راحة

كانت نينا تلعب التنس في وقتٍ متأخر من الأصيل، في ملعب المدرسة الثانوية. بعد أن ترك لويس وظيفتَه في المدرسة كانت قد قاطعَتِ الملعب لفترةٍ، لكن ذلك كان منذ ما يقرب من عام، وقد استطاعَتْ صديقتها مارجريت إقناعَها باللعب هناك من جديد، ومارجريت مُعلمة أخرى متقاعدة، كان رحيلها عاديًّا واحتفاليًّا، على عكس رحيل لويس.

«من الأفضل لكِ أن تقضي بعض الوقت بالخارج ما دمتِ تستطيعين ذلك.»

كانت مارجريت قد رحلت سابقًا حين بدأت أزمة لويس، وقد كتبتْ رسالة من اسكتلندا مساندةً له. لكنها كانت شخصًا يسع تعاطُفه للكثير، تتمتَّع بتفهُّمٍ كبير وصداقات بعيدة المنال، بحيث إن رسالتها لم تَعْنِ الكثير، ليس أكثر من علامةٍ على طيبة قلب مارجريت.

قالت: «كيف حال لويس؟» حين كانت نينا تُقِلُّها إلى البيت في ذلك الأصيل.

فقالت نينا: «في تدهُور.»

كانت الشمس قد هبطت الآن، تكاد تلمس حافة البحيرة. بعض الأشجار التي ما زالت محتفظة بأوراقها كانت تتوهَّج بلون الذهب، غير أن الدفء الصيفي لذلك الأصيل قد اختُطِف بعيدًا. كانت كلُّ شجيرات الزينة الصغيرة قُبالة منزل مارجريت ملفوفةً بأقمشة غليظة كالخيش، فبَدَتْ كأنها مومياوات.

هذه اللحظة من النهار أعادت إلى نينا ذكرى نزهات السير التي اعتادتْ هي ولويس القيام بها بعد يوم العمل في المدرسة وقبل موعد العَشاء. نزهات كانت قصيرة بالضرورة نظرًا لأن السماء كانت تلملم نور النهار، على طول الأزقة المحيطة بالبلدة، وبمحاذاة أسوار السكك الحديدية. وعلى الرغم من قِصَرها، كانت تلك النزهات تحتشد بكل تلك الملاحظات المحددة — سواء عُبِّر عنها أم لا — التي تعلَّمتها أو تشربتها من لويس. كل أشكال وألوان الحشرات والزواحف والديدان والبزاقات والطحالب وأعواد البوص على قنوات الري والفِطر الأبيض الطالع وسط العشب، آثار أقدام الحيوانات، الكرز الأسمر الصغير الحبات، التوت البري الأحمر؛ إنه مزيجٌ عميق يتقلَّب ويظهر بوجهٍ مختلف في كل يوم. وكلُّ يوم خطوةٌ جديدة نحو الشتاء، انكماش متزايد، ذبول.

المنزل الذي كان لويس ونينا يعيشان به كان قد بُنِي في أربعينيات القرن التاسع عشر، وكان شديدَ القُرْب من الرصيف على طراز ذلك الزمن. إذا كنتَ في غرفة المعيشة أو غرفة الطعام يمكنك أن تسمع وقع خطوات المارة، ليس هذا فحسب، بل أيضًا أحاديثهم بالخارج. توقَّعَتْ نينا أن يكون لويس قد سمع صوتَ إغلاق باب السيارة.

دخلت البيت وهي تصفِّر، بأفضل ما يمكنها ذلك، لحن أغنية «انظروا ها قد أتى البطل المغوار»:

«أنا فزت، فزت. مرحبًا.»

•••

لكن بينما كانت بالخارج كان لويس يموت. بل كان ينتحر، في حقيقة الأمر. على المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش كانت هناك أربع عبوات بلاستيكية صغيرة، مغلَّفة بورق مُفضَّض، كانت كلُّ عبوة منها تحتوي على قرصين من مسكن قوي المفعول. كانت هناك عبوتان إضافيتان ملقتان بجانب تلك، لم تُمس، ما زالت الكبسولاتُ البيضاء بارزةً من تحت الغطاء البلاستيكي، وحين التقطتهما نينا لاحقًا رأتْ أن إحداهما تحمل علامات فوق الورق المفضَّض، كما لو أنه قد بدأ ينبشها بظفره، ثم أقلع عن هذا وكأنه قرَّرَ أنه تناوَلَ ما فيه الكفاية بالفعل، أو أنه كان في تلك اللحظة قد بدأ يغيب عن الوعي.

كوب شربه كان فارغًا تقريبًا. لا يوجد أي ماء مسكوب.

كان هذا أمرًا قد تحدَّثَا حوله. اتفقا على الخطة معًا، ولكن دائمًا باعتبارها أمرًا قد يحدث — أو سوف يحدث — في المستقبل. افترضتْ نينا أنها ستكون حاضرةً، وأنه سيكون هناك طقسٌ ما على سبيل تقدير اللحظة؛ موسيقى، ترتيب الوسائد وسحب مقعد إلى جوار الفراش حتى يتسنَّى لها أن تمسك بيده. غير أنه فاتها أمران: نفوره المطلق من الطقوس بكل أنواعها، والعبء الذي كانت تلك المشاركة ستضعه على كاهلها. وقد أُثِيرت أسئلة، وجرى تبادُل الآراء، بشأن اعتبارها شريكة في الفعل.

وبإنهائه للأمر على هذا النحو، لم يترك لها إلا أقل القليل ممَّا يستحق التكفُّل به.

بحثَتْ عن رسالة صغيرة منه. ماذا كانت تظن أنها ستقول؟ فلم تكن بحاجةٍ إلى أيِّ توجيهات، وبلا شك لم تكن بحاجة إلى تفسير، فضلًا عن اعتذار. لم يكن هناك شيء يمكن أن تخبرها به الرسالة، شيء لم تكن تعرفه من قبلُ. حتى السؤال، لماذا تعجل في ذلك؟ كان سؤالًا يمكنها أن تخمِّن إجابته بنفسها؛ فقد تحدَّثَا — أو تحدَّثَ هو — حول تلك العتبة، عتبة لا يمكن التساهُل معها، نحو العجز أو الألم أو الاشمئزاز من الذات، وكم كان من المهم التعرف على تلك العتبة، وعدم تجاوُزها. وليكن هذا عاجلًا وليس آجلًا.

وعلى الرغم من ذلك كله، بدا من المستحيل أنه لم يَعُدْ لديه ما يقوله لها. بحثت أولًا على الأرضية، ظنًّا منها أنه ربما يكون قد أطاح بالورقة فأوقَعَها عن المنضدة بكُمِّ منامته عندما وضع قدَح الماء لآخِر مرة، أو لعله حرص خصوصًا على ألَّا يفعل ذلك. نظرتْ تحت قاعدة الأباجورة، ثم في درج الكومود، ثم تحت خفَّيْه وبداخلهما. التقطَتِ الكتاب وهزَّت صفحاته، كان الكتاب الذي يقرؤه مؤخرًا حول علوم الحفريات، ويدور — على حسب ما اعتقدتْ — حول انفجار العصر الكمبري الذي أدَّى لظهور أشكال الحياة العديدة الخلايا.

لا شيء هناك.

بدأتْ تنبش بسرعة بين طيات أغطية السرير. نفضت اللحاف، ثم الملاءة العليا. ها هو راقد، في منامته الحريرية الغامقة الزرقة التي اشترَتْها له قبل أسبوعين. كان قد اشتكى من شعوره بالبرد — هو الذي لم تساوره البرودة في الفراش قبل ذلك قطُّ — فذهبَتْ واشترت أغلى المنامات التي وجدَتْها في المتجر؛ اشترَتْها لأن الحرير كان خفيفًا ودافئًا معًا، ولأن كل المنامات الأخرى التي رأتها — بأقمشتها المقلمة، وإيحاءاتها المتقلبة أو البذيئة — جعلتها تفكِّر في رجالٍ عجائز، والأزواج الذي يُرسَمون في الصور الهزلية بالصحف، مهزومين يجرون أقدامهم ببطء. كانت البيجامة بنفس لون الملاءات تقريبًا، بحيث لم ينكشف لها منه إلا القليل: قدمان، كاحلان، عظام الساقين، يدان، رسغان، رقبة، رأس. كان راقدًا على جنبه، موليًا وجهه بعيدًا عنها. ما زال تركيزها على الرسالة، حرَّكَتِ الوسادة، سحبَتْها بشدة من تحت رأسه.

لا شيء، لا.

عندما انتقل رأسه من الوسادة إلى الحشية أصدر صوتًا محددًا، صوتًا كان أثقل ممَّا توقَّعَتْه. وكان ذلك الصوت، بقدر ما كان امتداد الملاءة الخالي، بَدَا وكأنه يقول لها إن بحثها بلا طائل.

حملته الأقراص إلى النوم، وأجهزَتْ على جميع عملياته الحيوية خلسةً، وهكذا لم تكن على وجهه تحديقةُ موتٍ ولا التواء. كان فمه مفتوحًا فتحةً صغيرة، ولكنه جافٌّ. الشهور القليلة الأخيرة غيَّرَتْه بقدرٍ كبير، غير أنها لم تَرَ إلى أي حدٍّ كان قد تغيَّرَ إلا الآن فقط. عندما كانت عيناه مفتوحتين، أو حتى عندما كان يأخذه النوم، كان يبذل بعضَ الجهد للحفاظ على وَهْمٍ مفاده أن ما لحقه من ضررٍ كان شيئًا مؤقتًا، وأن الوجه ذا الحيوية ما زال هناك، وجه رجلٍ في الثانية والستين من العمر فيه عدوانية محتملة على الدوام، ما زال هناك، تحت ثنايا البشرة التي ازرقَّ لونها، وتحت اليقظة الحجرية للمرض. لم يكن التكوين العظمي لوجهه بالمرة هو ما يمنحه قوته وشخصيته المفعمة بالحياة، بل أتى ذلك كله من العينين اللامعتين الغائرتين والفم المختلج وسماحة التعبير، وعرض التجاعيد الذي سرعان ما يتغيَّر بحيث يؤثِّر على تنويعة تعبيرات وجهه من السخرية، وعدم التصديق، والصبر المتهكم، ومعاناة الاشمئزاز. تنويعة تعبيرات كانت خاصة بالصف المدرسي، غير أن وجودها لم يكن قاصرًا على حدود الصف.

لا مزيد، لا مزيد. الآن وبعد ساعتين من موته (لأنه ولا شك اندفَعَ نحو المهمة بمجرد أن غادرت هي البيت، غير راغب في المجازفة بألا يكون قد انتهى الأمر تمامًا لدى رجوعها)، بات واضحًا أن التبدُّد والتداعي قد انتصرا وانكمش وجهه انكماشًا عميقًا. كان محكم الإغلاق، نائيًا، شائخًا وطفليًّا معًا، ربما مثل وجه طفل وُلِد ميتًا.

كان للمرض ثلاثة أساليب مختلفة في الانطلاق. أحدها يتعلَّق باليدين والذراعين؛ إذ يسري الخَدَر في الأصابع فتصير بليدة وغبية، ويصير إمساكها بأي شيء مرتبكًا، ثم يصبح مستحيلًا. أو من الممكن أن يتسلَّل الوهن إلى الساقين أولًا، وتبدأ خطوات القدمين في التعثُّر، وسرعان ما ترفض الارتفاع للأعلى أو حتى اجتياز حواف سجادة. النوع الثالث والأسوأ بينها كان هجمة موجَّهة نحو الحَلق واللسان؛ يصبح البلع مهمة غير مأمونة، مخيفة، دراما الاختناق، والكلام يتحوَّل إلى تيار متجلِّط من مقاطع لفظية مزعجة. كانت العضلات الإرادية هي المعرَّضة للتأثير، على الدوام، وفي البداية بَدَا ذلك بالفعل كأنه أهون الضررين. فلا إخفاقات تشغيل قد تنتاب القلب أو المخ، ولا إشارات عصبية تنحرف عن مسارها، ولا تغيُّرات خبيثة تطرأ على الشخصية. السمع والبصر والذوق واللمس، والأهم من ذلك كله الذكاء، كلُّ ذلك بقي حيويًّا وقويًّا كالعهد به على الدوام. ظلَّ المخ يعمل، مُستغرِقًا في مراقَبةِ كل الأعطال البعيدة عن المركز، والعد التنازلي لأعراض فقدان القدرة واستهلاك القوى. أكان من الصواب تفضيل ذلك الاحتمال عن الآخَر حقًّا؟

بالتأكيد، هذا ما قاله لويس، ولكن فقط من أجل ما يتيحه ذلك من فرصة، فرصة اتخاذ خطوة.

كانت مشكلاته هو قد بدأتْ مع عضلات ساقَيْه. التحق بفصلٍ تعليمي للياقة البدنية خاصٍّ بالمُسنين (على الرغم من كراهيته للفكرة)، ليرى إن كان من الممكن بعْثُ القوة في ساقيه من جديد. ظن أن ذلك يجدي نفعًا، لأسبوعٍ أو اثنين. ولكن عندئذٍ حدث التسارُع المتهور، التخبُّط والوقوع، وقبل مدة طويلة، كان التشخيص النهائي. ما إن عرفوا ما يكفي حتى تحدَّثوا بشأن ما يجب القيام به عندما يحين الوقت. في وقتٍ مبكر من هذا الصيف، كان يسير مستعينًا بعكازين، وبحلول نهاية الصيف لم يَعُدْ بمقدوره السير بالمرة، غير أن يدَيْه كان لا يزال بوسعهما أن تُقلِّبا صفحات كتاب، والإمساكُ — في صعوبة — بشوكة أو ملعقة أو قلم. بدا لِنينا أن قدرته على الحديث لم تتأثَّر تقريبًا، ولو أن تردُّد الزوار كان يضايقه، فقرَّرَ منع تلك الزيارات على كل حال. تغيَّرَ نظامه الغذائي، حتى يتسنَّى له البلع على نحوٍ أسهل، وأحيانًا كانت تمر أيام دون أي صعوبة من ذلك النوع.

كانت نينا قد استفسرت عن مقعد متحرِّك بعجلاتٍ. لم يعارض هذا. كانا قد توقَّفَا عمَّا سمَّيَاه «الإقفال الكبير»، إلى درجة أنها تساءلت في نفسها إن كانا قد دخلا — أو دخل هو وحده — إحدى المراحل التي قد قرأت عنها، مرحلة تغيُّرٍ يطرأ أحيانًا على الأشخاص في منتصف إصابتهم بمرضٍ مُمِيت. مقدار من التفاؤل يتقدَّم ليحتل الصدارة، ليس لأنَّ للتفاؤل ما يسوِّغه؛ بل لأن التجربة بكاملها قد أضحت واقعًا ملموسًا وليست فكرة مجردة، وصارت سبل التعايُش مع المرض مسألةً دائمة وليست إزعاجًا عابرًا.

هذه ليست النهاية. عشِ اللحظة الحاضرة. تشبَّثْ بكل يوم.

بَدَا لها ذلك النوع من التطوُّر غريبًا على شخصية لويس. لم تكن نينا تظن أنه قادر على أي خداعٍ للذات، حتى إنْ كان خِدَاعًا سيفيده على أفضلِ نحوٍ. لكنها أيضًا لم تستطع قطُّ أن تتخيَّله ينهزم تحت وطأة الانهيار الجسدي. والآن بعد أن حدث ذلك الأمر المستبعد، لماذا لا تقع الاحتمالات الأخرى؟ أَلَمْ يكن من الجائز أن التغييرات التي تطرأ على الأشخاص الآخرين قد تنتابه هو أيضًا؟ الآمال السرية، تجنُّب الحقيقة والتملُّص منها، والمقايضات الخادعة.

لا.

التقطتْ دليل التليفون المجاور للفراش وبحثت فيه عن «حانوتية»، وهي كلمة لم تكن موجودة بطبيعة الحال. «متعهِّدو جنازات». السُّخط الذي أحسَّت به بسبب ذلك كان من نوع السخط الذي كثيرًا ما تقاسَمَتْه معه. حانوتية، بربكم، ما الخطأ في كلمة حانوتية؟ التفتَتْ إليه ورأت كيف تركته، مكشوفًا بلا حول ولا قوة. قبل أن تتصل بالرقم أعادَتْ فرْدَ الملاءة واللحاف عليه.

سألها صوت رجل شاب إن كان الطبيب هناك، هل وصل الطبيب بعدُ؟

«لم يكن بحاجةٍ إلى طبيب. حين دخلتُ وجدتُه ميتًا.»

«متى كان ذلك إذن؟»

«لا أدري، قبل ثلث ساعة.»

«هل وجدتيه غائبًا عن الوعي؟ إذن، مَن هو طبيبكم؟ سوف أتصل به وأرسله إليكِ.»

في أحاديثهما العملية حول مسألة الانتحار، وحسبما تتذكَّر هي، لم يتطرَّق كلٌّ من نينا ولويس بالمرة إلى ما إذا كان عليها إخفاء حقيقة الأمر أم إعلانه. من ناحيتها كانت على ثقةٍ من أن لويس كان سيودُّ أن تُعلَن الحقائق، كان سيريد أن يعرف الجميع فكرته عن الطريقة المشرفة والمعقولة للتعامُل مع الأزمة التي وجد نفسه فيها. ولكن كانت هناك ناحية أخرى، إذا وضعها في الاعتبار فقد يفضِّل عدم القيام بكشفٍ كهذا. ما كان ليريد أن يظن أي شخص أن هذا قد نجم عن فقدانه لوظيفته، معركته الخاسرة في المدرسة؛ فقد يدفعهم هذا للتفكير بأنه حبس نفسه هكذا نتيجةً لهزيمته هناك، كان سيدفعه ذلك للجنون غضبًا.

رفعت لفافات الأقراص عن الكومود، الممتلئة والفارغة كذلك، وفتحت عليها مياه المرحاض.

•••

كان رجال الحانوتي صبية محليين ضخامًا، طلبة سابقين، وكانوا منزعجين أكثر قليلًا ممَّا أرادوا أن يظهروا عليه. كان الطبيب شابًّا، هو الآخَر، وغريبًا؛ إذ كان طبيبُ لويس المعتادُ في إجازة في اليونان.

«رحمه الله، إذن!» هكذا قال الطبيب بعد أن انتهى من ملء الأوراق بالمعلومات الضرورية. اندهشتْ قليلًا من سماعه يُقِرُّ بهذا علانيةً، وفكَّرت بأن لويس، إن كان بوسعه أن يسمعه، قد يَلْمَح في كلامه صبغةً دينية ليس لها محلٌّ هنا. ما قاله الطبيب بعد ذلك كان أقل إدهاشًا.

«هل تودين التحدُّث إلى أي شخص؟ لدينا أشخاص الآن يمكنهم، كما تعلمين، مساعدتك في التعامُل مع مشاعرك.»

«كلا. كلا. شكرًا لك، أنا بخير.»

«هل عشتما هناك فترةً طويلة؟ ألديكِ أصدقاء يمكنكِ استدعاؤهم؟»

«نعم، نعم.»

«هل ستتصلين بأحدهم الآن؟»

فقالت نينا: «نعم.» كانت تكذب؛ فبمجرد أن غادر المنزلَ كلٌّ من الطبيب، والحمالين الشباب، ولويس — الذي غادَرَ محمولًا كقطعةٍ من الأثاث، ملفوفةٍ جيدًا لحمايتها من الرضوض والخبطات — كان عليها أن تتابِعَ بحثها. بَدَا لها الآن أنها كانت حمقاء حين قصرت بحثها على المكان المجاور للفراش فحسب؛ وجدَتْ نفسها تفتِّش في جيوب ثوب نومها، المعلَّق على باب غرفة النوم من الداخل. مكان ممتاز؛ لأن هذا كان ثوبًا تضعه على جسدها كلَّ صباح قبل أن تهرع لإعداد القهوة، وكانت دائمًا ما تتفقَّد جيوبَه فتجد مناديلَ ورقية، إصبع طلاء شفاه. فيما عدا أنه كان سيضطر للنهوض من فراشه ويعبر الغرفة، هو الذي لم يكن قادرًا على أن يخطو خطوة واحدة دون مساعدتها على مدى أسابيع.

ولكن أليس من الجائز أن تكون الرسالة قد كُتِبت ووُضِعتْ في مكانٍ ما أمس؟ ألن يكون من المنطقي أن يكون قد كتبها وخبَّأَها قبل أسابيع، خاصةً وهو لم يكن يعلم المعدل الذي ستسوء به قدرته على الكتابة؟ وإذا كان هذا هو الحال فيمكن لتلك الرسالة أن تكون في أي موضع؛ في أدراج مكتبها، حيث كانت تنقب بداخلها الآن، أو تحت زجاجة شمبانيا كانت قد اشترتها لشربها في عيد ميلاده ووضعَتْها على التسريحة، لتذكيره بذلك التاريخ بعد أسبوعين من الآن، أو ما بين صفحات أيِّ من الكتب التي كانت تتصفَّحها في تلك الأيام. في الحقيقة كان قد سألها، قبل فترة قصيرة: «ما الذي تقرئينه وحدك الآن؟» كان يقصد ماذا تقرأ بمعزل عن الكتاب الذي كانت تقرؤه له؛ «فريدريش العظيم» لنانسي ميتفورد. اختارت أن تقرأ له الكتب التاريخية المسلية — لم يكن يستسيغ القصص الخيالية — وتركت الكتبَ العلمية له ليتدبَّر أمرها بنفسه. كانت قد أجابته: «فقط بعض القصص اليابانية.» ورفعت الكتاب في يدها. الآن كانت تُلقِي بالكتب جانبًا لتتبيَّن موضعَ ذلك الكتاب، ثم تقلِّبه وتهزُّ صفحاته جيدًا. كل كتاب كانت تدفعه بعيدًا تلقَّى بعد ذلك المعاملة ذاتها. ألقت وسائد المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه على الأرض، لترى ماذا وراءها. في النهاية صارت كل وسائد الأريكة متفرِّقةً ومنتشرةً على النحو ذاته. حتى حبوب القهوة هُزَّتْ في علبتها المعدنية وأُفرِغَتْ تمامًا؛ تحسُّبًا لأن يكون (في نزوة عابثة؟) قد أخفى وداعًا ما هناك.

أرادت ألَّا يوجد أي شخص معها، أَلَا يرى أحد عملية البحث هذه، التي كانت تجريها — مع ذلك — وجميع الأنوار مضاءةً وكل الستائر مرفوعة. لم تكن تريد أن يذكِّرها أحد بأن عليها أن تمسك بزمام نفسها. كان الظلام قد حلَّ منذ بعض الوقت، وأدركت أن عليها تحضير شيءٍ ما لتتناوله. ربما تتصل بمارجريت، لكنها لم تفعل شيئًا. نهضت لتسدل الستائر ولكنها بدلًا من ذلك أطفأت الأنوار.

•••

كان طول نينا يتعدَّى الستة الأقدام بقليل. حتى عندما كانت مراهقة، كان الجميع — معلمو صالة الألعاب الرياضية، ومختصو الإرشاد الاجتماعي، وأصدقاء أمها القَلِقون بشأنها — يُلِحُّون عليها لتفرد ظهرها وتتخلَّص من انحنائه. بذلتْ ما في وسعها، ولكن حتى الآن، حين تنظر إلى صورها الفوتوغرافية، كان الفزع ينتابها حين ترى إلى أيِّ حدٍّ صارت قامتها متهدلة؛ الكتفان الغاطستان معًا، والرأس المائل إلى الجانب، ووضعها الجسدي بكامله الذي يوحي بوصيفةٍ مُبتسمة. حين كانت شابة اعتادتْ على أن يرتِّب لها الآخَرون لقاءات، أصدقاء يجمعونها مع شباب طوال القامة. بَدَا الأمر كما لو أنه ما من شيءٍ آخَر له أهمية في الرجل ما دامت قامته تتعدَّى الست أقدام، وهكذا لا بد أن يكون قرينًا مناسِبًا لنينا. في حالات كثيرة للغاية كان الرجل يتجهم حيال هذا الموقف — فالرجل الطويل، على كل حال، يمكنه أن ينتقي ويختار — أما نينا، فتغرق في مستنقع الحرج، وهي لا تزال تتقوَّس وتبتسم.

والداها، على الأقل، تصرَّفَا كما لو أن حياتها شأن خاص بها وحدها. كانا كلاهما طبيبين يعيشان في مدينة صغيرة في ميشيجان. عاشت نينا معهما بعد أن أنهت تعليمها قبل الجامعي. درست اللغة اللاتينية في مدرسة ثانوية محلية، وفي إجازاتها كانت تسافر إلى أوروبا مع صديقات الدراسة هؤلاء، اللاتي لم يتم بعدُ استخلاصهن من الدراسة كالقشدة من الحليب ليتزوَّجْنَ ويتزوَّجْنَ من جديد، وهو ما لم يحدث كثيرًا. بينما كانت هي وفرقتها من البنات يتنزهن في جبل كارينجورمز، الْتَقين بمجموعة شباب أستراليين ونيوزيلنديين، ينتمون بصفة مؤقتة للحركة الهيبيَّة، وكان قائدهم هو لويس. كان يكبر الآخرين ببضعة أعوام، وأقل هيبيةً من جوال متمرس، وبلا ريب كان هو الشخص الذي يتم استدعاؤه كلما نشب خلاف أو ظهرت مشكلةٌ ما. لم يكن طويلًا بصورة ملحوظة؛ إذ كان أقصر من نينا بثلاث أو أربع بوصات. وقد ارتبط بها، مع ذلك، ونجح في إقناعها بأن تغيِّر مسار رحلتها المحدد وأن تنطلق بصحبته، حتى هو نفسه قام عن طيب خاطر بترك زمرته بلا قيادةٍ ليفعلوا ما يحلو لهم.

اتضح أنه كان قد ملَّ التجوال هنا وهناك، وأنه أيضًا حاصل على مؤهل دراسي في علم الأحياء، وشهادة لممارسة التدريس في نيوزيلندا. أخبرَتْه نينا بمدينة على الساحل الشرقي من بحيرة هورون، في كندا، حيث كانت تزور أقاربها وهي لا تزال طفلة. وصفت له الأشجار السامقة بامتداد الشوارع، والمنازل العتيقة البسيطة المظهر، ومشاهد غروب الشمس على البحيرة؛ مكانًا ممتازًا ليعيشا حياتهما معًا، وهو كذلك مكان قد يكون من الأسهل على لويس العثور فيه على وظيفةٍ؛ نظرًا للعلاقات ما بين دول الكومنولث. وبالفعل حصل كلٌّ منهما على وظيفة في المدرسة الثانوية، على الرغم من أن نينا أقلعت عن التدريس بعد بضع سنوات، حين ألغوا مقرَّر اللغة اللاتينية. كان بوسعها أن تتلقَّى دورات تدريبية للترقِّي، أو أن تعدَّ نفسها لتدرس مادة أخرى، لكنها كانت سعيدة، سرًّا، بعدم اضطرارها للعمل بعد ذلك في نفس مكان عمل لويس، وفي نفس وظيفته. فبسبب قوة شخصيته، وأسلوبه المقلق في التدريس، اكتسَبَ أصدقاء وأعداء كذلك، ووجدَتْ نوعًا من الراحة في عدم تورُّطها في ذلك.

لم يهتمَّا بالإسراع إلى إنجاب طفل. وقد استرابت في أنهما كانا مُعتَدَّيْن بنفسيهما أكثر من الحد المعقول، فلم تَرُقْ لهما فكرةُ أن يُغلَّف كلٌّ منهما بهُويَّة مُضحِكة قليلًا، هُويَّة الأم والأب. كان كلاهما — لا سيما لويس — موضع إعجاب الطلاب لكونهما مختلفين عن الكبار الآخَرين في بيوتهم؛ كانا أكثر نشاطًا، ذهنيًّا وجسديًّا، وأكثر تعقيدًا وحيويةً وقدرةً على استخلاص كل ما هو طيب من قلب الحياة.

انضمت إلى جوقة إنشاد جماعي. كان أغلب حفلاتهم الموسيقية تقام في كنائس، وفي ذلك الحين علمت أي نفورٍ عميق داخَلَ لويس نحو تلك الأماكن. جادلته قائلةً إنه في الغالب لا يوجد أي مكان آخَر مناسب ومتاح، وليس معنى ذلك أنهم ينشدون موسيقى دينية (على الرغم من أن دفاعها هذا كان يصير أصعب قليلًا حين كانوا ينشدون أنشودة المسيح). قالت إنه كان متشبثًا بالطراز العتيق، وإنه لم يَعُدْ ثمة دينٌ يسبِّب الأذى للناس في هذه الأيام. أشعلَ هذا فتيلَ شجارٍ كبير. كان عليهما أن يهرعا إلى إغلاق مصاريع النوافذ بشدة، حتى لا يسمع العابرون على الرصيف صوتَيْهما المرتفعين في تلك الأمسية الصيفية.

كان شجارٌ مثل هذا أمرًا مذهلًا، وكاشفًا ليس فقط عن مدى قدرته على كسب العداوات، ولكن كم كانت هي أيضًا غير قادرة على فضِّ نزاعٍ تصاعَدَ إلى ثورةِ غضب. لم يتراجع أيٌّ منهما عن موقفه، وتشبَّثَ كلٌّ بمبادئه في مرارةٍ أليمة.

أَلَا تستطيع أن تتسامح مع اختلاف الناس، لماذا تعطي الأمر كل هذه الأهمية؟

لو لم يكن هذا مهمًّا، فلا أهمية لشيء.

بَدَا وكأن الهواء تشبَّعَ بالاشمئزاز والضيق، وكل هذا حول مسألة لا يمكن حلها بالمرة. خلدا إلى النوم دون كلام، وافترَقَا في الصباح التالي دون كلامٍ، وفي أثناء النهار استحوذ عليهما الخوف؛ خوفها من أنه قد لا يرجع أبدًا للبيت، وخوفه من أنه حين يرجع للبيت لن يجدها هناك. ومع ذلك، فقد كانا سعيدَي الحظ. اجتمعا في آخِر النهار شاحبين من الندم، مرتجفين من الحب، مثل شخصين نجَيَا بأعجوبة من زلزالٍ وأخذا يسيران وسط خرابٍ مكشوف.

لم تكن تلك هي المرة الأخيرة. تساءلتْ نينا، التي تربَّت على أن تكون مسالِمةً للغاية، إن كانت هذه تُعَدُّ حياة طبيعية. لم تستطع مناقشة هذا معه؛ إذ كانت نوبات تصالُحهما بعد الشجار مفعمةً بالامتنان أكثر من اللازم، وكانت عذبة وحمقاء أكثر من اللازم كذلك. يدلِّل كلٌّ منهما الآخَر بأسماء مضحكة، يناديها «الحلوة نينا هايينا» (أي نينا الضبعة)، وتناديه «لويس الجو الصحو».

•••

بعد مرور بضع سنوات، بدأ نوعٌ جديد من اللافتات في الظهور على جوانب الطرقات. على مدى زمنٍ طويل كانت ثمة لافتات تحضُّ على الرجوع للدين، وأخرى ذات قلوب وردية اللون بخطوط مستوية، كان يُقصَد بها إثناء الناس عن عمليات الإجهاض. ما بدأ في الظهور الآن كان نصوصًا من سِفْر التكوين:

في البدء خلق الله السماوات والأرض.

وقال الله: «ليكن نور»، فكان نور.

فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم.

غالبًا ما كان يُرسَم إلى جوار تلك الكلمات قوس قزح أو وردة أو رمزٌ ما للمحبة الفردوسية.

قالت نينا: «ما معنى كل هذا؟ إنه تغيير على أي حال من «الله يحب خلْقه».»

قال لويس: «إنه مذهب الخلقوية.»

«أستطيع أن أتبيَّن ذلك. أقصد، لماذا يضعونه هكذا على لافتاتٍ في كل موضع؟»

قال لويس إنه كان ثمة حركة لا لبس فيها الآن لتعزيز الإيمان بالنص الحرفي لنصوص الكتاب المقدس.

«آدم وحواء، والحكايات القديمة ذاتها.»

لم يبدُ عليه أنه قد انتابه ضيقٌ كبير بشأن هذا، أو أي درجة من الاستياء أكثر مما قد يشعر به عند رؤيته لمزود العلف (رمز ديني مسيحي، إشارة إلى مهد المسيح عند ولادته) الذي كان يتم وضعه في كل عيد ميلاد، ليس على واجهة كنيسة ولكن على مرج دار البلدية. قال إن مباني الكنيسة شيء ومباني البلدية شيءٌ آخَر. تلقَّت نينا تعليمها وفقًا لمبادئ جمعية الكويكرز (الكويكرز أو جمعية الأصدقاء الدينية، هي مجموعة من المسيحيين البروتستانت نشأت في القرن السابع عشر في إنجلترا على يد جورج فوكس)، تلك المبادئ التي لم تكن تشدد كثيرًا على قصة آدم وحواء. وهكذا فحين عادت إلى البيت أخرجت الكتاب المقدس نسخة الملك جيمس، وقرأت القصة بكاملها من الأول للآخر. أبهجها بشدة هذا التتابع المهيب للأيام الستة الأولى؛ الفصل بين المياه باليابسة، وتثبيت الشمس والقمر، وظهور المخلوقات التي راحتْ تدب على الرض وتطير في الهواء، وهكذا.

قالت: «هذا جميل. إنه شعرٌ عظيم. لا بد أن يقرأه الناس.»

فقال إنه لا أفضل ولا أسوأ من أي حزمة كاملة من أساطير الخلق التي انبثقت في كل أركان الأرض الأربعة، وإنه قد أصابه السأم والقرف من هذا الشِّعْر، ومن سماع عبارة كم كان هذا جميلًا.

قال: «ما يُقال عن الشعر ليس إلا دخانًا لحجب الحقيقة، فهم لا يقيمون للشعر وزنًا.»

ضحكت منه نينا وقالت: «كل أركان الأرض الأربعة. أهذا كلام يليق برجل علم مثلك؟ أراهن أنك اقتبسْتَها من الكتاب المقدس!»

كانت تنتهز فرصة، بين الحين والآخر، لتغيظه حول هذا الموضوع. لكن كان عليها أن تأخذ حذرها حتى لا تشطُّ في هذا وتتجاوز الحد المعقول. كان عليها أن تنتبه للنقطة التي قد يستشعر عندها التهديدَ المُهلِك؛ الإساءة المُخزية.

•••

بين الحين والآخَر كانت تجد مطوية دعائية في البريد. لم تكن تهتم بقراءتها، ولفترة اعتقدت أن الجميع يتلقَّوْن بالتأكيد هذا النوع من الأشياء، إلى جانب البريد الدعائي العديم القيمة الذي يعرضُ قضاء إجازات في مناطق استوائية وشلالات مياه أخرى مبهرجة المنظر. ثم اكتشفت أن لويس كان يتلقَّى المواد ذاتها على بريده في المدرسة — «دعاية ترويجية للإيمان بخلق العالم» كما سمَّاها — متروكة على مكتبه أو مدسوسة في العين المخصَّصة له لاستقبال بريده هناك.

كان قد قال لناظر المدرسة: «يستطيع الأولاد الدخول إلى مكتبي، ولكن مَن بحق جهنم يدس لي تلك الأشياء في صندوق بريدي هنا؟»

قال الناظر إنه لا يمكنه أن يعرف، فقد كان هو أيضًا يتلقَّى تلك المطويات الدعائية. ذكر لويس اسم اثنين من المعلمين في فريق التدريس، اثنين من المسيحيين في الخفاء كما كان يدعوهم، وقال الناظر إن الموضوع أهون من أن يشغل باله به؛ إذ يستطيع دائمًا أن يتخلَّص من تلك الأشياء.

كانت هناك أسئلة في الفصل. بالطبع، دائمًا كانت هناك أسئلة، لا شك عندي في ذلك، هكذا قال لويس. فتاة ما ضئيلة وشاحبة شحوب القديسين، أو صبي متذاكٍ يحاول أن يلغي نظرية التطوُّر بجرة قلم. كانت لدى لويس طرقه المجربة والفعَّالة في التعامُل مع هذا. كان يخبر مَن يقاطعه بأنهم إذا أرادوا التفسير الديني لتاريخ العالم فإن هناك مدرسة مسيحية تفصل البنين عن البنات في البلدة المجاورة، ويمكنهم الالتحاق بها على الرحب والسعة. صارت الأسئلة أكثر تواترًا، فأضاف أنه توجد حافلات يمكنها أن تُقِلَّهم إلى هناك، إن استطاعوا جمع كتبهم ومغادرة الفصل في هذا اليوم وهذه الساعة إذا طاب لهم ذلك.

«ورحلة موفَّقة لمؤ …!» هكذا قال. فيما بعدُ كان ثمة خلاف بشأن إن كان قد قال بالفعل كلمة «مؤخراتكم» أم تركها مُعلَّقة في الهواء دون أن ينطقها. ولكن حتى لو يكن قد قالها فعلًا فقد صرَّح بالإساءة بكل تأكيد؛ لأن الجميع كانوا يعرفون كيف يمكن أن تكتمل عبارته.

كان الطلاب يحاولون التسلُّل عبر بابٍ جديد في تلك الفترة.

«ليس الأمر أننا بالضرورة ننشد الرؤية الدينية للتاريخ، كل ما هنالك أننا نتساءل لماذا لا نمنحها وقتًا مساويًا للرؤية الأخرى؟»

ترك لويس نفسه ينجرُّ إلى خلاف.

«ذلك لأنني هنا لأدرس لكم العلم، وليس الدين.»

ذلك ما قال إنه قد قاله، وكان هناك أولئك الذين نقلوا عنه أنه قال: «لأنني هنا لأدرس لكم العلم، لا الخرافات.» وفعلًا، فعلًا، قال لويس، بعد المقاطعة الرابعة أو الخامسة لحديثه، وبعد طرح السؤال نفسه بطرقٍ لا تكاد تختلف إلا قليلًا («هل تظن أنه يضرنا أن نسمع الجانب الآخَر من القصة؟ إذا تعلَّمنا الإلحاد، أفليس هذا شيئًا أقرب إلى تعليم ديني من نوعٍ ما؟») ربما أفلتت الكلمة من لسانه، وتحت وطأة هذا الاستفزاز لم يعتذر عن قولها.

«يتصادف أنني أنا السيد في هذا الفصل الدراسي، وأنا مَن يقرِّر ما الذي سيتم تدريسه.»

«أظن أن الرب هو سيدنا جميعًا يا أستاذ!»

كان هناك طرد من الغرفة. وأتى أولياء الأمور للتحدُّث إلى ناظر المدرسة، أو ربما كان في نيتهم الحديث إلى لويس، ولكن الناظر كان حريصًا على ألَّا يحدث هذا. سمع لويس بأمر تلك المقابلات فقط بعد أن تمَّتْ، من ملاحظات عابرة، ومازحة بهذا القدر أو ذاك، في غرفة طاقم التدريس.

قال ناظر المدرسة: «ليس عليك أن تقلق بشأن ذلك.» كان اسمه بول جيبنز، وكان أصغر سنًّا من لويس ببضع سنوات. «كل ما هنالك أنهم يحتاجون للشعور بأن هناك مَن يُنصت إليهم. يحتاجون لقليل من الملاطفة والتهدئة.»

فقال لويس: «كان بودي أن ألاطفهم فعلًا.»

«حسنٌ. ليس ذلك النوع من الملاطفة بالضبط ما أتحدَّث عنه.»

«يجب أن يكون هناك لافتة مكتوب عليها ممنوع دخول الكلاب وأولياء الأمور.»

«ليتنا نستطيع!» هكذا قال بول جيبنز، متنهِّدًا في مودة وأضاف: «ولكني أفترض أن لهم حقوقهم.»

بدأت بعض رسائل القراء تظهر في الصحيفة المحلية. رسالة كل أسبوعين تقريبًا، بتوقيع «أب قَلِق»، أو «دافعة ضرائب مسيحية»، أو «إلى أين سيقودنا ذلك؟» وكانت كلها مكتوبة باعتناءٍ، منَّسقة الفقرات، وذات حججٍ بليغة، كما لو أنها جميعًا ربما خرجت من تحت يد مندوب واحد عن الآخرين. أوضحوا نقطةً أنه ليس كل أولياء أمور الطلبة يمكنهم تحمُّل مصاريف المدرسة المسيحية الخاصة، ومع ذلك فكلهم من دافعي الضرائب. وعلى هذا فإن من حقهم أن يعلِّموا أولادهم في مدارس حكومية، تعليمًا لا يسيء إلى إيمانهم، أو يدمِّره عن عمدٍ وقصد. وشرح البعض، بلغةٍ ذات صبغة علمية، كيف أُسِيءَ فهمُ التاريخ، وكيف أن المكتشفات الحديثة التي بَدَا أنها تدعم نظرية التطور إنما هي تؤكِّد رواية الكتاب المقدس. ثم يتم الاستشهاد بنصوص الكتاب المقدس التي كانت قد تنبَّأت بالتعليم الزائف لوقتنا الراهن، وكيف قد يؤدِّي إلى التخلِّي عن جميع القواعد المحترمة للحياة.

وبعد فترة تبدَّلت النبرة؛ إذ صارت أشد غضبًا وسخطًا. إن المسئولين عن الحكومة والفصول الدراسية ما هم إلا وكلاء للمسيح الدجال. ومخالب الشيطان تمتد نحو أرواح أطفالنا، الذين يُجبَرون فعليًّا على ترديد العقائد الملعونة؛ من أجل اجتياز امتحاناتهم.

«ما الفرق بين الشيطان والمسيح الدجال، أم أنهما الشيء نفسه؟» قالت نينا. «كان الكويكرز الذين أنشئوني دينيًّا مهمِلين للغاية بشأن هذا كله.»

فقال لويس إنه يفضِّل ألَّا تتعامل مع هذا كله باعتباره مزحةً.

قالت في استفاقة: «عذرًا، مَن تظنه يكتبها حقًّا؟ أحد القساوسة؟»

قال لا، لو كان قَسًّا لَكانت أكثر تنظيمًا وتنسيقًا من ذلك. حملة لها عقلٌ مدبِّر، مكتب مركزي في مكانٍ ما، يزوِّدهم بالرسائل التي يجب إرسالها من عناوين الأهالي المحليين. وشكَّ في أن يكون أيٌّ من هذا قد بدأ هنا، في فصله الدراسي. لقد كان كل شيء مخططًا له، المدارس كانت مستهدفة، وخصوصًا في المناطق التي قد يوجد فيها أمل طيب بقدرٍ ما في اكتساب تعاطُف عام.

«إذن؟ الأمر ليس شخصيًّا؟»

«ليس في ذلك أيُّ عزاء.»

«حقًّا؟ ظننتُه عزاءً بشكل ما.»

كتب أحدهم «نار جهنم» على سيارة لويس. لم تُكتَب بطلاء رشاش، بل مجرد إصبع مرَّ بالحروف على الغبار.

بدأت أقلية من الطلاب تقاطِع صفَّه الدراسي للسنة النهائية، جلسوا على الأرض بالخارج، مُسلَّحين برسائل دعم من أولياء أمورهم. عندما بدأ لويس الشرح، بدءوا هم يُنشِدون:

كل الأشياء المشرقة والجميلة
كل المخلوقات الكبيرة والصغيرة
كل الأشياء الذكية والرائعة
الرب سيدنا خلقها كلها.

استمسك ناظر المدرسة بالقاعدة القائلة بعدم جواز الجلوس على أرضية الردهة، ولكنه لم يأمرهم بالرجوع إلى الصف. اضطروا للذهاب إلى غرفة الخزائن بجانب صالة الألعاب، حيث واصلوا هناك إنشادَهم؛ فقد كانوا يحفظون ترانيم أخرى جاهزة كذلك. اختلطت أصواتهم في نشاز بالأوامرِ الخشنة لمعلم صالة الألعاب ووَقْعِ الأقدام على أرضية الصالة.

في صباح يوم إثنين ظهر الْتماس على مكتب ناظر المدرسة، وفي الوقت ذاته أُرسِلتْ نُسَخ منها إلى مكتب صحيفة البلدة. تم جمع توقيعات ليس فقط من أولياء أمور الأولاد، أصحاب الشأن، ولكن أيضًا من رعايا كنائس متنوِّعة في البلدة؛ كان أغلبها من الكنائس الأصولية المتعصبة، ولكن كان هناك أيضًا البعض من كنائس متحدة أو أنجليكانية أو مشيخية.

لم يذكر الالتماس نار جهنم، ولا شيء يمتُّ بِصلة إلى الشيطان أو المسيح الدجال؛ كلُّ ما طلبه الالتماس هو أن يتم إعطاء رواية الكتاب المقدَّس الخاصة بالخلق وقتًا مساويًا، وأن تُعطَى الاعتبار والاحترام باعتبارها خيارًا آخَر.

«نحن الموقِّعون أدناه نعتقد أنه قد تمَّ تغييب الله عن المشهد لوقتٍ أطول من اللازم.»

قال لويس: «كلام فارغ. إنهم لا يؤمنون بإعطاء أوقات متساوية؛ فهم لا يؤمنون بالخيارات الأخرى. ما هم إلا مستبدون بالرأي، فاشيون.»

•••

ذهب بول جيبنز إلى منزل لويس ونينا؛ لم يشأ أن يناقش الأمر حيث يمكن لجواسيس أن يسترقوا السمع (إحدى السكرتيرات كانت عضوًا في كنيسة الكتاب المقدس). لم يكن يعوِّل كثيرًا على إِلَانةِ رَأْسِ لويس، لكن كان عليه أن يحاول.

قال: «لقد أحكموا حصارهم الدامي من حولي.»

فقال لويس: «ارفتني، ووظِّفْ بدلًا مني مغفَّلًا مأفونًا من أشياعهم.»

ابن الساقطة هذا يستمتع بالأمر، هكذا فكَّرَ بول، ولكنه سيطر على نفسه، وهو ما بدا أنه أكثر ما يفعله في تلك الأيام، السيطرة على نفسه.

«لم آتِ إلى هنا لأتحدَّث بهذا الشأن. أعني أن كثيرًا من الناس سوف يرون أن هذه الزمرة من الناس لديهم منطقهم. بما في ذلك أشخاص من مجلس الإدارة.»

«إذن فَلْتسعد قلوبهم. ارفتني، وامضِ في ركاب آدم وحواء.»

أحضرتْ لهم نينا القهوة. شكرها بول وحاوَلَ أن ينظر في عينَيْها، ليتبيَّن أين موقفها من هذا. لا جدوى.

قال: «نعم، طبعًا، ولكن لا يمكنني فعل ذلك لمجرد أنني أريده. وأنا لا أريد. ستلاحقني النقابة حتى تنال مني. المسألة منتشرة في الإقليم كله، قد يؤدِّي الأمر إلى إضراب أيضًا، علينا أن نفكِّر في صالح الأولاد.»

قد يظن المرء أن هذا قد يُلين رأس لويس؛ التفكير في صالح الأولاد. لكنه كان كالمعتاد رُبَّان سفينته الوحيد، ولا صوت يُسمَع عليها غير صوته.

«امضوا في ركاب آدم وحواء … بأوراق التوت أو من دونها.»

«كل ما أطلبه منه هو إلقاء كلمة صغيرة يوضِّح فيها أن هذا ليس إلا تأويلًا مختلفًا، وأن بعض الناس يؤمن بتأويلٍ ما وبعضهم يؤمن بتأويلٍ آخَر. اعرض قصة سِفْر التكوين لربع أو ثلث ساعة. اقرأها عليهم. فقط افعل ذلك بالاحترام الواجب. أنت تعرف ما تدور حوله كل هذه الضجة، أليس كذلك؟ الناس يشعرون أنهم موضع استخفاف. لا يحب الناس أن يشعروا بأن أحدًا يستخفُّ بعقولهم.»

ظل لويس جالسًا في صمتٍ بما يكفي ليخلق أملًا — بداخل بول، وربما بداخل نينا أيضًا، مَن يدري؟ — غير أنه اتضح أن سكونه هذا الذي طال كان مجرد وسيلة ليترك ما تلقاه من جور هذا الاقتراح يهدأ ويترسب بداخله.

قال بول في فضول: «ما رأيك؟»

«سأقرأ سِفْر التكوين كله بصوت عالٍ إذا شئتَ، وبعد ذلك سوف أعلن أنه ليس إلا مزيجًا مختلطًا من تضخيمٍ للذات ينتمي للعشائر القديمة، ومفاهيم لاهوتية مستعارة في الأساس من ثقافات أخرى أفضل.»

قالت نينا: «أساطير! على كل حال أي أسطورة ليست زائفة، بل هي فقط …»

لم يرَ بول أي نفعٍ في أن يوليها انتباهه، أما لويس فلم يكن منتبهًا.

•••

كتب لويس رسالة إلى الصحيفة. كان الجزء الأول منها معتدلًا وعلميًّا، وصف فيه تكوُّن القارات وكيف ظهرت واختفت بعض البحار، والبدايات المتعثرة لأشكال الحياة؛ الجراثيم العتيقة، محيطات دون أسماك وسماوات دون طيور؛ الازدهار والدمار، عصر البرمائيات، الزواحف، الديناصورات، تغيُّر المناخ، أولى الثدييات الصغيرة الوضيعة. المحاولة والخطأ، ثم ظهور الرئيسيات المتأخرة وغير المبشرة في المشهد، ونهوض القِرَدة الشبيهة للإنسان على قوائمها الخلفية واكتشاف النار، وشحذ الحجارة، وتمييز منطقة سُكناهم، وأخيرًا، وفي اندفاعٍ متأخِّر، بناء القوارب والأهرام ثم صنع القنابل، ثم خلق اللغات والأرباب والتضحية وقتل الناس بعضهم بعضًا، والصراع حول ما إذا كان إلههم يُسمَّى يهوه أم كريشنا (هنا بدأت اللغة تحتد) أو ما إذا كان لا بأس من تناول لحم الخنزير، والركوع على الركبتين والصياح عاليًا بالصلوات لعجوزٍ غريب الأطوار في السماء يهتم كثيرًا بمَن سيكتب له النصر في الحروب والفوز في مباريات كرة القدم. وأخيرًا، وعلى نحوٍ مذهل وفاتن، يهتدي البشر إلى بضعة أمور، ويَشْرعون في التعرف على أنفسهم وعلى الكون الذي وجدوا أنفسهم فيه، ثم يقرِّرون أنه من الأفضل التخلِّي عن كل تلك المعرفة المكتسبة بشق الأنفس، والعودة إلى العجوز الغريب الأطوار وإجبار جميع مَن حولهم على الركوع من جديد، وعلى تعلُّم اللغو القديم والإيمان به، لماذا لا نستعيد نظرية الأرض المُسطحة بالمرة؟

المخلص بصدق، لويس سبيرس.

لم يكن محرِّر الصحيفة من سكان البلدة نفسها وقد تخرَّج مؤخرًا في مدرسة الصحافة. كان سعيدًا بالضجة المثارة وواصَلَ نشر الردود («لا للسخرية من الله» وتحته توقيعات كل عضو من رعايا كنيسة الكتاب المقدس، «كاتب يستهين بالسجال» من قَس الكنيسة المتحدة، المتسامح ولكن الحزين، الذي استاء من تعبيرات مثل «لغو» و«العجوز غريب الأطوار») إلى أن أعلن ناشر هذه الصحيفة أن هذا النوع من الجلبة كان عتيق الطراز وفي غير محله ويقلِّل من نسبة الإعلانات المنشورة في الصحيفة. فَلْنغلق هذا الباب، هكذا قال.

كتب لويس رسالة أخرى، وكانت هذه هي رسالة استقالته من وظيفته. تمَّ قبولها في أسفٍ وندم، وقد صرَّح بول جيبنز — وكان هذا أيضًا مكتوبًا على الورق — أن سبب الاستقالة هو سوء حالة لويس الصحية.

كان ذلك صحيحًا، على الرغم من أنه لم يكن سببًا يودُّ لويس نفسه أن يُعلَن على الملأ. على مدى أسابيع عديدة كان يشعر بضعفٍ في ساقَيْه. في الوقت نفسه الذي كان من المهم بالنسبة إليه فيه أن يقف منتصبًا أمام صفه، ويسير قبالته جَيْئَةً وذهابًا، كان قد شعر بِنَفْسِه يرتعش، ويشتاق للجلوس. لم يستسلم قطُّ، ولكن أحيانًا اضطر للتشبُّث بظهر مقعده، كما لو كان فقط يشدِّد على نقطةٍ ما. ومن وقت لآخَر كان يدرك أنه لا يعرف موضع قدمَيْه؛ فلو كانت هناك سجادة لَكان من الممكن أن يتعثَّر في أصغر ثناياها، وحتى في الفصل، حيث لا توجد سجاجيد، كان يمكن لقطعة طبشورة ساقطة، أو قلم رصاص، أن يؤديا إلى كارثة.

أشعل هذا الاعتلال نيران غضبه، ظنًّا منه أنه علة نفسية أثَّرت على حالته الجسدية. لم تساوره من قبلُ قطُّ مشكلةٌ عصبية قبالة تلاميذ صفه، ولا قبالة أي مجموعة من الناس. حين تلقَّى نبأ التشخيص الحقيقي، لدى اختصاصي الأعصاب، ما شعر به — كما أخبر نينا — كان ارتياحًا مُضحِكًا.

قال: «خشيتُ أن أكون عُصابيًّا.» وشرعَ كلاهما يضحكان.

«خشيتُ أن أكون عُصابيًّا، ولكن كل ما هنالك أنني مصاب فقط بتصلُّب جانبي ضموري.» وضحكا، وهما سائران في تلكُّؤٍ في الممر الصامت المفروش بنسيجٍ مخملي، ودخلا المصعد حيث حدَّق الآخَرون فيهما باندهاش؛ فقد كان الضحك أكثر العُملات ندرةً في هذا المكان.

•••

كانت دار جنازات «ليك شور» («شاطئ البحيرة») مبنًى واسعًا جديدًا من الآجر مُذهَّب اللون؛ جديدًا إلى حدِّ أن الحقل المحيط به لم يكن قد تحوَّل بعدُ إلى باحات عشبية وشجيرات سياج. ولولا اللافتة التي تحمل اسم الدار، لكان بوسعك الظن أن المبنى عيادة طبية، أو مكتب لإحدى الإدارات الحكومية. ولم يكن اسم شاطئ البحيرة يعني أنها تطلُّ على البحيرة، بل كان بدلًا من ذلك إدماجًا ماكرًا للقب الحانوتي صاحب الدار؛ بروس شور. رأى البعض أن هذه التسمية تفتقر إلى الذوق. حين كان العمل يتم في أحد أكبر المنازل الفيكتورية الطراز في المدينة، وكان ملكًا لوالد بروس، كانت الدار تحمل ببساطة اسم «دار جنائز شور». وكانتْ في الحقيقة دارًا بمعنى الكلمة، ذات عددٍ كبير من الغرف الخاصة بالزوجين إد وكيتي شور وأطفالهما الخمسة في الطابقين الثاني والثالث.

لم يكن أحد يقيم في هذا المقر الجديد، ولكن كانت هناك غرفة نوم مع مطبخ مجهَّز، وغرفة استحمام. كان هذا تحسُّبًا لأن يجد بروس شو أنَّ من الأنسب له أن يقضي ليلته هناك، بدلًا من قيادة سيارته خمسة عشر ميلًا إلى المكان الريفي حيث كان هو وزوجته يربِّيان الخيول.

كانت ليلة أمس واحدة من تلك الليالي التي يبيتها في المقر بسبب الحادثة التي وقعت شمال المدينة، حيث اصطدمت سيارة ممتلئة بالمراهقين في دعامة جسر. هذا النوع من الحوادث — سائق حصل على رخصة القيادة للتوِّ أو بلا رخصة على الإطلاق، والجميع سكارى شربوا حتى الثمالة — كان غالبًا ما يقع في فصل الربيع مع اقتراب وقت تخرُّج الطَّلَبة، أو في حالة الحماسة المصاحبة لأول أسبوعين من الدراسة في شهر سبتمبر. أما الوقت الحالي فهو وقت انتظار المزيد من حالات الوفاة بين الوافدين الجدد للبلاد — ممرضات وفدن حديثًا من الفلبين في العام الماضي — حين تفتك بهم الثلوج الغريبة عليهم تمامًا.

وعلى الرغم من ذلك، في ليلة صافية وطريقٍ جافٍّ، صُرِع صبيان في السابعة عشرة من عمرهما، كلاهما من البلدة. وقبيل هذا، كانت قد أتت جثة لويس سبيرس. كانت يدا بروس مشغولتين تمامًا؛ إذ تعيَّن عليه القيام بالكثير من العمل على جثتَي الصبيين حتى يجعلهما في هيئة تصلح للرؤية، واقتضى منه هذا سهرة طويلة. اتصل بأبيه يطلب مجيئه. كان الوالدان، إد وكيتي، اللذان يقضيان فصول الصيف في البلدة، لم يرحلا بعدُ إلى فلوريدا، فأتى إد ليتولى العناية بجثة لويس.

كان بروس قد خرج لممارسة الركض، لينعش نفسه. لم يكن قد تناوَلَ إفطاره بعدُ كذلك، وكان لا يزال في ثياب الركض حين رأى السيدة سبيرز توقف سيارتها القديمة ماركة هوندا أكورد. أسرع إلى غرفة الانتظار ليفتح لها الباب.

كانت سيدة طويلة ونحيفة، شعرها رمادي ولكن في حركاتها سرعة مفعمة بحيوية الشباب. لم يَبْدُ عليها أنها في كامل حيويتها هذا الصباح، لكنه لاحَظَ أنها لم تهتم بارتداء معطف.

قال: «عُذرًا، عذرًا. لقد عدتُ توًّا من تمرين صغير. للأسف، شيرلي لم تأتِ بعدُ. إننا بالطبع آسِفون بشأن خسارتك.»

قالت: «نعم.»

«لقد قام السيد سبيرز بالتدريس لي في الصفَّيْن الحادي عشر والثاني عشر مادةَ العلوم، وكان مُعلِّمًا لا يمكنني أن أنساه أبدًا. هلَّا تفضلتِ بالجلوس؟ أعلم أنك بالتأكيد كنتِ مستعدة لهذا على نحوٍ ما، ولكن يظل الموت تجربةً لا يكون المرء مُستعِدًّا لها تمامًا عند وقوعها. هل تودِّين مني أن أنهي ملء الأوراق اللازمة معكِ الآن، أم تودين رؤية زوجك أولًا؟»

قالت: «كلُّ ما كنَّا نريده هو إحراق الجثة.»

أومأ برأسه. «نعم، سنتعهد بهذا.»

«لا، كان من المفترض أن يتم إحراق جثته على الفور. هذا ما كان يريده. ظننتُ أنني آتية لأخذ رماده.»

قال بروس في صرامة: «حسنًا، لم نتلقَّ أي تعليمات كتلك. لقد أعدَدْنا الجسد لكي يراه مودِّعوه. يبدو جيدًا جدًّا، في الواقع، أظن أنك سوف تُسَرِّين لمرآه.»

وقفتْ وحدَّقتْ فيه.

قال: «أَلَا تودين الجلوس؟ لم تكن خطتك إعداد زيارة ما، أليس كذلك؟ نوع من طقوس العزاء؟ سيكون هناك أشخاص كثيرون لدرجة رهيبة يريدون التعزية في السيد سبيرز. تعرفين، لقد قمنا بمناسبات عزاء أخرى هنا من دون أي شعائر دينية. شخصٌ ما يلقي تأبينًا فحسب، بدلًا من إحضار قَس. أو إذا لم تريدي أن يكون الأمر رسميًّا، يمكن الاكتفاء بأن ينهض الناس ويقول كلٌّ منهم ما يجول بخاطره من أفكار. والقرار لكِ فيما إذا كنَّا سنترك غطاء التابوت الأعلى مفتوحًا أم مغلقًا. ولكن في بلدتنا هنا غالبًا ما يميل الناس لتركه مفتوحًا. عندما تقرِّرين إحراق الجثة لا نستخدم نفس نوع التوابيت بطبيعة الحال. لدينا توابيت تبدو لطيفة للغاية، لكن لا تتكلف إلا أقل القليل.»

وقفتْ وحدَّقتْ.

واقع الأمر أن العمل كان قد تم بالفعل، وأنه لم تُوجَّه لهم أي تعليمات بألا يقوموا بعملهم. عمل شأنه شأن أي عملٍ آخَر، لا بدَّ أن يُؤجَر عليه. فضلًا عمَّا استخدموه من مواد.

«إنني أتحدث فقط عمَّا أظن أنكِ سترغبين فيه، حين يكون لديكِ الوقت للجلوس والتفكير. إننا هنا لتنفيذ رغباتك …»

لعل قول ذلك كان مبالغةً شطَّتْ عن الحد.

«ولكننا مضينا في هذا الاتجاه لأننا لم نتلقَّ أي تعليمات بالعكس.»

توقَّفت سيارة بالخارج، انغلق باب سيارة، ودخل إد شور إلى غرفة الانتظار. شعر بروس بارتياحٍ هائل؛ فما زال أمامه الكثير ليتعلَّمه بخصوص هذا العمل، مثل طريقة التعامل مع الطرف الذي نجا من الموت.

قال إد: «مرحبًا يا نينا. رأيتُ سيارتك، ففكَّرت أن أدخل فقط لأبلغكِ بمدى أسفي.»

•••

كانت نينا قد قضت الليلة في غرفة المعيشة. كان يُفترَض بها أن تنام، ولكنها نامت نومًا خفيفًا بحيث كانت واعيةً طوال الوقت بمكانها — على أريكة غرفة المعيشة — وبمكان لويس، في دار الجنازات.

حين حاولتْ أن تتحدَّث الآن، وجدت أن أسنانها ترتجف. كان في هذا مفاجأة تامة لها.

«كنتُ أريد إحراق جسده في الحال.» ذلك ما كانت تحاول أن تقوله، وما بدأتْ قوله، معتقدةً أنها كانت تتحدَّث بطريقةٍ طبيعية. وعندئذٍ سمعتْ لهاثها، أو شعرت به، لهاثها وتأتأتها التي خرجت عن سيطرتها تمامًا.

«كنتُ … أريد … هو … أراد …»

أمسكَ إد شور بأعلى ساعدها ووضع ذراعه الأخرى حول كتفَيْها. رفع بروس ذراعَيْه ولكنه لم يلمسها.

قال في غمٍّ: «كان عليَّ أن أجعلها تجلس.»

فقال إد: «لا بأس، هل تودين الخروج حتى سيارتي يا نينا؟ من الخير أن تتنشقي بعض الهواء الطلق.»

قاد إد السيارة ونوافذها مفتوحة، صعودًا في الجزء القديم من البلدة، وعلى شارعٍ مسدود فيه منعطف يطل على البحيرة. في أثناء النهار كان الناس يقودون سيارتهم إلى هنا للتطلع إلى المنظر الطبيعي — أحيانًا وهم يأكلون وجبات غداء سريعة — ولكن في الليل يصير المكان خاصًّا بالعشاق. لعل هذه الأفكار قد اتضحتْ تدريجيًّا في عقل إد، وفي عقلها هي أيضًا، عندما أوقف السيارة.

قال: «هل ذلك هواء كافٍ لكِ؟ لا حاجة بكِ لالتقاط نزلة برد، وقد خرجت دون ارتداء معطف.»

قالت في حرص: «سيدفأ الجو، مثل أمس.»

لم يسبق لهما بالمرة أن جلسا معًا في سيارة متوقفة، سواءً بعد حلول الظلام أو في نور النهار، ولم يلتمسا قطُّ مكانًا كهذا ليكونا معًا منفرديْن.

بَدَا التفكير في ذلك شيئًا منافيًا للذوق.

قالت نينا: «أنا آسفة، لقد فقدت السيطرة. ما قصدتُ إلا أن أقول إن لويس … إننا معًا … أن يكون …»

وبدأ الأمر ذاته يتكرر؛ من جديد أسنانها تصطك، الارتجاف، والمفردات التي تتمزق أشلاء، وما في ذلك كله من شفقةٍ كريهة. لم يكن ذلك حتى تعبيرًا عما كانتْ تشعر به حقًّا. ما شعرتْ به سابقًا كان الغضب والإحباط، من التحدث إلى بروس أو الإنصات إليه. هذ المرة كانت تشعر بسكينةٍ تامة واتزان — أو هكذا ظنَّتْ.

وهذه المرة، ولأنهما كانا معًا على انفراد، لم يلمسها. أخذ يتحدَّث ببساطة. لا داعي لأن تقلقي بشأن ذلك كله، سوف أتولى رعاية الأمر بنفسي، على الفور. سأتأكَّد أن يجري كل شيء على ما يُرام. أنا متفهم، إحراق الجثة.

قال لها: «تنفَّسي، خذي شهيقًا. والآن احتفظي به بداخلك. والآن أطلقيه.»

«أنا بخير.»

«أنتِ بخير بكل تأكيد.»

«لا أدري ما الأمر.»

«إنها الصدمة» قال بنبرة إقرار الواقع.

«أنا لستُ هكذا.»

«انظري إلى الأفق. ذلك أيضًا يساعد.»

كان يُخرِج شيئًا من جيبه. أكان منديلًا؟ لكنها لم تكن بحاجة إلى منديل. لم تبكِ. كل ما انتابها كان الارتجاف.

كان قطعةً من الورق مطوية في إحكام.

قال: «احتفظتُ بهذه من أجلكِ. كانت في جيب منامته.»

وضعت الورقة في محفظتها، بعنايةٍ ومن دون أي حماسة، كما لو كانت مجرد وصفة طبية. وعندئذٍ أدركتْ كلَّ ما كان يخبرها به.

«أكنتَ هناك حين أحضروه؟»

«لقد توليتُ أمره بنفسي. اتصل بي بروس. كانت هناك حادثة سيارة وكان الأمر أكثر قليلًا ممَّا يستطيع الاعتناء به بمفرده.»

لم تقل حتى أي حادثة؟ لم تهتم. كل ما كانت تريده الآن هو أن تنفرد بنفسها لتقرأ رسالتها.

جيب البيجامة! الموضع الوحيد الذي لم تبحث فيه، فهي لم تلمس جسده.

•••

عادتْ بسيارتها إلى البيت، بعد أن أعادها إد إلى مكانها. وبمجرد أن لوَّحَ لها وغاب عن عينيها ركنت السيارة جانبًا. وشرعت في إخراج الورقة بإحدى يديها حتى بينما كانت لا تزال تقود. قرأت ما كُتِب فيها، والمحرك يدور، ثم تابعت طريقها.

على الرصيف قبالة منزلها كانت هناك رسالة أخرى.

«إرادة الله.»

كتابة بالطباشير، مُتسرعة ومتشابكة كنسيج العناكب. كان من اليسير أن تمسحها.

ما كان لويس قد كتبه وتركه لها لتكتشفه لم يكن إلا قصيدة؛ عدة أبيات من شعر ساخر وقاسٍ، كان عنوانها «معركة المؤمنين بسِفْر التكوين مع أبناء داروين على روح الجيل الخائر».

كان هناك معبدٌ للعلم يقع
على شاطئ بحيرة هورون
حيث أتى كثيرٌ من
غلاظ العقول بليدي العيون
ليستمعوا إلى كثيرٍ من المملِّين.

•••

وكان ملك المملين فتًى وسيمًا حقًّا
ابتسامته واسعة من الأذن للأذن
أحمق، ليس في دماغه إلا
فكرة واحدة كبيرة …
قُلْ لهم كلَّ ما يودُّون سماعه!

ذات شتاء خطرت لمارجريت فكرة تنظيم سلسلة من الأمسيات يمكن للأشخاص فيها التحدُّث — ليس حديثًا مطولًا — عن أي موضعٍ هم مطلعون عليه ويهتمون بشأنه كثيرًا، أيًّا كان. فكرتْ في أن يكون هذا للمعلمين («دائمًا ما يكون المعلمون هم مَن يقفون ويغمغمون بكلامهم أمام جمهورهم من الأسرى.» هكذا قالت. «إنهم بحاجة لأن يجلسوا ويستمعوا إلى شخصٍ آخَر يخبرهم بأمرٍ ما، على سبيل التغيير»)، ولكن بعد ذلك قرَّروا أن الأمر سيكون أكثر إثارةً للاهتمام إذا ما انضمَّ إليها آخَرون من غير المعلمين كذلك. سيُحضِر الجميع أطباقًا من إعدادهم لتناوُلها على العشاء، ونبيذًا أيضًا، وكانت أول مرة في منزل مارجريت.

وهكذا وجدت نينا نفسها، ذات ليلة باردة صافية، تقف خارج باب مطبخ مارجريت في الردهة المظلمة والمزدحمة بأشياء أبناء مارجريت من معاطف وحقائب مدرسية وعصيِّ لعبة الهوكي، كان ذلك فيما مضى حين كانوا ما زالوا جميعًا يقيمون هنا. في غرفة المعيشة — التي لم يَعُدْ يصل منها إلى مسامع نينا أيُّ صوت — كانت كيتي شور تواصِل عرض موضوعها المختار، الذي كان عن القديسين. كان كلٌّ من كيتي وإد شور من بين «الناس العاديين» المدعوِّين إلى الحلقة، كما كانا أيضًا جيرانًا لمارجريت. كان إد قد تحدَّث في ليلةٍ أخرى، عن رياضة تسلُّق الجبال، كان قد مارَسَها بعض الشيء، في سلسلة جبال روكي، لكنه أغلب الوقت كان يتحدَّث حول بعثات تسلُّق تتسم بالخطورة والمأساوية كان قد قرأ عنها. (قالت مارجريت لنينا وهما يحضران القهوة في تلك الليلة: «كنت قَلِقة نوعًا ما من أنه قد يتحدَّث عن تجهيز الموتى.» وضحكت نينا ضحكة صغيرة وقالت: «ولكن ذلك ليس الشيء المفضَّل لديه، إنه ليس هوايته. لا أظن أنه يوجد الكثير من هواة تجهيز الموتى.»)

كان إد وكيتي زوجين جميلَي الطلعة. اتفقت مارجريت ونينا، سرًّا فيما بينهما، أن إد رجل مثير بصورة ملحوظة، لولا مهنته تلك. كانت يداه الطويلتان والماهرتان شاحبتين لدرجة استثنائية من الفرك والدعك ممَّا يجعل المرء يتساءل: أين كانت تلك اليدان؟ غالبًا ما كانت كيتي الريَّانة الجسد تشير إليه بكلمة «حبيبي». كانت قصيرة، عامرة الصدر، دافئة النظرات، سوداء الشعر، وذات صوت مليء بالحماس، حماسٍ تجاه زواجها، وأطفالها، والمواسم والفصول، والبلدة، وخصوصًا تجاه دينها. في الكنيسة الأنجليكانية التي كانت تنتمي إليها لم يكن المتحمسون أمثالها نوعًا شائعًا، وسَرَتْ أقوالٌ أنها كانت ابتلاءً حقيقيًّا، بتزمُّتها وخيالها وميلها إلى الطقوس السرية العتيقة مثل مباركة النساء بعد الولادة. كانت نينا ومارجريت تريان أيضًا أن من الصعب التعامُل معها، أما لويس فقد اعتبرها سمًّا فتَّاكًا. غير أن أغلب الناس كانوا مسحورين.

هذا المساء كانت ترتدي فستانًا من الصوف الداكن الحُمرة، وفي أذنيها حلق صنعته لها إحدى بناتها هديةً في عيد الميلاد. جلست في ركن الأريكة وساقاها مطويتان تحتها. كان حديثها لا بأس به ما دام أنه اقتصر على الجانب التاريخي والجغرافي من حياة القديسين، لا بأس بالنسبة إلى نينا، التي كانت تتمنَّى ألَّا يرى لويس داعيًا لشن هجمة عليها.

قالت كيتي إنها اضطرت إلى استبعاد جميع القديسين من أوروبا الشرقية والتركيز في الأساس على قديسي الجزر البريطانية، وعلى وجه الخصوص أولئك المنتمين إلى كورنوال وويلز وأيرلندا؛ أيِ القديسين السلتيين ذوي الأسماء الرائعة، ممَّن كانوا من المفضَّلين لديها. عندما شرعت تتحدَّث عمَّا تحلَّوْا به من قدرات على الشفاء والإتيان بالمعجزات، وخصوصًا حين بدأ صوتها يتلوَّن بالابتهاج ويجلجل حَلقها، ازداد تخوُّف نينا وارتقابها لوقوع مكروه. قالت كيتي إنها تعلم أن الناس قد يرون طيشًا منها أن تتحدَّث عن أحد القديسين في حين أنها كانت كارثة في الطبخ، ولكن ذلك ما آمنتْ بأنه السبب الحقيقي وراء وجود القديسين؛ فهم لم يكونوا أسمى وأعظم من الاهتمام بجميع تلك المحن والابتلاءات الدنيوية، وتفاصيل حياتنا اليومية التي قد ينتابنا الخجل من أن نتوجَّه بها إلى رب الكون كله. عن طريق الإيمان بالقديسين، يمكن للإنسان الاحتفاظ جزئيًّا بعالم الطفل في داخله، بأمل الطفل في تلقِّي العون والعزاء. «عليكم أن تصيروا مثل أطفالٍ صغار!» ثم أليست تلك المعجزات الصغيرة هي التي تهيِّئنا لتلقِّي المعجزات الكبرى؟ بالتأكيد هي تلك المعجزات الصغيرة.

والآن، هل هناك أي أسئلة؟

طرحَ شخصٌ ما سؤالًا حول تماثيل القديسين في إحدى الكنائس الأنجليكانية، في كنيسة بروتستانتية.

قالت كيتي: «حسنًا، إذا راعينا الدقة في الحديث، فإنني لا أعتقد أن الأنجليكان كنيسة بروتستانتية، ولكنني لا أريد الخوض في ذلك. عندما نقول في العقيدة المسيحية: «إني أومن بالكنيسة الكاثوليكية المقدسة.» فإنني أعتبر معنى ذلك الكنيسة المسيحية الكونية الكبرى. ثم نقول: «إنني أومن بمجمع القديسين.» بالطبع لا يوجد لدينا تماثيل في الكنيسة، على الرغم من أنني شخصيًّا أظن أنه سيكون من الجميل لو كان لدينا.»

قالت مارجريت: «قهوة؟» وهكذا فهم الحاضرون أن الجزء الرسمي من الأمسية قد انقضى. غير أن لويس نقل مقعده مقتربًا من كيتي وقال بلطفٍ تقريبًا: «إذن؟ هل نفهم من ذلك أنكِ تؤمنين بتلك المعجزات؟»

فضحكت كيتي قائلةً: «دون أدنى شك. لا يمكنني أن أوجد لو لم أكن أومن بالمعجزات.»

عندئذٍ علمت نينا ما سيتبع ذلك حتمًا. اقتراب لويس وتضييق الخناق في هدوء ودون رحمة، ثم رد كيتي بقناعتها المبتهجة إلى جانب ما كانت تظنه تناقضات أنثوية ساحرة. بلا شك، كان إيمانها ينصبُّ على ذلك، على سحرها الخاص؛ غير أن لويس لا يُسحَر. كان يريد أن يعرف، على أي صورة يوجد هؤلاء القديسون في اللحظة الراهنة؟ في الجنة، هل يشغلون المنطقة ذاتها التي يشغلها الموتى العاديون، الأسلاف ذوو الفضيلة؟ وكيف يتم اختيارهم؟ هل يتم ذلك عن طريق المعجزات المؤكدة، المعجزات الثابتة؟ وكيف يمكنك إثبات معجزات شخص كان يعيش منذ خمسة عشر قرن مضَتْ؟ أو كيف يمكن إثبات أي معجزة، على كل حال؟ في حالة تضاعُف عدد الأرغفة والأسماك مثلًا، سيكون ذلك بإحصاء عددها، ولكن أيكون ذلك إحصاءً حقًّا، أم إدراكًا مباشِرًا؟ الإيمان؟ آه، نعم. وهكذا ينتهي الأمر بكامله بالإيمان. في الشئون اليومية، كما في حياتها بكاملها، كانت كيتي تعيش بالإيمان!

هكذا كانت.

أَلَا تعول على العلم بأي طريقة؟ بالطبع لا. حين يمرض أطفالها لا تعطيهم دواءً؛ إنها لا تكترث حتى بتموين سيارتها بالوقود، فلديها إيمانها.

أحاديث عديدة انبثقت من حولهما. ومع ذلك، ونظرًا لشدة الأمر وخطورته، كان صوت كيتي الآن يتقافز مثل عصفورٍ على سلك، قائلةً له: كفَّ عن سخافاتك، هل تظن أنني معتوهة تمامًا؟ ويزداد استفزاز لويس لها ويمضي أكثر في استخفافه بها إلى حدٍّ مميت، وتسري هذه المحادثة إلى مسامع الآخرين، في جميع الأوقات، في كل مكان من الغرفة.

أحسَّتْ نينا بطعم مريرٍ في فمها. ذهبت إلى المطبخ لتساعد مارجريت. مرت كلٌّ منهما بالأخرى، مارجريت تحمل القهوة، ونينا تعبر المطبخ مباشَرةً لتخرج إلى الردهة. وعبر اللوح الزجاجي الصغير في الباب الخلفي تحدِّق في الليلة المظلمة، وأكوام الجليد على طول الشارع، والنجوم. تريح وجنتها الساخنة على الزجاج.

ثم رفعت قامتها بمجرد أن انفتح الباب المؤدِّي إلى المطبخ، تستدير وتبتسم وتوشك أن تقول: «أتيتُ فقط لأتفقَّد حالة الجو.» ولكنها ترى وجه إد شور في مواجهة الضوء، في الدقيقة السابقة على إغلاقه الباب تفكِّر بأنها غير مضطرة لقول ذلك. يُحيِّي كلٌّ منهما الآخَر تحيةً مقتضبة واجتماعية، تشوبها بدرجة طفيفة ضحكةُ اعتذارٍ وتبرُّؤ، وبتلك التحية تم تبادُل الكثير من الأشياء بينهما، وتم تفهُّمها كذلك.

إنهما يهجران كلًّا من كيتي ولويس. ولبرهة قصيرة، لن يلاحظ هذا لا كيتي ولا لويس. لويس لن يفقد قوة الدفع اللازمة للاستمرار، وكيتي سوف تجد طريقةً ما — وقد تكون إحدى الطرق شعورها بالأسف نحو لويس — لكي تخرج من فخٍّ يهدِّد بأن تكون ضحيةً للافتراس. لن ينتاب كلًّا من كيتي ولويس الضجر من نفسَيْهما.

أذلك ما كان يشعر به إد ونينا؟ الضجر من الاثنين الآخَرين، أو على الأقل الضجر من المجادلة والقناعات الراسخة، التعب من تلك الشخصيات المناضلة غير المستعدة أبدًا لتخفيف الوطء والتروِّي.

لا يستطيعان أن يقولا ذلك بالضبط. يمكن أن يقولا فقط إنهما ضَجِرا.

وضع إد شور ذراعًا حول نينا، ثم قبَّلها، ليس على فمها، ولا على وجهها، بل على عُنقها. ربما في الموضع الذي يخفق فيه نبضها المضطرب، في حلْقها.

كان رجلًا ممَّن يضطرون للانحناء ليفعلوا ذلك. مع كثيرٍ من الرجال الآخَرين، قد يكون هذا الموضع مكانًا طبيعيًّا لتقبيل نينا، وهي واقفة، ولكنه كان طويلًا بما فيه الكفاية لأن ينحني وهكذا يقبِّلها متأنيًا وقاصدًا في ذلك الموضع المكشوف والهش.

قال: «ستصابين بالبرد هنا بالخارج.»

«أعرف. سأدخل.»

•••

حتى ذلك اليوم لم يسبق لنينا بالمرة أن مارست الجنس مع أي رجل غير لويس، ولا حتى شيئًا قريبًا من هذا.

«مارست الجنس»، «أن تمارس الجنس مع»، لوقتٍ طويل لم تستطِع أن تقول كلمات كتلك. كانت تقول «ممارسة الحُب»، أما لويس فلم يكن يقول أي شيء. كان شريك فراش نَشِطًا ومُبتكرًا، وبمعنًى مادي، لم يكن غافلًا عنها. ليس من النوع غير المراعي لرغبات الآخَر، لكنه كان حَذِرًا تجاه أي شيء قد يتاخم اللعب على العواطف، وقد كان هناك الكثير من الأشياء التي تفعل ذلك، من وجهة نظره. وصارت هي بالغة الحساسية نحو نفوره هذا، وكادت أن تقاسِمه إياه.

وعلى الرغم من ذلك كله، فإن ذكرى قُبلة إد شور أمام باب المطبخ صارت بالفعل كنزًا، وكلما أنشد إد منفردًا المقاطِعَ الخاصة بصوت التينور من أنشودة المسيح في عرض جمعية الكورال كلَّ عيد ميلاد، كانت تلك اللحظة تعود إليها. كانت عبارة «فتحلُّ الراحةُ بقومي» تخترق حَلْقها مثل الإبَر. بدا كما لو أن كل شيء يتعلَّق بها صار مميزًا عندئذٍ، مُكرمًا ومتأججًا باللهب.

•••

لم يتوقَّع ناظر المدرسة بول جيبنز أيَّ مشكلات من ناحية نينا. كان اعتقاده على الدوام أنها إنسانة دافئة، ولو بطريقتها المتحفظة. ليست كاوية كشأن لويس، ولكنها ذكية.

قالت: «كلا، ما كان ليريد ذلك.»

«نينا. كان التدريسُ كلَّ حياته. لقد أعطى الكثير. هناك الكثير للغاية من الأشخاص، لا أعلم إن كنتِ تفهمين كم عدد هؤلاء الذين يذكرون الجلوس في صفه الدراسي وهم ينصتون إليه مسحورين. أغلب الظن أنهم لا يتذكَّرون من المدرسة الثانوية أيَّ شيء بقدر ما يتذكَّرون لويس. كان لديه حضوره الخاص يا نينا. الإنسان إما أن يحظى بهذا الحضور وإما أن يُحرَم منه، ولويس حظي بحضور مفرط.»

«أنا لا أعارضك في هذا.»

«إذن، لدينا كل هؤلاء الأشخاص الذين يريدون أن يقولوا وداعًا له، بطريقةٍ ما. جميعنا نريد أن نقول وداعًا، ونريد تكريمه أيضًا. تعلمين ما أقوله؟ بعد كل هذه الأمور. خاتمةٌ ما.»

«نعم، ها أنا أسمعها. خاتمة.»

ثمة نبرة بذيئة، هكذا فكَّر، غير أنه تجاهَلَ الأمر. «لسنا مضطرين لأن يكون هناك أي إلماح له صبغة دينية بشأن ذلك. لا صلوات، لا دعاء. إنني أعرف بقدر ما تعرفين تمامًا كم كان سيكره ذلك.»

«طبعًا.»

«أعرف. أستطيع أن أدير الحدث كله كرئيس تشريفات من نوعٍ ما، إن لم يَخُنِّي التعبير. لدي فكرة جيدة جدًّا عن نوع الأشخاص الأنسب لأن نطلب منهم إبداء كلمة تقدير صغيرة. ربما ستة منهم أو نحو ذلك، وينتهي الأمر ببضع كلمات من عندي. «كلمات تأبين»، أظن أن تلك هي الكلمة، ولكني أفضل أن أقول «تقدير».»

«ما كان لويس ليميل إلى أي شيءٍ من هذا.»

«ويمكننا أن نحظى بمشاركة منكِ بالدرجة التي تختارينها أنتِ.»

«بول. اسمع … اسمعني الآن.»

«بالطبع. أنا مُنصت.»

«إذا مضيتَ في هذا فسوف أشارك.»

«حسنٌ. هذا جيد.»

«حين مات لويس ترك … ترك قصيدة، في الحقيقة. إذا أصررت على هذا فسوف أقرؤها.»

«نعم؟»

«أعني أنني سوف أتلوها هناك، عاليًا. وسوف أقرأ شيئًا منها عليك الآن.»

«لا بأس، تفضلي.»

كان هناك معبدٌ للعلم يقع
على شاطئ بحيرة هورون
حيث أتى كثيرٌ من غلاظ العقول بليدي العيون

«يبدو مثل لويس بالفعل.»

ليستمعوا إلى كثيرٍ من المملِّين.
وكان ملك المملِّين فتًى وسيمًا حقًّا
ابتسامته واسعة من الأذن للأذن

«نينا. حسنًا، حسنًا. إذن هذا هو ما تريدين، صحيح؟ تريدين فضيحة مدوية على غرار أغنية هاربر فالي بي تي إيه؟»

«هناك المزيد.»

«أنا واثق من هذا. أعتقد أنك في غاية الانزعاج يا نينا. لا أظنك تتصرفين على هذا النحو لو لم تكوني منزعجة بشدة. وعندما تشعرين بتحسُّن سوف تندمين على ما بَدَا منكِ.»

«كلا.»

«أعتقد أنك سوف تندمين. سوف أغلق الخط الآن. سأقول لكِ وداعًا الآن.»

•••

قالت مارجريت: «عجبًا، وكيف استقبل ذلك؟»

«قال إن عليه أن يقول وداعًا.»

«هل تريدين مني أن آتي إليكِ؟ يمكنني أن أرافقك قليلًا.»

«لا. شكرًا لكِ.»

«أَلَا تريدين بعض الرفقة؟»

«لا أظن. ليس الآن.»

«أكيد؟ هل أنتِ بخير؟»

«أنا بخير.»

الحقيقة أنها لم تكن مسرورة من نفسها إلى هذه الدرجة، بخصوص ذلك الاستعراض على الهاتف. كان لويس قد قال لها: «كوني حريصة على أن تقفي في وجههم إذا ما أرادوا أي سخافات مقيتة مثل حفلات التأبين وتلك الأشياء. ذلك الرجل المعسول المداهن قادر على ذلك.» لذلك كان من الضروري أن تمنع بول بطريقةٍ ما، ولكن السبيل الذي اتبعتْه لذلك بدا لها مسرحيًّا حد الفجاجة. كان الغضب العارم مسئولية لويس وحده، والانتقام تخصُّصه، وكل ما كان يمكنها القيام به هو اقتباس كلماته.

كان ممَّا يتجاوز قدرتها أن تفكِّر كيف ستعيش، ولا شيء معها إلا عاداتها المسالمة القديمة. باردةٌ وبكماء، ومحرومةٌ منه.

•••

في وقتٍ ما بعد حلول الظلام طرق إد شور على باب البيت الخلفي. كان معه علبة الرماد وباقة ورود بيضاء.

أعطاها الرماد أولًا.

قالت: «آه. لقد تم الأمر.»

شعرتْ بدفء ينبعث من العلبة الكرتونية الثقيلة. لم ينبثق هذا الدفء على الفور، بل تسرَّب إليها تدريجيًّا، مثل دفء الدم عبر جلد الإنسان.

أين عساها أن تضع هذا؟ ليس على طاولة المطبخ، إلى جانب عشائها المتأخِّر، الذي لم تكد تلمسه. بيض مخفوق بالصلصة، خلطة كانت دائمًا تميل إليها في الليالي التي يتأخَّر فيها لويس بالخارج لسببٍ ما، فيتناول طعامًا مع المعلمين الآخَرين في نادي تيم هورتون أو في الحانة. أما الليلة فقد ثبت أنها خيارٌ سيئ.

ولا على نضد المطبخ كذلك، فسوف تبدو العلبة مثل عبوة ضخمة من البقالة. وليس على الأرض، حيث سيكون من الأسهل تجاهُلها ولكن سيبدو أنها تُنزِلها منزلة دنيا؛ كما لو كان ما بداخلها مجرد مهد قطة وليدة أو سماد للحديقة، شيء يجب ألَّا يقترب كثيرًا من الأطباق والطعام.

ما أرادته، حقًّا، أن تأخذها إلى غرفة أخرى، أن تضعها في مكانٍ ما بغرف المنزل الأمامية غير المضاءة. ويكون من الأفضل أن تضعها على أحد الأرفف داخل خزانة. ولكن كان من المبكر للغاية هذا الاستبعاد. أيضًا، مع الوضع في الاعتبار أن إد شور كان واقفًا يشاهدها، قد يبدو الأمر كما لو كان عملية تنظيف سريعة وقاسية، كما لو أنها تدعوه إليها بطريقةٍ سوقية.

أخيرًا وضعت العلبة على منضدة الهاتف الخفيضة.

قالت: «لم أقصد أن أدعك واقفًا هكذا، اجلس، أرجوك تفضَّل.»

«لقد قاطعتُ وجبتك.»

«لم أشعر برغبة في إكمالها.»

كان ما زال ممسكًا بالزهور. قالت: «أتلك من أجلي؟» صورته مع الباقة، صورته مع علبة الرماد والباقة، عندما فتحت له الباب، بَدَتْ لها مخيفة وغريبة، وبعد أن فكَّرت في الأمر، وجدت أيضًا أنها مضحكة إلى حد رهيب. كان هذا من نوع الأمور التي قد تصيبها بالهيستريا، عندما تحكيها لشخصٍ ما. عندما تحكيها لمارجريت. تمنَّتْ ألَّا تحكي ذلك أبدًا.

أتلك من أجلي؟

قد تكون بسهولةٍ شديدة من أجل المتوفى. زهور من أجل منزل المتوفى. بدأت البحث عن مزهرية، ثم ملأت براد الماء، وهي تقول: «كنت سأعد بعض الشاي قبل قليل.» ثم عادت لمحاولة تصيد مزهرية حتى عثرت عليها، وملأتها بالماء، ووجدت مقصًّا تحتاجه لتقليم السيقان، وأخيرًا أراحته من حمل الزهور. عندئذٍ لاحظت أنها لم تشعل الموقد تحت البراد. كانت بالكاد تسيطر على نفسها. شعرت كما لو أنها تستطيع بكل بساطة أن ترمي الزهور، وأن تحطم المزهرية، وأن تعتصر البقايا المتجلطة في طبق عشائها بين أصابعها. لكن لماذا؟ فهي لم تكن غاضبة؛ كل ما في الأمر ذلك المجهود المجنون، مواصَلة القيام بأمر بعد آخَر. الآن سيكون عليها أن تدفئ وعاء تقديم الشاي، سيكون عليها أن تعاير مقدار الشاي.

قالت: «هل قرأتَ الورقة التي وجدتُها في جيب لويس؟»

هز رأسه نافيًا، دون أن ينظر إليها. عرفت أنه كان يكذب. كان يكذب، كان مصدومًا، إلى أي مدًى كان ينوي التدخُّل في حياتها؟ لماذا لا تنهار وتخبره بما شعرت به من ذهول — لماذا لا تقولها، قشعريرة البرد التي أحاطت بقلبها — حين رأت ما كان لويس قد كتبه؟ حين رأت أن ذلك كان كل ما كتبه.

قالت: «لا عليكَ، كانت فقط بعض أبيات من الشعر.»

كانا شخصين لا توجد بينهما أرضٌ وسيطة، لا شيء بين الرسميات المُهذبة والحميمية الغامرة. ما كان بينهما، عبر كل تلك السنوات، ظل متوازنًا بفضل العلاقة الزوجية لكلٍّ منهما على حدة. كانت زيجتاهما هي المحتوى الحقيقي لحياتيهما؛ فزواجها من لويس، الذي كان أحيانًا حادًّا ومُربكًا، كان محتوى حياتها الذي لا استغناء عنه. وقد اعتمد هذا الأمر الآخر على زيجتيهما، من أجل عذوبته ووعده بالسلوى. كان أمرًا من المستبعد أن ينهض ويواصل حياته قائمًا بذاته، حتى لو كان كلٌّ منهما حُرًّا. ومع ذلك فقد كان شيئًا ما، يكمن الخطر فقط في تجربته، ورؤيته يتحطم أشلاءً ثم التفكير في أنه لم يكن شيئًا مذكورًا.

أشعلت الموقد، أعدت براد الشاي ليدفأ. قالت: «لقد كنتَ في غاية الطيبة ولم أشكرك حتى. لا بد أن تتناول بعض الشاي.»

قال: «سيكون ذلك لطيفًا.»

وحين جلسا إلى المائدة، وصُبَّ الشاي في القدحين، وقُدِّم الحليب والسُّكر — في اللحظة التي يُفترض بها أن تصاب بالهلع — خطر لها خاطر في غاية الغرابة.

قالت: «ما طبيعة ما تقوم به في الحقيقة؟»

«طبيعة ماذا؟»

«أقصد، ما الذي قمتَ به معه، ليلة أمس؟ أم أنه من النادر أن يسألك أحد عن ذلك؟»

«ليس بهذا التفصيل.»

«هل تمانع؟ لا تجبني إن كنت لا تريد.»

«السؤال مفاجئ.»

«أنا نفسي مندهشة أنني سألتك.»

«حسنًا إذن، لا بأس.» هكذا قال، وهو يُعيد قدحه إلى صحنه الصغير. «بشكل أساسي لا بد أن نقوم بتصفية الأوعية الدموية وكذلك ما بالجوف، وبهذا يمكن الاهتمام بمشكلات التخثرات، وهكذا أقوم بما يجب القيام به لتجاوز تلك المشكلة. في أغلب الحالات يمكن الاستعانة بحبل الوريد، ولكن أحيانًا يتوجب القيام ببَزْل للقلب. وكذا نستخلص محتويات جوف البدن باستخدام شيء يُسمَّى مِبزلًا، وهو أقرب إلى إبرة طويلة ورفيعة على أنبوب مَرِن. ولكن بالطبع يختلف الأمر كله إذا حدث تشريح للجثة وتم استخراج أعضائها؛ يضطر المرء عندئذٍ لوضع حشوة بشكلٍ ما، من أجل استعادة المحيط الخارجي الطبيعي للجسم …»

ظل ناظرًا إليها طوال الوقت وهو يخبرها بهذا، متابعًا في حذر. لم يكن ثمة مشكلة بالنسبة إليها؛ فما شعرتْ به يستيقظ في داخلها لم يكن إلا فضولًا ممتدًّا وباردًا.

«أهذا ما كنتِ تريدين معرفته؟»

«نعم.» هكذا ردت في ثبات.

رأى أنه ليس ثمة مشكلة، فاستراح. استراح وربما شعر بالامتنان لها؛ فلا بد أنه كان معتادًا على أن ينفر الناسُ نفورًا تامًّا ممَّا قام به، أو يطلقون النكات بشأن ذلك.

«وبعد ذلك نحقن الجسم بالسائل، وهو محلول من الفورمالدهايد والفينول والكحول، وكثيرًا ما نضيف إليه بعض الصبغة من أجل اليدين والوجه. يعطي الجميع أهميةً خاصة للوجه وهناك كثير مما يجب عمله فيه، مع جراب العين وخياطة اللثة. هذا علاوة على التدليك والاهتمام بالرموش وإضافة مساحيق زينة من نوعٍ خاص. لكن الناس يهتمون كثيرًا بالأيدي ويريدونها ناعمةً وطبيعيةً وغير مجعَّدة عند أطراف الأنامل …»

«قمتَ بكل ذلك العمل!»

«لا بأس. لم يكن ما تريدينه. ما هي إلا أمور تجميلية نقوم بها، في معظم الأحوال. ذلك ما نحرص عليه في أيامنا هذه أكثر من أي تدابير لحفظ الجسد على مدار فترة طويلة. حتى لينين العجوز، كما تعلمين، كان عليهم الاستمرار في ذلك وإعادة حقن الجثة حتى لا تتفسخ أو تفقد لونها، لا أدري إن كان هناك مَن لا يزال يقوم بذلك حتى الآن.»

شيءٌ ما في صوته دفعها للتفكير في لويس، شيءٌ من الاتساع، أو الطمأنينة، مصحوبًا بالجدية. ذكَّرها ذلك بلويس في الليلة قبل الأخيرة، وهو يتحدَّث إليها في ضعف ولكن في رضًا عن الكائنات وحيدة الخلايا — لا نواة، ولا كروموسومات مزدوجة، ولا أي شيءٍ آخر؟ — كان هذا هو الشكل الوحيد من أشكال الحياة الذي وُجِد على الأرض لما يقرب من ثلثَيْ تاريخ الحياة على الأرض.

قال لها إد: «أتعرفين أن المصريين القدامى كانوا يعتقدون أن روح الإنسان تذهب في رحلةٍ ما، رحلةٍ لا تكتمل إلا بعد ثلاثة آلاف سنة، ثم تعود الروح إلى جسدها، ولا بد أن يكون الجسد في حالة جيدة إلى حدٍّ معقول. وهكذا انصبَّ اهتمامهم الأساسي على التحنيط لحفظ الجسد، ولا نستطيع حتى يومنا هذا بلوغ أي درجة قريبة منه.»

لا بلاستيدات خضراء ولا … ميتوكوندريا.

قالت: «ثلاثة آلاف سنة، ثم تعود!»

فقال: «حسنٌ، هذا وفقًا لهم.» وضع قدَحه الفارغ وأبدى أنه من الأفضل له الذهاب للمنزل.

«شكرًا لك.» قالت نينا، ثم أضافت في عجلة: «هل تؤمن بذلك الشيء … بالأرواح؟»

نهض واقفًا ويداه مفرودتان على طاولة مطبخها. تنهَّد وهز رأسه وقال: «نعم.»

•••

بعد وقتٍ قصير من مغادرته أخرجت الرماد ووضعته على المقعد المجاور لمقعد السائق في السيارة. ثم عادت إلى البيت لإحضار مفاتيحها ومعطفها. قادت السيارة لمسافة ميل تقريبًا خارج البلدة، إلى مفترق طرق، ثم توقَّفتْ وخرجت وسارت على جانب الطريق، وهي تحمل العلبة. كان الليل هادئًا باردًا وساكنًا تمامًا، على الرغم من القمر العالي في السماء.

يمر هذا الطريق في البداية بأرضٍ موحلة حيث كانت تنمو نباتات البوط، التي كانت الآن جافة، وطويلة وذات مظهر شتوي. كما كانت هناك أيضًا أعشاب الصقلاب، بتويجات خاوية، تلمع مثل أصداف. كان كل شيء مميزًا تحت القمر. كان بوسعها أن تشم رائحة خيول. نعم، كان هناك حصانان بالقرب منها، وظهرا لها هيكلين أسودين صلبين فيما وراء نباتات البوط وسياج المزرعة. وقفا هناك يحكان جسديهما الكبيرين أحدهما بالآخر، ويشاهدانها.

فتحت العلبة ووضعت يدها في الرماد البارد ثم ألقته أو أسقطته — مع أجزاء أخرى من الجسد، متناهية الصغر استعصت على الحرق — بين تلك النباتات الطالعة على جانب الطريق. وعند القيام بذلك أحست وكأنها تخوض في بحيرة لأول مرة في شهر يونيو. في البداية صدمة يقشعر لها البدن، ثم دهشة أنك ما زلتَ تتحرك، يرتفع بك تيار من العزم الفولاذي؛ هادئًا تطفو فوق سطح حياتك، وقد نجوتَ، ومع هذا يستمر ألم البرودة في التسرُّب إلى بدنك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١