ما نتذكَّره

في غرفة فندق في فانكوفر، تلبس ميريل، المرأة الشابة، قفازَها الصيفي الأبيض القصير. ترتدي ثوبًا من الكتان البيج، وتضع على شعرها وشاحًا أبيض خفيفًا. كان لها شعرٌ أسود في ذلك الحين. تبتسم لأنها تذكَّرتْ شيئًا قالَتْه سيريكيت ملكة تايلاند، أو اقتبسَتْه كمقولة، في إحدى المجلات. اقتباس في داخل اقتباس، شيء قالت الملكة سيريكيت إن بالماين قد قاله.

«لقد علَّمني بالماين كلَّ شيء. قال لي: «ارتدي دائمًا قفازات بيضاء. إنها الأفضل».»

إنها الأفضل. ماذا في ذلك يجعلها تبتسم؟ يبدو الأمرُ همسةَ نُصح في غاية النعومة، مثل حكمة نهائية وسخيفة. كانت يداها في القفازين رسميتين، ولكنْ رقيقتَي المظهر مثل مخالب هرة.

يسألها بيير عن سر ابتسامتها، تقول: «لا شيء.» ثم تخبره.

يقول: «ومَن هو بالماين؟»

•••

كان يتأهَّبان للذهاب إلى جنازة. أتيا إلى هنا ليلة أمس بالعَبَّارة (المعدِّية) من منزلهما في جزيرة فانكوفر، حتى يتأكَّدَا من وصولهما في الموعد المحدَّد لطقس المأتم المقام في الصباح. كانت المرةَ الأولى التي ينزلان فيها في فندق منذ ليلة زفافهما. حين كانا يسافران آنذاك لقضاء إجازةٍ، كانا يصحبان دائمًا طفلَيْهما، وكانا يبحثان عن الأنزال الصغيرة الرخيصة الأسعار المُعَدَّة لاستقبال الأُسَر.

كانت هذه هي الجنازة الثانية فقط التي يحضرانها بوصفهما زوجًا وزوجة. كان والد بيير مُتوفًّى، وكانت أم ميريل متوفَّاة، غير أن حالتَي الوفاة هاتين قد جَرَتا قبل أن يلتقي بيير وميريل. العام الماضي مات فجأةً أحد مُعلمي مدرسة بيير، وأقاموا له مأتمًا لا تشوبه شائبة، مع جوقة من تلاميذ المدرسة وعبارات نشيد دفن الموتى التي تعود للقرن السادس عشر. كان الرجل في منتصف العقد السابع من عمره، فبدا موته لكلٍّ من ميريل وبيير أمرًا ليس مفاجئًا، وبالكاد مُحزنًا. فكما اتفقا في الرأي، ليس ثمة فارق كبير بين أن يموت المرء في الخامسة والستين أو الخامسة والسبعين أو الخامسة والثمانين.

جنازة اليوم كانت شأنًا آخر. كان جوناس هو مَن سيُدفن. كان أقرب أصدقاء بيير لسنوات وفي نفس سِنِّه؛ تسعة وعشرين عامًا. نشأ بيير وجوناس معًا في غربي فانكوفر، يمكنهما تذكُّرها في الفترة السابقة على إنشاء جسر ليونز جيت، حين كانت تبدو مثل بلدةٍ صغيرة. ربطت الصداقة بين أهليهما كذلك. حين بلغا من العمر إحدى عشر أو اثني عشر عامًا تعاوَنا في بناء قارب تجديف وانطلقا من لسان دانداريف لِرُسوِّ القوارب. في الجامعة افترقت صحبتهما لفترة، كان جوناس يدرس الهندسة، في حين الْتحق بيير بقسم الدراسات الكلاسيكية، وكان طلاب الفنون وطلاب الهندسة يتبادلان الازدراء بحُكم المتعارف عليه، غير أنه في غضون سنوات منذ ذلك انبعثت الحياة في صداقتهما إلى حدٍّ ما. كان جوناس، الأعزب، يأتي لزيارة بيير وميريل، وأحيانًا كان يقيم معهما لأسبوع في الزيارة الواحدة.

كان هذان الشابان يندهشان مما جرى في حياتيهما، ويتخذانه مادةً للمزاح. كان جوناس هو مَن بدا اختياره لتخصُّصه مطمئنًا لنفس والديه، وقد أثار حسدًا صامتًا لدى والدَيْ بيير، ومع ذلك فقد كان بيير هو مَن تزوَّج وحصل على عملٍ في مجال التدريس وتحمَّل مسئوليات الرجال العادية، في حين أن جوناس، بعد إنهاء الجامعة، هو مَن لم يستقر قطُّ على فتاةٍ أو وظيفة. كان على الدوام في فترة اختبار بطريقةٍ ما لم تنتهِ به قطُّ إلى تثبيت قدمَيْه في أي شركة؛ أما الفتيات — على الأقل بحسب ما يقوله هو — فقد كنَّ دائمًا في فترة اختبار معه بطريقةٍ ما. آخِر وظيفة له في مجال الهندسة كانت في الجانب الشمالي من الإقليم، وقد ظلَّ مقيمًا هنالك لفترة بعد أن استقال أو فُصِل منها. كتب لبيير يقول: «تم إنهاء الوظيفة بموافقة الطرفين.» وأضاف أنه كان يقيم في فندقٍ، حيث يقيم جميع أبناء الطبقة العليا، وأنه قد يجد له وظيفةً مع طاقم يعمل في تقطيع الأخشاب من الغابات وشحنها. كما كان يتعلَّم قيادة الطائرات، متأمِّلًا احتمالَ أن يصير طيارَ غابات. كان قد وَعد أن يأتي لزيارتهما حين تنقضي العراقيل المالية الراهنة.

تمنَّتْ ميريل ألَّا يحدث ذلك؛ كان جوناس ينام على أريكة غرفة الجلوس وفي الصباح يرمي بالأغطية أرضًا فتضطر هي لرفعها ولمِّها، وكان يُبقي بيير ساهرًا حتى منتصف الليل ليتحدثا عن أشياء وقعت حين كانا مراهقَيْن، أو حتى أصغر سنًّا. كان الاسم الذي ينادي به بيير هو «بول البئر»، اسم شهرة من تلك السنوات، وكان يشير إلى الأصدقاء القدامى الآخرين ﺑ «الحوض النتن» أو «الدُّون» أو «الريشة»، ولا يدعوهم أبدًا بأسمائهم الحقيقية التي طالما سمعتها ميريل؛ ستان أو دون أو ريك. كان يستدعي، بتحذلُق فِجٍّ، تفاصيلَ أحداث لم تَرَها ميريل على أي درجة من التميُّز أو الطرافة (كيس مملوء بغائط الكلاب يتم إحراقه على عتبة باب بيت مُعلم المدرسة؛ مضايقة وفضح العجوز الذي كان يعرض على الصبية خمسة سنتات لإنزال سراويلهم)، وكان ضِيقها يتنامى إذا ما تحوَّل الحديث إلى الوقت الحاضر.

حين اضطرت إلى إبلاغ بيير بوفاة جوناس ساوَرَها الأسف والارتعاد. كانت آسِفةً لأن جوناس لم يَرُقْ لها، وارتعدت لأنه كان أول شخص يموت يعرفانه معرفةً وثيقة، وفي نفس محيط سنِّهما. غير أن بيير لم يَبْدُ عليه الاندهاش أو أنه تلقَّى صدمةً على نحوٍ خاص.

قال: «انتحار؟»

فقالت كلا، بل حادثة. كان يقود دراجة نارية، بعد حلول الظلام، على طريق مفروش بالحجارة، فانحرف خارج الطريق. عثر عليه أحدهم، أو ربما كان معه، أتَتِ النجدة على الفور، ولكنه تُوفِّي في غضون ساعة. كانت إصاباته قاتلةً.

ذلك ما قالته أمه، على الهاتف، كانت إصاباته قاتلةً. بَدَا من صوتها وكأنها قد تمالكت نفسها بسرعة للغاية، وأبعد ما تكون عن الاندهاش. تمامًا كما كان بيير حين قال: «انتحار؟»

بعد ذلك لم يكد يتحدَّث بيير وميريل عن الوفاة ذاتها، فقط عن الجنازة، عن غرفة الفندق، عن الحاجة لجليسة أطفال لليلةٍ كاملة. كان ينبغي تنظيف بدلته، وتحضير قميص أبيض. كانت ميريل هي من قامت بالترتيبات، وظلَّ بيير يتفقَّد ما تفعله بطريقة زوجية معتادة. فهمت أنه تمنَّى منها أن تتمالك نفسها وتتحلَّى بطابعٍ عملي واقعي، كما كان هو، وألَّا تدَّعِي إحساسَها بأي أسفٍ هو متأكد من أنها لا تشعر به حقًّا. سألته لماذا قال «انتحار»؟ وأجابها: «ذلك ما خطر على بالي.» شعرتْ بأن مراوغته لها كانت نوعًا من الإنذار، بل التوبيخ، كما لو كان يستريب في أنها تستمد من هذا الموت — أو من قربهما من هذا الموت — شعورًا مشِينًا وأنانيًّا؛ تَحمُّسًا مُهندمًا، ومَرَضيًّا.

في تلك الأيام، كان الأزواج الشباب يتَّسِمون بالصرامة. قبل وقت قصير فقط، كانوا خُطابًا، أشخاصًا مُكرسين للمرح فقط تقريبًا، تدفع محنُهم الجنسية رُكبَهم للارتجاف ذُعرًا وإلحاحًا يائسًا. أما الآن، بعد أن استقروا وثبتَتْ أقدامهم، فقد صاروا أشخاصًا عنيدين كثيري الاستهجان؛ يغادرون إلى العمل كل صباح، بذقن حليقة جيدًا، ورقاب فتية تحيط بها أربطة العنق المعقودة، يقضون أيامهم في مشاقَّ مجهولة، ثم يعودون للبيت في وقت العَشاء لينظروا بعين الانتقاد نحو وجبة المساء وليفتحوا الصحيفة، ويرفعوها فتحول بينهم وبين فوضى المطبخ، والأوجاع والعواطف، والأطفال الصغار. ما أكثر ما يتوجب عليهم تعلُّمه بسرعةٍ شديدة! كيف يتملَّقون رؤساءَهم في العمل وكيف يسيِّرون زوجاتهم، كيف يسيطرون في حزمٍ وثقة على كلٍّ من أقساط الرهن العقاري، والحوائط، وجزِّ عشب باحة المنزل، وتسليك أنابيب الصرف، وأمور السياسة، بجانب الاهتمام بوظائفهم التي يجب أن تحفظ لهم أُسَرَهم على مدى فترة ربع القرن التالية. كانت النساء إذن هنَّ مَن يستطعن التسلُّل بعيدًا عن ذلك كله — خلال ساعات النهار، ودائمًا ما يُترَك لهنَّ تحمُّل المسئولية الخلَّابة التي أُلقِيت عليهن، فيما يخص شأن الأطفال — فيرجعن بهذا إلى نوعٍ من المراهقة الثانية. تروق الروح ويعتدل المزاج حين يغادر الأزواج. تمرُّد حالم، تجمعات للتخريب، نوبات ضحك كانت كأنها ارتداد إلى أيام المدرسة الثانوية، يتفجَّر هذا كله بداخل الجدران التي كان الزوج هو مَن يدفع ثمنها، وتحديدًا في خلال الساعات التي يغيب عنها.

دُعِي بعض الحاضرين حين انقضت الجنازة للعودة إلى منزل والدَيْ جوناس في دانداريف. كانت أزهار الأزاليا على السياج مزدهرةً ونضرةً، كلها بألوان الأحمر والقَرَنْفُلي والأرجواني. أبدى الناس مجاملاتهم لوالد جوناس على الحديقة.

قال: «لا أدري، كان علينا أن نحسن مظهرها في شيءٍ من العجلة.»

قالت والدة جوناس: «أخشى أن هذا لا يُعتبَر غداءً حقيقيًّا. مجرد لقمة بسيطة.» كان أغلب الحاضرين يشربون نبيذ الشيري الإسباني، ومع ذلك فقد تناوَلَ بعض الرجال الويسكي. مُدَّتْ صحاف الطعام على المائدة الطويلة لغرفة الطعام؛ شطائر السلمون الصغيرة والبسكويت المملَّح، وكعكات الفِطر الصغيرة، ولفائف السجق، وكعكة الليمون الخفيفة والفاكهة المقطَّعة وبسكويت اللوز المهروس، بجانب شطائر الجمبري ولحم الخنزير المقدد والخيار بالأفوكادو. كوَّم بيير كلَّ شيء فوق طبقه الصيني الصغير، وسمعت ميريل أمه تقول له: «كما تعرف، يمكنك دائمًا أن تعود لتأخذ حصةً ثانية من الطعام.»

لم تَعُدْ والدته تعيش في غربي فانكوفر حاليًّا، ولكنها أتت من وايت روك لحضور الجنازة. ولم تكن واثقةً كل الثقة بشأن توجيه توبيخ مباشِر إلى ابنها بيير وقد صار الآن معلِّمًا ورَبَّ أسرة.

قالت: «أم أنك تظن أنه لن يتبقى منها شيء؟»

قال بيير بغير اكتراث: «ربما لن يتبقى شيءٌ ممَّا أريده.»

خاطبتْ أمه ميريل: «ما ألطف ثوبكِ!»

«نعم، لكن انظري.» قالت ميريل ذلك وهي تسوي التجاعيد التي تكوَّنت وهي جالسة في أثناء مراسم الجنازة.

قالت والدة بيير: «تلك هي المشكلة.»

«ما هي المشكلة؟» قالت والدة جوناس ذلك في بشاشة، وهي تضع بعض الكعكات المملحة على صفحة الطعام الدافئة.

قالت والدة بيير: «تلك هي مشكلة الكتان. لقد كانت ميريل تقول لي توًّا كيف تَجعَّد ثوبها (لم تقل: «في أثناء مراسم الجنازة»)، وكنتُ أقول لها إن تلك هي مشكلة الكتان.»

ربما لم تكن والدة جوناس تُنصت. قالت وهي تنظر عبرَ الغرفة: «ذلك هو الطبيب الذي أشرفَ على حالته. لقد أتى من سميثرز بطائرته الخاصة. حقًّا، رأينا في هذا طِيبةً بالغة.»

قالت والدة بيير: «تلك مجازَفة فعلًا.»

«نعم. حسنًا. أحسبه يتحرَّك دائمًا بتلك الطريقة، لرعاية مَن يُصابون بسوءٍ في الغابات.»

كان الرجل الذي يتكلَّمان عنه يتبادَل الحديث مع بيير. لم يكن يرتدي بدلة كاملة، وإنْ كان يرتدي سترةً لا بأس بها، فوق بلوفر له ياقة عالية.

قالت والدة بيير: «أظن أن الأمر كذلك.» فردَّتْ والدة جوناس: «نعم.» وشعرتْ ميريل كما لو أن شيئًا ما — حول طريقته في الملبس؟ — قد اتضح واستقرَّ فيما بينهما.

نظرت للأسفل نحو مناديل المائدة، التي كانت مطوية طيَّات مربَّعة. لم تكن مناديل كبيرة للغاية مثل تلك الخاصة بحفلات العَشاء، ولا صغيرة للغاية مثل تلك الخاصة بحفلات الكوكتيل. كانت منتظمة في صفوف متداخلة بعضها في بعض، بحيث يكون طرف كل منديل (الطرف المزخرف بوردة صغيرة للغاية، إما زرقاء وإما وردية وإما صفراء) مشتبكًا في الطرف المطوي للمنديل المجاور له. لم يكن هناك منديلان متلامسان ولهما نفس لون الوردة في الطرف المزخرف. لم يُقدِم أحد على إرباكها، وإنْ فعلوا — ذلك لأنها رأت بضعة أشخاص في الغرفة يحملون مناديل مائدة — فقد كانوا يلتقطون مناديل من الموجودة في نهاية الصف وبطريقة حريصة بحيث يبقى هذا النسق دون مساس.

في مراسم الجنازة، كان القَسُّ قد قارَنَ حياة جوناس على الأرض بحياة الجنين في الرحم. قال إن الجنين لا يدري شيئًا عن أي وجودٍ آخَر، ويقيم في كهفه الدافئ المعتم المائي، دون أن يحظى بأهون لمحة عن العالم المشرق العظيم الذي سوف يشقُّ سبيله إليه عمَّا قريب. وإننا على الأرض لدينا لمحة عن ذلك، ولكننا غير قادرين حقًّا على تخيُّل الضوء الذي سندخل إليه بعد أن نمرَّ بسكرات الموت. إذا ما تمَّ إبلاغ الجنين بطريقةٍ ما عمَّا سيحدث له في المستقبل القريب، أفلن يتشكَّك، ويخاف كذلك؟ وهكذا نفعل نحن أيضًا، أغلب الوقت، ولكن ليس علينا ذلك؛ ذلك لأننا قد تلقَّينا عهدًا مؤكدًا. وعلى الرغم من ذلك، فإن عقولنا العديمة البصيرة لا يسعها أن تتخيَّل، لا يسعها أن تتصوَّر ذلك الذي سوف نَعبُر إليه. يتدثَّر الطفل في جهله، في الإيمان بوجوده العاجز الأبكم، أما نحن ممَّن لا نجهل كلَّ الجهل ولا نعلم كل العلم، فلا بد لنا أن نحرص على أن نتدثَّر بإيماننا، إيماننا بعالم الرب.

تطلَّعت ميريل ناظِرةً نحو القَسِّ، وكان واقفًا في مدخل الرواق وفي يده كأس النبيذ الإسباني، يعيرُ أذنه لامرأة مفعمة بالحيوية ذات شعرٍ أشقر منفوش. لم يَبدُ لها أنهما كانا يتحدَّثان عن سكرات الموت المبرحة وعن النور الذي نخرج إليه بعدها. ماذا عساه أن يصنع لو مشت إليه وأثارتْ هذا الموضوع معه؟

لا أحد يملك الجرأةَ، أو الخُلُقَ الفظَّ، لفعل ذلك.

بدلًا من ذلك نظرتْ نحو بيير وطبيب الغابات. كان بيير يتحدَّث بهمة وحماسة صبيانية لم يَعُدْ يُرَى متحلِّيًا بها كثيرًا تلك الأيام، أو لم تَعُدْ ميريل تراه كذلك كثيرًا. أخذت تشغل نفسها بأن تتظاهر بأنها تراه للمرة الأولى، الآن. كان شعره المموَّج القصير، بلونه شديد السواد، ينسحب للخلف من عند صدغيه، كاشفًا عن جلده الناعم العاجي بلمسةٍ طفيفة من اللون الذهبي. كتفاه عريضتان وحادتان، وأطرافه طويلة رشيقة، ولرأسه جمجمة صغيرة ولكن لطيفة الشكل مع ذلك. كانت ابتساماته خلَّابة، لكنْ غير مبتذلة، وبدا أنه لم يَعُدْ يثق في التبسُّم بالمرة منذ أن صار مُعلِّمًا للصبية. ارتسمتْ على جبينه خطوطٌ مرهفة من همومٍ مُقيمة.

تذكَّرت إحدى حفلات طاقم التدريس — مضى عليها أكثر من عامٍ — حين وجدت نفسها معه على جانبين متقابلين من الغرفة، منهمِكين في المحادثات التي تجري بالقرب منهما. دارت في الغرفة حينذاك واقتربت منه دون أن يلحظ، ثم بدأت تتحدث إليه كما لو كانت امرأة غريبة عليه أتت لتغازله في حيطةٍ وتكتُّم. ابتسم هو كما كان يبتسم الآن — ولكن مع فارق، كما هو الحال الطبيعي عند التحدُّث إلى امرأة لعوب تنصب له شَرَكًا — وراح يجاريها في التمثيلية الصغيرة. تبادلا نظرات مشحونة وعبارات مبتذلة حتى غلبهما الضحك هما الاثنين. ثم اقترب منهما شخصٌ ما وقال لهما إن النكات الزوجية غير مسموح بها.

«وما الذي يجعلك تظن أننا متزوجان حقًّا؟» هكذا قال له بيير، الذي غالبًا ما يكون متحفظًا للغاية في مسلكه خلال مثل تلك الحفلات.

اجتازت الغرفة إليه الآن دون أن يكون في ذهنها أي حماقة من هذا القبيل، كان عليها أن تذكِّره بأن عليهما بعد قليلٍ أن يتخذا طريقين منفصلين. سيقود هو السيارة إلى خليج هورس شو ليلحق بالعبَّارة التالية، أما هي فسوف تعبر نورث شور نحو لين فالي مُستقِلَّةً الحافلة. كانت قد رتَّبت لأن تستغل هذه الفرصة لزيارة سيدة كانت أمها المتوفاة تحبها وتعجب بها، بل لقد سُمِّيت في حقيقة الأمر تيمنًا بها، ودائمًا ما دعتها ميريل بالخالة، على الرغم من عدم وجود رابطة دم بينهما. الخالة موريل. (غيَّرت ميريل في هجاء حروف اسمها عندما سافرت للالتحاق بالكلية.) كانت هذه السيدة المسنَّة تعيش في دار لرعاية المسنين في لين فالي، ولم تزرها ميريل لما يزيد عن العام. كان الوصول إلى هناك يقتضي وقتًا أكثر من اللازم، خلال رحلات الأسرة القليلة إلى فانكوفر، وكان الأطفال ينزعجون من الجو المخيم على دار الرعاية وهيئة الأشخاص المقيمين فيها، وكذلك كان بيير، غير أنه لم يَقُلْ ذلك صراحةً؛ بدلًا من ذلك سأل عن الرابطة التي تجمع ميريل بهذه المرأة.

«إنها ليست حتى خالة حقيقية لكِ!»

وهكذا ستذهب ميريل الآن لرؤيتها بمفردها. قالت إنها سينتابها شعورٌ بالذنب إن لم تذهب وقد واتتها الفرصة لذلك، كما أنها كانت تتطلَّع إلى وقتٍ يُتاح لها فيه أن تبتعد عن أسرتها، وإن لم تصرِّح بذلك.

قال بيير: «ربما أستطيع أن أُقِلَّكِ، يعلم الله كم سيطول انتظارك للحافلة!»

قالت: «لا يمكنك ذلك، فقد تفوتك العبَّارة.» وذكَّرته بما اتفقا عليه مع جليسة الأطفال.

فقال: «أنتِ على حق.»

الرجلُ الذي كان يتحدَّث إليه — الطبيب — وجد نفسه مضطرًّا للإنصات إلى هذا الحديث، وقال في عفوية: «اسمحي لي أن أُقِلَّك!»

«كنتُ أعتقد أنكَ أتيتَ على متن طائرة.» هكذا قالت ميريل، وفي الوقت نفسه قال بيير: «هذه زوجتي، عُذْرًا، ميريل.»

قال لها الطبيب اسمًا لم تكد تسمعه.

قال: «ليس من السهل الحطُّ بطائرة على جبل هوليبرن؛ لذا تركتها في المطار واستأجرتُ سيارة.»

أحست ميريل بدرجةٍ طفيفة من اللياقة المفتعلة، من جانبه؛ مما حدا بها للتفكير بأنها ربما بدت وَقِحةً معه. أغلب الوقت كانت إما أجرأ من اللازم وإما أكثر خجلًا من اللازم.

قال بيير: «أحقًّا لا بأس في ذلك؟ ألديك الوقت؟»

نظر الطبيب مباشَرةً نحو ميريل. لم تكن هذه نظرة نفور، لم تكن نظرة وَقِحة أو ماكرة، كما لم تكن نظرة تقدير؛ ولكنها كذلك لم تكن نظرة مجاملة اجتماعية بريئة.

قال: «بكل تأكيد.»

وهكذا تم الاتفاق على أن يجري الأمر على هذا النحو؛ سوف يشرعون في توديع الحاضرين الآن، وسوف يغادر بيير ليستقل العبَّارة، بينما آشر — أو الدكتور آشر كما اتضح أن هذا اسمه — سوف يُقِلُّ ميريل إلى لين فالي.

كان ما خططتْ ميريل أن تفعله، بعد ذلك، هو زيارة الخالة موريل، بل ربما تبقى حتى تتناول العشاء بصحبتها، ثم تأخذ الحافلة من لين فالي إلى محطة حافلات وسط المدينة (وتنطلق الحافلات إلى «البلدة» منها بوتيرة منتظمة نسبيًّا)، ومن المحطة تستقل حافلة الليل التي ستأخذها إلى العبَّارة، ومنها للبيت.

•••

كانت دار رعاية المسنين تُسمَّى ضيعة الأمير؛ مبنًى من طابق واحد، ولكنَّه ذو أجنحة ممتدة أفقيًّا، ومغطًّى بجصٍّ لونه بُني فاتح. كان الشارع مزدحمًا، ولم تكن هناك أي أراضٍ خالية، ولا أسيجة نباتية أو سور من قضبان الخشب الرفيعة من أجل حجب الضجيج أو حماية الرقع الصغيرة من الخضرة. على أحد الجانبين كانت هناك كنيسة إنجيلية صغيرة ذات برج، وعلى الآخَر محطة وقود.

قالت ميريل: «إن كلمة «ضيعة» لم تَعُدْ تعني أي شيء بالمرة، صحيح؟ إنها لا تعني حتى أنه يوجد طابق علوي. كل ما تعنيه أنه يُفترض بكَ أن تفكِّر في أي مكان باعتباره لا يتظاهر بكونه شيئًا آخَر.»

لم يقل الطبيب شيئًا، ربما لأن ما قالته لم يبدُ له أيُّ معنًى بالنسبة إليه، أو لم يكن يستحق فحسب أن يقول إن كان حتى صحيحًا أم لا. طوال الطريق من دانداريف ظلَّت تنصت إلى نفسها وهي تتحدث وأصابها ذلك بالذعر. لم يكن الأمر أنها تثرثر — فتقول أي شيء فحسب يخطر على بالها كيفما اتفق — بل كانت تحاول أن تعبِّر عن أمورٍ بدت لها جديرة بالاهتمام، أو لعلها تكون جديرة بالاهتمام إذا أحسنت هي صياغتها. غير أن تلك الأفكار على الأرجح بدت متكلَّفة، هذا إن لم تكن مخبولة، منطلقة بسرعة على نحو ما كانت تنطق بها. لا بد أنها بدت مثل واحدة من تلك النساء العاقدات العزم على عدم إجراء محادثة عادية بسيطة ولكن محادثة حقيقية. وعلى الرغم من علمها أنه ما من شيء كان مُجدِيًا، وأن حديثها يبدو بالتأكيد عبئًا ثقيلًا عليه، لم تستطع أن تكبح جماح نفسها وتتوقَّف.

لم تدرِ ما الذي بدأ هذا. كانت مضطربة؛ فقط لأنها نادرًا ما كانت تتحدَّث إلى شخصٍ غريب في تلك الأيام. كانت تشعر بغرابة بسبب الركوب بمفردها في سيارةٍ مع رجل ليس بزوجها.

حتى إنها سألته، في اندفاع، عن رأيه في فكرة بيير أن حادثة الدراجة النارية لم تكن إلا انتحارًا.

فقال لها: «قد تطفو مثل تلك الفكرة في الذهن مع أي عدد من الحوادث العنيفة.»

قالت: «لا تهتم بإيقاف السيارة أمام المبنى. يمكنني أن أنزل هنا.» كانت في غاية الحرج، وفي غاية اللهفة لأن تهرب منه ومن لا مبالاته التي لا تكاد تخرج عن أصول اللياقة، فوضعتْ يدها على مقبض الباب كما لو كانت ستفتحه وهما ما زالا يسيران على امتداد الشارع.

«كنتُ أخطط لأن أَصُفَّ السيارة جانبًا.» هكذا قال، وهو ينعطف على كل حال. «لم أكن لأتركك جانحةً هنا.»

قالت: «ولكن قد أمضي بعض الوقت.»

«لا بأس، أستطيع أن أنتظر. أو بوسعي أن أدخل وأُلقِي نظرةً على المكان، إن لم تمانعي في ذلك.»

أوشكت أن تقول إن دور المسنين قد تكون أمكنة كئيبة ومُحبِطة، ثم تذكَّرت أنه طبيب وأنه لن يرى أي شيء هنا لم يسبق له أن رآه. وكان هناك شيءٌ أدهشها في طريقة قوله: «إن لم تمانعي في ذلك.» شيءٌ رسمي، ولكنه أيضًا يشي بتردُّد وحيرة. بَدَا وكأنه يقدِّم لها وقته وحضوره، شيءٌ لا علاقةَ له بالكياسة واللياقة، بل له علاقة بها هي نفسها. كان عرضًا مُقدَّمًا بلمسةٍ من تواضُع صريح، لكنه لم يكن توسُّلًا. لو كانت قالت له إنها لا تودُّ حقًّا أن تأخذ المزيد من وقته، لما كان مضى في محاولة إقناعها، ولكان ودَّعَها في لطفٍ متوازِن وقاد سيارته راحِلًا.

على أي حال، خرجَا من السيارة وسارَا جنبًا إلى جنب عبر مساحة صفِّ السيارات، متجهين إلى المدخل الأمامي.

كان هناك العديد من كبار السن والمُقعدين جالسين في مربعٍ من أرضية مبلطة، كان فيه بضع شجيرات تبدو كثيفة الأوراق وحولها أُصصٌ لأزهار البتونيا، لتعطي إيحاءً بساحة حديقة. لم تكن الخالة موريل بينهم، غير أن ميريل وجدتْ نفسها تمنحهم التحيات السعيدة عن طيب خاطر. حدث لها شيءٌ ما؛ ساوَرَها فجأةً إحساسٌ غامض بالسُّلْطة والحبور، كما لو أنها مع كل خطوة تخطوها ترسل رسالة ساطعة من أخمص قدمها حتى قمة رأسها.

حين سألته فيما بعدُ: «لماذا دخلتَ معي إلى هناك؟» قال: «لم أُرِدْ أن تغيبي عن ناظري.»

كانت الخالة موريل تجلس بمفردها، في مقعد متحرك، في الممر المعتم خارج غرفة نومها مباشَرةً. كانت منتفخة وتلمع بالوميض، ولكن ذلك كان يرجع لأنها ملتفة في مريلة مصنوعة من مادة الاسبستوس (الحرير الصخري) اللامعة حتى يتسنَّى لها أن تدخِّن سيجارة. اعتقدتْ ميريل أنها حين ودَّعتها، قبل شهورٍ أو فصول، كانت تجلس في المقعد ذاته وفي الموضع ذاته، على الرغم من أنهم لم تكن ترتدي مريلة الاسبستوس هذه، التي لا بد أنها تتفق مع قاعدة جديدة من قواعد الدار، أو تعكس مزيدًا من التدهور في حالتها. من المحتمل للغاية أنها كانت تجلس هنا كلَّ يوم إلى جانب مطفأة السجائر المثبتة في الأرض والممتلئة بالرمل، تنظر إلى الجدار المطلي بلون الكبد البُني القاني — كان مطليًا بلونٍ قرنفلي أو ربما بنفسجي فاتح، ولكنه بَدَا بُنيًّا كالكبد، وكان الممر معتمًا للغاية — بجوار رفٍّ صغير يدعم أشكالًا من عاجٍ مزيف.

قالت: «ميريل؟ عرفتُ أنها أنتِ. عرفتُ من خطواتك، وعرفتُ من صوت أنفاسك. لا بد أن حالة المياه البيضاء على عيني ساءت كالجحيم؛ فكل ما يمكنني أن أراه هو بقع غائمة.»

«إنها أنا، لا بأسَ عليكِ، كيف حالك؟» قبَّلت ميريل وجنتها. «لماذا لا تخرجين في نور الشمس؟»

قالت المرأة العجوز: «أنا لستُ مولعةً بنور الشمس. عليَّ أن أنتبه لبشرتي.»

لعلها كانت تمزح، ولكن ربما كانت الحقيقة فعلًا. كان كلٌّ من وجهها الشاحب ويدَيْها كذلك مغطًّى بنقاط كبيرة، نقاط بيضاء ميتة انعكس عليها الضوء الشحيح المتاح في الممر، فاستحال لونها فضيًّا. كانت شقراء حقيقية، ذات وجهٍ وردي، وشعرٍ منسدل بانتظام حَسَن القص، وقد دبَّ فيه الشيب في الثلاثينيات من عمرها. صار هذا الشعر الآن رثًّا مشعثًا، وقد انتفش من فركه في الوسادة، وتبرز من بين خصلاته شحمتا أذنَيْها مثل حلمتَيْ ثدي مسطحتين. كانت معتادة على وضع ماساتٍ صغيرة في أذنَيْها، أين ذهبت تلك الأقراط الماسية؟ الماسات في أذنَيْها، وسلاسل من ذهبٍ حقيقي، ولآلئ حقيقية، وبلوزات حريرية غير مألوفة الألوان — كهرمانية، وباذنجانية — وأحذية جميلة ضيقة.

كانت تنضح برائحة بُدْرة المستشفى وحلوى العرقسوس التي كانت تمتصها طوال اليوم ما بين السجائر الموزعة باقتصاد.

قالت: «نحتاج لبعض المقاعد.» ثم انحنت إلى الأمام، ولوحت بيدها التي تحمل السيجارة في الهواء، وحاولت أن تصفر. «الخدمة، من فضلكم. مقاعد.»

قال الطبيب: «سأجد بعضها.»

الآن تُركت موريل العجوز والأخرى الشابة وحدهما.

«ما اسم زوجك؟»

«بيير.»

«وعندكما طفلان، صحيح؟ جين وديفيد؟»

«صحيح، ولكن الرجل الذي أتى معي …»

«آه، لا.» قالت موريل العجوز، «ذلك ليس زوجك.»

كانت الخالة موريل تنتمي إلى جيل جدة ميريل، وليس جيل أمها. كانت معلمة الفنون الجميلة لأم ميريل في المدرسة. في البداية كانت نموذجًا مُلهمًا لها، ثم حليفتها، ثم صديقتها. رسمت صورًا تجريدية كبيرة الحجم، وكانت إحداها — هدية لأم ميريل — معلقة في الرواق الخلفي من المنزل الذي نشأت فيه ميريل، وكان يتم نقل تلك اللوحة إلى غرفة الطعام كلما أتت الفنانة لزيارتهم. كانت ألوانها كامدة — درجات غامقة من الأحمر والبُني (كان والد ميريل يسمِّيها «كومة سماد فوق النار») — غير أن الخالة موريل دائمًا ما بدت مشرقة ومنطلقة الروح، لا تهاب شيئًا. كانت تعيش في فانكوفر حين كانت شابة، قبل أن تأتي للتدريس في هذه المدينة الداخلية. صادقَتْ فنانين صارت أسماؤهم تُذكَر الآن في الصحف اليومية. كانت تشتاق للرجوع إلى هناك وهكذا فعلت في نهاية المطاف، وعاشت برفقة زوجين عجوزين ثريَّيْن، ترعى شئونهما، وقد كانا صديقين لها ومن رُعاة الفنانين. بدت وكأنها تملك الكثير من المال حين كانا على قيد الحياة، ولكنها تُرِكتْ في العراء دون شيء حين تُوفِّيَا. عاشت على معاشها ورسمت بعض الصور بألوان الماء لأنها لم تتمكَّن من توفير المال لألوان الزيت، وجوَّعت نفسها (هكذا شَكَتْ والدة ميريل) من أجل أن تتمكَّن من اصطحاب ميريل إلى الغداء في مطعم، وكانت ميريل آنذاك طالبة جامعية. في تلك المناسبات كانت تتحدَّث على عَجَل، مطلقةً النكات والانتقادات، مشيرةً في الغالب إلى كَمْ أن تلك الأعمال والأفكار التي يتحمَّس لها الناس في جنون ليست سوى قمامة، وأيضًا كيف كان يوجد هنا وهناك شيء استثنائي، في إنتاج شخصية غامضة من المعاصرين أو شِبه المنسيِّين ممَّن عاشوا في قرنٍ آخَر. كانت تلك هي كلمتها الشجاعة للإعراب عن المديح؛ «استثنائي.» تقولها بصوتٍ هامس كالفحيح، كما لو كان ممَّا يدهشها هي نفسها أن تعثر بين الحين والآخَر على شيءٍ رفيع القدر في هذا العالم لا يزال جديرًا بالمديح دون ريب.

عاد الطبيب بالمقعدين وقدَّم نفسه، بطريقة طبيعية تمامًا، كما لو أنه لم تُتَحْ له الفرصة لذلك حتى الآن.

«إيريك آشر.»

قالت ميريل: «إنه طبيب.» وكانت على وشك أن تشرح الأمر بشأن حضور الجنازة، والحادثة، والمجيء بالطائرة من سميثرز، ولكن المحادثة أفلتَتْ من بين أصابعها.

قال الطبيب: «لكني لستُ هنا بصفتي المهنية، فلا تقلقي.»

قالت الخالة موريل: «آه، لا، أنت هنا بصحبتها.»

قال: «نعم.»

عند هذه اللحظة مد يده في المساحة ما بين المقعدين وتناوَلَ يد ميريل، وأمسك بها للحظةٍ في قبضته القوية، ثم أفلَتْها. وقال للخالة ميريل: «كيف يمكنكِ أن تعرفي هذا؟ من صوت أنفاسي؟»

«أنا أعرف الكيفية.» هكذا قالت بشيءٍ من نفاد الصبر، «كنتُ أنا نفسي ذات يوم شيطانة ساحرة.»

كان في صوتها تهدُّج ما أو ضحك مكتوم، وهو شيء لم يُشبه أي صوتٍ تحدَّثت به فيما سبق حسبما تتذكَّر ميريل. شعرتْ ببعض الخيانة داخل هذه السيدة العجوز التي صارت فجأةً غريبةً؛ خيانة للماضي، وربما لأم ميريل وللصداقة التي عقدَتْها مع شخصٍ أرقى واعتزَّت بها ككنزٍ؛ أو لعلها خيانة لوجبات الغداء تلك مع ميريل نفسها، وما فيها من أحاديث تسمو نحو الأعالي. كان ثمة انحطاط وهبوط من ذلك السمو على وشك أن يقع. وقد شعرت ميريل بالضيق من هذا، وبإثارةٍ بعيدة للغاية.

قالت الخالة موريل: «آه، وكان لي أصدقاء.» فقالت ميريل: «بل كان لك الكثير من الأصدقاء.» ثم ذكرت اسمًا أو اثنين.

قالت الخالة موريل: «قد ماتَ هذا.»

قالت ميريل لا، كانت قد قرأت عنه شيئًا في الصحيفة من وقتٍ قريب للغاية، معرضًا لأعماله الفنية السابقة أو جائزة ما.

«حقًّا؟ ظننتُه قد مات. ربما أفكر في شخصٍ آخَر، هل كنتَ تعرف آل ديلاني؟»

خاطبتِ الرجلَ مباشَرةً، وليس ميريل.

قال: «كلا، لا أظن.»

«كانوا عائلة لديها مكان اعتدنا جميعنا الذهاب إليه، على جزيرة بوين. عائلة ديلاني. ظننتُ أنك ربما تكون قد سمعتَ بهم. حسنًا، جرت تحت الجسر مياهٌ كثيرة، هذا ما كنتُ أقصده حين قلتُ إنني كنتُ ذات يوم ساحرةً فاتنة. مغامرات، نعم. بدت وكأنها مغامرات، لكنها كانت كلها وفقًا للنص المعهود، إن كنتَ تفهم مقصدي. لذا فلم يكن فيها قدر كبير من المجازفة، في الواقع. كنا كلنا نشرب حتى الثمالة، نتشبع بالخمر كقطع الإسفنج، بطبيعة الحال. ولكنهم دائمًا كانوا يشعلون الشموع في حلقة ويديرون مشغل الموسيقى، بطبيعة الحال، أقرب إلى طقس شعائري. ولكن ليس إلى نهاية الشوط؛ فلم يكن معنى هذا أنك قد تلتقي بشخصٍ جديد هناك وترمى بالنص المعهود عُرْضَ الحائط. كل ما هنالك أنكما تلتقيان للمرة الأولى فتتبادلان القبلات مثل مجنونين، وتنطلقان ركضًا في داخل الغابة، وسط الظلام. ولكنك لا تمضي حتى نهاية الشوط. لا عليك، انسَ الأمر.»

شرعتْ تسعل، وحاولت أن تتحدَّث على الرغم من ذلك، لكنها أقلعت عن المحاولة وغلبها سعالٌ جاف عنيف. نهض الطبيب وضرب برفق وخبرة بضع مرات على ظهرها المحني. انتهى السعال بصوت أنين.

قالت: «الآن أفضل. آه، أنت تعلم ما تقوم به، ولكنك تظاهرت بعكس ذلك. ذات مرة وضعوا عصابة على عيني. ليس هناك في الغابة، ولكن كان هذا بالداخل. لم أجد بأسًا في الأمر، تركتهم يفعلون. ولم يُجْدِ هذا نفعًا مع ذلك، أقصد، أنا كنتُ أعلم. على أي حال لم يكن هناك في الغالب أي شخص لم أكن قد تعرَّفت عليه.»

سعلت من جديد، ولكن ليس على نحوٍ بائس للغاية كالمرة السابقة. ثم رفعتْ رأسها، وتنفَّستْ بعمق وبصوت مسموع لبضع دقائق، وهي ترفع يديها أمامها لترجئ الحديث، كما لو أن لديها شيئًا مهمًّا لتقوله. ولكن في نهاية الأمر كان كل ما فعلته أنْ ضحكت وقالت: «الآن صارت على عيني عصابة ثابتة. المياه البيضاء. ولكن هذا لا يفيدني في شيء الآن، لا أعرف أي حالة إغواء قد تنتفع بالمياه البيضاء على العينين.»

«منذ متى بدأتْ تتكوَّن تلك المياه على العينين؟» قال الطبيب باهتمام مُعتبر، وما أراح نَفس ميريل أنهما قد شرعا في حديثٍ مستغرِق، نقاشٍ محتشد بالمعلومات حول درجة نضج المياه البيضاء، وإزالتها، ومزايا ومضار هذه العملية، وعدم ثقة الخالة موريل في طبيب العيون الذي نُفِي إلى هنا — كما قالت — لرعاية الموجودين بالدار. خيالات شهوانية — كان ذلك ما رأته ميريل — انزلقت من دون أهون صعوبةٍ إلى ثرثرة طبية، تشاؤم في حدود العقل من جانب الخالة موريل، وطمأنة في حدود الحذر من جانب الطبيب. إنه نوع الحديث الذي لا بد أنه يدور بانتظام بداخل تلك الجدران.

ما هي إلا برهة وجيزة حتى تبادَلَ كلٌّ من ميريل والطبيب نظرةً سريعة، كأنهما يتساءلان إن كانت هذه الزيارة قد طالت بما فيه الكفاية. نظرة مختلسة، متفهمة، وتكاد تكون زوجيةً، غير أن تَخفِّيها وحميميتها العادية تُعَدُّ مثيرةً حين يتبادَلها شخصان غير زوجين على كل حال.

قريبًا.

كانت الخالة موريل هي مَن بادرتْ بنفسها. قالت: «أنا آسفة، إنها لَوقاحة مني، ولكن عليَّ أن أقول لكما إنني تعبتُ.» لم تكن هناك أي لمحة في سلوكها الآن تشي بالشخص الذي دشَّن الجزء الأول من الحديث. مالت ميريل وانحنت عليها لتقبِّلها مودِّعةً، وهي مشتَّتة البال، كأنها تلعب دورًا ما، يساورها إحساسٌ غامضٌ بالخزي. انتابها شعورٌ بأنها لن ترى الخالة موريل مرةً أخرى، وهذا ما كان حقًّا.

لدى أحد الأركان، والأبواب مفتوحة على الغرف حيث يرقد أشخاصٌ نائمين أو ربما يراقبون من أَسِرَّتهم، قام الطبيب بمسِّ ما بين لوحي كتفَيْها وحرَّك يده للأسفل نزولًا على ظهرها حتى خصرها. أدركت أنه فقط يجذب قليلًا قماش ثوبها، الذي كان قد التصق بجلدها الرطب حين جلست مستندة إلى ظهر المقعد. كان الثوب رطبًا للغاية من تحت ذراعَيْها.

كان عليها الذهاب للحمام. راحت تبحث بعينَيْها عن دورات المياه المخصَّصة للزوَّار، التي ظنَّت أنها لمحتها عندما كانا في طريقهما للدخول.

ها هي. كانت مُحِقَّة. أي راحة، ولكن أيضًا مشقة؛ لأنه توجَّبَ عليها أن تترك رفقته فجأةً وتقول له: «دقيقة فقط.» بصوتٍ بَدَا لها نائيًا ومعتكرًا. قال: «نعم.» وتوجَّه بِهمَّة إلى مراحيض الرجال، وهكذا ضاع ما اتسمتْ به اللحظة من رقَّةٍ ورهافة.

حين خرجت إلى نور الشمس الساخن رأته يذرع المكان بجوار السيارة، مدخنًا سيجارة. لم يدخِّن من قبلُ، لا في منزل والدَيْ جوناس أو في الطريق إلى هنا أو مع الخالة موريل. بدا ذلك الفعل وكأنه ينأى به، لإظهار بعضٍ من العجلة، لعلها عجلة الانتهاء من شيءٍ ما والانتقال إلى ما يليه. ولم تَعُدِ الآن واثقةً إن كانت هي الشيء التالي أم الشيء الذي انتهى أمرُه.

«إلى أين؟» هكذا قال، بينما تحرَّكا بالسيارة. ثم استدرَكَ، وكأنه أحسَّ أنه تحدَّث بفظاظة زائدة: «إلى أين تحبين الذهاب؟» كانت نبرته تقريبًا كما لو كان يتحدَّث إلى طفل، أو إلى الخالة موريل، إلى شخصٍ ما توجَّب عليه أن يرافقه ويُسلِّيه خلال فترة ما بعد الظهر. فقالت ميريل: «لا أدري.» كما لو أنها لم تملك أيَّ خيارٍ آخَر سوى أن تترك نفسها لتلعب دور ذلك الطفل الثقيل. كانت تكبح بداخلها نحيبَ الإحباط، تكبحُ ضجيجَ الرغبة؛ رغبة بَدَا أنها حَيية ومشتَّتة نُدَفًا ولكنها محتمة، ومع ذلك فقد أُعلِنت هذه الرغبة الآن على حين فجأة كأمرٍ لا يليق، ومن طرفٍ واحد. يداه على عجلة القيادة كانت تحت سيطرته بكاملها، مُستعادة كما لو كان لم يلمسها قطُّ.

قال: «ما رأيك في متنزه ستانلي؟ هل تودين الذهاب للتمشية في متنزه ستانلي؟»

قالت: «أوه، متنزه ستانلي. لم أذهب إلى هناك منذ دهرٍ بعيد!» كما لو أن مجرد الفكرة قد أنعشَتْها وملأَتْها بالحيوية، فلم يَعُدْ بوسعها أن تتخيَّل شيئًا أفضل من ذلك. وجعلت الأمور تزداد سوءًا بأن أضافت قائلةً: «يا له من يوم رائع الجمال!»

«إنه لَكذلك حقًّا.»

كانا يتحدَّثان مثلما تتحدَّث شخصيات الرسوم الهزلية، كان شيئًا لا يُحتمَل.

«إنهم لا يزودون تلك السيارة المستأجرة بأجهزة راديو. حسنًا، أحيانًا يفعلون وأحيانًا لا.»

أنزلتْ زجاجَ النافذة المجاورة لها بينما كانوا يعبرون فوق جسر ليونز جيت. سألته إن كان يمانع.

«لا، على الإطلاق.»

«دائمًا ما يكون هذا معنى الصيف بالنسبة إليَّ؛ أن أفتح النافذة وأن أسند مرفقي على حافتها وأدع النسيم يدخل، لا أظنني سوف أعتاد على مكيف الهواء أبدًا.»

«قد تعتادين عليه، مع درجات حرارة بعينها.»

تحلَّتْ بالصمت بقوة وعزم، حتى ظهرت أمامَهما الغابةُ الخاصة بالمتنزه العام، حيث قد تستطيع الأشجار السامقة السميكة الجذوع أن تبتلع الحماقة والخزي. وعندئذٍ أفسدتْ كلَّ شيء بأن تنهَّدت تنهيدة إعجاب مُفرط.

«بروسبكت بوينت.» قرأ اللافتة بصوتٍ مسموع.

كان هناك الكثير من الأشخاص في المكان، على الرغم من أنه كان يومًا من أيام العمل خلال وقت ما بعد الظهر من شهر مايو، ولم يبدأ موسم الإجازات بعدُ. خلال لحظة قد يعلقان على ذلك. كانت هناك سيارات مصفوفة على طول الطريق المؤدِّي إلى المطعم، وقد اصطف الناس على منصة مشاهدة المنظر الطبيعي من أجل التطلُّع من المنظار المقرب الذي يعمل بالعُملة.

«آها!» انتبه إلى إحدى السيارات التي تترك مكانها. أُرجِئت الحاجة إلى الحديث للحظةٍ، بينما تقدَّمَ ببطء، وتراجَعَ للخلف بالسيارة ليفسح لها مجالًا، ثم يناور لِصَفِّها في البقعة الضيقة إلى حدٍّ ما. خرجا من السيارة في الوقت ذاته، دارا حولها ليلتقيا على رصيف المشاة. راح يتلفَّت في هذه الناحية وتلك، كما لو كان يقرِّر أين يسيران. كان المتنزهون يأتون ويذهبون في أي طريق يمكن رؤيته. كانت ساقاها ترتعشان، ولم يَعُدْ يسعها الاحتمال أكثر من هذا.

قالت: «خذني إلى مكانٍ آخَر.»

نظر نحو وجهها مباشَرةً وقال: «نعم.»

وعلى ذلك الرصيف في المنظر الطبيعي الفسيح، أخذا يتبادلان القبلات بجنون.

•••

«خذني.» كان ذلك ما قالته، «خذني إلى مكانٍ آخر.» وليس «فلنذهب إلى مكانٍ آخَر.» هذا مهم بالنسبة إليها. المجازفة، نقل السُّلطة. مجازفة تامة ونقلٌ تام. كانت كلمة «لنذهب» سيكون فيها مجازفة لكنها لن تتضمن التنازُل والتسليم، وهو ما كان البداية بالنسبة إليها للانزلاق الشهواني، كلما أعادت إحياء هذه اللحظة في مخيلتها. وماذا لو كان قد تنازل واستسلم هو بدوره؟ ماذا لو قال: «إلى أين؟» ما كان هذا قد أجدى نفعًا كذلك؛ كان عليه أن يقول فحسب ما قاله بالفعل. كان عليه أن يقول: «نعم.»

أخذها إلى الشقة التي كان يقيم فيها، في كتسيلانو. كانت ملكًا لصديق له كان مسافرًا على قارب صيد، في مكانٍ ما بعيد عن الساحل الغربي لجزيرة فانكوفر. كانت الشقة في مبنًى صغير وأنيق، بارتفاع ثلاثة أو أربعة طوابق. كل ما يمكنها تذكُّره من ذلك المبنى هو الطوب الزجاجي حول المدخل الأمامي، وجهاز الهاي فاي الثقيل المعقد الخاص بذلك الزمن، الذي بَدَا كأنه قطعة الأثاث الوحيدة في غرفة المعيشة.

لو كان لها الخيار لفضَّلَتْ منظرًا آخَر على هذا، وكان ذلك المنظر هو الذي اختارت أن تشكِّل في إطاره ما جرى، في ذاكرتها. فندق مكتنز من ستة أو سبعة طوابق، كان في وقتٍ ما مكانًا مسايرًا للعصر، يقع في الطرف الغربي من فانكوفر. الستائر من دانتيلا قد اصفرَّ لونها، السقوف عالية، وربما مشغولات حديدية فوق جزءٍ من النافذة، مع شرفات زائفة أمام النوافذ. فعليًّا لا يوجد شيء قَذِر أو زَرِيٌّ، فقط جوٌّ مهيمن لسُكنى طويلة من المِحَن والآثام الخاصة. هناك سيكون عليها أن تعبر الردهة الصغيرة للفندق برأس منحنٍ وذراعين تلتصقان بجانبَيْها، وجسدها كله ينضح بخزيٍ فاتن. وسوف يتحدَّث هو إلى موظف الاستقبال بصوتٍ خفيض ليس متباهيًا، ولكنه أيضًا لا يحجب غرضهما أو يعتذر عنه.

ثم دخولهما القفص العتيق الطراز للمصعد، الذي يديره رجلٌ عجوز، أو ربما تكون امرأة عجوز، أو حتى شخص مُقعد، خادمٌ ماكر للخطيئة.

لِمَ استدعتْ هذا؟ ولِمَ أضافت ذلك المشهد؟ من أجل لحظة الانكشاف، الإحساس اللاذع بالخزي والفخر الذي استولى على جسدها وهي تسير عبر ردهة الفندق (المزعومة)، ومن أجل نبرة صوته، وما يشوبها من تكتم وسطوة وهو يتحدَّث إلى موظف الاستقبال بكلماتٍ لم تتبينها تمامًا.

لعل تلك كانت هي نفسها نبرة الصوت التي تحدَّث بها في الصيدلية على بُعْد بضع بنايات من الشقة، بعد أن أوقَفَ السيارة وقال: «دقيقة واحدة وأعود.» تلك الترتيبات العملية التي كانت تبدو مثقِلةً للقلب ومُحبِطة في الحياة الزوجية يمكن لها في تلك الظروف المختلفة أن تستنفر حرارةً لطيفة بداخلها، خمولًا جديدًا وإذعانًا.

•••

بعد حلول الظلام أَقَلَّها عائدًا من جديد، قائدًا السيارة خلال المتنزه العام وعبر الجسر وخلال غربي فانكوفر، قاطعًا مسافة قصيرة فحسب من موضع منزل والدَيْ جوناس. وصلت خليج هورس شور في اللحظة الأخيرة تقريبًا، وصعدت إلى العبَّارة. الأيام الأخيرة من شهر مايو أطول أيام السنة، وعلى الرغم من الأضواء على متن العبَّارة وأضواء السيارات المتسللة من جوف القارب، كان بوسعها أن ترى وميضًا في الجهة الغربية من السماء وأمامه الكتلة السوداء لإحدى الجُزر — ليست جزيرة بوين ولكنها جزيرة أخرى لم تكن تعرف اسمها — منتظمة الشكل كأنها قطعة حلوى بودينج في فم الخليج.

كان عليها أن تنضمَّ إلى حشد من الأجساد المتزاحمة، يشقُّ طريقه صعودًا على الدَّرَج، وحين بلغت الطابق المخصَّص للمسافرين جلست في أول مقعد رأته. لم تكترث — حتى كما كانت تفعل دائمًا — بأن تبحث عن مقعد مجاور لإحدى النوافذ. كانت أمامها ساعة ونصف قبل أن يرسو القارب على الضفة الأخرى من المضيق، وفي أثناء هذا الوقت كان لديها عمل كثير تقوم به.

ما إن شرع القارب في الحركة حتى انخرط الأشخاص الجالسون بجوارها في الحديث. لم يكونوا ممَّن يتقابلون عَرَضًا على متن العبَّارة فيتبادلون أطراف الحديث، بل كانوا أصدقاء أو أقارب ممَّن يعرف بعضهم بعضًا جيدًا، وسوف يكون لديهم الكثير مما يقولونه خلال الرحلة. وهكذا نهضت وخرجت من هذا الطابق، وصعدت إلى الطابق الأعلى من العبَّارة، حيث يكون هناك على الدوام عدد أقل من الأشخاص، وجلست على الصناديق الخشبية التي تحتوي أطواق النجاة ولوازمها. كان جسدها يؤلمها في مواضع مختلفة، مواضع متوقَّعة وأخرى غير متوقَّعة.

المهمة التي كان عليها القيام بها، كما حدَّدَتْها، أن تتذكَّر كلَّ شيء — بكلمة «التذكُّر» كانت تعني مُعايشتها في عقلها، مرةً أخرى — ثم تقوم بتخزينها جانبًا إلى الأبد. تنظيم تجربة هذا اليوم في نَسق، دون ترك أي جزءٍ منها عرضةً للإهمال أو التزييف، تجميعها كلها كما لو كانت كنزًا والانتهاء منها، ثم وضعها جانبًا.

تنبَّأتْ بأمرين وتشبثت بهما، الأول يجلب الراحة، والثاني يسيرٌ بما يكفي لأن تتقبَّله في الوقت الراهن، على الرغم من أنه بلا ريب سيصير أشدَّ صعوبةً عليها، فيما بعدُ.

زواجها ببيير سوف يستمر، سوف يبقى.

لن ترى آشر بعد ذلك أبدًا.

وقد تحقَّقَتْ كلتا النبوءتين.

•••

استمرَّ زواجها لأكثر من ثلاثين عامًا بعد ذلك، حتى وفاة بيير. وخلال مرحلة مبكرة ومعتدلة من مرضه، كانت تقرأ له، يخوضان عبر بضعة كتب كانا قد قرآها معًا قبل سنوات وانتويَا الرجوع إليها. كان أحد تلك الكتب رواية «آباء وأبناء»، وبعد أن قرأت المشهد الذي يعلن فيه بازاروف عن حبه العنيف لآنا سيرجييفنا، فتصاب آنا بالذعر، شرعا يتحدَّثان. (لم يكن جدالًا؛ فقد كبرا وصارا أهون وأرق من أن يتجادلا.)

أرادت ميريل أن يمضي المشهد على نحوٍ مختلف. رأت أن آنا لن يكون رد فعلها بتلك الطريقة.

قالت: «إنه الكاتب، لا أشعر بهذا عادةً عند قراءة تورجنيف، ولكن في هذا الموضع أشعر بأن تورجنيف قد تدخل فحسب وشدَّ أحدَهما بعيدًا عن الآخَر في عنف، وهو لا يفعل ذلك إلا لغرضٍ في نفسه.»

ابتسم بيير ابتسامة واهنة. أضحت كل تعبيرات وجهه غائمةً وهزيلة.

«أتظنين أنها كانت ستذعن له؟»

«لا، ليس الإذعان. أنا فقط لا أصدقها، أعتقد أنها منساقة إليه بنفس قَدْره تمامًا. كانا سيفعلانها.»

«تلك رومانسية منكِ. إنكِ تحرِّفين الأمور لتحصلي على نهاية سعيدة.»

«لم أقل أي شيء عن النهاية.»

«اسمعي!» هكذا قال بيير في نفاد صبر. كان هذا النوع من الحديث يطيبُ له، غير أنه كان شاقًّا عليه، فاضطر لأن يأخذ وقفات صغيرة للراحة حتى يستجمع قوته قائلًا: «لو أن آنا استسلمتْ، لكان ذلك بدافعٍ من حبها له. وحين ينتهي الأمر سيكون حبها له قد ازداد أكثر. أليس هذا هو حال النساء؟ أعني إذا وقعْنَ في الحب؟ وماذا سيفعل هو، كان سيرحل في الصباح التالي مباشَرةً، ربما دون أن يتحدَّث إليها حتى. تلك طبيعته، إنه يكره محبته لها. كيف يمكن لذلك إذن أن يكون أفضل بأي قدر؟»

«كان سيجمعهما شيء ما. تجربتهما معًا.»

«كان سينسى التجربة تمامًا، أمَّا هي فسيقتلها الخزي وهَجْرُه لها. إنها صاحبة ذكاء، وهي تعرف ذلك.»

قالت ميريل: «حسنًا.» وتوقفت قليلًا وقد شعرت بأنها حوصرَتْ. «حسنًا، ولكن تورجنيف لا يقول ذلك. يقول إنها فُوجِئَتْ وذُهِلت تمامًا. يقول إنها باردة.»

«يجعلها ذكاؤها باردة. الذكاء يعني البرود، بالنسبة إلى النساء.»

«كلا.»

«أقصد في القرن التاسع عشر. كان هذا ما يعنيه في القرن التاسع عشر.»

•••

في تلك الليلة على متن العبَّارة، خلال الوقت الذي ظنت فيه ميريل أنها سترتب كل شيء لتضعه جانبًا، لم تفعل شيئًا قريبًا من هذا. كان ما وجدت نفسها تخوض غماره ليس إلا موجة بعد موجة من التذكُّر المكثف الواضح، وكان هذا ما سوف تواصِل خوضه على مدى السنوات التالية، في نوباتٍ تطول بالتدريج. ستواصل انتقاء بعض الأشياء التي فاتَتْها، وتلك الأشياء التي ما زالت تهزها هزًّا. سوف تسمع أو ترى شيئًا ما من جديد؛ صوتًا صدر عنهما معًا، نظرةً من نوعٍ ما مرت بينهما، نظرةَ تقدير وتشجيع. نظرة كانت باردة تمامًا بطريقتها الخاصة، ومع ذلك فهي مفعمة بالاحترام العميق وأكثر حميميةً من أي نظرة قد يتبادلها الزوجان فيما بينهما، أو أي شخصين يدين كلٌّ منهما لصاحبه بأي شيء.

تذكَّرت عينَيْه بلونهما ما بين الرمادي والعسلي الفاتح، تذكرت رؤيتها المقربة للغاية لبشرته الخشنة، ودائرة كأنها ندبة قديمة بجوار أنفه، والاتساع الأملس لصدره إذ يرفع جسمه منفصلًا عنها. لكنها لم تستطع التوصُّل إلى وصفٍ مفيد للمظهر الذي بَدَا عليه. اعتقدت أنها شعرتْ بحضوره بقوة غالبة، من البداية تمامًا. كان حضوره غالبًا إلى حدٍّ صارت فيه الملاحظةُ العادية له غيرَ ممكنة. ما زال بوسع التذكُّرُ المباغت للحظاتهما المبكرة معًا، تلك اللحظات المتردِّدة والأولية، أن يجعلها تضمُّ أطرافَها إليها، كما لو أنها تحمي جسدها من المفاجأة الفجة، من ضجيج الرغبة. «حبيبي حبيبي»، هكذا كانت تغمغم الكلمات بطريقةٍ حادة وآلية، مثل ضمادةٍ سرية.

•••

حين رأتْ صورته في الصحيفة، لم تصعقها آلامٌ فورية. كانت والدة جوناس هي مَن أرسلت إليهما قصاصة الصحيفة، وقد ظلت طوال عمرها حريصة على التواصُل معهما، وعلى تذكيرهما بجوناس، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. كانت قد كتبَتْ فوق العنوان الصغير للخبر: «هل تذكران الطبيب الذي حضر جنازة جوناس؟» «طبيب غابات يلقى مصرعه في حادث تحطُّم طائرة.» كانت صورته قديمة العهد، بكل تأكيد، مشوشة وغائمة بعد أن أعادت الصحيفة طبعها. وجه ممتلئ قليلًا، يبتسم، وهو ما لم تتوقَّع منه قطُّ أن يفعله أمام عدسة الكاميرا. لم يَمُتْ وهو على متن طائرته الخاصة، بل تحطَّمَتْ به إحدى المروحيات في رحلةٍ لحالة طارئة. عرضَتْ قصاصة الصحيفة على بيير. قالت: «هل ظهر لك أي سبب وراء حرصه على حضور الجنازة؟»

«لعلهما كان صديقَيْن بدرجةٍ ما. كل تلك الأرواح الضائعة هناك في الشمال.»

«عن أي شيء تحدَّثت معه؟»

«أخبرني عن رحلةٍ اصطحب فيها جوناس وحلَّق به لكي يعلِّمه الطيران. قال إنها لم تتكرَّر.»

ثم سأل: «ألم يُقِلك بسيارته إلى مكانٍ ما؟ إلى أين؟»

«إلى لين فالي. لأزور الخالة موريل.»

«فعن أي شيءِ تحدَّثْتِ أنتِ معه؟»

«لم أجد الحديث معه سهلًا.»

لم يَبْدُ أن حقيقة موته كان لها أثر كبير على أحلام يقظتها، إن كان يمكن تسميتها بذلك. تلك الخيالات التي تصوِّر لها لقاءات تجمعهما بمحض المصادفة، أو حتى أن يعاوِدَا لمَّ الشملِ عبر ترتيبات مستميتة. تلك الخيالات لم تحطَّ على أرض الواقع بالمرة، على كل حال، ولم يطرأ عليها أي تعديلات لأنه مات. كان على تلك الخيالات أن تُنهَك حتى تستنفد ذاتها تمامًا بطريقةٍ لم يكن لها عليها أيُّ سلطان، ولم تسبر غورها قطُّ.

حين كانت في طريق عودتها للبيت في تلك الليلة بدأت السماء تمطر، دون غزارة. كانت قد بقيت بالخارج على متن العبَّارة. نهضتْ من مكانها وتمشَّتْ قليلًا هنا وهناك ولم تتمكَّن من معاودة الجلوس على غطاء صناديق أدوات النجاة دون أن تظهر بقعة مبتلة كبيرة على ثوبها. وهكذا ظلت واقفة تتطلَّع إلى الزبد الذي يدور ويثور في إثر القارب، وكانت الفكرة التي خطرت ببالها عندئذٍ أنه في نوعٍ محدد من القصص — نوعٍ لم يَعُدْ أيُّ شخص يكتبه — فإن الشيء الذي كان يتوجَّب عليها فعله هو أن تُلقِي بنفسها في المياه. على حالتها تلك تمامًا، تفيض بالسعادة وتشرب كأسها حتى الثمالة، تشعر بأنها قد كُوفِئتْ كما لو أنها لن تُكافَأ بعدها أبدًا بكل تأكيد، ارتوت كلُّ خلية في جسدها بإحساس حلو من تقدير الذات. فعلٌ رومانسي من الممكن رؤيته — من زاويةٍ محظورة — كشيءٍ رشيد إلى حد السمو.

هل أُغوِيَتْ؟ الأرجح أنها فقط تركت نفسها تتخيَّل أنها أُغوِيتْ. الأرجح أن الأمر كله لم يقترب بالمرة من الانقياد للهوى، على الرغم من أن الانقياد كان هو النسق الخاص بذلك اليوم.

•••

لم تتذكر تلك الجزئية الإضافية إلا بعد أن تُوفِّي بيير.

أقَلَّها آشر بالسيارة إلى خليج هورس شو، إلى العبَّارة. خرج من السيارة ودار حولها حتى بلغ جانبها. كانت واقفةً هناك، تنتظر أن تقول له وداعًا. تحرَّكت نحوه قليلًا حتى تقبِّله — كان أمرًا طبيعيًّا بلا شكٍّ، بعد الساعات القليلة الماضية — فقال لها: «لا.»

قال: «لا، لا أفعل ذلك أبدًا.»

لم يكن ذلك صحيحًا بطبيعة الحال، أنه لم يفعل ذلك قطُّ. لم يتبادَلِ القُبَل في الخارج في مكانٍ مفتوح، حيث يمكن لأي شخص أن يرى. فقد وقع هذا الفعل في أصيل ذلك اليوم ذاته، عند حافة المنظر الطبيعي.

لا.

كان ذلك أمرًا هينًا؛ احترازًا، رفضًا، حمايةً لها، ربما، وحمايةً له هو كذلك. حتى لو لم يكن قد اكترث لذلك في وقتٍ سابق من اليوم.

«لا أفعل ذلك أبدًا.» كانت شيئًا آخَر تمامًا، نوعًا آخَر من الاحتراز، معلومة قد لا تسرها، ومع ذلك فلعل المقصود منها منعُها من اقتراف خطأ خطير. أن توفِّر عليها ما قد يجلبه خطأ ذو نوعٍ محدَّد من آمال زائفة وامتهانٍ للنفس.

إذن، كيف ودَّع أحدهما الآخَر؟ هل تصافَحَا؟ لا يمكنها أن تتذكَّر.

لكنها سمعت صوته، الخفة في نبرته مع الوقار جنبًا إلى جنب، ورأت وجهه الحازم، والمُشرق ببساطة، شعرتْ بابتعاده السلس خارج نطاقها. لم تشك أن تلك الذكرى كانت حقيقية. ولم تَدْرِ كيف وسعها أن تكبتها بداخلها بكل ذلك النجاح، طوال كل هذا الوقت.

ساورتها فكرة أنها لو كانت قد عجزت عن فعل ذلك، لربما اتخذت حياتها مسلكًا مختلفًا.

كيف؟

ربما ما كانت بقيت مع بيير، ربما ما كانت قدرت على الاحتفاظ بتوازنها. مجرد محاولتها أن توفِّق بين ما قيل لدى العبَّارة وبين ما قيل وما جرى في وقت أسبق من اليوم ذاته، كانت ستجعلها أكثر حذرًا وفضولًا. لعل الكبرياء والتناقض لعبَا دورًا في ذلك — حاجتها لأن تحظى برجلٍ لم تصدر عنه تلك الكلمات، رفضها أن تتعلَّم درسها — لكن ذلك لم يكن هو كل شيء. كان من الممكن أن تتاح لها حياة من نوعٍ آخَر؛ حياة لم يكن من الضروري أن تفضلها أكثر. ربما كان السبب هو سنها (شيء كانت دائمًا ما تنسى أن تضعه في الحسبان)، وبسبب ذلك الهواء اللطيف العليل الذي راحت تتنفسه منذ وفاة بيير، كان يمكنها أن تفكِّر في تلك الحياة المختلفة باعتبارها ليست أكثر من عملية بحثٍ لها مزالقها وإنجازاتها.

قد لا يكتشف المرء الكثير على كل حال. قد لا يكتشف إلا الشيء ذاته المرة تلو الأخرى؛ وهو الذي قد يكون حقيقة جلية بشأنه لكنها مثيرة للقلق والكدر. وفي حالتها، الحقيقة هي أنها اتخذت الاحتراز ضوءًا هاديًا طوال الوقت؛ أو على الأقل اتخذت نوعًا مقتصدًا من الإدارة العاطفية.

حركته الصغيرة التي قام بها لحفظ الذات، الاحتراس الطيب والمميت معًا، الميل للتصلُّب الذي زاد بداخله حتى باخ وبهت، كان أشبه باختيال عتيق الطراز. يمكنها أن تراه الآن يلفه غموض الحياة اليومية، كما لو كان زوجًا لها.

تساءلتْ إن كان سيبقى معها على هذه الصورة، أم ما زال له بحوزتها دورٌ جديد بانتظاره. تساءلت إن كانت لا تزال هناك طريقة للانتفاع به في مخيلتها، خلال ما تبقَّى لها من وقت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١