ذكرى ناجي

لم أستطع أن أحضر الاحتفال الذي أُقِيم اليوم، تخليدًا لذكرى الشاعر الدكتور ناجي، فقد اضطررتُ إلى مغادرة القاهرة لظرفٍ خاص مفاجئ.

لا أدري ماذا حدث في الاحتفال، لقد قرأتُ البرنامج فوجدته عامرًا بأسماء الخطباء والشعراء والمفكرين، ممَّن عرفوا ناجي الشاعر الإنسان وعاصروه، ودرسوا حياته الأدبية والاجتماعية، لا شك أنهم جميعًا أجادوا في الإشادة بذكره، وشعره، ولا شك أنهم بَكَوْه أحرَّ بكاء، ولكن لا أدري هل وقفوا في تخليده عند هذا الحد، أو تجاوزوا ذلك إلى إجراءاتِ عمليةِ تخليد ذكرى هذا الشاعر الغنائي العاطفي؟

يجب لتخليد ذكرى ناجي جمع أشعاره كلها، واختيار الشعر الغنائي منها، وطبعه في ديوانٍ مستقل؛ لأن هذا الشعر بالذات تفجَّرَ من قلب ناجي، وإنك لتلمح في كل قصيدة من قصائده الغنائية العاطفية، بصمةَ أعصابه، وتوقيعَ دمه!

أما أشعار التأملات والظنون والحيرة والرثاء، فتُطبَع على حدة في ديوانٍ آخَر.

لقد كان ناجي شاعرًا ملتهب الأعصاب مشبوب العاطفة، يغنِّي آلامه، ويشدو بأحزانه، وفي مجموعة شعره لوحاتٌ عاطفية، أحِبُّ أن أوجِّهَ إليها أنظارَ الملحِّنين.

ففي ملحمته «الأطلال» أكثر من عشر قطع تفيض شعورًا وصورًا وأخيلة.

اقرأ، بل اسمع:

أنت حسن في ضحاه لم يزل
وأنا عندي أحزان الطفل
وخيوط النور من نجمٍ أفل
وبقايا الظل من ركب رحل!

واسمع:

أين مني مجلس أنت به
فتنة تمت سناء وسنى
وأنا حب وقلب ودم
وفراش حائر منك دنا
ومن الشوق رسول بيننا
ونديم قدم الكأس لنا
وسقانا فانتفضنا لحظة
لغبار آدمي مَسَّنا!

وقد سبق أن قام المرحوم الدكتور إسماعيل أدهم بدراسةٍ عن شعر ناجي، ويمكن إعادة طبع هذه الدراسة، وتأليف لجنة من الشعراء والكتَّاب تتولَّى وضْعَ دراسة تحليلية شاملة للدكتور إبراهيم ناجي الشاعر والكاتب والطبيب، وتسجل قصة حياته منذ كان طفلًا يترنم بالشعر في درس الحساب، فيضربه مدرس الحساب! إلى أن لفظ آخِر أنفاسه وهو يكشف في عيادته الخاصة عن قلب أحد مرضاه، ومات الطبيب وعاش المريض!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠