كويني

«ربما يكونُ من الأفضل أن تتوقَّفي عن مخاطبتي بهذا الاسم!» هكذا قالت كويني عندما قابلتني في محطة القطار.

قلتُ: «بماذا؟ كويني؟»

أجابت: «ستان لا يحبه. يقول إنه يذكِّره بحصانٍ ما.»

أن أسمعها تقول «ستان» كان أكثر مدعاةً للدهشة بالنسبة إليَّ من أن تُعلِمني بأنها لم تَعُدْ كويني، وصارت لِينا. ولكن ما كان لي أن أتوقَّع أنها سوف تظل تنادي زوجها بالسيد فورجيلا بعد انقضاء عامٍ ونصف على زواجهما. لم أَرَها في أثناء تلك الفترة، وحين وقع بصري عليها قبل دقيقة، وسط جماعة المنتظرين في المحطة، لم أتعرف عليها تقريبًا.

كان شعرها مصبوغًا بلونٍ أسود ومنتفشًا للأعلى حول وجهها على الطراز الرائج في تلك الأيام أيًّا كان. وقد ضاع إلى الأبد لونه الجميل الشبيه بشراب الذُّرة المُحلَّى — ذهبي من الأعلى وأسود من الأسفل — كما ضاع أيضًا طوله الحريري المنسدل. كانت ترتدي ثوبًا من قماش مطبوع أصفر اللون التصق بجسدها وانتهى فوق ركبتَيْها ببضع بوصات. خطوط الكحل المرسومة على طريقة الملكة كليوباترا حول عينَيْها، وكذلك الظل الأرجواني فوقهما، جعلا عينَيْها تبدو أصغر حجمًا، وليس أكبر، كما لو كانتا تستخفيان عن عمدٍ. كانت قد ثقبت أذنَيْها الآن، وتتدلى منهما حلقتان ذهبيتان.

رأيتُها تنظر إليَّ بشيءٍ من الدهشة كذلك. حاولتُ أن أكون جريئة ومنطلقة؛ قلتُ: «أهذا ثوب أم هدب حول مؤخرتك؟» ضحكتْ، فقلتُ: «كانت الحرارة في القطار لا تُطاق. أنا أتعرق مثل خنزير.»

كان بوسعي أن أسمع كيف صار صوتي شبيهًا بصوت زوجة أبي، بِيت، بغُنَّته وحماسته الدافئة.

أتعرَّق مثل خنزير.

الآن ونحن في الترام المتجه إلى حيث تعيش كويني لم أستطع التوقُّف عن الظهور بمظهر الحمقاء. قلتُ: «أَمَا زلنا في وسط المدينة؟» سرعان ما خلفنا المباني العالية وراءنا، ولكني لم أظن أنه بالإمكان اعتبار هذه المنطقة حيًّا سكنيًّا. استمرَّ النوع ذاته من المتاجر والمباني في الظهور مرارًا وتكرارًا؛ تنظيف جاف، محل زهور، بقالة، مطعم. كانت صناديق الفاكهة والخضراوات موضوعة بالخارج على الرصيف، وفي نوافذ الطوابق الثانية من المباني يمكن رؤية لافتات تشير إلى أطباء أسنان وخيَّاطين ومُورِّدي لوازم الصرف الصحي. قلَّما يرتفع مبنًى عن طابقين، قلَّما تُرى شجرة.

قالت كويني: «ليس وسط المدينة الحقيقي، أتذكرين حين أَرَيتُكِ متجر سِمبسون؟ من الموضع الذي ركبنا فيه الترام؟ ذلك هو الحقيقي.»

قلتُ: «إذن فهل وصلنا تقريبًا؟»

قالت: «ما زالت أمامنا سكة معقولة.»

ثم قالت: «أقصد «مسافة معقولة»، ستان لا يحب أن يسمعني أقول كلمة «سكة» كذلك.»

لعله تكرار الأشياء، ولعلها الحرارة، لكن ثمة ما جعلني أشعر بالتوتر وشيءٍ من الغثيان. كنَّا نمسك بحقيبة سفري على رُكبنا، وعلى بُعْد بوصات قليلة أمام أصابعي رقبةٌ ممتلئة ورأس أصلع لرجلٍ ما، وقد التصق قليل من خصلات الشعر السوداء المتعرقة الطويلة بفروة رأسه. لسببٍ ما وجدتُني أفكر في طقم أسنان السيد فورجيلا الذي كان موضوعًا في خزانة الأدوية، حين أرته لي كويني عندما كانت تعمل في خدمته في المنزل المجاور لنا. كان هذا قبل وقتٍ طويل من إمكانية التفكير في السيد فورجيلا باعتباره ستان فحسب.

صفَّان مُلتحمان من الأسنان موضوعان إلى جانب شفرته وفرشاة الحلاقة والوعاء الخشبي الذي يحوي صابونَ الحلاقة المختلط بالشعر والمثير للاشمئزاز.

قالت كويني حينذاك: «هذا طقمه.»

طقم؟

«طقم أسنانه.»

فقلتُ: «يا للقرف!»

قالت: «ذلك هو الطقم الاحتياطي. وهو يضع طقمه الآخر.»

«يا للقرف! أليسَ أصفر اللون؟»

وضعتْ كويني يدها على فمي. لم ترغب في أن تسمعنا السيدة فورجيلا. كانت السيدة فورجيلا بالطابق السُّفلي راقدةً على أريكة بغرفة الطعام. كانت عيناها مغلقتين معظم الوقت، ولكن قد لا تكون نائمة.

•••

عندما نزلنا من الترام أخيرًا كان علينا أن نصعد تلًّا شديد الانحدار، ونحن نحاول محاولات خرقاء أن نتقاسم ثقل حقيبة السفر. لم تكن المنازل متشابهةً بالمرة، على الرغم من أنها بدت كذلك لأول وهلة. كان بعض الأسقف يقبع فوق الجدران مثل قبعات، أو كان يبدو الطابق الثاني بكامله كأنه سقف مغطًّى بالألواح الخشبية الصغيرة المتداخلة. كان لون تلك الألواح الخشبية إما أخضر داكنًا وإما طوبيًّا وإما بُنيًّا. لم تكن الأروقة الخارجية للمنازل تبتعد عن الرصيف إلا بضع أقدام، وبدت المسافات بين المنازل ضيقةً بما يكفي لأن يمدَّ ساكنوها أيديهم من النوافذ الجانبية فيصافح بعضهم بعضًا. كان الأطفال يلعبون على الرصيف، غير أن كويني لم تُلْقِ إليهم بالًا كما لو كانوا مجرد طيور تلقط الفتات من الشقوق. جلسَ رجلٌ بدين للغاية عاري الصدر حتى خصره على السلالم الأمامية لبيته، وراح يحدِّق فينا بثباتٍ وعبوس لدرجة أنني كنتُ واثقةً أن لديه ما يقوله. سارت كويني بهمة متجاوِزةً إيَّاه.

استدارتْ بعد مسافةٍ ما على التل، وسارت على طريق معبَّد بالحصباء بين بعض صفائح القمامة. ومن إحدى نوافذ الطوابق الثانية نادت امرأة قائلة شيئًا لم أتمكَّن من فهمه، فصاحت كويني ردًّا عليها: «إنها أختي، أتَتْ لزيارتنا.»

قالت: «إنها صاحبة البيت، يعيشون في الشقة الأمامية بالطابق العلوي. إنهم يونانيون، لا تكاد تنطق كلمة إنجليزية.»

اتضح أن كويني والسيد فورجيلا يتقاسمان دورة المياه مع اليونانيين. يتوجَّب على المرء أن يأخذ معه لفة ورقِ حمَّامٍ، وإن نسي فلن يجد هناك أيًّا منها. كان عليَّ أن أذهب إلى المرحاض بمجرد دخولنا؛ لأنني كنتُ أعاني طمثًا غزيرًا ولا بد من تغيير المَحْرَمة. على مدى سنوات بعد ذلك، كان مشهد شوارع بعينها في المدينة في الأيام الحارة، وبعض ظلال القرميد البُني والألواح الخشبية المطلية بألوان داكنة، وهدير الترام، كل ذلك كان يعيد إليَّ ذكرى تقلُّصات أسفل بطني، وموجات الدفق، ورشح سوائل الجسم، والارتباك الحاد.

كانت هناك غرفة نوم واحدة، تنام فيها كويني مع السيد فورجيلا، وتحوَّلت غرفةُ النوم الأخرى إلى غرفة جلوس صغيرة، بالإضافة إلى مطبخ ضيق، وشرفة زجاجية مغلقة. وفي تلك الشرفة سرير ضيق حيث يُفترَض بي أن أنام. أمام النوافذ، وعلى مسافةٍ قريبة للغاية، كانت صاحبةُ البيت ورجلٌ آخَر يُصلِحان درَّاجة نارية. امتزجتْ رائحة الزيت، ورائحة المعدن والآلات برائحة طماطم ناضجة في الشمس. وانبعث صوت موسيقى من جهاز راديو في نافذة بالطابق العلوي.

قالت كويني: «هذا من بين الأشياء التي لا يطيقها ستان؛ ذلك الراديو.» وجذبت الستائر المنقوشة بالزهور، غير أن كلًّا من الضجة والشمس ظلَّت تَجِد طريقها إلى الداخل. قالت: «ليت معي من المال ما يكفي لعملية تبطين وعزل!»

كنتُ أمسكُ بيدي المَحْرَمةَ المدماة ملفوفة في ورق حمام. أحضرَتْ لي كيسًا ورقيًّا وأرشدتني إلى سطل القمامة بالخارج. قالت: «كل مَحْرَمة تغيِّرينها، لا بد أن تتخلصي منها بالخارج فورًا. لن تنسي ذلك، أليس كذلك؟ ولا تتركي علبة المحارم في أي موضع يمكن أن يراها فيه؛ إنه يبغض تذكيره بهذا الأمر.»

ما زلتُ أحاول أن أكون لا مبالية، وأن أتصرَّف كما لو كنتُ في بيتي. قلتُ: «لا بد لي أن أحصل على ثوبٍ لطيف وأنيق مثل ثوبك هذا.»

«ربما أستطيع أن أصنع لكِ واحدًا.» هكذا قالت كويني، ورأسها بداخل الثلاجة. «أريد كوكاكولا، أتريدين؟ أنا أتردَّد على هذا المكان حيث يبيعون الفضل والبقايا من الأقمشة. لقد صنعتُ هذا الفستان كله بحوالي ثلاثة دولارات. كم يبلغ مقاسك الآن على كل حال؟»

رفعتُ منكبي إشارة على جهلي ذلك، وقلتُ إنني أحاول أن أُنقِص وزني.

«حسنًا. ربما نستطيعُ أن نعثر لكِ على شيءٍ ما.»

•••

«سوف أتزوَّج من سيدة لديها طفلة صغيرة في مثل سنك تقريبًا.» هكذا قال أبي، وأضاف: «وهذه الطفلة الصغيرة ليس لها أب؛ لذا عليكِ أن تَعِديني بشيءٍ واحد، وهو أنكِ لن تضايقيها بالمرة أو تقولي لها أي كلمة سيئة بخصوص ذلك. ستأتي عليكما أوقاتٌ قد تتشاجران وتتنازعان فيها كما تفعل الأخوات دائمًا، ولكن هذا الشيء بالذات إياكِ أن تذكريه لها! وإذا ما قاله الصغار الآخَرون فإياكِ أن تأخذي جانبهم ضدها!»

لمجرد المجادلة، قلتُ لأبي إنني ليس لديَّ أمٌّ، ولم يقل لي أحدٌ كلمةً سيئة بخصوص هذا.

فقال أبي: «ذلك أمر مختلف.»

كان مخطئًا بشأن كل شيء؛ فلم نكن نبدو في نفس السن بالمرة؛ لأن كويني كانت في التاسعة من عمرها حين تزوَّجَ أبي من أمها بِيت، وكنتُ أنا في السادسة. ومع ذلك صرنا فيما بعدُ زميلتَيْ دراسةٍ حين تجاوزْتُ أنا صفًّا دراسيًّا إلى الذي يليه مباشَرةً ورسبتْ هي في صفٍّ دراسي. لم أعرف أيَّ شخص حاوَلَ أن يسيء إلى كويني، فقد كانت شخصًا يسعى الآخرون جميعهم إلى كسب صداقته. كانت أولى مَن يتمُّ اختيارها في فريق البيسبول على الرغم من أنها كانت لاعبة بيسبول طائشة، وأولى مَن يتم اختيارها في فريق مسابقات تهجِّي المفردات، على الرغم من مستواها الضعيف في التهجئة. وأيضًا، لم نتورَّط أنا وهي في أي مشاجرات، ولا مرة واحدة. أظهرَتْ نحوي الكثيرَ من الطِّيبة وأُعجِبتُ بها أنا إعجابًا جمًّا. كنتُ أكاد أعبدها من أجل شعرها الذهبي-الداكن ونظرة عينَيْها السوداوين الناعستين؛ من أجل هيئتها وضحكتها فقط. كانت ضحكتها حلوة وخشنة مثل حُبيبات السكر البُني. كانت المفاجأة أنها مع كل حسناتها ومزاياها تستطيع أن تكون حنونة الفؤاد ودمثة.

•••

بمجرد أن استيقظتُ في الصباح الذي اختفتْ فيه كويني، ذلك الصباح من بواكير فصل الشتاء، شعرتُ بأنها قد رحلت.

كان الوقت ما بين السادسة والسابعة، ولم تكن الظلمة قد تبدَّدَتْ تمامًا بعدُ، وكان المنزل باردًا. وضعتُ على جسدي الروب الصوفي البُني اللون الذي كنَّا نتقاسم ارتداءه أنا وكويني. كنَّا نسميه بافلو بيل، ومَن كانت تنهض من فراشها في الصباح أولًا كانت تلتقطه وترتديه. أما معرفة من أين أتى هذا الروب، فقد ظلَّتْ لغزًا غامضًا.

قالت كويني: «ربما كان خاصًّا بأحد أصدقاء بِيت قبل زواجها من أبيكِ. ولكن إياكِ أن تقولي أي شيء؛ فقد تقتلني لهذا!»

كان فراشها فارغًا ولم تكن في الحمام. نزلتُ إلى الطابق السفلي دون أن أضيء أي مصابيح؛ لأنني لم أرغب في إيقاظ بِيت. نظرتُ عبر النافذة الصغيرة في الباب الأمامي. كل شيء كان يلتمع بالصقيع الخفيف؛ قارعة الطريق الخشنة، رصيف المشاة، والعشب المستوي في الباحة الأمامية. تأخَّرَ هطول الجليد. أدرتُ مدفأة الردهة فاشتعل الفرن في الظلام وصدر عنه هديره المطمئِن. كنَّا قد حصلنا على الفرن الذي يعمل بالزيت للتوِّ، وقال أبي إنه ما زال يصحو في الخامسة كلَّ صباح، ظنًّا منه أن هذا هو وقت نزوله إلى القبو وإشعال نيران التدفئة.

كان أبي ينام في غرفةٍ كانت فيما سبق غرفةَ الخزين، بجانب المطبخ. كان لديه هناك سرير حديدي ومقعد مكسور الظهر يكوِّم عليه الأعداد القديمة من مجلات ناشونال جيوجرافيك، ليقرأ منها حين يجافيه النوم. كان يضيء مصباح السقف ويطفئه عن طريق سلكٍ مربوط إلى هيكل سريره. بَدَا لي كل هذا النظام الخاص به أمرًا طبيعيًّا تمامًا وملائمًا لرب المنزل، الأب. كان عليه أن ينام مثل خفير حراسة ملتحِفًا ببطانية خشنة وتفوح منه رائحته الخاصة التي يمتزج فيها التبغ بروائح المحركات والآلات. يظل ساهرًا يقرأ حتى يسرقه النعاس من كل ساعات اليقظة والانتباه.

وعلى الرغم من ذلك، لم يسمع كويني. قال إنها في مكانٍ ما بالمنزل بالتأكيد. «هل بحثتِ في الحمام؟»

قلتُ: «ليستْ هناك.»

«لعلَّها في غرفة أمها. إحدى نوبات الهلع والفزع.»

كان أبي يسمِّي تلك الحالات بنوبات الهلع والفزع، كلما استيقظت زوجته بِيت — أو بالأحرى عجزت عن الاستيقاظ — من حلم مروع. كانت تخرج من غرفتها بخطوات متعثِّرة وهي غير قادرة على أن تقول ما الذي كان يثير رعبها، فتكون كويني هي مَن تقودها لتعود إلى فراشها من جديد. كانت كويني تضمُّها إليها من ظهرها، وتصدر أصواتًا مهدهدة مثل صوت جروٍ يلعق الحليب، ولم تكن بِيت تتذكَّر أيَّ شيءٍ من هذا في الصباح.

أضأت نور المطبخ.

قلتُ: «لم أكن أرغب في إيقاظها. بيت.»

نظرت نحو علبة الصفيح الخاصة بالخبز، العلبة ذات القعر الصَّدِئ التي مُسِحت بخرقة المطبخ أكثر من اللازم، وإلى القدور الموضوعة على الموقد، المغسولة جيدًا دون أن تُعاد إلى أماكنها، وإلى الشعار المعلَّق الذي تقدِّمه منتجات ألبان فيرهولم: الرب هو قلب بيتنا. بَدَت جميع تلك الأشياء وكأنها في انتظار بداية اليوم، وهي تجهل أن هذا اليوم نفسه قد شهد كارثةً ما.

لم يكن الباب المفضي إلى الرواق الجانبي للبيت مغلقًا بالرتاج.

قلتُ: «لقد دخل أحدهم. لقد دخل أحدهم إلى البيت وأخذ كويني.»

خرج أبي وهو يرتدي بنطلون الخروج فوق سروال النوم الطويل. كانت بِيت تطقطق بِخُفَّيها على الأرض في الطابق السفلي وهي ترتدي روبها المخملي الثقيل، وتشعل جميع الأضواء في طريقها.

قال لها أبي: «كويني ليستْ معكِ؟» ثم خاطبني قائلًا: «لا بد أن الباب فُتِحَ رتاجه من الداخل.»

قالت بِيت: «ما هذا الذي جرى لكويني؟»

فقال أبي: «لعلها شعرت بالرغبة في تمشية قصيرة.»

تجاهلت بِيت قوله هذا. كان على وجهها قناع من مادة زهرية ما. كانت مندوبة مبيعات لمستحضرات التجميل، ولم تكن تبيع قطُّ أيَّ مستحضر تجميلي لم تجرِّبه على نفسها.

قالت لي: «اذهبي إلى منزل أسرة فورجيلا. ربما تكون تذكَّرت شيئًا من المفترض أن تفعله هناك.»

كان هذا بعد انقضاء أسبوع أو نحو ذلك على جنازة السيدة فورجيلا، ولكن كويني واصلتْ عملها هناك، تمد يد العون في تخزين الصحون والمفارش داخل الصناديق بحيث يمكن للسيد فورجيلا أن ينتقل للعيش في شقةٍ ما. كان عليه أن يستعِدَّ لحفلات الكريسماس الموسيقية في المدرسة، ولم يكن بوسعه أن يهتم بحزم الأمتعة وتخزين الأشياء بنفسه. أرادت بِيت من كويني أن تترك هذا العمل فحسب، بحيث يمكن لأحد المتاجر الاستعانة بها عونًا إضافيًّا في موسم الأعياد.

وضعتُ في قدمي حذاءً مطاطيًّا طويل الرقبة لأبي وجدتُه بالقرب من الباب، بدلًا من أن أصعد للطابق العلوي لألبس حذائي، ورحتُ أتعثَّر عابرةً الباحة نحو الرواق الخارجي لمنزل آل فورجيلا وضغطتُ الجرس. كانت له نغمة ذات إيقاع؛ ممَّا بدا وكأنه يعلن عن الميول الموسيقية لأهل المنزل. ضممتُ روب بافلو بيل عليَّ بإحكام ورحتُ أبتهل وأتضرَّع. آه يا كويني، أرجوكِ يا كويني، أشعلي الأضواء. ونسيتُ أنها لو كانت تعمل بالداخل لَوجدتُ الأضواء مشتعلةً بالفعل.

لا إجابة. رحتُ أطرق خشب الباب. سيكون السيد فورجيلا متعكر المزاج حين أُفلِح أخيرًا في إيقاظه. ضغطتُ رأسي على الباب، أتسمَّع لأي حركة بالداخل.

«سيد فورجيلا، يا سيد فورجيلا! أنا آسفة على إيقاظك يا سيد فورجيلا. أليس بالبيت أحد؟»

انفتحت نافذة في المنزل الذي يقع على الجانب المواجِه لمنزل السيد فورجيلا. كان السيد هوفي، العجوز الأعزب الذي يعيش هناك هو وأخته.

«أليس لكِ عينان؟» قال السيد هوفي صائحًا بي. «انظري إلى ممر السيارات.»

لم تكن سيارة السيد فورجيلا هناك.

أغلق السيد هوفي النافذة بعنفٍ.

حين فتحتُ باب مطبخنا رأيتُ أبي وبِيت جالسَيْن إلى المائدة وأمامهما قَدَحَانِ من الشاي. لدقيقة واحدة ظننتُ أننا استعدنا روتيننا اليومي، أن اتصالًا تليفونيًّا قد وردهما، ربما، بأخبارٍ مُطمئِنة.

قلت: «السيد فورجيلا غير موجود. لقد خرج بسيارته.»

فقالت بِيت: «أوه، نعرف ذلك. نعرف كل شيء حول ذلك.»

قال أبي: «انظري إلى هذا!» وألقى بقطعة من الورق على المائدة.

كان مكتوبًا فيها: «سوف أتزوَّج من السيد فورجيلا. المخلصة لكم، كويني.»

قال أبي: «كانت وعاء السكر.»

أسقطَتْ بِيت ملعقتها.

صاحتْ: «أريد مقاضاته، أريد أن أُودِعها مؤسسةً إصلاحيةً. أريد الشرطة.»

فقال أبي: «إن سنَّها ثمانية عشر عامًا، وبوسعها أن تتزوَّج إذا شاءتْ أن تفعل. لن تضع الشرطة حواجز على الطريق لتقبض عليهما.»

«ومَن قال إنهما على الطريق؟ لا بد أنهما مقيمان في أحد تلك الفنادق الصغيرة. تلك البنت الحمقاء وذلك الفورجيلا ذو عين البق والمؤخرة العجفاء.»

«الكلام بهذه الطريقة لن يعيدها.»

«لا أريدها أن تعود، حتى ولو عادت زاحفة. لقد وجدتْ لنفسها سريرًا ويمكنها أن ترقد عليه مع ذلك اللوطي ذي عين البق. ويمكنه أن ينكحها في أذنها ولن أهتم.»

قال أبي: «يكفي ذلك.»

•••

أحضرتْ لي كويني قرصَيْ أسبرين لأتناولهما مع الكوكاكولا.

«إنه لَأمر مذهل أن تصفو تقلصات الطمث بمجرد الزواج. إذن، فقد أخبركِ والدك بأمرنا.»

عندما أطلعتُ أبي على رغبتي في أن أعمل بوظيفة خلال فصل الصيف قبل أن ألتحق بكلية المعلمات في الخريف، قال إنه ربما عليَّ أن أذهب إلى تورونتو وأزور كويني. قال إنها راسلَتْه عن طريق شركة الشحن الخاصة به، تسأله إن كان بوسعه إقراضُهما بعضَ المال ليدبِّرا به أمورَهما خلال فصل الشتاء.

قالت كويني: «ما كنتُ لأكتب إليه أبدًا، لولا مرض ستان العام الماضي بالالتهاب الرئوي.»

قلتُ: «كانت هذه أول مرة أعرف فيها مكانك.» وسالت الدموع من عيني، لم أدرِ لهذا سببًا؛ إذ إنني شعرتُ بسعادة هائلة حين عرفتُ ذلك، ودون أن أدري شعرتُ بوحدةٍ هائلة؛ لأنني تمنيتُ الآن لو أنها تقول: «بالطبع كنتُ أنوي دائمًا أن أتواصل معك أنتِ.» ولم تقل ذلك.

قلتُ: «بِيت لا تعرف، تظن أنني بمفردي هنا.»

«أرجو ذلك.» هكذا قالت كويني في هدوء، «أقصد أنني أرجو ألَّا تعرف.»

كان عندي الكثير لأخبرها به، بشأن أحوال البيت والأهل. أخبرتها بأن شركة الشحن قد ازداد عدد مركباتها من ثلاث إلى دستة، وأن بِيت قد اشترت معطفًا من فراء فأر المسك، وأنها توسَّعت في عملها التجاري، وصارت الآن تدير مركزًا للتجميل في منزلنا. ولهذا الغرض جهَّزت الغرفة التي اعتاد أبي أن يبيت فيها، ونقل هو سريره المعدني الصغير وأعداد مجلة ناشونال جيوجرافيك إلى غرفة مكتبه، وهو مجرد مقطورة من مقطورات القوات الجوية جرَّها إلى باحة الشحن. وبينما كنت أجلسُ إلى مائدة المطبخ أستذكر دروسي استعدادًا لامتحان الالتحاق بالكلية، رحتُ أُنصِت إلى بِيت وهي تقول: «لا يجب أن تقتربي من بشرة رقيقة كهذه بِلُوفة الاستحمام!» هذا قبل أن تُغرِق امرأةً ساذجة بالمستحضرات والكريمات. وأحيانًا أخرى تقول بنبرةٍ أهدأ، ولكنها ما زالت مشحونةً بالأمل: «أقول لكِ إنني كان عندي شيطانة، كان عندي شيطانة تعيش في الغرفة المجاورة لي مباشَرةً ولم أَرْتَبْ في شيءٍ بالمرة؛ لأن الواحدة تُحسِن الظنَّ بالناس، أَلَا نفعل؟ دائمًا ما أُحسِن الظن بالناس، وأظل هكذا إلى أن يركلوني في أسناني.»

فتقول الزبونة: «ذلك صحيح، وأنا مثلك تمامًا.» أو: «تظنين أنكِ جرَّبْتِ الأسى، لكنكِ لم تعرفي ولو نصفه في الحقيقة.»

ثم تعود بِيت من اعتنائها بامرأةٍ ما وتقف لدى الباب وتصدر أنينًا متألمًا وتقول: «إنْ لمستِ وجهها في الظلام فلن تجدي أيَّ فرق بينه وبين ورق السنفرة.»

لم يبدُ على كويني أنها مهتمة بسماع كل تلك الأمور، ولم يكن أمامنا الكثير من الوقت على كل حال، فقبل أن ننهي كعكتَيْنا سمعنا الخطوات السريعة الثقيلة على الطريق المعبَّد، ودخل السيد فورجيلا إلى المطبخ.

صاحت كويني: «انظر إذن مَن هُنا.» ونهضتْ نصفَ نهوض، كما لو أنها تودُّ أن تلمسه، لكنه انحرف متجهًا إلى الحوض.

كان صوتها مفعمًا بتلك الدهشة الضاحكة، حتى إنني تساءلتُ إن كانت قد أخبرَتْه بأي شيء عن رسالتي إليها أو عن حقيقة أنني في طريقي إليهما.

قالت: «إنها كريسي.»

قال السيد فورجيلا: «نعم، مفهوم. لا بد أنكِ تحبين الطقس الحار يا كريسي، ما دمتِ أتيتِ إلى تورونتو في الصيف.»

قالت كويني: «سوف تبحث عن عملٍ.»

سأل السيد فورجيلا: «أَلديك بعض المؤهلات؟ هل لديك أي مؤهلات للعثور على وظيفةٍ في تورونتو؟»

قالت كويني: «إنها حاصلة على دبلومة المدارس الثانوية.»

فقال السيد فورجيلا: «حسنًا، لنأمل أن يكون في هذا الكفاية.» ملأ كأسًا بالماء ثم شربها دفعة واحدة، وهو يقف موليًا لنا ظهره، تمامًا كما اعتاد أن يفعل حين كنتُ أنا وكويني والسيدة فورجيلا نجلس إلى مائدة المطبخ في ذلك المنزل الآخَر، منزل آل فورجيلا المجاور لنا. كان السيد فورجيلا حينذاك يعود من تمرينٍ في مكانٍ ما، أو كان يستريح قليلًا خلال أحد دروس تعليم البيانو التي يقدِّمها في الغرفة الأمامية. وعلى صوت خطواته المقتربة كانت السيدة فورجيلا توجِّه لنا ابتسامةً محذِّرة. فنُخفِض جميعًا أنظارنا نحو حروف لعبة سكرابل، تاركين له حرية الاختيار في أن يلحظنا أو لا يفعل. وأحيانًا لم يكن يلحظنا. كان فتحُه للخزانة، وإدارته للصنبور، ووضع الكأس على النضد، كلُّ ذلك يبدو أقرب إلى سلسلةٍ من انفجاراتٍ صغيرة، وكأنه كان يتحدَّى أيَّ شخص أن يتنفس في حضوره.

كان على هذه الحال نفسها حين كان يدرِّس لنا الموسيقى في المدرسة. يدخل إلى الفصل بخطوة رجل لا يُمكنه أن يضيع دقيقة واحدة، ثم يدق دقةً بعصاه الصغيرة فيكون هذا إيذانًا بأن نبدأ. يسير متبخترًا بين صفوف المقاعد بأذنَيْه المرهفتين، وعيناه الزرقاوان بارزتان ويقظتان، وعلى وجهه تعبير متوتر وعدواني. وفي أي لحظة قد يتوقَّف محاذيًا لمقعد أيٍّ منَّا، منصتًا إلى غنائه؛ كي يتبيَّن إن كان يتظاهر بالغناء أو ينشز عن النغمة المطلوبة. ثم كان يَخفِض رأسه ببطء، وعيناه تحدِّقان في عينَيْ مَن اختاره وبيدَيْه يأمر الآخَرين بتخفيض أصواتهم، لكي يؤكِّد العَار. وكان يُقال إنه يكون بهذا القدر ذاته من الاستبداد والتسلُّط في نوادي الغناء الجماعي وفِرَق الكورال العديدة التي يُشرِف عليها. ومع ذلك فقد كان مُفضَّلًا عند مطربيه، وخصوصًا السيدات منهن، اللاتي كُنَّ يَحِكْنَ له مشغولاتٍ بالإبرة في أعياد الميلاد؛ جوارب وأوشحة وقفازات لتُدفِئه خلال تنقُّله من مدرسةٍ إلى أخرى، ومن كورال إلى آخَر.

بعد أن اشتدَّ مرض السيدة فورجيلا بحيث لم تَعُدْ قادرةً على إدارة أمور المنزل، تعهَّدت كويني بإدارته، وقد انتشَلَتْ من أحد الأدراج شيئًا مشغولًا بالإبرة وراحت تهزُّه يمينًا ويسارًا أمام وجهي. كان قد وصل إلى البيت دون اسم مَن أرسلَتْه.

لم أدرِ طبيعة ذلك الشيء.

فقالت كويني: «إنه لتدفئة العضو الذكري في البرد، أخبرتني السيدة فورجيلا ألَّا أريه له، فسوف يُجَنُّ غضبًا لو رآه. أَلَا تعرفين حقًّا ما هذا؟»

قلتُ: «يا للقرف!»

«إنها مجرد مزحة.»

•••

كان على كويني والسيد فورجيلا أن يذهبا إلى العمل في الأمسيات. كان السيد فورجيلا يعزف على البيانو في مطعمٍ ما وكان يرتدي بدلة توكسيدو. أما كويني فكانت تبيع التذاكر في إحدى دور العرض السينمائي. كانت دار السينما على بُعْد بضع بنايات فقط؛ لذا فقد سِرْتُ إلى هناك بصحبتها، وحين رأيتُها تجلسُ في مقصورة بيع التذاكر، فهمتُ عندها أن مساحيق الوجه والشعر المصبوغ المصفَّف حول وجهها والأقراط المتدلية ليست بالأشياء المستغربة على كل حال. بدتْ كويني أشبه بالفتيات العابرات في الشارع أو اللاتي يدخلن إلى السينما لمشاهدة الفيلم مع رفاقهن الذكور. وقد بدتْ شبيهةً للغاية بالفتيات المصوَّرات في الملصقات الإعلانية المحيطة بها. بدا أنها مرتبطة بعالم الدراما، بالغراميات الملتهبة والمخاطر، التي يتم عرضها بالداخل على الشاشة.

وبتعبير أبي، بَدَا أنها لم تكن مضطرة لأن تُسلم زمامَ أمورها لأي شخص.

قالت لي: «لِمَ لا تأخذين جولةً في الأنحاء لبعض الوقت؟» غير أن الحرج والخجل منعاني. لم أستطع أن أتخيَّل نفسي جالسةً في مقهًى أحتسي القهوة وأُعلِن للعالَم أنني ليس لديَّ ما أفعله ولا مكان أذهب إليه، كما أني لم أتخيَّل نفسي أدخل أحد المتاجر لأجرِّب ثيابًا لا أطمح إلى شرائها. صعدتُ التل من جديد، ولوَّحت بالتحية للسيدة اليونانية التي صاحت بشيءٍ من نافذتها. فتحتُ بمفتاح كويني ودخلتُ الشقة.

جلستُ على السرير الضيق في الشرفة المغلقة بالزجاج. لم يكن هناك أي مكان يُسمَح لي فيه بتعليق الثياب التي أحضرتُها معي، وفكرت أنها ربما لا تكون فكرة جيدة أن أُخرج أشيائي من الحقائب على كل حال؛ فقد لا يروق للسيد فورجيلا أن يرى أي إشارة على إقامتي معهما.

فكَّرت في أن مظهر السيد فورجيلا قد تبدَّلَ، تمامًا كما تبدَّلَ مظهر كويني، ولكن ليس على النحو ذاته الذي تبدَّلت هي به؛ أيْ ما بدا لي عندها فتنةً غريبة وثقيلة وافتقادًا للبساطة والعفوية. كان لون شعره رماديًّا مائلًا للحُمرة، فصار الآن رماديًّا تمامًا، وتعبير وجهه — الذي طالما كان متأهِّبًا للاشتعال بالغضب أمام أي احتمالٍ لقلة الاحترام، أو أمام طريقة عزف ضعيفة، أو حتى لمجرد أن شيئًا ما في منزله ليس في الموضع الذي يُفترَض أن يكون فيه — بَدَا الآن كتعبيرٍ أقرب إلى إحساسٍ مُقيم بالأسى والغَبْن، كما لو أنه يستشعر إساءةً ما أو يرى أمام عينيه طوال الوقت سلوكًا معيبًا يحدث دون أن يلقى العقاب المناسب.

نهضتُ وجُلْتُ في الشقة. لا يمكن للمرء أبدًا أن يُنْعِمَ النظر بالأماكن التي يعيش فيها الناس في أثناء وجودهم بداخلها.

كان المطبخ هو ألطف غرفة، على الرغم من عتمته المفرطة. زرعت كويني نبتة لبلاب حول النافذة التي تعلو المطبخ، ورشقت الملاعق الخشبية بحيث تبرز خارج إبريق جميل من فخارٍ بلا يد، تمامًا كما اعتادت أن تنسِّقها السيدة فورجيلا. كان البيانو موضوعًا في غرفة المعيشة، إنه البيانو ذاته الذي كان في غرفة المعيشة الأخرى. كان هناك مقعدٌ مريح بمسندين وخزانةُ كتبٍ مصنوعة من الآجر وأرففها من ألواح الخشب الرفيعة، ومشغلُ تسجيلات والكثير من الأسطوانات موضوعة على الأرضية. لا يوجد تليفزيون. لا مقعد هزاز بلون عسلي فاتح ولا ستائر منقوشة، ولا حتى المصباح الطويل الذي تزدان مظلته بمناظر يابانية. ومع ذلك فكل تلك الأشياء قد تمَّ شحنها إلى تورونتو، في يوم كان يتساقط فيه الجليد. كنت قد عدتُ إلى البيت يومها في وقت تناوُل الغداء ورأيتُ شاحنة النقل. لم تستطع بِيت أن تُبعِد نفسها عن نافذة الباب الأمامي. وأخيرًا نسيتْ كل كبريائها الذي تحب إظهاره عادةً أمام الغرباء، ففتحت الباب وصاحت برجال الشحن قائلة: «عودوا إلى تورونتو وأخبروه أنه لو أطلَّ بوجهه بالقرب من هنا مرةً أخرى فسوف يندم أشد الندم.»

لوَّح لها رجال الشحن في غبطة، كما لو أنهم اعتادوا هذا النوع من المشاهد، ولعلهم كذلك فعلًا. لا بد أن نقل الأثاث يُعرِّض المرء للكثير من الصخب والعنف.

ولكن أين ذهب كل شيء؟ قلتُ لنفسي إنه تم بيعه. لا بد أنه قد بِيعَ. قال أبي إن السيد فورجيلا يجد صعوبة على ما يبدو في الاستقرار في تورونتو اعتمادًا على مجال عمله، وقد قالت كويني شيئًا بخصوص «تعسُّر الحال»، ما كانت لتكتب رسالتها إلى أبي إن لم يعانيا تعسُّرَ الحال.

لا بد أنهما قد باعا الأثاث قبل أن تكتب إليه.

على خزانة الكتب رأيتُ الموسوعة الموسيقية، والدليل العالمي إلى الأوبرا، وسِيَرَ أعظم مؤلفي الموسيقى. وكذلك الكتاب العريض والرفيع بغلافه البديع — رباعيات عمر الخيام — الذي كانت السيدة فورجيلا غالبًا ما تحتفظ به بجوار موضعها على الأريكة.

كان هناك كتاب آخَر له غلاف مزخرف على نحو مشابه ولا أتذكر الآن عنوانه بدقة، لكنَّ شيئًا ما في عنوانه دفعني للظن بأنه ربما يروق لي. كلمة مثل «الروض» أو «العاطر»، فتحتُ الكتاب، ويمكنني أن أتذكر جيدًا الجملة الأولى التي قرأتُها:

«كما أن المحظيات الصغيرات في جناح الحريم كُنَّ يتعلَّمن الاستخدام البارع لأظافر أناملهن.»

لم أكن متأكدة من معنى محظية، غير أن كلمة «حريم» (لماذا ليستْ حَاريم؟) أعطتني إشارة على المعنى. وكان عليَّ أن أواصِل القراءة كي أكتشف ما الذي كُن يتعلَّمن فعله بأظافرهن. رحتُ أقرأ وأقرأ، لمدة ساعة ربما، ثم تركت الكتاب يسقط على الأرضية. ساورتني مشاعر الإثارة، والتقزُّز، وعدم التصديق. هل هذه هي نوعية الأمور التي تثير اهتمام الأشخاص الناضجين حقًّا؟ حتى تصميم الغلاف، بدوالي العنب الملتفة والملتوية بعضها حول بعض، بدت لي عدوانية وفاسدة قليلًا. التقطتُ الكتاب لأعيده إلى موضعه فسقط مفتوحًا ليكشف الاسمين المكتوبين على صفحته الأولى البيضاء. ستان وماري جولد فورجيلا، مكتوبان بخطٍّ أنثوي. ستان وماري جولد.

استعدتُ ذكرى الجبين الأبيض العالي للسيدة فورجيلا، وشعرها ذي التجاعيد الصغيرة المحكمة بلونيه الأسود والرمادي، وقرطَيْها من فصَّيْ لؤلؤ، وبلوزاتها المعقودة عند الرقبة بربطة على شكل فراشة. كانت أطول قامةً بقليل من السيد فورجيلا، وظنَّ الناس أن هذا هو السبب وراء عدم خروجهما معًا، غير أن السبب الحقيقي كان أنها تلهث وتتقطع أنفاسها. تلهث وهي تصعد الدَّرَج، أو وهي تعلِّق الثياب على حبل الغسيل. وفي نهاية الأمر صارت تلهث حتى وهي جالسة إلى الطاولة تلعب سكرابل.

في أول الأمر لم يكن أبي يسمح لنا بأن نأخذ منها أي نقود مقابل أن نشتري لها البقالة أو أن ننشر لها غسيلها، قائلًا إن هذا حق الجيرة فحسب.

فقالت بِيت إنها تفكِّر أن تجرِّب الرقاد في موضعها لترى إن كان الناس سيأتون ويقفون على خدمتها دون مقابل.

ثم أتى السيد فورجيلا إلى المنزل وتفاوَضَ حول ذهاب كويني للعمل عندهما. أرادتْ كويني أن تذهب لأنها كانت قد رسبت في صفها في المدرسة الثانوية ولم ترغب في إعادة السنة. أخيرًا وافقتْ بِيت، لكنها أكَّدت عليها ألَّا تقوم بأي أعمال تمريض.

«إذا كان من البُخل بحيث لا يستعين بممرضةٍ، فهذا ليس بمسئوليتك.»

قالت كويني إن السيد فورجيلا يعطي السيدة فورجيلا الأقراص كل صباح، ويحممها بالإسفنجة كل مساء. بل إنه حاول أن يغسل ملاءاتها في حوض الاستحمام، كأنه لا يوجد في المنزل آلة اسمها غسَّالة.

تذكَّرت تلك الأوقات التي كنَّا نجلس لنلعب فيها سكرابل في المطبخ، وبعد أن يشرب السيد فورجيلا كأس مائه يضع يدًا على كتف السيدة فورجيلا ويتنهد، كما لو كان عائدًا من رحلة طويلة ومرهقة.

كان يقول: «مرحبًا يا حُبي.»

فكانت السيدة فورجيلا تطأطئ رأسها لتطبع قبلة جافة على يده، وتقول: «مرحبًا يا حُبي.»

ثم كان ينظر نحونا، نحوي أنا وكويني، كما لو كان حضورنا لم يؤذه البتة.

«مرحبًا بكما.»

فيما بعدُ كنا أنا وكويني نقهقه في سريرينا في الظلام.

«تصبحين على خير يا حُبي.»

«وأنتِ من أهله يا حُبي.»

كم تمنَّيتُ لو كان بوسعنا أن نعود من جديد إلى تلك الأيام.

•••

باستثناء ذهابي إلى الحمام في الصباح وتسلُّلي إلى الخارج كي أضع محرمة الطمث في سطل القمامة، كنتُ أمكث جالسةً على سريري المرتجل في الشرفة الزجاجية حتى يخرج السيد فورجيلا من المنزل. كنتُ أخشى ألَّا يكون لديه أي مكان ليتوجه إليه، ولكن من الواضح أنه كان لديه. بمجرد أن خرج نادتني كويني؛ كانت قد أعدَّت برتقالة مقشرة ورقائق الذرة والقهوة.

قالت: «وها هي الجريدة، كنتُ أطالع إعلانات الوظائف الخالية. ومع ذلك فإنني أريد قبل هذا أن أغيِّر شَعرك قليلًا؛ أريد أن أقصَّ بعض الأطراف من الخلف وأريد أن أرفعه في بكرات. أيناسبك هذا؟»

قلتُ لا بأس. حتى بينما كنتُ آكل، ظلَّت كويني تدور من حولي وتتطلع إليَّ، محاولةً تنفيذ فكرتها. ثم جعلتني أجلس على مقعد عالٍ بلا ظهر — وكنتُ لا أزال أشرب قهوتي — وشرعتْ تصفِّف وتقصُّ.

سألتني: «والآن، ما نوع الوظيفة التي تبحثين عنها؟ رأيتُ واحدةً في محل تنظيف جاف. على طاولة الاستقبال. ما رأيك في ذلك؟»

قلتُ: «ذلك مناسب.»

«أَمَا زلتِ تنوين أن تصيري مُعلمة؟»

قلتُ لا أدري. خطرتْ لي فكرة أنها ربما تراها مهنة كئيبة ومملة.

«أظن أنه يجب عليكِ ذلك؛ فأنتِ ذكية بما فيه الكفاية، والمعلمات يتلقَّين رواتب أفضل؛ رواتبهن أكبر ممَّا يتقاضاه أشخاصٌ مثلي. ستكونين أكثر استقلالًا بحياتك.»

قالت إنها لا تجد بأسًا في عملها في دار السينما. حصلت على الوظيفة قبل عيد الكريسماس الأخير بشهرٍ أو نحوه، وأحسَّت بسعادة حقيقية عندئذٍ لأنها لأول مرة صار معها مالها الخاص، ولأنها استطاعت أن تشتري المقادير اللازمة لصنع كعكة الكريسماس. وعقدت صداقة مع رجلٍ كان يبيع أشجار الكريسماس على ظهر شاحنة، وسمح لها بأن تختار واحدة مقابل خمسين سنتًا، وقد سحبتها صاعدةً بها التلَّ بمفردها. علقت عليها رايات صغيرة حمراء وخضراء من ورق الكوريشة المجعد، كانت رخيصة السعر. وصنعت بعض الزينات من ورق الألومنيوم المفضض على كرتون، واشترت زينة أخرى في اليوم السابق على عيد الميلاد حين ذهبا إلى أوكازيون في أحد المتاجر. أعدت كعكعًا مُحلًّى وعلقته على الشجرة كما رأت في مجلةٍ ما. كانت تلك عادة أوروبية.

أرادت أن تقيم حفلًا، ولكنها لم تعرف مَن تدعو. كانت هناك الأسرة اليونانية، ودعا ستان اثنين من الأصدقاء، ثم خطرت لها فكرة دعوة تلاميذه.

ما زلتُ لم أعتَدْ قولها «ستان»، لم يكن هذا فقط تذكيرًا لي بصلتها الحميمة بالسيد فورجيلا. كان كذلك طبعًا، لكنه كان يوحي أيضًا بأنها قد اصطنعته من لا شيء. شخصٌ جديد … ستان، كما لو أن السيد فورجيلا الذي عرفناه معًا لم يوجد قَطُّ من الأساس، فضلًا عن السيدة فورجيلا.

كان تلاميذ ستان جميعهم من كبار السن الآن — وكان يفضِّل الكبار عن الطلبة الصغار السن — وهكذا لم ينشغل بالهما بشأن نوع الألعاب والتسليات الملائمة للأطفال. عقدا الحفل مساء يوم أحد؛ لأن الأمسيات الأخرى كلها كانت مشغولة بعمل ستان في المطعم وعمل كويني في دار السينما.

جلب اليونانيون معهم نبيذًا صنعوه بأنفسهم، وأحضر بعض الطلاب شرابَ مخفوق البيض والروم ونبيذ الشيري، كما أحضر بعضهم تسجيلات موسيقية يمكن لهم أن يرقصوا عليها. لقد اعتقدوا أن ستان ليس لديه أي تسجيلات لموسيقى من ذلك النوع، وكانوا على صواب.

أعَدَّت كويني لفائف السجق وكعك الزنجبيل، وأحضرت السيدة اليونانية نوعًا خاصًّا بها من البسكويت. كان كل شيء على خير ما يرام، ونجح الحفل. رقصتْ كويني مع فتًى صيني اسمه آندرو، وكانت قد أحبَّت الأسطوانة التي أحضرها معه.

قالت: «استديري، استديري!» حركتُ رأسي كما قالت. لكنها ضحكت وقالت: «لا، لا، لم أقصدكِ أنتِ. تلك كانت الأغنية في الأسطوانة، تغنيها فرقة اسمها بيردز.»

وراحت تغني: «استديري، استديري، استديري، لكل شيء موسم …»

كان آندرو طالبًا يدرس طب الأسنان، لكنه أرادَ أن يتعلَّم كيف يعزف سوناتا ضوء القمر. أخبره ستان أن ذلك سوف يقتضي منه وقتًا طويلًا، غير أن آندرو كان صبورًا. أخبر كويني بأنه لا يملك ما يكفي من المال كي يعود إلى بيته وأهله شمالي أونتاريو في الكريسماس.

قلتُ: «ظننتُه من الصين.»

«لا، ليس صينيًّا حقيقيًّا. إنه من هُنا.»

مارسوا إحدى ألعاب الأطفال؛ حيث لعبوا لعبة الكراسي الموسيقية. في ذلك الوقت كان الجميع في حالٍ من الصخب والمرح، حتى ستان؛ أمسك بكويني حين كانت تركض أمامه، وجرها جرًّا لتجلس على حِجره ولم يدعها تُفلت منه. وبعد ذلك، وحين ذهب الجميع، لم يتركها تنظِّف وترتِّب، أرادها أن تأوي معه إلى الفراش فحسب.

قالت كويني: «تعرفين أحوال الرجال. أليس لديك حبيب أو شيء كهذا حتى الآن؟»

أجبتُ بالنفي. دائمًا ما كان الرجل الأخير الذي كان أبي قد عيَّنَه سائقًا يتردَّد على المنزل لتوصيل رسائل لا أهمية لها، وقال أبي: «إنه فقط يتحيَّن الفرص للتحدُّث إلى كويني.» كنتُ لطيفة معه، ومع ذلك، فحتى ذلك الحين لم يملك بعدُ جرأةً كافية ليطلب الخروج معي.

فقالت كويني: «إذن فأنتِ ما زلتِ جاهلة بتلك الأمور حتى الآن؟»

قلتُ: «لستُ كذلك بالطبع.»

قالت: «اممممم.»

التهمَ ضيوف الحفل كل شيء تقريبًا ما عدا الكعكة. لم يأكلا الكثير منها، ولكن كويني لم تستأ من ذلك. كانت الكعكة دسمةً للغاية، وعندما حان وقت تناوُلها كانوا متخمين بلفائف السجق والأطباق الأخرى، كما أنها لم تجد الوقت الكافي لكي تدعها تنضج كما ذكر كتاب الطبخ تمامًا؛ لذا فقد سرَّها أن يتبقى بعضها. كانت تفكِّر، قبل أن يسحبها ستان بعيدًا، أنه يتوجب عليها لف الكعكة في قماشةٍ مشربة بالنبيذ، وأن تضعها في مكان بارد. إنها إما فكَّرت في فعل ذلك، وإما فعلَتْه حقًّا، وفي الصباح التالي رأت أن الكعكة ليست على المائدة، فاعتقدت أنها أتمَّتْ ما انتوتْ فعله. فكَّرت في نفسها: حسنٌ، لقد تدبرتُ أمر الكعكة.

لم يمر سوى يوم أو بعض يوم حتى قال لها ستان: «فلنأكل قطعة من تلك الكعكة.» قالت له: دعها تنضج أكثر قليلًا، لكنه أصرَّ. بحثَتْ في خزانة الطعام ثم في الثلاجة، لكنها لم تجدها لا هنا ولا هناك. نظرتْ بالأعلى وبالأسفل ولم تجدها. تذكَّرت رؤيتها لها على المائدة، ومرت بذهنها ذكرى عابرة وهي تحضر قطعة نظيفة من القماش، وتشرِّبها بالنبيذ، وتلف بها ما تبقى من الكعكة في حرص، وبعد ذلك تلف الورق المشمع حول القماشة من الخارج. ولكن متى فعلتْ ذلك؟ وهل فعلته من الأصل أم هي فقط تخيَّلَتْ ذلك؟ وأين وضعتِ الكعكة حين انتهت من لفها؟ حاولت أن تستحضر صورة نفسها وهي ترفعها وتضعها في مكانٍ ما، غير أن عقلها لم يستدعِ شيئًا سوى محض فراغ.

بحثتْ في كل ركن من خزانة الثياب، على الرغم من أنها كانت تعلم أن الكعكة أكبر من أن تختفي هناك، ثم بحثت في الفرن وحتى في أماكن مجنونة مثل أدراج التسريحة وتحت السرير وعلى أرفف الدواليب. لم تكن في أي مكان.

قال ستان لها: «إنْ كنتِ قد وضعتِها في مكان ما، فلا بد أن تكون في ذلك المكان.»

قالت كويني: «هكذا فعلتُ. وضعتُها في مكانٍ ما.»

قال: «ربما كنتِ سكرى ورميتِها بالخارج.»

فقالت: «لم أسكر. ولم أَرْمِها بالخارج.»

لكنها خرجتْ ونظرت في القمامة. لا.

جلس إلى المائدة يراقبها. إذا كانت قد وضعتها في مكان ما، فلا بد أن تكون في ذلك المكان. استحوذ عليها جنونٌ مسعور.

قال ستان: «هل أنت متأكِّدة؟ متأكِّدة من أنك لم تعطيها لأحد؟»

كانت متأكدة. كانت متأكدة من أنها لم تعطِها لأحد. لقد لفتها لتحفظها. كانت متأكدة، كانت تقريبًا متأكدة من أنها لفتها لتحفظها. كانت متأكدة من أنها لم تعطِها لأحد.

قال ستان: «آه، لا أدري شيئًا عن ذلك، ولكني أعتقد أنك ربما أعطيتها لأحد. وأعتقد أنني أعرفُ مَن يكون.»

تجمدت كويني عن الحركة تمامًا. مَن يكون؟

«أعتقد أنكِ قد أعطيتِها لآندرو.»

لآندرو؟

آه، نعم. آندرو المسكين، الذي كان يحكي لها أنه لا يملك مالًا كافيًا ليسافر فيقضي الكريسماس مع أهله. كانت تشعر بالأسف نحو آندرو.

«وهكذا أعطيتِه كعكتنا.»

«لا.» قالت كويني. لماذا تفعل ذلك؟ ما كانت لتفعله. لم تخطر لها قطُّ فكرة أن تعطي الكعكة لآندرو.

فقال ستان: «إياكِ والكذب يا لينا!»

وكانت تلك نقطة البداية لكفاحها المديد التعس. كل ما استطاعت قوله كان: لا، لا، لا، لم أعطِ الكعكة لأي شخص. لم أعطِ الكعكة لآندرو. أنا لستُ كاذبة. لا. لا.

قال ستان: «من المحتمل أنكِ سكرتِ. كنتِ سكرى ولا تتذكرين جيدًا.»

قالت كويني إنها لم تسكر.

قالت: «لقد كنتَ أنت مَن سَكر.»

قام واقفًا واقترب منها بيد مرفوعة، آمِرًا إياها ألَّا تقول له إنه كان سكران، ألَّا تقول له ذلك أبدًا.

صاحت كويني: «لن أفعل. لن أقولها. أنا آسفة!» لم يضربها، لكنها بدأت تبكي، وواصلت البكاء بينما تحاول أن تقنعه. لماذا عساها تهدي كعكةً تعبت كثيرًا في إعدادها؟ لماذا لا يصدِّقها؟ لماذا قد تكذب عليه؟

قال ستان: «الجميع يكذبون.» وكلما زادت في البكاء وتوسَّلت إليه ليصدِّقها صار هو أميل إلى الهدوء والتهكُّم الخبيث.

«فلتستعيني بقليلٍ من المنطق. إن كانت الكعكة هنا فقومي واعثري عليها، وإن لم تكن هنا فقد أعطيتِها لأحدهم إذن.»

قالت كويني إن هذا ليس منطقيًّا؛ ليس من الضروري أن تكون قد أعطَتْها لأحدهم لمجرد أنها لا تستطيع أن تجدها. عندئذٍ اقترب منها مرةً أخرى على ذلك النحو المطمئِن وهو نصف مبتسم حتى ظنت للحظةٍ أنه سوف يقبِّلها. بدلًا من ذلك أطبق يديه حول رقبتها وحجز أنفاسها لثانية واحدة فقط، لم يترك حتى أي علامات عليها.

قال: «الآن! الآن تأتين أنتِ لتعلميني المنطق!»

ثم انصرف لارتداء ثيابه حتى يذهب للعزف في المطعم.

توقَّف عن التحدُّث إليها. كتب لها رسالة صغيرة قائلًا إنه سوف يعود للتحدُّث إليها فقط حين تقول الحقيقة. وطوال عطلة عيد الكريسماس لم تتوقَّف عن البكاء. كان من المفترض أن تذهب هي وستان إلى بيت الأسرة اليونانية في يوم العيد نفسه، ولكنها لم تستطع الذهاب ووجهها في تلك الحالة المزرية. كان على ستان أن يذهب ويقول إنها متوعكة، ولعل هؤلاء اليونانيين أدركوا الحقيقة على أي حال؛ فأغلب الظن أنهم قد سمعوا ضوضاءهما عبر الحيطان.

وضعت على وجهها طنًّا من مساحيق الزينة وذهبت إلى العمل، قال لها المدير: «هل تريدين للجمهور أن يظن أن قصة الفيلم عاطفية مفجعة؟!» فقالت له إنها التقطت عدوى وظهرت على وجهها بثور، فسمح لها بالعودة للبيت.

حين عاد ستان للبيت في تلك الليلة وتظاهَرَ بأنها غير موجودة، تقلَّبَتْ في الفراش ونظرت إليه. كانت تعرف أنه سوف يخلد إلى الفراش ويرقد بجانبها جامدًا كالجوال، وأنها إذا ما احتكَّتْ به سوف يواصل رقاده كالجوال حتى تبتعد عنه. رأت أنه قادر على المضي في العيش على هذا النحو ولا تستطيع هي. أحسَّتْ أنها ستموت إذا كان عليها الاستمرار على هذا الحال. سوف تموت، تمامًا كما كان قد خنقها حقًّا وكتم أنفاسها.

وهكذا قالت، سامحني.

سامحني. لقد فعلتُ ما قلتَه. أنا آسفة.

أرجوك. أرجوك. أنا آسفة.

نهض جالسًا على الفراش، ولم يقل شيئًا.

قالت كويني إنها قد نسيتْ حقًّا أنها قد أعطت الكعكة لأحدٍ ما، ولكنها الآن تذكَّرَتْ فعلها ذلك وأنها آسفة.

قالت: «لم أكن أكذب. بل نسيت.»

قال: «نسيتِ أنك أعطيتِ الكعكة لآندرو؟»

«بالضبط، نسيت.»

«لآندرو، أعطيتِها لآندرو؟»

نعم، قالت كويني. نعم، نعم، كان ذلك ما فعلته. وشرعت تولول وتتعلَّق به وتتضرَّع إليه كي يغفر لها.

لا بأس، كفاكِ هيستريا، هذا ما قاله لها. لم يقل إنه يسامحها، لكنه تناول قطعة قماش دافئة ومسح بها على وجهها ورقد بجوارها واحتضنها، وسرعان ما ثارت رغبته في القيام بكل ما يستتبع ذلك.

«لا مزيد من دروس الموسيقى للسيد سوناتا ضوء القمر.»

•••

بعد ذلك كله، عثرت على الكعكة في وقتٍ لاحق.

وجدتها ملفوفة في فوطة من فوط المطبخ، وبعد ذلك في الورق المشمع، تمامًا كما كانت تتذكر أنها فعلت، موضوعة في داخل كيس تسوُّق ومعلَّقة في كُلَّاب على جدار الشرفة الخلفية. بالطبع، كانت الشرفة الزجاجية المكان المثالي لأنهما لا يستخدمونها في الشتاء لفرط برودتها، ولم تكن برودة مجمِّدة. لا بد أنها فكَّرت في ذلك حين علَّقت الكعكة هناك. كان هذا هو المكان المثالي. وبعد ذلك نسيت. لقد كانت سكرى قليلًا، لا بد من ذلك، ثم نسيت تمامًا. هكذا كان الأمر!

وجدتها، ورمتها كلها بالخارج. ولم تخبر ستان بالمرة.

قالت: «رميتُها، مع أنها كانت ما زالت جيدة كما هي، بكل تلك الفواكه الغالية واللوازم الأخرى فيها، ولكن كان من المستحيل أن أثير هذا الموضوع مرةً أخرى. وهكذا رميتُها بالخارج وكفى.»

كان صوتها مغمومًا للغاية في الأجزاء السيئة من القصة، غير أنه صار الآن ماكرًا ومفعمًا بالضحك، كما لو أنها كانت طوال الوقت تحكي لي مزحة، وكان رميها للكعكة هو السطر الأخير السخيف لهذه المزحة.

كان عليَّ أن أسحب رأسي من بين يديها وأن أستدير لأنظر نحوها.

قلتُ: «لكنه كان مخطئًا.»

«حسنًا، بالطبع كان مُخطئًا. الرجال ليسوا كائناتٍ طبيعيةً يا كريسي. ذلك من بين الأشياء التي ستعرفينها إذا تزوَّجتِ ذات يوم.»

«لن أتزوج إذن. لن أتزوج أبدًا.»

قالت: «إنه يشعر بالغيرة فحسب. إنه غيور للغاية.»

«أبدًا.»

«لا بأس، أنا وأنتِ مختلفتان تمامًا يا كريسي. مختلفتان تمامًا.» ثم تنهدت، وقالت: «فأنا مخلوقةٌ للحب.»

ظننتُ أن تلك من نوعية الكلمات التي يمكن رؤيتها مكتوبة على ملصقات دعاية الأفلام؛ «مخلوقة للحب»، ربما على ملصق أحد الأفلام التي عُرِضت في السينما التي تعمل كويني بها.

قالت: «سوف تبدين في مظهر جميل حين أفكُّ تلك البكرات من شعرك، لن تواصِلي القول إنك بلا حبيبٍ لفترة طويلة. ولكن الوقت تأخَّرَ اليومَ على الذهاب للبحث عن عمل. ستبكرين غدًا، مثل طيور الفجر، في البحث عن عملٍ. وإذا سألك ستان عن أي شيء قولي له إنكِ قد بحثتِ في مكانين أو ثلاثة وتركتِ لهم رقم هاتف. أحد المتاجر مثلًا أو مطعم أو أي شيء، المهم أن يعتقد أنكِ تبحثين.»

•••

في اليوم التالي حصلتُ على عمل في أول مكان سألتُ فيه، ومع ذلك لم أتمكَّن من أن أكون مثل طيور الفجر على كل حال. قرَّرت كويني أن شعري بحاجة إلى تصفيفٍ آخَر وأن تضع مساحيق فوق عيني، ولكنها لم تحصل على النتيجة التي كانت ترجوها. قالت: «تكونين أحلى وأنتِ على طبيعتك على أي حال.» مسحتُ كل شيء واكتفيتُ بوضع طلاء الشفاه الخاص بي، الذي كان لونه أحمر عاديًّا، وليس باهتًا وله لمعان مثل طلائها.

عند ذلك كان الوقت قد تأخَّر للغاية على أن تخرج كويني معي لتتفقَّد صندوق بريدها. كان عليها أن تستعِدَّ للذهاب إلى دار العرض السينمائي. كان يوم سبت، وهكذا كان عليها أن تعمل فترة بعد الظهيرة إضافةً إلى الفترة المسائية. أخرجتْ مفتاحها وطلبتْ مني أن أتفقَّد الصندوق من أجل خاطرها. أوضحت لي مكانه.

قالت: «كان عليَّ أن أحصل على صندوق بريد خاص بي حين راسلتُ أباكِ.»

•••

كانت الوظيفة التي حصلتُ عليها في متجر متعدد الأغراض يقع في طابق أرضي من مبنًى للشقق السكنية. كنتُ سأعمل إلى نضد تقديم وجبات الغداء الجاهزة. حين دخلتُ المكان أول مرة شعرتُ بدرجةٍ من الضياع والعجز؛ كانت تسريحة شعري قد تهدَّلت من حرارة الجو، وتكوَّن فوق شفتي العليا شاربٌ من العَرق. على الأقل كانت تقلُّصات الطمث قد اعتدلت قليلًا.

كانت هناك امرأة في زي عمل أبيض تقف إلى النضد وتحتسي القهوة.

قالت: «هل أتيتِ من أجل الوظيفة؟»

فقلتُ: نعم. كان للمرأة وجه مربع صارم القسمات، وحاجبان مرسومان بالقلم، وشعر مرفوع للأعلى مثل خلية نحل يميل للون البنفسجي.

«أتتحدَّثين الإنجليزية؟»

«نعم.»

«أقصد أنكِ لم تتعلَّميها مؤخرًا؟ أنتِ لستِ أجنبية؟»

فقلت إنني لستُ كذلك.

«لقد جرَّبت فتاتين خلال اليومين السابقين فقط واضطررت لتسريحهما معًا؛ إحداهما قالت إنها تتحدث الإنجليزية ولكنها لم تكن كذلك، والأخرى كان عليَّ أن أكرِّر قول كل كلمة لها عشر مرات. اغسلي يديكِ جيدًا في الحوض وسوف أحضر لكِ مريلةً. زوجي هو الصيدلاني وأنا أتعهَّد دُرْج الحساب. (عندئذٍ لاحظتُ لأول مرة رجلًا رمادي الشعر يقف وراء نضدٍ عالٍ في الركن ينظر إليَّ متظاهرًا بغير ذلك.) العمل الآن خفيف، لكن المكان سرعان ما سيزدحم بعد قليل بسبب كل العجائز الساكنين في هذا المجمع؛ بعد أن يستيقظوا من قيلولتهم يتوافدون إلى هنا طلبًا للقهوة.»

ربطتُ المريلة واتخذتُ مكاني وراء النضد. لقد حصلتُ على عملٍ في تورونتو. حاولتُ أن أكتشف أماكن الأشياء دون أن أطرح أسئلةً، ولم أضطر للسؤال إلا مرتين فقط؛ بشأن كيفية تشغيل ماكينة إعداد القهوة، وعمَّا ينبغي فعله بخصوص الثمن.

«تعطينهم الفاتورة ويدفعون لي أنا. ماذا ظننتِ؟»

كان الأمر هينًا. يدخل الأشخاص فرادى أو أزواجًا في المرة الواحدة، وغالبًا لا يطلبون أكثر من القهوة والكوكاكولا. حرصتُ على أن تبقى الأقداح مغسولة وممسوحة جيدًا، والنضد نظيفًا، ومن الواضح أنني كنتُ أحرِّر الفواتير بطريقة صحيحة، بما أنه لم تكن هناك أي شكوى. كان الزبائن في الغالب من العجائز، كما قالت المرأة. بعضهم تحدث إليَّ بمودَّة، قائلين إنني جديدة هنا، بل كانوا يسألونني عن أصلي ومن أين أتيت. وبَدَا على آخَرين أنهم يسبحون في غشيةٍ من نوعٍ ما. طلبت إحدى النساء شريحةَ خبز محمص فتدبرتُ ذلك. ثم أعددتُ شطيرة من لحم الخنزير المملح. ساد قليلٌ من الاضطراب في وجود أربعة أشخاص معًا. طلبَ رجلٌ فطيرة وآيس كريم، ووجدتُ الآيس كريم صلبًا مثل الأسمنت فكان غرفه صعبًا، ولكني فعلت. اكتسبتُ مزيدًا من الثقة. صرتُ أقول لهم: «تفضَّلوا.» حين أقدِّم لهم طلباتهم، وأقول: «وهذا هو الحساب.» حين أقدِّم الفاتورة.

خلال إحدى لحظات العمل البطيئة أتتْ إليَّ المرأة المسئولة عن دُرْج النقود.

قالت: «أرى أنكِ أعددتِ لأحدهم شريحة خبز، هل تستطيعين القراءة؟»

أشارت إلى لافتة ملصوقة على المرآة وراء النضد.

«لا نقدِّم أصناف الإفطار بعد الساعة ١١ص.»

قلتُ إنني ظننتُ أنه لا بأس في إعداد شريحة خبز مُسخنة، ما دمنا نعدُّ شطائر مسخنة!

«ظنك خاطئ. الشطائر المسخنة، نعم، وبزيادة عشرة سنتات. أما الخبز فلا. أتفهمين الآن؟»

قلتُ لها: نعم. لم أَعُدْ منسحقةً للغاية مثلما كنتُ إلى حدٍّ ما في البداية. وطوال وقت عملي كنتُ أفكر كم سيكون من المريح أن أعود فأخبر السيد فورجيلا أن نعم، حصلتُ على وظيفة. بوسعي الآن أن أذهب للبحث عن غرفة خاصة بي لأعيش فيها. ربما غدًا، الأحد، إن كان المتجر مغلقًا، وفكرت حتى أنني لو حصلتُ على غرفة واحدة لَصار لدى كويني مكان ما تفر إليه إذا ما ثار غضب السيد فورجيلا عليها مرةً أخرى. وإذا ما قرَّرَتْ كويني ذات يوم أن تترك السيد فورجيلا (كنتُ مُصِرَّة على الاعتقاد بهذا الاحتمال على الرغم من الطريقة التي أنهت بها كويني قصتها)، فعندئذٍ ربما يمكننا براتبي وراتبها أن نستأجر شقةً صغيرة، أو على الأقل غرفة فيها موقد غاز صغير لإعداد الطعام، ومزوَّدة بحمام ودش خاص بنا وحدنا؛ وسيعود الأمر كما كان حين كنا نعيش في البيت مع أهلنا، عدا أن أهلنا لن يكونوا موجودين.

كنتُ أزين كل شطيرة بقليل من الخس المقطع ومخلل الشبت. كان ذلك ما تعد به لافتة أخرى على المرآة، ولكني حين أخرجتُ مخلل الشبت من برطمانه حسبتُه أكثر من اللازم؛ لذا فقد قطعت الشبت إلى نصفين. كنتُ أعددتُ شطيرة لأحد الرجال بهذه الطريقة حين اقتربت امرأة الدرج وأعدت لنفسها قدح قهوة. أخذت قهوتها وعادت إلى درج النقود وشربتها وهي واقفة. حين انتهى الرجل من تناول شطيرته ودفع ثمنها وغادر المتجر، أتت نحوي من جديد.

«لقد أعطيتِ ذلك الرجل نصف قطعة مخلل؛ أكنتِ تفعلين ذلك مع كل شطيرة؟»

قلتُ نعم.

«أَلَا تعرفين كيف تقطِّعين شرائح المخلل؟ كل قطعة مخلل يجب أن تكفي عشر شطائر.»

نظرتُ إلى اللافتة. «هذه لا تقول شريحة، بل تقول قطعة مخلل.»

فقالت المرأة: «ذلك يكفي، انزعي تلك المريلة. أنا لا أقبل أن يردَّ الموظفون لديَّ الكلمةَ بالكلمة، هذا شيء لا أسمح به. اجلبي محفظتك واخرجي من هنا، ولا تسأليني عن أي أجر لأنك لم تقدِّمي لي أي نفع على أي حال، وكان يفترض بهذا أن يكون تدريبًا.»

كان الرجل الرمادي الشعر يختلس النظر وعلى وجهه ابتسامة عصبية.

وهكذا وجدتُ نفسي في الشارع من جديد، سائرةً إلى محطة الترام. لكني صرتُ أعرف الآن الجهات التي تؤدِّي إليها بعض الشوارع، وأعرف كيفية استخدام وسائل المواصلات، بل إنني حصلتُ على خبرة في عملٍ ما. يمكنني أن أقول إنني اشتغلتُ وراء نضد لتقديم وجبات الغداء الجاهزة. سأشعر بالإحراج إذا طلب مني أي شخصٍ تزكيةً من ربِّ عملي السابق، ولكني أستطيع أن أقول إن ذلك المتجر كان في مدينة منشئي. بينما كنتُ أنتظر الترام أخرجتُ قائمة الأماكن الأخرى التي نويتُ أن أتقدَّم إليها، والخريطة التي أعطَتْها لي كويني، ولكن الوقت كان قد تأخر أكثر مما ظننتُ، وأغلب تلك الأماكن كان على مسافات بعيدة للغاية. كنتُ خائفة من مواجهة السيد فورجيلا وإخباره بما جرى، فقررتُ أن أعود للبيت سيرًا، على أمل أن أصل إلى هناك بعد أن يكون قد خرج.

كنتُ قد بدأت أصعد التل حين تذكرت صندوق البريد. عدتُ من جديد إليه وأخرجتُ رسالة من الصندوق وسرتُ إلى البيت من جديد. سيكون قد خرج الآن بكل تأكيد.

لكنه لم يكن قد خرج. حين مررتُ قبالة نافذة غرفة المعيشة المفتوحة والمطلة على الطريق المجاور للمنزل، سمعتُ صوت موسيقى. لم تكن الموسيقى الخاصة بكويني، بل كانت من نوع تلك الموسيقى المعقدة التي كنَّا نسمعها أحيانًا تنبعث من النوافذ المفتوحة لمنزل آل فورجيلا؛ الموسيقى التي تتطلَّب انتباهك، ومن ثَمَّ لا تمضي بك إلى أي مكان، أو على الأقل لا تمضي إلى أي مكان بسرعة كافية. الموسيقى الكلاسيكية.

كانت كويني في المطبخ، مرتدية واحدًا من تلك الفساتين التي تلتصق بجسمها، وفي كامل زينة وجهها. وضعت أساور في ذراعَيْها. كانت تضع أقداح الشاي على صينية. أُصِبتُ بدوارٍ للحظة، بعد ابتعادي عن نور الشمس، وكانت كل بوصة من بشرتي تنضح بالعرق.

«صه!» قالت كويني، لأنني أغلقتُ الباب بصوت ارتطام. «إنهما بالداخل يستمعان للأسطوانات. هو وصديقه ليزلي.»

وبمجرد أن قالت هذا توقَّفت الموسيقى فجأةً وانطلق حديثٌ حماسي.

قالت كويني: «أحدهما يدير الأسطوانة وعلى الآخَر أن يحزر ما هي من مجرد الاستماع إلى القليل للغاية منها، يديران تلك الأجزاء الصغيرة ثم يوقفانها فجأةً، المرة بعد الأخرى، وهكذا. شيء يدفع للجنون.» وبدأت تقطع شرائح لحم الدجاج الجاهز وتضعها على شرائح من الخبز المغطَّى بالزبد. قالت: «هل وجدتِ عملًا؟»

«نعم، لكنه لم يستمر.»

«آه، لا بأس.» لم يبدُ أنها شديدة الاهتمام، ولكن حين بدأت الموسيقى من جديد تطلَّعَتْ نحوي وقالت: «هل ذهبتِ إلى …» ورأت الرسالة التي كنتُ أحملها في يدي.

أسقطت السكين وهرعت نحوي، وهي تقول بنعومة: «دخلتِ هكذا وأنتِ تمسكين بها في يدك. كان عليَّ أن أخبرك بأن تضعيها في محفظتك. رسالتي الخصوصية.» انتزعَتْها من يدي، وفي اللحظة ذاتها أخذت غلاية الماء فوق الموقد تصفر.

«أخ، أدركي الغلاية يا كريسي. بسرعة، بسرعة! أدركي الغلاية وإلا سيأتي إلينا، إنه لا يطيق صوتها.»

أدارتْ لي ظهرها وأخذت تمزِّق المظروف لتفضَّه.

رفعتُ الغلاية عن الموقد، فقالت: «أعدي الشاي، من فضلك …» بذلك الصوت الناعم المنشغل البال لشخصٍ يقرأ رسالة عاجلة. «فقط صُبي الماء عليه، فهو جاهز.»

ضحكتْ كما لو أنها قرأت مزحة سرية. صببتُ الماء على أوراق الشاي وقالت هي: «آه، أنا أشكرك، أشكرك يا كريسي؛ ألف شكر!» استدارتْ ونظرت إليَّ. كان وجهها متوردًا، وكل الأساور التي تحيط بذراعيها تجلجل باضطرابٍ رقيق. طوت الرسالة ورفعت تنورتها ودسَّتِ الرسالة تحت الزنار المطاط للباسها الداخلي.

قالت: «أحيانًا يفتِّش محفظة يدي.»

قلتُ: «هل الشاي لهما؟»

«نعم. ولا بد أن أعود إلى العمل. آه، ماذا أفعل؟ لا بد أن أقطع لهما الشطائر. أين السكين؟»

التقطت السكين وقطعت الشطائر ووضعتها على طبق.

قالت: «أَلَا تريدين أن تعرفي مَن كتب لي هذه الرسالة؟»

لم أستطع أن أخمِّن.

قلتُ: «مَن؟ بِيت؟»

لأن الأمل راوَدَني أن يكون غفران بِيت لكويني هو الشيء الذي نجح في جعلها تتفتح هكذا كالوردة.

إنني حتى لم أنظر إلى ما كُتب على المظروف.

تبدَّل تعبير وجه كويني، وللحظة بدت كأنها لم تعرف عمَّن كنتُ أتحدث. ثم استعادت سعادتها. اقتربتْ ووضعتْ ذراعَيْها حولي وهمست في أذني، بصوتٍ كان مرتعشًا وخجلًا ومُنتصرًا.

«إنها من آندرو. أيمكنكِ أن تأخذي الصينية لهما؟ لا أستطيع أنا. لا أستطيع الآن. آه، شكرًا لكِ.»

•••

قبل أن تذهب كويني إلى العمل ذهبتْ إلى غرفة المعيشة وقبَّلتْ كلًّا من السيد فورجيلا وصديقه. قبَّلت الاثنين على جبينيهما. لوَّحت لي بيدها كالفراشة وقالت: «إلى اللقاء.»

حين أخذتُ الصينية إليهما رأيت الانزعاج على وجه السيد فورجيلا؛ إذ تبيَّنَ له أنني لستُ كويني، غير أنه تحدث إليَّ بسماحةٍ مفاجئة وقدَّمني إلى ليزلي. كان ليزلي رجلًا أصلع الرأس متين البنية، بَدَا للوهلة الأولى يكاد يكون في مثل سن السيد فورجيلا، ولكن حين تألف العين صورته ومع وضع صلعه في الاعتبار بَدَا أصغر سنًّا بكثير. لم يكن نوع الصديق الذي توقَّعتُ أن يحظى به السيد فورجيلا. لم يكن فِجًّا غليظًا أو يتصرف وكأنه يعرف كل شيء عن كل شيء، بل كان مُسترخيًا ومُشجِّعًا؛ على سبيل المثال: حين أخبرتُه عن عملي وراء نضد وجبات الغداء قال: «لا بد أن تعرفي أن هذا يُحسَب لصالحك. أن يتم توظيفك في أول مكان تجربيه. هذا يُظهِر أنك تعرفين كيف تعطين عنكِ انطباعًا جيدًا.»

لم أجد مشقةً في التحدُّث عن تجربتي تلك؛ فمجرد حضور ليزلي جعل كلَّ شيءٍ أيسر، وبَدَا كما لو أنه رقَّق من مسلك السيد فورجيلا، كأنه كان عليه أن يبدي نحوي مجاملة دمثة في حضور صديقه. وربما يكون قد أحسَّ بتغيُّرٍ ما طرأ عليَّ. يشعر الناس بالاختلاف حين تتوقَّف عن الخوف منهم. لم يكن واثقًا من هذا التغيير، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن الكيفية التي حدث بها، ولكنه حيَّره وأربكه وجعله أكثر حرصًا. اتفق مع ليزلي حين قال إنه من الأفضل لي أني تركت ذلك العمل، بل إنه مضى يقول إن تلك المرأة بدت من ذلك النوع الضاري السليط اللسان الذي يتعثر به المرء أحيانًا في تلك المتاجر البائسة في تورونتو.

قال: «ولم يكن لها أي حق في ألا تدفع لك أجرًا.»

فقال ليزلي: «أعتقد أن الزوج كان عليه أن يتدخَّل، إذا كان هو الصيدلاني فهو إذن ربُّ العمل.»

قال السيد فورجيلا: «لعلَّه سيحضر ذات يوم تركيبة مخصوصة يتخلَّص بها من زوجته!»

لم تكن هناك صعوبةٌ في صب الشاي لهما، وتقديم الحليب والسكر وتمرير الشطائر، بل التحدث معهما أيضًا، خصوصًا حين تعلم شيئًا ما لا يعلمه الشخص الآخر، عن خطرٍ يتهدَّده. ولأن السيد فورجيلا لم يكن يعلم بذلك الخطر، استطعتُ أن أشعر بشيءٍ آخَر نحوه غير الاشمئزاز. ليس الأمر أن تغيُّرًا طرأ عليه؛ وإن كان قد تغيَّرَ فذلك لأنني تغيَّرتُ.

وسرعان ما قال إنه قد حان الوقت لأن يستعِدَّ للذهاب إلى العمل. دخل ليغيِّر ملابسه. عندئذٍ سألني ليزلي إن كنتُ أودُّ أن أتناوَلَ العشاء بصحبته.

قال: «بالقرب من هنا مكان أتردَّد عليه، ليس مكانًا فاخرًا بالمرة، لا يشبه في شيء المطعمَ الذي يعمل فيه ستان.»

سرني حقًّا أن أسمع أنه ليس مكانًا فاخرًا. قلتُ: «بالطبع.» وبعد أن أوصَلْنا السيد فورجيلا حتى المطعم، ذهبنا في سيارة ليزلي إلى مكان يقدِّم السمك ورقائق البطاطس. طلب ليزلي وجبة العشاء الممتازة — على الرغم من أنه كان قد أكل قبل قليلٍ العديدَ من شطائر لحم الدجاج — وطلبتُ أنا الوجبة العادية. شربَ هو جعةً وشربتُ كوكاكولا.

حدَّثَني عن نفسه. قال إنه تمنَّى لو كان قد درس في كلية المعلمين بدلًا من أن يختار مجال الموسيقى، الذي لا يساعده كثيرًا على تأسيس حياة مستقرة.

كنتُ مستغرقةً تمامًا في موقفي الراهن، حتى إنني لم أسأله أي نوعٍ من الموسيقيين كان هو. اشترى لي أبي تذكرة للعودة، قائلًا: «لا يمكنكِ أن تعرفي بالمرة إلى ماذا ستئول الأمور معه أو معها.» فكَّرت في تلك التذكرة في اللحظة ذاتها التي راقبتُ فيها كويني تدسُّ رسالة آندرو تحت حافة لباسها التحتي. حتى لو أنني لم أكن قد عرفت بعدُ أنها رسالة من آندرو.

ليست المسألة أنني أتيتُ إلى تورونتو فحسب، أو أنني أتيتُ إلى تورونتو لأجد عملًا خلال فصل الصيف. لقد أتيتُ لأكون جزءًا من حياة كويني؛ أو إذا لزم الأمر، أكون جزءًا من حياة كويني والسيد فورجيلا. حتى عندما كنتُ أهيم في خيالي حول عيشي أنا وكويني معًا، كان للسيد فورجيلا نصيبه من ذلك الخيال، وكيف أن كويني سوف تطيعه وتحسن معاملته.

وحين أخذتُ أفكر في تذكرة العودة كنت أتعامل مع أمرٍ آخَر باعتباره شيئًا مسلمًا به. أقصد أن بوسعي الرجوع للعيش مع بِيت وأبي، وأن أكون جزءًا من حياتهما.

أبي وبِيت، والسيد والسيدة فورجيلا، وكويني والسيد فورجيلا، بل حتى كويني وآندرو؛ كل هؤلاء أزواج، وكل زوج منهم — حتى إن كان الزواج مزعزعًا — لديه الآن، أو في الذاكرة، ملجأ حميم يجمعهما، بكل حرارته وجلبته، وأنا مُستبعَدة منه. كان لا بد لي أن أُستبعَد، وكنتُ أرجو ذلك؛ لأنني لم أستطع أن أرى شيئًا في حياتهم جميعًا يمكن له أن يرشدني أو يشجعني.

كان ليزلي هو الآخر مُستبعَدًا، ومع ذلك فقد حدَّثني عن كثيرين تربطه بهم صلاتُ الدم أو الصداقة؛ شقيقته وزوجها، أبناء الأشقاء والشقيقات، زوج وزوجة يزورهما لقضاء الإجازات معهما. كل هؤلاء الناس كانت لديهم مشكلاتهم، ولكن كانت لهم قيمة ثمينة. تحدَّثَ عن وظائفهم، أو افتقارهم للوظائف، عن مواهبهم، وعن ضربات الحظ التي قابلتهم، عن خطئهم في الحكم على الأمور، تحدَّث باهتمام كبير ولكن بالقليل من الشغف. كان مُستبعَدًا، كما بدا واضحًا، من الحُب أو الضغينة.

لو حدث هذا في وقتٍ تالٍ من حياتي، لَكنتُ رأيتُ ما في هذا الوضع من أخطاء، لَكنتُ شعرتُ تجاهه بنفاد الصبر، بل بالريبة أيضًا التي يمكن أن تستشعرها امرأة نحو رجل يفتقد للحافز، رجل ليس لديه ما يقدِّمه سوى الصداقة، ويقدِّمها بمنتهى السهولة بحيث إنه حتى لو تمَّ رفضُها يمكنه أن يمضي قُدُمًا في حياته مبتهجًا كما كان دائمًا. ما يوجد هنا ليس رجلًا وحيدًا يتمنى أن يرتبط بفتاة، حتى أنا كان بمقدوري رؤية ذلك، إنه مجرد شخص يستكين للراحة المستمَدة من اللحظة الحاضرة ومن الوجه العاقل للحياة.

كانت صحبته هي كل ما أحتاج إليه، على الرغم من أنني لم أكد أدرك ذلك. ربما كان يعاملني بطِيبةٍ عن قصدٍ مدروس؛ تمامًا كما عاملتُ أنا السيد فورجيلا بطِيبة قبل برهة وجيزة، أو على الأقل وجدتني أميل لحمايته على نحوٍ غير متوقَّع.

•••

كنتُ قد التحقتُ بكلية المعلمين حين هربت كويني للمرة الثانية. وصلني النبأ في رسالة من أبي. قال إنه لم يعرف كيف حدث هذا ولا متى. لم يُطلِعه السيد فورجيلا على الأمر إلا بعد فترة، ثم قرَّر أن يخبره؛ تحسُّبًا لأن تكون كويني قد قرَّرت العودة إلى بيت أبي. كتب أبي للسيد فورجيلا قائلًا إنه لا يرى هذا احتمالًا واردًا. وفي رسالته إليَّ قال لي أبي إننا على الأقل الآن لا نستطيع القول إن كويني لا يمكن أن تُقدِم على ذلك الفعل.

لسنوات ظللتُ أتلقَّى بطاقات معايدة بمناسبة الكريسماس من السيد فورجيلا، حتى بعد أن تزوَّجْتُ؛ بطاقات فيها زحافات جليدية محمَّلة برزم هدايا برَّاقة، أو أسرة سعيدة تقف أمام مدخل مزيَّن بزينة العيد، أو ترحب بأصدقاء يزورونها. لعله اعتقد أن تلك هي أنواع المشاهد التي ستكون جذَّابة لي بالنظر إلى طريقة حياتي الراهنة، أو ربما كان يلتقطها من فوق حامل الكروت دون تفكير أو تأمُّل. دائمًا ما كان يكتب عنوان المرسِل؛ على سبيل التذكير بوجوده وليجعلني على علمٍ بمكان إقامته، في حال وصلتني أي أخبار.

عن نفسي، كنتُ قد توقَّفتُ عن انتظار ذلك النوع من الأخبار، حتى إنني لم أعرف قطُّ إن كان آندرو هو الشخص الذي هربت معه كويني، أم أنه كان شخصًا آخَر. أو إن كانت قد بقيت بصحبة آندرو، لو كان هو الشخصَ الذي هربتْ معه. بعد وفاة أبي خلَّفَ لنا بعض المال، وحاولنا بجدية أن نتتبع أثرها للعثور عليها، دون أن يحالفنا التوفيق.

•••

لكن الآن حدثَ شيءٌ ما، الآن خلال السنوات التي كبرَ فيها أطفالي وتقاعَدَ زوجي عن العمل وصرت أنا وهو كثيري الترحال، يخطر لي أحيانًا أنني أرى كويني. لم يكن هذا نتيجةَ أُمنيةٍ خاصة أو جهدٍ مقصود لأن أراها، ولم أكن أيضًا أنني أعتقد أنني أراها حقًّا.

مرة كان ذلك في زحام أحد المطارات، وكانت ترتدي سارنج (ثوب سابغ يلف الجسد على طريقة نساء جزر الملايو) وقبعةً من قش مزركشة بالزهور. وجهها ملوَّح بسُمرة الشمس ومفعمة بالحماسة، ومظهرها يوحي بالثراء، ومحاطة بالأصدقاء. ومرةً أخرى كانت بين النساء الواقفات على باب الكنيسة في انتظار أن يختلسن نظرةً إلى حفل زفاف. وكانت مُرتدية سترة مرقطة من قماشٍ كالشمواه، ولم تبدُ عليها أي أمارات تدل على الرخاء وهناء البال. وفي وقتٍ آخَر كانت متوقفة أمام ممر المشاة في طريق السيارات، وهي تقود صفًّا من أطفال دار حضانة في طريقهم إلى حمام السباحة أو المتنزه العام. كان يومًا حارًّا وبانَ بوضوح وصراحة مظهرُها الممتلئ كامرأة في منتصف العمر، ترتدي سروالًا قصيرًا مطبوعًا بالزهور وتي شيرت عليه شعارٌ ما.

آخِر وأغرب المرات كانت في سوبر ماركت في مدينة توين فولز في إيداهو. درتُ حول أحد الأركان وأنا أحمل بضعة أشياء اخترتها من أجل غداء في نزهة خلوية، وكانت هناك امرأة عجوز تقف مستندة على عربة تسوقها، كما لو كانت تنتظرني. امرأة صغيرة الحجم ذات تجاعيد بفمٍ ملتوٍ وبشرة معتلَّة تميل لِلَّون البُني. خصلات شعرها الخشنة ما بين الأصفر والبُني، وسروالها الأرجواني مرفوع حتى الربوة الصغيرة لمعدتها؛ كانت إحدى تلك النساء النحيفات اللاتي فقدن مع التقدُّم في العمر خصورهن الضيقة، على الرغم من نحافتهن. لعلها حصلت على السروال من متجر للبيع بأسعارٍ مخفضة، وكذلك كنزة الصوف البهيجة الألوان ولكن المتلبدة والمنكمشة والمزرَّرة على الصدر، التي بالكاد تناسب فتاة في العاشرة من عمرها.

كانت عربة التسوق فارغة، ولم تكن المرأة تحمل حتى محفظة نقود.

وعلى خلاف تلك النساء الأخيرات، بدا أن هذه المرأة تعرف أنها كويني. ابتسمت لي بهذا التعرف السعيد، وبذلك الشوق لأن يتعرَّف عليك شخص آخَر أيضًا، وبأنه رأى مثلها ما في هذا من نعمة كبرى؛ لحظة موهوبة سُمِح لها خلالها بالخروج من الظلال ولو ليومٍ واحد من ألف يوم.

كل ما قمتُ به هو أن مططتُ فمي مبتسمةً في لطف وعلى نحوٍ غير شخصي، كما لو كنتُ أبتسم لامرأة غريبة معتوهة، وواصلت تقدُّمي نحو صندوق الدفع.

بعد ذلك وفي المكان المخصَّص لصفِّ السيارات اعتذرتُ لزوجي، قلتُ له إنني نسيتُ شيئًا ما، وأسرعتُ بالعودة إلى داخل المتجر. رحتُ أسير جَيْئةً وذهابًا على طول الممرات، باحثةً. ولكن في غضون ذلك الوقت الوجيز بَدَا أن المرأة العجوز قد ذهبتْ. ربما تكون قد خرجت بعد أن خرجتُ أنا على الفور؛ ربما كانت تشقُّ سبيلها الآن في شوارع توين فولز، على قدمَيْها، أو في سيارةٍ يقودها أحد الأقارب أو الجيران، أو حتى في سيارة تقودها هي بنفسها. ومع ذلك فقد كان هناك احتمال أن تكون لا تزال في المتجر، وأننا نسير هنا وهناك بين البضائع دون أن ترى إحدانا الأخرى. وجدتُ نفسي آخذ اتجاهًا ثم آخَر، مرتجفةً في الطقس الجليدي للمتجر الصيفي، أنظر في وجوه الناس مباشَرةً، وربما أُخِيفهم؛ لأنني كنتُ أتضرَّع إليهم في صمت ليخبروني أين يمكنني أن أجد كويني.

وأخيرًا استعدتُ عقلي وأقنعتُ نفسي أن ذلك لم يَعُدْ ممكنًا، وأن تلك المرأة، سواء أكانت كويني أم لا، تركتني خلفها وذهبتْ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١