ما زالت عالية ولامعة كالنحاس في السماء.

أدار نيل السيارة نحو شارعٍ تصطف فيه أشجار عتيقة مثقلة، ومنازله أكثر احترامًا بطريقةٍ ما.

قال لجيني: «أهنا أفضل؟ مزيد من الظل لأجلك؟» تكلم إليها بنبرةٍ خفيضةٍ واثقة، كما لو أن ما يجري بينه وبين الفتاة يمكن أن يوضع جانبًا لدقيقة، كان كله هراءً فارغًا.

قال: «سنأخذ الطريق المفعم بالمناظر الجميلة.» رافعًا صوته من جديدٍ وهو يخاطب المقعد الخلفي. «نأخذ طريق المناظر الجميلة اليوم؛ إكرامًا للآنسة هيلين الوردية الوجه.»

فقالت جيني: «ربما علينا أن نذهب مباشرةً وحسب، ربما علينا أن نعود إلى البيت وحسب.»

تدخلت هيلين، وهي تكاد تصيح: «لا أريد أن أمنع أي شخصٍ من العودة إلى البيت.»

فقال نيل: «يمكنكِ إذنْ أن تعطيني بعض الإرشادات!» كان يحاول جاهدًا أن يُبقيَ صوته تحت سيطرته، أن يُضفيَ عليه شيئًا من الاتزان الاعتيادي، وأن يطرد ابتسامته، التي ما فتئت تتسلل عائدةً إلى موضعها مهما حاول جاهدًا ابتلاعها. «دعينا فقط نذهب إلى المكان وننتهِ مما نريد ونعُدْ إلى البيت رأسًا.»

بعد قطع مسافة نصف مربعٍ سكني، بدأت هيلين تزمجر.

قالت: «إذا كان لزامًا عليَّ، أحسب أنه ما باليد حيلة.»

•••

لم يكن المكان الذي اضطُروا إلى الذهاب إليه شديد البُعد. مروا بمفترق طرق، وقال نيل متحدثًا من جديدٍ إلى جيني: «لا نبع أستطيع أن أراه، ولا عقارات أيضًا.»

قالت جيني: «ماذا؟»

«عقارات النبع الفضي. مكتوب على اللافتة.»

لا بد أنه قرأ لافتة لم تَرَها هي.

قالت هيلين: «دُر.»

«يسارًا أم يمينًا؟»

«عند مخزن السيارات المحطمة.»

مروا عبر باحةٍ للحطام، حيث هياكل السيارات مخفية جزئيًا بسياجٍ من القصدير المنبعج. ثم صعدوا تلًّا وعبروا من بواباتٍ تُفضي إلى حفيرٍ مغطًّى بالحصى لم يكن إلا تجويفًا هائلًا في مركز التل.

«ها هم هناك. هذا صندوق بريدهم القائم هناك» صاحت هيلين بإحساسٍ ببعض الاعتبار، وحين اقتربوا بما يكفي قرأت الاسم عاليًا.

«مات وجون برجسون. هذان هما.»

من مدخل السيارات اقترب كلبان وهما ينبحان. كان أحدهما ضخمًا أسود اللون والآخر صغيرًا بلونٍ بُنيٍّ فاتحٍ للغاية وكان أقرب إلى جرو. أخذا يزمجران حول العجلات وأطلق نيل نفير السيارة. ثم ظهر كلب آخر، منسلًّا من بين الأعشاب الطويلة، وكان هذا أمكر وأصلب عزمًا، بفروٍ أملس مرقط ببقعٍ تميل إلى الزرقة.

صاحت هيلين بالكلاب أن تخرس، أن تنحطَّ مكانها، أن تغرب عنهم.

قالت: «ليس عليكما القلق منها باستثناء بينتو، الاثنان الآخران جبانان جدًّا.»

توقفوا في مساحةٍ فسيحة، غير محددة المعالم حيث بدا أنهم ألقَوْا ببعض الحصباء عليها. على أحد الجانبين كان هناك حظيرة وسقيفة لتخزين الأدوات، مغطاة بالقصدير، وهناك على جانبها، على حافة حقل ذرة، منزل ريفي مهجور قد سقط عنه أغلب الآجر كاشفًا عن الجدران الخشبية الداكنة. أما المنزل المأهول في الوقت الراهن فلم يكن إلا عربة مقطورة، مثبتٌ بلطفٍ ومزودٍ برواقٍ ومظلةٍ واقية، وخلفه حديقة وردٍ بدتْ كما لو أنها سياج في لُعبة أطفال. بدَتِ المقطورة وحديقتها ملائمة ومرتبة، بينما كان ما تبقى من العقار مهملًا وتتناثر فيه أشياء قد تكون مفيدة أو ربما تكون قد تُركت هناك لتصدأ.

وثبتْ هيلين خارج السيارة ولطمت الكلاب، التي ظلت مع ذلك تعدو خلفها، وتتقافز وتنبح على السيارة، حتى خرج رجل من سقيفة الأدوات ونادى عليها. لم تكن التهديدات والأسماء التي نادى بها الكلاب واضحة في مسمع جيني، غير أن الكلاب هدأتْ.

وضعتْ جيني قبعتها، وكانت تمسك بها في يدها طيلة الوقت.

قالت هيلين: «إنها تنبح لِلَفْتِ الانتباه ليس أكثر.»

كان نيل قد خرج هو الآخر من السيارة وأخذ يهدئ الكلاب بطريقةٍ حازمة. توجَّه الرجل الخارج من السقيفة صوبهم. كان مرتديًا تي-شيرت بنفسجيًّا قد ابتلَّ بالعرق الذي الْتصق بصدره وبطنه. كان بدينًا بما يكفي لأن يكون لديه ثديان، ويمكن للمرء أن يرى سُرته بارزة للخارج كأنه امرأة حُبلى، كانت سُرته ظاهرة فوق كرشه وكأنها وسادة دبابيس عملاقة.

مضى نيل للقائه وقد مد يده ليصافحه. مسح الرجل يده في سروال العمل، وضحك وصافح نيل. لم تتمكن جيني من سماع ما قالا. خرجت امرأة من المقطورة وفتحت البوابة الدقيقة الحجم كاللعبة وأغلقتها من ورائها.

صاحتْ بها هيلين: «ذهبت لويز ونسيت أنها من المفترض أن تحضر حذائي، لقد كلمتها في التليفون وكل شيء، ولكنها ذهبت ونسيت على كل حال؛ لذا فقد أقلَّني السيد لوكير لآخذ الحذاء.»

كانت المرأة بدينة هي الأخرى، على الرغم من أنها لم تكن شديدة البدانة كزوجها. كانت ترتدي فستانًا بيتيًّا واسعًا منقوشًا عليه شموس على طريقة رسوم قبائل الأزتيك وكان في شعرها خصلات ذهبية. سارت عبر ممر توقُّف السيارات تكتنفها روحٌ من الرصانة وكرم الضيافة. الْتفت نيل إليها وعرَّف نفسه، ثم أخذها إلى السيارة وقدَّم لها جيني.

قالت المرأة: «يسرني لقاؤك، أنت السيدة التي ليست في تمام العافية؟»

فقالت جيني: «أنا بخير.»

«حسنٌ، ما دمتِ أتيتِ حتى هنا فمن الأفضل أن تدخلي، تعالي بعيدًا عن هذا الحر.»

فقال نيل: «لقد مررنا بكم فقط.»

اقترب الرجل وقال: «عندنا مُكيِّف للهواء بالداخل.» كان يتفحص سيارتهما وقد ارتسم على وجهه تعبير دمث، وإن كشف عن استهانةٍ بها كذلك.

قالت جيني: «لم نأتِ إلا لنأخذ حذاءها.»

فقالت المرأة — جُون — وهي تضحك كما لو أن فكرة عدم دخولهما مزحة فاحشة: «الآن وقد أتيتما حتى هنا سيكون عليكما أن تفعلا ما هو أكثر من ذلك، ادخلا واستريحا قليلًا.»

قال نيل: «لا نريد إزعاجكما في وقت تناول الغداء.»

فقال مات: «تناولناه بالفعل، نحن نأكل مبكرًا.»

فقالت جون: «ولكن أغلب يخنة الفلفل الحار متبقية، عليكما الدخول ومساعدتنا في التخلص من تلك الطبخة.»

قالت جيني: «ولكن، شكرًا لكما. لا أظن أنني أستطيع تناول أي شيء. لا أشعر بالرغبة في أكل أي شيءٍ عندما يكون الجو حارًّا هكذا.»

فقالت جون: «إذنْ فمن الأفضل أن تشربي شيئًا بدلًا من الأكل، لدينا جعة الزنجبيل والكوكا. لدينا بعض شراب الخوخ الكحولي أيضًا.»

قال مات لنيل: «جعة، أتعجبك الجعة ماركة بلو؟»

لوَّحت جيني لنيل ليقترب من نافذتها.

قالت له: «أنا غير قادرةٍ على هذا، أخبرهما وحسب أنني غير قادرة.»

همس لها: «تعرفين أن هذا سيجرح مشاعرهما، إنهما يحاولان أن يكونا لطيفين معنا.»

«ولكني لا أستطيع. ربما يمكنك أنت الدخول.»

انحنى إليها أكثر وقال: «تعرفين كيف سيبدو الأمر إن لم تدخلي معي. سيدو أنك تتعالين عليهما.»

«ادخل أنت.»

«ستتحسن حالتكِ بمجرد أن تصيري في الداخل. سيفيدكِ تكييف الهواء بالفعل.»

هزت جيني رأسها علامةً للرفض.

رفع نيل قامته.

«جيني تعتقد أنه سيكون من الأفضل لها أن تبقى وتستريح هنا ما دامت في الظل.»

فقالت جون: «ولكن أهلًا بها وسهلًا لتستريح في المنزل …»

فقال نيل: «يمكنني شرب زجاجة بلو، فعلًا.» أدار ظهره لجيني بابتسامةٍ قاسية. بدا لها مهجورًا وغضبان. قال بصوتٍ مسموعٍ لهما: «أواثقة أنك ستكونين بخير؟ أكيد؟ لا تمانعين في أن أدخل وأمكث بُرهة وجيزة؟»

فقالت جيني: «سأكون بخير.»

وضع يدًا على كتف هيلين والأخرى على كتف السيدة جُون، وسار مؤتنسًا بهما نحو المقطورة. ابتسم مات ناظرًا لجيني في فضول، ثم تبع الآخرين.

في هذه المرة حين نادى الكلاب لتتبعه استطاعت جيني أن تلتقط أسماءها.

جوبر. سالي. بينتو.

•••

كانت السيارة أسفل صفٍّ من أشجار الصفصاف. كانت تلك الأشجار ضخمة وعتيقة، غير أن أوراقها كانت نحيلة فلم تعطِ إلا ظلًّا متذبذبًا. لكن كان في وجودها بمفردها راحة كبرى.

في وقتٍ سابقٍ في هذا اليوم ذاته، بينما كانا يقودان السيارة على الطريق السريع من البلدة التي يعيشان فيها، كان عليهما التوقُّف عند كشكٍ يقع على جانب الطريق وشراء بعض ثمار التفاح التي قُطفت مبكرًا عن أوانها. أخرجت جيني تفاحة من الحقيبة الموضوعة عند قدميها وقضمت منها قضمة صغيرة، لا لشيءٍ إلا لتتبين إن كان بوسعها أن تتذوقها وتبتلعها وتحتفظ بها في معدتها. كانت بحاجةٍ إلى شيءٍ ما يُعينها في مجابهة فكرة يخنة الفلفل الحار، وسُرة مات العجيبة.

سار الأمر على نحوٍ حسن. كانت التفاحة صُلبة ولاذعة، ولكن ليست لاذعة بدرجةٍ أكبر من اللازم، وإن هي أخذت منها قضماتٍ صغيرةً وأحسنت مضغها يمكنها إنجاز المهمة.

•••

لقد رأت نيل على هذه الحال — أو على حال مشابهةٍ لهذه — بضع مراتٍ من قبل. كان الأمر خاصًّا بصبيٍّ في المدرسة. كان يأتي على ذكر اسم الصبي بطريقةٍ عرضية، بل وفيها استهانة به. ثم ينظر تلك النظرة العاطفية حد اللزوجة، نظرة معتذرة ومع ذلك تقاوم قليلًا من القهقهة بطريقةٍ أو أخرى.

ولكن لم يسبق لها أن اضطُرت للموافقة على وجود أي شخصٍ معهما في المنزل، وربما كانت الأمور ستستمر هكذا إلى الأبد. كان وقت هذا الصبي أو ذاك ينتهي فينصرف.

لكن هذه المرة مختلفة. ينبغي ألا يكون لهذا أهمية.

كان عليها أن تتساءل إن كان الأمر أمسِ أقل أهمية مما هو عليه اليوم.

خرجت من السيارة، وتركت الباب مفتوحًا بحيث يمكنها أن تستند إلى المقبض الداخلي للباب، لأن كل شيءٍ بالخارج كان ساخنًا لدرجةٍ لا يمكن معها الاستناد إليه لأي وقتٍ مهما قصر. كان عليها أن تكتشف إن كانت تستطيع أن تتوازن أم لا، ثم سارتْ قليلًا في الظل. بعض أوراق أشجار الصفصاف كانت قد اصفرَّت بالفعل، وبعضها كان ساقطًا على الأرض. نظرت حولها من الظلال إلى كل الأشياء التي توزعت في الباحة.

شاحنة نقل طرود منبعجة بلا مصابيح أمامية وقد أُخفي الاسم المكتوب على جانبها بالطلاء. عربة أطفال مضغ الكلاب مقعدها حتى أخرجوه منها، حمولة مكومة من حطب الوقود غير مرصوصة باعتناء، كومة من إطاراتٍ ضخمة، عدد هائل من الأباريق البلاستيكية وبعض علب الزيت وقطع من أثاثٍ رثٍّ وزوج من قطعٍ من المشمع البلاستيكي برتقالي اللون منكمش بالقرب من جدار السقيفة. أما في السقيفة ذاتها فكانت هناك شاحنة نقل جي إم صغيرة وسيارة مازدا مضعضعة وجرار حديقة، جنبًا إلى جنبٍ معدات وتجهيزات كاملة أو مكسورة وعجلات مفكوكة، ومقابض، وقضبان معدنية قد تكون نافعة أو لا وفقًا لما يمكنك أن تتخيله من نفع. ما أكثرَ الأشياءَ التي يجد الناس أنفسهم مسئولين عنها! كانت هي أيضًا مسئولة عن كل تلك الصور الفوتوغرافية، والمكاتبات الرسمية، ووقائع الاجتماعات، وقصاصات الصحف، ألف فئةٍ مختلفةٍ من التصنيفات كان عليها تقسيمها ووضعها على قرصٍ مدمجٍ حتى اضطُرت للذهاب إلى العلاج الكيماوي فأبعدوا كل شيءٍ كأن لم يكن. وقد ينتهي الأمر بالتخلُّص من ذلك كله. كما سوف يتم التخلص من كل هذا الذي تراه الآن، إذا تُوفِّي مات.

كان المكان الذي أرادت بلوغه هو حقلَ الذرة. كانت عيدان الذرة أعلى من رأسها الآن، وربما أعلى من رأس نيل كذلك، وأرادت أن تأويَ إلى ظلها. سلكت طريقها عبر الباحة وليس في ذهنها سوى هذه الفكرة وحدها. والحمد لله أنهم أخذوا الكلاب إلى الداخل.

لم يكن ثَمَّةَ سياج. كان حقل الذرة ينتهي عند حدود الباحة. سارت وسطه مباشرةً، على المسرب الضيق ما بين صفين. لطمت الأوراق وجهها برفقٍ واحتكَّت بذراعيها فكانت كأنها رايات طويلة من قماش مشمع. اضطُرت لأن تخلع قبعتها لكيلا توقعها الأوراق عن رأسها. كان لكل عود ذرة عرنوس وحيد، مثل رضيعٍ في كفن. كان ثَمَّةَ رائحة قوية، تكاد تثير الغثيان، رائحة نمو الخضار، رائحة النشا الأخضر والعُصارة الحارة.

ما فكَّرتْ في فعله، ما إن صارت بالداخل هنا، هو أن ترقد. أن ترقد في ظل تلك الأوراق الكبيرة الخشنة وألا تخرج إلا حين تسمع صوت نيل يناديها. وربما لا تخرج حتى عندئذٍ. غير أن صفوف العيدان كانت شديدة القرب بعضها من بعضٍ بحيث لا تتيح لها ذلك، ثم إنها كانت منشغلة بالتفكير في أمرٍ آخر بما يمنعها من تحمُّل هذه المشقة. كانت غاضبة للغاية.

لم يكن غضبها يرجع إلى أي شيءٍ مما حدث مؤخرًا. كانت تستعيد كيف جلست مجموعة من الناس ذات مساءٍ على أرضية غرفة معيشتها — أو غرفة الاجتماعات — يلعبون إحدى تلك الألعاب السيكولوجية الجادة. إحدى تلك الألعاب كانت تهدف إلى جعْل الشخص أكثر صراحةً ومرونة؛ كان على كل واحدٍ منهم أن يقول أول ما يخطر على باله بمجرد النظر إلى كل شخصٍ من الآخرين. قالت امرأة بيضاء الشعر، اسمها آدي نورتون، من أصدقاء نيل: «أكره أن أقول لكِ ذلك يا جيني، ولكن كلما نظرتُ إليكِ فإن كل ما يمكنني التفكير فيه هو «نيللي المحتشمة».»

لا تذكر أنها أبدت جوابًا من أي نوعٍ في حينها. ربما ليس من المفترض أن ترد. الجواب يتردد الآن في رأسها: «لماذا تقولين إنك تكرهين قول ذلك؟ ألم تلاحظي أن الناس كلما قالوا إنهم يكرهون قول شيءٍ ما فإنهم في حقيقة الأمر يحبون ذلك؟ ألا تعتقدين أن علينا، وقد قررنا أن نكون في منتهى الصراحة، أن نبدأ بهذه الصراحة على الأقل؟»

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها بهذا الرد الذهني المتخيَّل. وفي ذهنها أيضًا أوضحت لنيل كم كانت تلك اللعبة مجرد مسرحيةٍ هزلية! وحين أتى الدور على آدي تلك، هل جرؤ أحد منهم أن يقول لها أي شيءٍ لا يسرها؟ آه، لا. كانوا يقولون: «حادة كالسيف»، أو «صريحة كأنكِ دُش ماءٍ بارد.» كانوا خائفين منها، هذا كل ما هنالك.

نطقت، عاليًا الآن: «دُش ماءٍ بارد!» بصوتٍ قارص.

آخرون قالوا لها أشياء أكثر طيبة: «هيبية حقيقية كطفلة الزهور»، أو «أميرة الينابيع الغزيرة»، وأحست أنه أيًّا كان من قال ذلك فلعله يقصد «الينابيع المريرة»، لكنها لم تُقدِّم له أي تصحيح. كانت ساخطة لاضطرارها إلى أن تجلس هناك وتُنصت إلى آراء الناس فيها. كانوا جميعًا مخطئين. فلم تكن خجولة أو مذعنة أو طبيعية أو نقية كالينابيع.

وبعد أن يموت المرء، بالطبع، فإن كل ما يتبقى هو تلك الآراء الخاطئة.

وبينما يدور ذلك كله في عقلها فعلت أسهل ما يمكن فعله في حقلٍ من حقول الذرة؛ ضلَّت الطريق. كانت قد خطت فوق صفٍّ من العيدان ثم آخر والمرجح أنها استدارت أيضًا. حاولت أن ترجع من الطريق الذي أتت منه، لكن كان واضحًا أنه ليس الطريق الصحيح. عادت السحب من جديد لتحجب الشمس وهكذا ما عاد بوسعها أن تعرف اتجاه الشرق. ولم تكن تدري أيَّ الاتجاهات اتخذتْ حين دخلت الحقل، على أن هذا لن يكون عونًا على أي حال. وقفتْ في موضعها ثابتة وهي لا تسمع شيئًا سوى حفيف الذرة الهامس، وصوت سياراتٍ تمر من بعيد.

كان قلبها يخفق بسرعةٍ مثل أي قلبٍ آخر ما زال أمامه سنوات وسنوات من الحياة.

ثم فُتح باب، وسمعت الكلاب تنبح ومات يصيح بها ثم الباب يُغلَق بقوة. راحت تفتح طريقًا لها عبر العيدان والأوراق في اتجاه تلك الضجة.

اتضح أنها لم تكن قد ابتعدت بالمرة. لقد كانت تتخبَّط في ركنٍ واحدٍ صغيرٍ من الحقل طوال الوقت.

لوَّح مات لها وحذَّر الكلاب لتبتعد.

صاح قائلًا: «لا تخافي منها، لا تخافي.» كان متجهًا نحو السيارة مثلها تمامًا، ولكن من اتجاهٍ آخر. وحين اقتربا أحدهما من الآخر تحدَّث إليها بصوتٍ أخفض، وربما أكثر حميمية.

«كان عليكِ أن تأتي وتطرقي الباب.»

لقد ظن أنها دخلت حقل الذرة لتتبول.

«لقد قلتُ لزوجكِ إنني سأخرج لأتأكد من أنك بخير.»

قالت جيني: «أنا بخير. شكرًا لك.» دخلت السيارة لكنها تركت بابها مفتوحًا. ربما يشعر بالإساءة إذا هي أغلقته. وكذلك، شعرتْ بأنها أوهن قوةً من أن تفعل ذلك.

«بالتأكيد كان نهمًا لطبخة الفلفل تلك.»

عمَّن كان يتحدث؟

نيل.

كانت ترتجف وتتعرق وكان ثَمَّةَ طنين في رأسها، كما لو أن سلكًا مشدودًا ما بين أذنيها.

«يمكنني أن أُحضر لك بعضًا منه هنا لو أحببتِ!»

هزَّت رأسها، مبتسمة. رفع زجاجة الجعة في يده، وبدا أنه يقدم لها تحية.

«شراب؟»

هزَّت رأسها من جديد، وما زالت مبتسمة.

«ولا حتى شربة ماء؟ لدينا ماء طيب هنا.»

«كلا، شكرًا لك.»

إذا الْتفتت برأسها ونظرت إلى تلك السُّرة البارزة تحت التي-شيرت البنفسجي فلسوف يغلبها الضحك.

قال، بصوتٍ مختلف، صوتٍ متمهلٍ وضحوك: «تعرفين، ذات مرةٍ خرج ذلك الشاب الذي خرج من الباب ومعه برطمان فجلٍ حارٍّ في يده. (الفجل الحار بالإنجليزية horseradish، والمقطع الأول من الكلمة horse بمعنى حصان.)

فسأله أبوه: إلى أين أنت ذاهب بهذا الفجل؟

أنا سوف أذهب لأحصل على حصان.

ولكنك لا تستطيع أن تمسك حصانًا بالفجل الحار.

في الصباح التالي عاد الشاب، ومعه ألطف حصان يمكن رؤيته على الإطلاق.

انظر إلى حصاني الجميل هذا. ضعه في الحظيرة.»

«أنا لا أحب أن أعطيَ انطباعًا خاطئًا. يجب ألا يجرفنا التفاؤل، ولكن يبدو أن بعض النتائج غير المتوقعة تحدث أحيانًا.»

«في الصباح التالي يرى الأب ابنه خارجًا مرة أخرى. وتحت إبطه شريط لاصق مبطط. (شريط لاصق بالإنجليزية تعني duct tape وهي قريبة في النطق من كلمة duck بمعنى بطة.) ويسأله: إلى أين تذهب الآن؟

سمعت ماما تقول إنها تشتهي بطة حُلوة على العشاء.

أنت إنسان غبي، هل تظن أنك تستطيع اصطياد بطةٍ بشريطٍ لاصق؟

انتظر وسترى.

في الصباح التالي عاد وتحت إبطه بطة حلوة سمينة.»

«يبدو أن هناك تقلصًا كبيرًا جدًّا للوَرم. هذا ما كنا نتمناه طبعًا ولكن صراحةً لم نكن نتوقع حدوثه. لا أقصد بهذا أن المعركة قد انتهت، كل ما في الأمر أنها علامة طيبة.»

لم يدرِ الأب ماذا يقول. ببساطةٍ لم يدرِ ماذا عساه أن يقول حول هذا.

«في الليلة التالية، في الليلة التالية مباشَرةً، يرى ابنه خارجًا من الباب وفي يده حزمة من الأغصان.»

«علامة طيبة حقًّا. لا ندري إن كنا سنواجه المزيد من المشكلات في المستقبل أم لا، ولكن نستطيع أن نقول إننا متفائلون ذلك التفاؤل الحريص.»

«ما هذه الأغصان التي تمسك بها في يدك؟

إنها من نبتة الست المستحية.

حسنٌ، يقول الأب. انتظر هنا دقيقة واحدة فقط.

انتظر عندك دقيقة واحدة، سأحضر قبعتي، سأحضر قبعتي وآتي معك!»

هُنا قالت جيني بصوتٍ عالٍ: «هذا أكثر من اللازم.»

كانت تخاطب الطبيب في ذهنها.

قال مات: «ماذا؟» وقد علت فجأةً وجهَه نظرةُ اغتمامٍ طفوليةٌ بينما كان ما زال يقهقه. «ما الأمر الآن؟»

كانت جيني تهز رأسها، وهي تضغط بيدها فوق فمها.

قال: «ما هي إلا مزحة، لم أقصد قط الإساءة إليكِ.»

فقالت جيني: «لا، لا. أنا فقط … لا.»

«لا عليكِ، سوف أذهب للداخل. لن أهدر وقتك أكثر من ذلك.» ثم أدار لها ظهره، دون أن يكترث حتى لأن يناديَ الكلاب.

لم تتفوه بشيءٍ كهذا وهي تخاطب الطبيب. ولماذا ينبغي عليها ذلك؟ فالذنب ليس ذنبه. ولكن كان ذلك حقيقيًّا. كان هذا أكثر من اللازم. ما قاله جعل كل شيءٍ أكثر صعوبة، جعل عليها أن تعود للبداية وأن تكرر هذا العام مرة أخرى من بدايته. استبعد بكلامه حريةً مؤكدة، وإن كانت حرية من درجةٍ دنيا. غشاءٌ نسيجي واقٍ، غشاءٌ كسول لم تكن تعلم حتى بوجوده، انسحب مبتعدًا وتركها بلا حماية.

•••

حين أخبرها مات أنه ظن أنها دخلت إلى حقل الذرة لتتبول، أدركت أنها بالفعل كانت تريد التبول. خرجت من السيارة، ووقفت في انتباهٍ وحرص، باعدتْ ما بين ساقيها ورفعت التنورة القطنية الواسعة. كان عليها ارتداء تنوراتٍ واسعةٍ وتجنُّب السراويل في هذا الصيف لأن مثانتها لم تعد تحت السيطرة.

انساب منها إلى الحصباء خيطٌ دافق داكن اللون. كانت الشمس قد انحدرت الآن؛ إذ صار المساءُ وشيكًا. كانت تقف تحت سماءٍ صافية، تلاشتْ منها السحب.

نبح أحد الكلاب دون حماسةٍ ليعلن أن شخصًا ما كان قادمًا، لكنه كان شخصًا تعرفه الكلاب. لم تقترب منها الكلاب لتضايقها حين خرجت؛ إذ اعتادت عليها الآن. ركضت الكلاب لتقابل الشخص القادم، دون أي إنذارٍ أو إثارة.

كان صبيًّا، رجلًا شابًّا، يركب دراجة هوائية. انحرف تجاه السيارة واستدارت جيني لتقابله، واتكأت بيدها على المعدن الذي برد قليلًا وإن كان لا يزال دافئًا. حين خاطبها أرادت ألا تلفت انتباهه إلى بركتها الصغيرة، وربما لتشتت انتباهَه عن النظر نحو الأرض بدأتْه بالحديث.

قالت: «أهلًا، هل أتيت لتوصيل شيءٍ ما؟»

ضحك، ووثب عن الدراجة بخفةٍ وطرحها أرضًا، كل ذلك بحركةٍ واحدة.

قال: «أنا أعيش هنا، عدتُ إلى البيت من العمل للتو.»

فكرتْ أن عليها أن تشرح له من تكون، وأن تخبره كيف حدث أن تكون ها هنا ولِكم من الوقت، لكن ذلك كله كان أشق من أن يمكنها احتماله. لا بد أنها بدت وهي تستند على السيارة هكذا بمظهر شخصٍ خرج لتوه من تحت حطام كارثة.

قال: «نعم، أعيش هنا، ولكني أعمل في مطعمٍ في المدينة. أعمل في مطعم سامي.»

نادل. القميص الناصع البياض والسروال القماشي الأسود كانا ثياب نادل، وكان له روح النادل من الصبر والانتباه.

قالت: «أنا جيني لوكير، إن هيلين. هيلين …»

قال: «لا بأس فأنا أعرف. أنتِ التي سوف تعمل هيلين عندها. أين هيلين؟»

«في المنزل.»

«ألم يطلب منكِ أيٌّ منهم الدخول إذن؟»

كان في مثل عُمْر هيلين، هكذا فكرت، سبعة عشر أو ثمانية عشر عامًا. نحيف وكيِّس ومعتدٌّ بذاته، ومفعم بحماسةٍ بريئةٍ لن تكفيَه لبلوغ آماله على الأرجح. رأت بعضًا ممن هم على شاكلته انتهى بهم الأمر في المؤسسات الإصلاحية.

ومع ذلك فقد بدا أنه يفهم الأمور. بدا أنه يفهم أنها كانت منهكة القوى وأنها واقعة في ارتباكٍ من نوعٍ ما.

قال: «هل جُون هنا أيضًا؟ جُون هي أمي.»

كان لون شعره مثل لون شعر جُون، خصلات ذهبية فوق لون داكن. كان قد أطاله وفرقه من المنتصف، وتركه يخفق متطايرًا على كلا الجانبين.

قال: «ومات هنا أيضًا؟»

«نعم، وزوجي.»

«يا للعيب!»

قالت: «لا، لا، لقد طلبوا مني ذلك. لكني قلتُ لهم إنني أُفضل الانتظار هنا بالخارج.»

اعتاد نيل أحيانًا أن يُحضر معه إلى البيت زوجًا من الشباب الجانحين، أو ممن كان يدللهم باسم اليويو، ليشرف عليهم وهم يقومون بجز العشب أو الطلاء أو أعمال نجارةٍ بدائية. كان يظن أن هذا يفيدهم، أن يشعروا بأنهم موضع قبولٍ وترحيبٍ في بيت أحدهم. بين الحين والآخر كانت جيني تتغنج معهم، بطريقةٍ لا يمكن أن تُلام عليها. مجرد نبرة صوتٍ رقيقة، أو طريقةٍ تجعلهم ينتبهون بها لتنورتها الناعمة أو رائحة صابون التفاح التي تفوح منها. لم يكن هذا هو السبب وراء توقُّف نيل عن المجيء بهم؛ فقد أخبروه في المدرسة أن هذا مخالف للوائح.

«إذنْ كم لكِ من الوقت تنتظرين؟»

قالت جيني: «لا أدري، ليس معي ساعة يد.»

قال: «حقًّا؟ ولا أنا معي. نادرًا ما ألتقي بشخصٍ غيري لا يرتدي ساعة يد. هل سبق لكِ أن ارتديتِ واحدة؟»

قالت: «كلا، مطلقًا.»

«ولا أنا، مطلقًا مطلقًا. لم أرغب في ذلك ببساطة، لا أدري لماذا. لم أرغب بها قط. بدا أنني على الدوام أعرف كم الوقت على أي حال، بفرق دقيقتين أو ثلاث، خمسة دقائق على الأكثر. وأعرف أيضًا أين أجد كل الساعات الكبرى المعلقة. أقود الدراجة إلى العمل، وأفكر أنني سأتفقد الساعة، تعرفين، لمجرد أن أتأكد من الساعة على الحقيقة. وأعرف أول مكانٍ حيث يمكنني أن أرى ساعة المحكمة ما بين المباني. دائمًا لا يكون فرق التوقيت بعيدًا عما ظننته إلا بثلاث أو أربع دقائق. أحيانًا يسألني أحد زبائن المطعم: هل تعرف كم الساعة، فأخبره بكل بساطة. إنهم لا يلاحظون حتى أنني لا أضع ساعة يد. أذهب لأتفقد الوقت بمجرد أن أستطيع، هناك ساعة في المطبخ. ولكني لم أُضطر قط للعودة إلى الزبون من جديدٍ لإخباره بأي توقيتٍ مختلفٍ عما أخبرته به.»

قالت جيني: «كنتُ قادرة على القيام بذلك أيضًا، مرةً كل حين، أظن أن المرء يُنمي بداخله إحساسًا بالوقت، إن هو لم يرتدِ ساعة يد.»

«صحيح، هذا هو ما يحدث.»

«إذنْ، كم تظن الساعة الآن؟»

ضحك وتطلع نحو السماء.

«تقترب من الثامنة مساءً. الثامنة إلا ست أو سبع دقائق؟ ولكن لديَّ ميزة تقف في صفي مع ذلك. فأنا أعلم متى غادرتُ العمل ثم ذهبت لشراء السجائر من متجر سفِن إلفِن، وبعدها تحدثتُ إلى بعض الأشخاص لبضع دقائق ثم ركبت الدراجة إلى البيت. أنتِ لا تعيشين في المدينة، صحيح؟»

قالت جيني: «نعم.»

«إذنْ فأين تعيشين؟»

أخبرتْه.

«أتشعرين بالتعب؟ أتريدين الرجوع إلى البيت؟ أتريدينني أن أدخل وأخبر زوجكِ برغبتكِ في الرجوع إلى البيت؟»

قالت: «لا، لا تفعل ذلك.»

«حاضر، لن أفعل. أغلب الظن أن جُون تقرأ لهم طالعهم بالداخل الآن على أي حال. إنها تعرف كيف تقرأ الكف.»

«حقًّا؟»

«طبعًا. إنها تذهب إلى المطعم مرةً أو مرتين كل أسبوعٍ لتفعل ذلك. والشاي أيضًا، تقرأ أوراق الشاي.»

الْتقط دراجته وجرَّها بعيدًا عن طريق السيارة. ثم نظر إلى داخل السيارة عبر زجاج النافذة المجاورة لمقعد السائق.

قال: «لقد ترك المفاتيح فيها، إذن، هل تريدين مني أن أُقلَّك بها إلى البيت أم ماذا؟ يمكنني أن أضع دراجتي في الخلف. أما زوجكِ فيمكنه أن يجعل مات يعيده إلى البيت هو وهيلين حين يصيران مستعدَّيْن للذهاب. أو إذا لم يرغب مات في ذلك يمكن لجون أن تفعل. جون أمي ولكن مات ليس أبي. إنكِ لا تقودين السيارات، صحيح؟»

قالت جيني: «لا أقودها.» لم تكن قد قادت سيارة لشهور.

«لا. لا أظن ذلك. والآن إذن؟ أتريدينني أن أُقِلَّكِ؟ اتفقنا؟»

•••

«ثَمَّةَ طريق أعرفه. سوف أصل بكِ إلى هناك بسرعة الطريق السريع نفسه.»

لم يمرَّا بمفترق الطرق. الحقيقة أنهما توجها صوب الجهة الأخرى، وسلكا طريقًا بدا أنه يلتفُّ حول تلك الحفرة المجوفة من الحصى. على الأقل كانا يتجهان شرقًا الآن، نحو الجانب الأكثر سطوعًا من السماء. لم يكن ريكي — ذلك كان الاسم الذي أخبرها به — قد أنار مصابيح السيارة بعد.

قال: «ليست هناك خطورة في مقابلة أي شخصٍ يقود من الناحية الأخرى. لا أظن أنني قد التقيتُ بسيارةٍ واحدةٍ على هذا الطريق، مطلقًا. أترَيْن؟ لا يعرف أغلب الناس هذا الطريق.»

وأضاف: «وإذا ما أضأت المصابيح، فسوف تعتم السماء ويبدو كل شيءٍ داكنًا ولن يستطيع المرء أن يعرف أين هو. ما علينا إلا أن نصبر أكثر قليلًا، ثم حين تُظلِم يمكننا أن نرى النجوم، وعندئذٍ فقط نُشعل مصابيح السيارة.»

كانت السماء تبدو مثل زجاجٍ ملونٍ تلوينًا باهتًا للغاية، بالأحمر أو الأصفر أو الأخضر أو الأزرق، وفقًا للجزء الذي تتطلع إليه منها.

«موافِقة على ذلك؟»

فقالت جيني: «نعم.»

تحولت الأشجار الكبيرة والصغيرة إلى السواد ما إن أضيئت مصابيح السيارة. لم يكن هناك إلا أجمات سوداء على طول الطريق وأخذتْ كتل الأشجار المسودة تتجمع من ورائهما، خلافًا لذلك الثبات الفردي المميز لأشجار الراتينج والأَرز والأوراق الشبيهة بالريش على هامات أشجار الأزرية الكندية وشجيرات البلسم بزهراتها التي تبدو مثل شظايا نيرانٍ تومض وتغيب. بدت الأشجار قريبة للغاية حتى يمكنهما لمسها بالأصابع، وكانا يتقدمان ببطء. أخرجتْ يدها من النافذة.

ليس بالإمكان بلوغها تمامًا، ولكن ما أقربَها مع ذلك! بدا الطريق أعرض من السيارة بالكاد.

ظنت أنها رأت الْتماع قناة ريٍّ كاملةٍ أمامهما.

قالت: «أيوجد ماء هناك؟»

قال ريكي: «هناك؟ نعم، هناك وفي كل مكانٍ آخر. هناك ماء على كلا جانبينا والكثير من أماكن توافر المياه من تحتنا كذلك. أتحبين أن ترَيْها؟»

أبطأ السيارة ثم توقف، وقال: «انظري إلى جانبك للأسفل، افتحي الباب وانظري للأسفل.»

حين فعلت ذلك رأت أنهما كانا على جسر، جسر صغير لا يزيد طوله عن عشرة أقدام، جسر من ألواحٍ خشبيةٍ متقاطعة، دون سياج. ومن تحتهما كانت المياه لا تعتريها أي حركة.

قال: «الجسور على طول الطريق هنا، وحيث لا توجد جسور فهناك مجارٍ سفلية لتسريب المياه؛ لأنها دائمًا ما تتدفق للأمام والوراء تحت الطريق، أو لأنها تسكن هنا ولا تتدفق نحو أي مكان.»

سألته: «ما مقدار عمقها؟»

«ليست عميقة. ليس في هذا الوقت من العام. ليس قبل أن نبلغ البركة الكبيرة؛ فهي أعمق. وفي فصل الربيع تغطي المياه الطريق كله، لا يمكن لأحد أن يقود سيارته ها هنا، تصير المياه عميقةً عندئذٍ. يصير هذا الطريق مسطحًا لمسافة أميالٍ وأميال، ويمضي مباشرةً من طرفٍ إلى الآخر. لا توجد حتى أي طرقٍ تقطع المسار عرضًا. هذا هو الطريق الوحيد الذي أعرفه عبر مستنقع بورنيو كله.»

كررتْ جيني: «مستنقع بورنيو؟»

«هذا هو اسمه المفترض.»

قالت: «هناك جزيرة اسمها بورنيو، إنها في الجانب الآخر من العالم.»

«لم أكن أعلم ذلك. كل ما سمعْتُ به كان مستنقع بورنيو.»

كان هناك شريط من أعشابٍ معتمةٍ الآن، ناميةٍ في منتصف الطريق.

قال: «حان وقت المصابيح.» أضاءها فوجدا أنهما صارا في نفقٍ بداخل الليل المفاجئ.

قال: «ذات مرةٍ قمتُ بذلك، أضأت المصابيح على هذا النحو، وكان هناك ذلك النَّيْص. كان واقفًا هناك في منتصف الطريق تمامًا. كان واقفًا معتمدًا على ساقيه الخلفيتين بدرجةٍ ما وينظر إليَّ مباشرةً، مثل رجلٍ عجوزٍ ضئيل الحجم. كان مذعورًا حدَّ الموت ولم يقدر على الحركة. كان بوسعي أن أرى أسنانه العجائز الصغيرة وهي تصطك.»

فكرتْ في نفسها، هذا هو المكان الذي يأتي بفتياته إليه.

«إذن ماذا عساي أن أفعل؟ جربْتُ أن أطلق نفير السيارة ولم يجدِ ذلك نفعًا. لم أشعر بالرغبة في الخروج من السيارة وطرده بعيدًا عن الطريق. كان مذعورًا، ومع ذلك فهو ما زال نَيصًا ويمكنه مهاجمتي فجأة. وهكذا ظللتُ متوقفًا في موضعي. كان لديَّ الوقت لأنتظر. وحين أضأت مصابيح السيارة من جديدٍ كان قد ذهب.»

الآن صارت الأغصان شديدة القرب حقًّا وأخذت تحتك بالباب، لكن حتى لو كانت هناك أزهار فلن يكون بوسعها أن تراها.

قال: «سوف أريكِ شيئًا، سوف أريكِ شيئًا أراهن أنكِ لم يسبق لكِ رؤيته من قبل بالمرة.»

لو أن هذا كله كان يحدث في حياتها القديمة، الطبيعية، لكان من الممكن الآن أن يتسلل إليها الشعور بالخوف. لو عادت إلى حياتها القديمة، الطبيعية، لما وجدتْ نفسها ها هنا من الأساس.

قالت: «هل سوف تُريني نَيصًا.»

«لا، ليس ذلك. إنه شيء أكثر ندرةً حتى من النيص. على الأقل في حدود علمي لا يوجد منه الكثير.»

بعد حوالي نصف ميلٍ آخر أطفأ مصابيح السيارة.

قال: «أترين النجوم؟ لقد قلتُ لك. النجوم.»

أوقف السيارة. لأول وهلةٍ كان ثَمَّةَ صمتٌ عميقٌ في كل موضع. ثم بدأ هذا الصمت يمتلئ، على حوافه، بنوعٍ ما من الهمهمة، من الطنين الذي يمكنه ألا يعدوَ كونه حركةَ المرور من مبعدة، وأصواتَ ضجيجٍ واهنةً تعبر بسرعةٍ قبل أن يتسنى للمرء أن يسمعها، لعلها تصدر عن كائنات الليل من حيوانٍ وطيرٍ وخفافيش.

قال: «لا بد أن تأتي إلى هنا في فصل الربيع، لن تسمعي أي شيءٍ إلا نقيق الضفادع، حتى تعتقدي أنك سوف تصابين بالصمم بسبب الضفادع.»

فتح الباب المجاور له.

«الآن. اخرجي ورافقيني.»

فعلت كما قال لها. سارت على طول أثر عجلات السيارة، وسار هو على الأثر الموازي. بدت السماء فوقهما أنضح بالنور وكان ثَمَّةَ صوت مختلف؛ صوت يشبه حديثًا سلسًا وذا إيقاعٍ منتظم.

استحال الطريق غابة واختفت الأشجار على الجانبين.

قال: «سِيري بداخلها، هيا.»

اقترب منها ومس خصرها برفق كما لو كان يرشدها. ثم أبعد يده، فتركها تسير بمفردها على تلك الألواح الخشبية التي بدت مثل سطح القارب. ومثل سطح القارب كانت الألواح ترتفع وتنخفض. لكن هذا لم يكن بسبب حركة الموج، ولكن بسبب خطواتهما، خطواته وخطواتها، هذا ما أحدث هذه الحركة الطفيفة للغاية من الارتفاع والانخفاض للألواح من تحتهما.

قال: «الآن، أتعرفين أين أنتِ؟»

قالت: «على مرفأ؟»

«بل على جسر. هذا جسرٌ عائم.»

الآن أمكن لها أن تنتبه إلى ذلك الطريق الخشبي الممتد فوق المياه ببضع بوصات. جذبها نحو الجانب وأطلا للأسفل. كانت هناك نجوم تطفو على المياه.

قالت: «المياه معتمة للغاية، أقصد، إنها معتمة ليس فقط بسبب الليل؟»

قال متباهيًا: «إنها معتمة طوال الوقت؛ وذلك لأنها مياه مستنقع. يوجد فيها نفس المواد التي توجد في الشاي وتمنحه ذلك المظهر الأسود الثقيل.»

كان بوسعها أن ترى خط الساحل، وشتلات القصب. المياه ما بين العيدان، حفيف المياه بالعيدان، كان ذلك هو ما يُصدر ذلك الصوت.

«حمض التانيك» نطقها فخورًا كما لو كان اصطاد المفردة بشبكةٍ من وسط الظلام حولهما.

الحركة الهينة للجسر جعلتها تتخيل أن كل الأشجار وأحواض القصب مثبتة على شرائح نحيلة من الأرض وأن الطريق ليس إلا شريطًا عائمًا من الأرض، ومن تحت ذلك كله ليس سوى المياه. بدا الماء ساكنًا للغاية، ولكن لا يمكن له أن يكون ساكنًا حقًّا لأنك إن حاولت تثبيت عينيك على أحد النجوم المنعكسة، فسترى كيف يهتز ويتغير شكله وينزلق بعيدًا عن النظر، ثم يعود من جديدٍ واضحًا، لكن قد لا يكون هو النجم ذاته.

لم تنتبه أن قبعتها ليست معها إلا في هذه اللحظة فقط. لم تكن تضعها على رأسها فقط، بل لم تكن معها في السيارة أيضًا. لم تكن ترتديها حين خرجت من السيارة لتبول وحين شرعت في الحديث مع ريكي. ولم تكن تضعها أيضًا حين جلست في السيارة ورأسها يستند إلى المقعد وعيناها مغلقتان، حين كان مات يروي لها مزحته. لا بد إذنْ أنها أسقطتها في حقل الذرة، وفي نوبة ذعرها من الضياع تركتها هناك.

عندما كانت خائفة من أن تقع عيناها على سُرة مات الناتئة أسفل التي-شيرت البنفسجي المبتل، لم يجد هو غضاضة في النظر إلى رأسها شبه العاري من الشعر.

قال ريكي: «من المؤسف أن القمر لم يظهر بعد. المكان لطيف حقًّا هنا حين يطلع القمر.»

«وهو لطيف الآن أيضًا.»

لف ذراعيه حولها بنعومةٍ كما لو كان ما يفعله ليس موضع تساؤلٍ بالمرة وكما لو كان بوسعه أن يأخذ كل الوقت الذي يشاء ليقوم بهذا. قبَّل فمها. بدا لها أن هذه كانت هي المرة الأولى على الإطلاق التي تتقاسم فيها قبلةً تكون حدثًا في حد ذاتها. الحكاية بكاملها، وحدها تمامًا. فصل تمهيدي رقيق، الضغط الفعال، الأخذ والعطاء بإخلاص يملأ الفؤاد، والشكر المتلكئ، والانسحاب بعيدًا في شبعٍ ورضا.

قال: «آه!»

أدارها، ثم سارا عائدين من حيث أتيا.

«إذنْ، فهذه هي أول مرةٍ تكونين فيها على جسرٍ عائم؟»

قالت: «نعم، أول مرة.»

«والآن ذلك ما تحصلين عليه حين تقفين عليه.»

أمسك بيدها وهزها ملوحًا كما لو كان يود أن يقذف بها بعيدًا.

«وهي أول مرةٍ أُقبِّل فيها امرأة متزوجة.»

قالت: «أغلب الظن أنك سوف تُقبِّل المزيد منهم قبل أن تكتفي.»

تنهَّد وقال: «صحيح!» مندهشًا ومتأملًا في انتباهٍ فكرةَ ما يكمن أمامه، في مستقبله. «صحيح، أغلب الظن سأفعل.»

خطرت لجيني فجأة صورة نيل، عادت بسرعةٍ إلى البر الصُّلب. نيل المتساهل والشكاك بطبعه، وهو يفرد كفه تحت العينين المحدقتين للمرأة ذات الشعر البرَّاق، قارئة الطالع. يتأرجح على حافة مستقبله.

لا يهم.

ما أحسَّت به كان حنانًا من نوعٍ خفيف الروح، كأنه ضحك أو يكاد. حفيف لمرحٍ رقيق، هزيمة لكل قروحها وتجويفاتها الغائرة، ولو لوقتٍ عابر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١