مسرحيات شوقي

وهل هي لشوقي؟

هل مسرحيات شاعرنا الخالد أحمد شوقي من صنعه وحده؟

إن شعر المسرحيات من نظم شوقي؛ فلا أحد سواه يستطيع أن يصل إلى هذه القمة العالية في جزالة الأسلوب، ووضوح المعنى، وفخامة الكلمة، وموسيقية التعبير.

ولكن البناء المسرحي لهذا الشعر مَن الذي أقامه؟ هل أقامه شوقي وحده، أو أنه استعان بمهندس؟

لقد استعان شوقي فعلًا في بناء مسرحياته بمهندسٍ فني!

وهذا المهندس ليس شاعرًا، ولا ممثلًا، ولا مخرجًا مسرحيًّا، ولكنه طبيب، هوايته الشعر والمسرح، وقبل أن أذيع اسم المهندس الفني لمسرحيات شوقي، أُبادِر وأذكر أن تصميم المسرحيات وأساسها وفكرتها ومادتها الشعرية قام بها شوقي.

وكل ما صنعه المهندس هو أنه أعاد النظر في الحوار، وفي ترتيب الفصول، وتولَّى تنسيقَ الإطار الفني الذي ظهرت فيه المسرحيات.

وقد نجحت المسرحيات بقوة الشعر وقدرة المُمثلين على الأداء، ولكنها لم تنجح فنيًّا، ولقد أجمع النقاد على أن شعر شوقي القمة، وأن البناء المسرحي يحتاج إلى تعديلٍ قد يتطلَّب التصرُّفَ في هذا الشعر البديع.

فأين الشاعر الذي يستطيع أن يصل إلى قمة شوقي؟

وإذا وجدنا ذلك الشاعر، فكيف يمكن أن نتصرف في شعر شوقي بالحذف أو الإضافة، دون أن نرتكب جريمة في حق التاريخ؟

لستُ من هذا الرأي، ولكنني غير بعيد عنه، فأنا أرى أن تعديل مسرحيات شوقي لا يتنافى مع الأمانة التاريخية، إذا اقتصر التعديل على الحذف، ولم يتناول إضافة شعرٍ آخَر إلى شعر شوقي، ربما قيل إن التعديل الفني قد يحتمُّ وضْعَ شعر جديد يقتضيه الجو والملاءمة والسياق، فماذا نصنع؟

إذا اصطدمنا بهذه العقبة، فمن الممكن تذليلها بوضع كلمات غير منظومة، وبذلك تكون الكلمات حركة إخراجية مكتوبة أشبه بحركات الإخراج على المسرح.

كان شوقي ينقد مسرحياته، ويعيد النظر فيها، وكلما شهد مسرحية أجرى عليها تعديلًا، وقد عرفته في أخريات حياته، وحضرت معه مسرحية «مصرع كليوباترا»، وكنتُ أحفظ أشعاره، وفي إحدى الجلسات أبديتُ له ملاحظةً على الحوار الذي دار بين أنوبيس وكليوباترا؛ جو الموقف يقتضي أن يُهوِّن أنوبيس من خطر الموت، حتى يغري كليوباترا أن تنتحر دون أن تخاف، كانت تسأله ماذا سيفعل الموت بها، وما هو الموت؟

تقول له: وما الموت؟

أنوبيس: ماذا أقول!

كليوباترا: تمثِّله لي كأنْ قد حضر.

أنوبيس: زعمت ابنتي الموت شخصًا يحس، وعظمت من أمره ما صغر.

ويستطرد فيقول:

وما هو إلا انطفاء الحياة
وعصفت الردى بسراج العمر

وقلت لشوقي: إن هذا ليس تهوينًا من شأن الموت، ولكنه تجسيم لرهبته.

فأطرق شوقي وقال: لو أبديتَ هذه الملاحظة قبل طبع المسرحية لحذفتُه منها.

وقلت له: عندي اقتراح.

فقال: ما هو؟

قلت: يبقى هذا البيت على لسان كليوباترا، وبدلًا من أن يكون البيت:

وما هو إلا انطفاء الحياة
وعصْف الردى بسراج العمر

يصبح البيت هكذا:

وهل هو إلا انطفاء الحياة
وعصف الردى بسراج العمر؟

فقال شوقي: إن هذا يقتضي أن يجري البيت التالي على لسان كليوباترا وليس على لسان أنوبيس، ويمكن تعديله على هذا النحو:

أليسَتْ له صورةٌ في العيون
على قُبْح صورته في الفكر

فيقول أنوبيس:

وليسَتْ له صُوَر في العيون
على قُبْح صورته في الفكر
إذا جاء كان بغيضَ الوجود
وإنْ جِيء كان حبيبَ الصور

وسجَّلَ شوقي هذه الملاحظة في ورقة صغيرة، وقال إنه سينفذها في الطبعة الجديدة لمصرع كليوباترا، ويظهر أن الورقة التي دوَّنَ فيها شوقي ملاحظته ضاعَتْ منه، فقد صدرت بعد وفاته عدة طبعات لمصرع كليوباترا، ولكنها خلَتْ من التعديل الذي اقتنع به شوقي.

ضربت هذا المثل لأبيِّن حرصَ شوقي على الكمال الفني؛ فالفن انتقاء، وحذف، وإضافة، والانتقاء والحذف والإضافة لا ينبغي أن يتولَّاها إلا الفنان نفسه، ولكن إذا ذهب الفنان وكانت آثاره تحتاج إلى انتقاء وحذف وإضافة، فهل تهمل هذه الآثار؟ هل نتركها تخفق؟ أو أن الفن يقتضينا إجراء تعديل لها؟

أعتقد أن هذا السؤال يحمل الجواب الصحيح، وهو ألَّا نتردَّدَ في إجراء أي تعديل لا يمس جوهر العمل الفني، وما أنادي به بالنسبة لمسرحيات شوقي، حدث بالنسبة إلى مسرحيات شكسبير، وحدث بالنسبة إلى بعض ألحان سيد درويش، فإن أغنية «زوروني كل سنة مرة» التي تغنيها فيروز، في الإطار الذي رسمه لها أخوان رحباني، قد بلغت من النجاح الفني ما لم تبلغه وهي في إطارها الذي وضعه سيد درويش نفسه.

وهذا لا يغضُّ من قدرة سيد درويش، بل يرفع قدره، ويثبت أن المعدن الفني الأصيل، إذا تشكَّلَ في أي قالب لا يفقد قيمته ولكن يزداد جمالًا.

بقي أن تعرفوا المهندس لمسرحيات شوقي؛ إنه الدكتور سعيد عبده، ويمكن أن نستعين به في تعديل مسرحيات شوقي، إذا ما وجدنا بين المشتغلين بالمسرح مَن يجرؤ على وضع هذه المسرحيات في إطارٍ يجعل قيمتها الفنية تتلاءم مع قيمتها الشعرية.

وطنية شوقي

زارني أحد خريجي كلية الآداب، ودارت بيننا مناقشة حول وطنية شاعرنا الخالد أحمد شوقي، وقال لي إنه يُعِدُّ رسالةً عن الشعراء الوطنيين في الخمسين سنة الماضية، وإنه لم يجد لشوقي قصيدة واحدة تدل على وطنيته وتجاوُبِه مع مشاعر الشعب.

وقلتُ للزائر الأديب: هل درستَ شوقي دراسةً تستطيع معها أن تحكم على وطنيته؟

فقال: لقد كان شوقي مخالفًا للحركة الوطنية التي تزعَّمَها مصطفى كامل، كان في جانب، والشعراء كلهم في جانب!

ولم يسعني إلا أن أقاطعه وأنبهه إلى عجزه عن فهم العصر الذي عاش فيه شوقي، وكيف أن شوقي على الرغم من انتمائه للقصر، كان ينفعل بمشاعر الشعب، ويعبِّر عن الاتجاه الوطني في كثيرٍ من المواقف.

وسألني: أين قصيدة شوقي في حادث دنشواي؟ أين شوقي من حافظ؟

وقلتُ: إن حافظ هجا إبراهيم الهلباوي، المدعي العام، ولم يَهْجُ القضاةَ المصريين الذين اشتركوا في إصدار الحكم الجائر.

وقال: وهل هجا شوقي هؤلاء القضاة؟

وحكيتُ له القصةَ التاريخية المعروفة، وهي أنه عقب صدور الحكم في مأساة دنشواي عام ١٩٠٦، صدر أمر بترقية أحمد فتحي زغلول إلى منصب وكيل وزارة العدل، وكان أحد قضاة المحكمة الظالمة، وأُقِيمت له حفلة تكريم في فندق شبرد، ودُعِي شوقي إلى الحفلة، فأرسل إلى المشرفين عليها هذه الأبيات:

إذا ما جمعتم أمركم وهممتمو
بتقديم شيء للوكيل ثمين
خذوا حبل مشنوق بغير جريرة
وسروال مجلود وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه
من الشعر حكم خطه بيمين
ولا تقرءوه في «شبرد» بل اقرءوا
على ملأ في دنشواي حزين!

شوقي وحافظ

أعتقد أني كنتُ واضحًا عندما تكلَّمت عن موقف شوقي وحافظ من حادث دنشواي، فقد سجَّلت أن حافظًا لم يتعرَّض في قصيدته للقضاة المصريين، وصبَّ لعناته على إبراهيم الهلباوي المدَّعِي العام، وأن شوقي هاجَمَ القاضي المصري أحمد فتحي، وقال فيه أبياتًا تنبض بالازدراء والمرارة.

ولم أقصد بذلك إلا أن أصحِّح ما رسب في الأذهان عن وطنية شوقي، فقد كان برغم وضعه من القصر، يعبِّر عن آمال الشعب وآلامه، وكانت ظروف وظيفته تقتضيه أن يستعمل الدبلوماسية والكياسة، حتى لا يحرج نفسه مع القصر، ولا يحرج القصر معه، وكان معروفًا عنه أنه يكره الإنجليز والاحتلال، ويشايع الحزب الوطني.

وكان للوطنية في تلك الأيام أكثر من مفهوم؛ هناك مَن جاهَرَ بمقاومة الاحتلال والتمسُّك بالولاء لآل عثمان، وهناك مَن دعا إلى التخلُّص من سيطرة آل عثمان والتفاهُم مع الإنجليز على الجلاء، وهناك مَن تمرَّدَ على الاحتلال والقصر معًا ونادَى بالاستقلال التام.

وكان شوقي يكفر بالاحتلال، ويؤمن بالخلافة، وكذلك كان الحزب الوطني يومًا ما.

وبعدما عاد شوقي من المنفى، ناصَرَ الحركةَ الوطنية الشعبية، التي انبعثت من انتفاضة ١٩١٩ برياسة سعد زغلول، ولكنه كان غير متحزب في مناصرته للحركة، وكان يبثُّ آراءه ونصائحه بدبلوماسيةٍ وكياسة. كان ضد طغيان الأقلية، وضد طغيان الأكثرية، ولم يقع حادث في بلادنا أو خارج بلادنا، دون أن يسجله.

وقد تلقَّيْتُ من الأستاذ محمد الغزالي حرب، كلمةً أشارَ فيها إلى وطنية شوقي، وأنكر الأبيات التي أوردتُها في يومياتي، وقلتُ إن شوقي قالها بمناسبة حفلة تكريم فتحي زغلول.

وقال إنه يحفظ هذه الأبيات ولا يعرف أنها لشوقي، وإنه بحث عنها في الشوقيات فلم يجدها، وخشي على ذاكرتي أن تكون قد خانتني.

وأُبادِرُ فأذكر أن الأبيات الأربعة، تسابقت الصحف الوطنية في نشرها، ونسبتها إلى شوقي عام ١٩٠٦، وقد نقلها المؤرِّخ الكبير الأستاذ عبد الرحمن الرافعي من الصحف، وسجَّلها في كتابه «شعراء الوطنية» صفحة ٧٩.

ويستطرد الأستاذ الغزالي فيسجِّل على شوقي، أنه قال قصيدته في دنشواي بعد وقوع الحادث بعام، ثم يسجِّل لشوقي أنه ليس أقل وطنيةً من حافظ، وأن ما يُؤخَذ على حافظ أفدح بكثيرٍ ممَّا يُؤخَذ على شوقي، ويعزِّز رأيَه بأبياتٍ كثيرة للشاعرَيْنِ.

وقد نقل من شعر حافظ بعض ما نظمه في الإشادة بعدل بريطانيا، وكيف كان حافظ يودع المندوب السامي القديم ويستقبل المندوب السامي الجديد، ويمجد العرش البريطاني ويقول مخاطبًا الإنجليز:

أنتم أطباءُ الشعو
بِ وأنبلُ الأقوامِ غاية
أنَّى حللتُم في البلا
دِ لكم من الإصلاحِ غاية

ثم قارنَ بين قصيدة حافظ في وداع كرومر، وقصيدة شوقي في دنشواي بعد سفر كرومر، وذكر أن حافظًا قال لكرومر:

سنطري أياديك التي قد أفضتها
علينا، فلسنا أمة تجحد اليدا
وكنتَ رحيمَ القلب تحمي ضعيفنا
وتدفع عنَّا حادثَ الدهر إنْ عَدَا

في حين يقول شوقي:

نيرون لو أدركت عهد كرومر
لَعرفت كيف تنفذ الأحكام

ولشوقي قصيدة مشهورة في وداع كرومر، وفيها يقول:

لما رحلت من البلاد تشهدت
فكأنك الداء العياء وبيلا

وأذكر هنا للتاريخ أن شوقي نشر هذه القصيدة في الصحف بدون توقيع، وبعد ذلك سجَّلها في الشوقيات.

وأعود للأستاذ الغزالي، لأقتبس من مقاله هذه الفقرة:

لا ينبغي لأحدٍ أن يسأل في مجال الوطنية: أين شوقي من حافظ، بل يجب أن يكون السؤال هو: أين حافظ من شوقي؟!

ولا شك أن فيما قاله الأستاذ الغزالي مغالاة؛ فكلا الشاعرين شوقي وحافظ له كثيرٌ نحسبه له، وكثيرٌ نحسبه عليه.

ذكريات عن الشاعر الخالد في يوم ذكراه

مرَّتْ ذكرى شوقي هذا العام في هدوء، فلم تحتفل بذكراه هيئةٌ أدبية فنية، ولم تظهر عنه دراسة جديدة.

كل ما حدث أن التليفزيون أذاع برنامجًا عن شوقي، أعَدَّه الأستاذ محمد علي حماد، واشترك فيه ابن شوقي الأستاذ حسين شوقي، والدكتور سعيد عبده، وأم كلثوم، وعبد الوهاب، وهو برنامج يتسم بالوفاء أكثر من أي شيءٍ آخَر.

ولكن هل معنى ذلك أن يد النسيان بدأت تمتدُّ إلى اسم الشاعر الخالد؛ لتمحو منه بعض النقط، أو بعض الحروف؟ كلا؛ فقد ظللنا عدة أعوام لا نحتفل بذكرى شوقي على المستوى الذي يليق به، ثم احتفلنا — شعبًا ودولة — بهذه الذكرى في مؤتمرٍ استمَرَّ أيامًا، وساهَمَ في المؤتمر ممثِّلو البلاد العربية، وكتب النقَّاد والمختَصُّون دراساتٍ جادةً عن الشاعر، الذي تفجرت موهبته منذ سبعين عامًا بشعرٍ اختلف النقاد على شكله، ولكنهم أجمعوا على أصالة جوهره.

وجاء الزمن، فأثبَتَ أن الشعر الصحيح لا يموت أيًّا كان إطاره وقالبه.

وقد لاقى شوقي في حياته هجومًا عنيفًا من خصومه، بعض هؤلاء الخصوم يحملون على شخصه، ولم يكن يحفل بهم، وبعضهم الآخَر كان يحمل على طريقته وأسلوبه، وقد اهتَمَّ بهم، ولكنه لم يتولَّ الردَّ عليهم، كان يرى أن الشاعر هو الشعر، فهل يستطيع أن يفسر نفسه بنفسه؟ هل يستطيع إذا سُئِل ما هو أن يجيب ما هو؟

إن الشعر، والموسيقى، والنحت، والرسم، وكل الآثار الفنية مثل مفاتن الطبيعة لا ينبغي أن نسألها عن سر فتنتها؛ فالجواب ليس عندها، ولكن عندنا نحن الذين أخذتنا فتنتها وعبَّرنا عنها بقصيدةٍ، أو لحن، أو تمثال، أو لوحة.

وفي المهرجان الذي بايعه فيه شعراء العرب بإمارة الشعر، قال شوقي يحيِّي مَن بايَعُوه:

إنما أظهروا يد الله عندي
وأذاعوا الجميل من إحسانه
ما الرحيق الذي يذوقون من كرمي
وإن عشت طائفًا بدنانه
وهبوني الحمام لذة سجع
أين فضل الحمام في تحنانه؟
وتر في اللهاة ما للمغنِّي
من يد في صفائه وليانه

إن شوقي في هذه الأبيات يرى أن الفن موهبة، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال.

هل تستطيع الموهبة وحدها أن تخلق عملًا فنيًّا كاملًا؟

في رأيي أن الموهبة التي لا يصقلها العلم والثقافة والدراسة قد تنطلق منها شرارة تلفت النظر، ولكن لا تندلع منها نار تثير الفكر، وقد كان شوقي موهبة صقلتها ثقافات متعددة، شملت السياسة، والتاريخ، والقانون، والآداب العالمية، والفنون، والأديان، وأصول اللغة …

وإذا شبهنا الموهبة ببئر البترول، فإن الثقافة هي معامل تكرير البترول، وبغير هذا التكرير لا يمكن أن نستغل البترول في تسيير الطيارات والسيارات.

وقد حلقت طائرة شوقي بموهبته التي صقلها بالثقافة، سارت ببتروله الذي كرره بالعلم والمعرفة.

وكان شوقي يؤمن كما قلنا بأن الشعر هو الشاعر، والشعر لا يستطيع طبعًا أن يردَّ على ناقديه، وكذلك الشاعر لا ينبغي أن يفسِّر أعماله أو يدافع عنها؛ فهذه مهمة الناقد.

ولكن شوقي على الرغم من إيمانه بذلك كان يضيق بهجوم النقاد، وكان يُعبِّر عن ضيقه بأبياتٍ، يبثُّها بين قصائدَ لا تمتُّ إلى النقد بأية صلة.

كان الأستاذان الكبيران عباس العقاد وإبراهيم المازني قد أصدرَا أول جزء من كتابهما الديوان، وفي هذا الجزء تناوَلَ العقاد قيمةَ شوقي، وهل هو شاعر خالق، أو أنه شاعر ينسج على منوال غيره من الشعراء القدامى؛ فهو يستخدم النماذج السابقة، والقوالب القديمة، وما يتجلَّى في شعره من بريق، ليس مبعثه شاعرية أصيلة، وإنما مبعثه ممارسة النظم فترة طويلة من الزمن.

وثارَ شوقي، وثارَ له كثيرون من الكتَّاب وردُّوا على العقاد، ولكنَّ ردودَهم لم تتضمَّن أكثرَ من كيل السباب للعقاد والمدرسة الحديثة، وإحراق البخور حول شوقي. كانوا يشيدون بشوقي ويسبون العقاد، وكان العقاد يدافع عن الشعر الحديث، ويسبُّ شوقي عن علمٍ وعن تعصُّبٍ أيضًا.

وفي هذه الأثناء نظم شوقي قصيدةً استقبَلَ بها أم الخديو عباس، وكانت ممنوعةً من دخول مصر، وأذن لها الملك فؤاد بالدخول لدفن حفيدها، ومنعت الحكومة الناس من استقبالها، ومنعتهم من تشييع الجنازة.

وتحمَّسَ شوقي لاستقبال أم الخديو، وهاجَمَ الذين منعوا الجمهور من استقبالها، وقال:

برئ الرفق من السيف الذي
منع الأم ملاقاة البنين
أقبلي كالشمس لم تجعل لها
موكبًا أو تتخذ من حاشرين
أقبلي في بحرك الطامي إذا
عبث السيف بموج المحتفين

ثم قال يخاطب أم الخديو:

لا ترومي غير شعري موكبًا
إن شعري درجات الخالدين
آب من قيمتك الدهر كما
رجع النقد من الشعر الرصين!

وهو في هذين البيتين إنما أراد أن يردَّ على مَن هاجموه.

وفي ذكرى الصحفي الوطني الكبير أمين الرافعي، أعَدَّ شوقي قصيدةً.

وكان أستاذنا الدكتور محمد حسين هيكل رئيسًا للجنة الاحتفال، وهو صديق لشوقي، وقد كتب مقدمة ديوانه، وأشاد بشاعريته، ثم حدثت بينهما جفوة شديدة، وليس هناك مجال للكشف عن أسبابها.

ورأى الدكتور هيكل أن يحتجز القصيدة إلى نهاية الحفلة حتى يربط الجمهور، وكانت الحفلة في دار الأوبرا، وقد تحدَّدت لنهايتها الساعة الثامنة مساءً، وقبل هذا الموعد، نهض الدكتور هيكل وأعلَنَ أن الوقت لا يتسع لإلقاء قصيدة الشاعر أحمد شوقي بك، وأن اللجنة رأت أن تكتفي بنشرها في الصحف.

وعرف شوقي النبأ، وكان معتكفًا في داره، واعتقد أن الدكتور هيكل أساء النية لسببين؛ هما: أنه أرجأ إلقاء القصيدة إلى آخِر البرنامج، أما السبب الآخَر فهو أنه لم يُطلِق عليه لقب أمير الشعراء، واكتفى بأن خلع عليه وصف الشاعر فقط.

وغادَرَ شوقي دارَه، وطاف بالصحف التي أعَدَّت القصيدة للنشر، وأضاف إلى قصيدته هذين البيتين:

إنْ يَفُت أمسِ منبر القول شعري
إنَّ لي المنبر الذي لن يزولَا
جلَّ عن منشدٍ سوى الدهر
يُلقيه على الغابرين جيلًا فجيلَا

لا أريد بهذه الكلمات أن أحيي شوقي، ولكن أريد فقط أن أضع على قبره زهرةً صغيرةً في يوم ذكراه.

شاعرنا الخالد في حديقة الخالدين

ما أكثر الذين خطر لهم أن شاعرنا الخالد، لم يكن يتصور أنه بمرور أكثر من ثلاثين عامًا على وفاته، سيتحدث الناس عنه كما لو كان حيًّا؛ فيناقشون آراءه، وأسلوبه الفني، وسلوكه الاجتماعي، هل كان شجاعًا؟ هل كان جبانًا؟ هل كان مع الشعب؟ هل كان مع الملوك الذين ولدته أمه وهي وصيفة في قصورهم؟ هل كان يتملَّق الطغاةَ؟ ما قيمته كشاعر؟ هل له شخصية منفردة، أم هو فنان خالق، أم أنه صانع يتقن صناعة الشعر؟

وقد أجاب المؤمنون بالشاعر عن هذه الأسئلة، وأصروا على أنه قمة، ولكن الإيمان مثل الحب يتدخَّل في الآراء فيضفي عليها ما يثير الظنون!

أما الزمن، فهو وحده القاضي الذي يفرض حكمه على القِيَم، ولا حيلةَ لأحد في أن ينقض هذا الحكم أو يلغيه!

ولقد حكم الزمن لشاعرنا العظيم أحمد شوقي، وفرض عبقريته وخلوده، وجعله حتى يومنا هذا إنسانًا حيًّا يتحرك، ويتلفت ويتكلم، وينبري له النقاد، ويناقشون حركاته، والتفاتاته، وكلماته، كما لو كان يعيش معهم ويعيشون معه!

وبالأمس القريب تجدَّد الحديث عن شوقي، وتناثرت أسئلة أخرى حوله: هل كان شوقي يظن أنه سيأتي اليوم الذي يقام له فيه تمثال خارج بلاده؟ وأين؟ في روما! في حديقة الخالدين!

والذين عرفوا شوقي، ولو من خلال أشعاره، يستطيعون أن يقولوا، دون أن يتجاوزوا الحقيقة، إن شوقي كان يحسُّ في أعماقه، أن التقدير الكبير الذي لقيه وهو حي، سوف يتضاعف بعدما ينتقل إلى العالم المجهول، ربما لم يدر في خياله أن روما ستسبق مصر إلى إقامة تمثال له، ولكن الشيء الذي كان على يقينٍ منه هو أن وطنه سيقيم له التماثيل في الحدائق والميادين، بعدما يتحرر من جسده، ولا يبقى منه إلا الروح والشعر والفن!

ولكن الذي حدث أن إيطاليا سبقتنا إلى تكريم العبقرية العربية، فقررت أن تضع تمثال شوقي في حديقة الخالدين بروما، إلى جانب تماثيل عباقرة العالم، وأقامت لهذه المناسبة احتفالًا رسميًّا، حضره وزير الثقافة الإيطالي، وعمدة روما، والفنانون، والعلماء، والشعراء، ورجال سفارتنا، وعشرات من مختلف البلاد العربية، بينهم الفنان المصري العربي جمال السجيني صانع التمثال، وتولَّى الوزير المصري العربي ثروت عكاشة إزاحة الستار عن تمثال العبقرية المصرية العربية، أمير شعراء العرب، وشاعر الإنسانية، الذي انفعَلَ بحضارتها ومفاتنها ومآسيها، وكان شعره صدًى للأحداث التي شهدها بنفسه، أو عاشها في التاريخ.

ولقد كرمت مصر شاعرها الأكبر بأساليبَ مختلفة، فأطلقت اسمَه على الشوارع، ووضعت جوائز تشجيعية باسم أمير الشعراء، واحتفلت بذكراه، وأصدرت عدة دراسات عنه، وقررت إقامة أربعة تماثيل له؛ أحدها في الجيزة، والثاني في الإسكندرية، والثالث في مبنى مجلس الفنون الأعلى، والرابع في مدخل دار الأوبرا الجديدة، التي سيتم بناؤها في الحديقة المقابلة لحديقة الأندلس بجوار قصر النيل.١

وشوقي لم يستمد مكانته الخالدة من أنه كان شاعر الأمراء، أو أمير الشعراء، وإنما استمد هذه المكانة لأنه كان شاعرًا حقًّا، امتاز بموهبةٍ صقلتها ثقافة متعددة الجوانب، وعقلية متفتحة واعية، وفن أصيل ينبض بالحياة والإنسانية، وتنبض فيه الحياة والإنسانية.

والأشكال ما هي إلا زخارف وألوان، وإنما الشاعر هو مَن تحس أنه خلق جوهرًا، أو حقيقة، أو جوًّا، فإذا ارتبط هذا الخلق، بالشكل الذي يلائمه ارتباطًا موسيقيًّا، في عملٍ واحد متكامل أو محاولة جديدة لم تتم؛ كان الشاعر جديرًا بالبقاء.

وشوقي، مثل أي فنان، بدأ بمحاكاة غيره، وعاش فترة طويلة يستعمل الديباجة التي استعملها مَن سبقوه من الشعراء، وكان يجاريهم فيلحق بهم ويسبقهم ويتخلف عنهم، ثم عثر على نفسه فصار حرًّا، له شخصيةٌ فنية فذة، خلقت في الشعر العربي جوهرًا، وحقيقة، وجوًّا، فشوقي عالَجَ أحداث التاريخ بأسلوبٍ جديدٍ ساحر، وصنع لوحات وتماثيلَ رائعة لآثار قدماء المصريين، ووضع أول محاولة جادة للمسرحية الشعرية في الأدب العربي.

ولم يكن مجرد شاعر، ينسق الجملة تنسيقًا موسيقيًّا، ولكن كان له إلهام، وهذا هو الفرق بين الشعر الصحيح، والشعر الزائف، فالشاعر المُلهَم يعتقد أن انفعالاته الذهنية والنفسية إنما هي وحي من قوةٍ ذات قداسة، وليس من حقه أن يتصرَّف في التعبير عن هذا الوحي، فيضع كلمة غير الكلمة التي يجب أن يعبر بها عن الوحي، ولو كانت الكلمتان متشابهتين، بل يجب عليه أن يقول الكلمة ولو كلَّفه ذلك أن يعاني من الألم، والإرهاق، والعذاب، وما يفوق طاقته. وقد رأيت شوقي وهو يسجل خواطره، كان يُخَيَّل إليَّ أنه مجنون، أصيب بغتةً بنوبة صرع، كان يجلس بيننا، ثم يقفز من مكانه إلى مكانٍ آخر، ويخرج من جيب سترته علبة السجائر ويكتب فيها كلمات، ويعود إلينا أو نلحق به، والعرق يتصبَّب من جبهته وعيناه مغرورقتان في لمعانٍ أشبه بالدموع، وأنفاسه لاهثة!

وكانت هذه الحالة تنتابه طيلة معاناته نظم إحدى قصائده، فإذا فرغ من تسجيل خواطره ساعة بساعة، ويومًا بعد يوم، وضع رأسه بين كفَيْه وأملى القصيدة كاملة على أحد المقرَّبين إليه، ثم عاد إلى مراجعة الأوراق والقصاصات التي سبق أن سجل فيها خواطر للقصيدة، فإذا ما أملاه عن ذاكرته لا يكاد يختلف عمَّا سجَّله في بضعة أيامٍ متفرقة، إلا في كلمة أو كلمتين! وقد كان شوقي مؤمنًا بأنه شاعر أعماق وجذور، وكان مع ذلك يفزع من مهاجمة النقاد له، وكثيرًا ما سُئِل: لماذا تخاف حملات النقد؟ فكان يقول إنه فنان، والفنان يسعده أن يقتنع جيله بعمله، فإذا ما استمرت حملات النقد، فقد يتأثَّر بها أبناء الجيل، وينصرفون عن الفنان وهو حي، ولا يقبلون عليه إلا بعدما يموت!

كان يؤمن بأنه سيعيش بشعره، سيعيش آلاف السنين، ولم يكن يخفي هذا الإيمان، بل لعله عبَّرَ عنه عشرات المرات في عدة قصائد، فعندما رثى الزعيم الوطني مصطفى كامل قال:

وأنا الذي أرثي الشموسَ إذا هَوَتْ
فتعود سيرتها إلى الدورانِ!

ولما منعَتِ السلطاتُ استقبالَ أم الخديو عباس، بعد خلعه عن العرش قال يخاطبها:

لا ترومي غيرَ شِعري موكبًا
إنَّ شِعري درجاتُ الخالدين
كلُّ حمدٍ لم أصغه زائِلٌ
خالد الحمد بما صغت رهين

هذه خواطر عن شوقي الذي احتفلت إيطاليا بإزاحة الستار عن تمثاله في حديقة الخالدين، وأنا بهذه الكلمة أحاول أن ألقي بعض الضوء عليه، ولكني أحاول من خلال خواطري أن أرى تمثاله القائم هناك في روما تحفُّ به تماثيل زملائه من عباقرة الفكر والفن.

مؤلَّفات شوقي

تلقَّيْتُ من الأستاذ الدكتور محمد صبري كلمةً عن مؤلَّفات الشاعر الخالد أحمد شوقي، وكان أحد القراء قد سألني عن آثار شوقي، فأحَلْتُه على الدكتور صبري، وهذه هي الكلمة:

  • الشوقيات: صدر الجزء الأول طبعة قديمة سنة ١٨٩٨، ويشتمل على مقدمة لشوقي وقصائد من ١٨٨٨ إلى ١٨٩٨.

    والواقع أنه يضم قصائد من ٨٨ إلى ٨٩، كما أن تاريخ صدوره الحقيقي في مارس ١٩٠٠، وقد أُعِيد طبع هذا الجزء بنصه دون أي تعديل أو إضافة سنة ١٩٣٠، وفي أكتوبر سنة ١٩٣٢ مات شوقي، وفي سنة ١٩٣٦ صدر الجزء الثالث «المراثي»، وفي سنة ١٩٤٣ صدر الجزء الرابع على غير نمط الأجزاء السابقة التي أشرَفَ شوقي قبل موته على إصدارها أو إعدادها.

    وفي سنة ١٩٣٣ صدرَتْ في كتاب ملحمة شعرية تاريخية «دول العرب وعظماء الإسلام»، كان نظمها في منفاه بالأندلس.

  • الروايات: رواية «علي بك أو ما هي دولة المماليك»، ألَّفَها وهو نزيل باريس في أكتوبر سنة ١٨٩٣.

    وفي مارس سنة ١٩٣٢ أعاد بناءها وأصدرها من جديد، فأصبحت رواية أخرى محت الأولى، فلم يُعِد طبعها. وفي سنة ١٨٩٧ نشر رواية «عذراء الهند» — وهي رواية نثرية — في «الأهرام» من ٢٠ يوليو إلى ١٦ أكتوبر، تحت عنوان «عذراء الهند أو تمدُّن الفراعنة»، وظهرت في كتابٍ في نوفمبر من السنة نفسها، كانت توجد منه نسخة في مكتبة طلعت بالقلعة، ولكنها أصبحت في حكم المفقودة، وفي ١٥ نوفمبر سنة ١٨٩٨ صدر العدد الأول من مجلة «الموسوعات» لصاحبها حافظ عوض.

    وقد أُلحِقت بهذا العددِ الملزمةُ الأولى من رواية «لادياس»، وقد تمَّتْ وطُبِعت على حدة سنة ١٨٩٩، وهي رواية نثرية؛ وفي العدد ١٣ من السنة الأولى «أبريل ٩٩»، ظهرَتِ الملزمةُ الأولى من رواية «دل ويتمان أو آخِر الفراعنة»، وقُدِّمت الرواية وطُبِعت على حدة في سنة ٩٩ أيضًا، وهذه الرواية لم يعد طبعها، وكان مصيرها مصير رواية علي بك القديمة؛ لأن شوقي أعاد بناءها من جديد شعرًا لا نثرًا هذه المرة، وعالَجَ نفس الموضوع بعنوان «قمبيز» سنة ١٩٣١.

    وفي سنة ١٩٠١-١٩٠٢ نشرت «المجلة المصرية» لصاحبها خليل مطران، روايةً نثريةً «شيطان بنتاءور»، ولكنها لم تُطبَع على حدة وتُجمَع في كتاب إلا في سنة ١٩٥٣. وفي سنة ١٩٠٤ ظهرت رواية «ورقة الآس» — وهي رواية نثرية — ضمن روايات مسامرات الشعب، وقد أُعِيد طبعها بعد موت شوقي.

    وفي سنة ١٩٢٩ ظهرت رواية «مصرع كليوباترا»، فكانت لها ضجة في عالم الأدب والتمثيل، وتبعتها قمبيز كما قلنا (١٩٣١)، و«مجنون ليلى» ١٩٣١، وعلي بك الكبير كما قلنا (مارس ١٩٣٢)، و«عنترة» ١٩٣٢ (بعد موت شوقي بأشهر)، وأميرة الأندلس (١٩٣٢) وهي رواية نثرية، روى لي الدكتور سعيد عبده أن شوقي أتى بهذه الرواية من الأندلس في مجلدات وكانت مفكَّكةً، وأنه بعد نجاح «مجنون ليلى» و«كليوباترا» أخذ يعيد النظر في أميرة الأندلس، ولكنها أخفقت بعد تمثيلها نصف ليلة، وهي رواية ضعيفة كجميع رواياته النثرية القديمة، وقد طُبِعت «الست هدى» طبعة هزيلة، وهي رواية قديمة يرجع تأليفها إلى ما قبل سنة ١٩٢٢، وقد نشَرَتِ «الرسالة» في سنة ١٩٣٣ منظرًا منها أعدنا نشره، وله أيضًا رواية «البخيلة»، وهذه الرواية لم تتمَّ ولم تُطبَع، وقد أعارنا الدكتور الأديب سعيد عبده «مخطوطة» الرواية، فنشرنا زبدتها (فصلًا كاملًا وقطعتين) في «الشوقيات المجهولة».

  • النثر: ظهرَتْ «أسواق الذهب» طبعة الهلال سنة ١٩٣٢ — قبل موت شوقي فيما أعتقد — وأُعِيد طبعها سنة ١٩٥١، وأكثرها على أسلوب المقامات، بعضها قديم يرجع إلى أوائل هذا القرن، وبعضها جديد كتبه شوقي في المنفى.

    وللأستاذ كامل الشناوي الحق أن يسأم أسلوبَ المقامات، ولكن وسط هذا الحصى المتراكم والصدف المبعثر نجد الدرَّ اليتيمَ الذي يتألَّقُ بعبقرية أحمد شوقي!

الفنان الذي قال كلمته ولم يمشِ

كان المفكِّر الألماني نيتشه، يصرخ في الناس أن يقولوا كلمتهم ويتمزقوا دونها، وهناك مفكر عربي — لعله أمين الريحاني — همس في كل أذن بهذه النصيحة الوديعة: قُلْ كلمتَكَ وامشِ!

والفنان الصادق، هو الذي يستطيع أن يقول كلمته، ثم يتمزَّق، أو يقولها ويمشي في سلام!

وشوقي شاعر فنان، شقَّ طريقه إلى الخلود؛ لأنه عرف كيف يقول كلمته، وهو لم يَقُلْها ثم تمزَّق ولم يَقُلْها ومشى، ولكن قالها وظلَّ صامدًا لها!

إن الظروف التي أحاطَتْ بشوقي منذ فجر حياته، كانت كفيلةً أن تطبق شفتَيْه في بعض المناسبات، وبرغم ذلك تحدَّى ظروفَه وعبَّرَ عن خواطره وانفعالاته بقوةٍ وطلاقة. لقد ربط مصيره بمصر، وطنه الذي وُلِد فيه، وآمَنَ بمصر العربية، ومصر الإسلامية، ومصر القوية الفرعونية ذات الحضارة التي تتحدَّى الزمن، وتنحني لها هامة التاريخ.

ومصر التي عرفها، كانت تتنازعها سلطتان، إحداهما سلطة الاحتلال البريطاني والأخرى سلطة الخديو، وكان يعادي المحتلين؛ لأنهم يمثِّلون الغدر والعدوان، ويقف إلى جانب الخديو بوصفه الممثِّل الشرعي لخليفة آل عثمان، وكان شوقي يؤمن بالخلافة، ويراها رمزًا للوحدة الإسلامية، واندفع في تأييدها برغم ما ارتكبه من خطايا في حق مصر، والعرب، والإسلام، وكان اتجاه شوقي متمشيًا مع اتجاه الحزب الوطني وزعيمه مصطفى كامل، وتطوَّرَتْ نظرة الشعب المصري إلى التبعية العثمانية والاحتلال البريطاني، واختلف رجال الحزب الوطني مع الخديو عباس الثاني، بعدما تبيَّنوا أنه لا يؤمن بالمبادئ الوطنية، ولكن يلعب بها ليستأثر باستغلال ثروات البلاد، ويستنزف دماء الفلاحين والكادحين، وقامت ثورة ١٩١٩، وتغيَّرَ لقب الخديو فصار سلطانًا، ثم ملكًا، وطالَبَ الشعبُ بجلاء القوات البريطانية، وكانت القوة الشعبية بطبيعتها تنفر من العرش، وكان العرش يفزع منها ويخشاها.

لم يَعِشْ شوقي فترةَ الثورة في مصر، فبعدما تمَّ خلع الخديو عباس من منصبه، نظم شوقي قصيدةً استقبَلَ بها السلطان حسين، ورأت السلطات البريطانية في هذه القصيدة حضًّا على كراهيتها، وتمجيدًا للخديو المخلوع، فقرَّرَتِ الحكومة البريطانية أن تنفي شوقي خارج البلاد، وظلَّ بضع سنوات في إسبانيا، وفي أواخر عام ١٩٢٠ عاد إلى مصر، فمجَّدَ الثورة وانفعل بها، وكان يتعقَّب الإنجليز في كل مناسبة بتجريحهم، وتأليب الرأي العام عليهم، وحرص على ألَّا يتوجَّه بقصائده إلى الملك فؤاد، الذي حلَّ مكان السلطان حسين كامل، ولكنه لم يلبث أن أشاد به في بعض القصائد العامة، مثل قصيدة توت عنخ آمون، التي يشير فيها إلى سرقة جثة الملك الفرعوني، ويتهم الإنجليز بأنهم هم الذين سرقوا الجثةَ، ولا ينسى أن يبكي على الخليفة الذي خلَعَتْه بريطانيا من تركيا فيقول:

أَمَنْ سرَقَ الخليفةَ وهو حَيٌّ
يعفُّ عن الملوكِ مكفَّنِينَا؟!

وعندما كان شوقي شاعر الأمير، وكان يشغل منصبًا هامًّا في القصر، وقعت أحداث اهتزَّ لها ضميرُ الشعب، مثل حادث دنشواي، وعزل كرومر، ووفاة مصطفى كامل، وجاءت وفاته عقب خصومته للخديو، ولقد قال شوقي كلمته في مأساة دنشواي، وفي كرومر، ولكنه لم يستطع أن ينشر ما قاله بتوقيعه الصريح، ورثى مصطفى كامل بقصيدةٍ عبَّرَ بها عن حزنه وحبه للزعيم الوطني بصدقٍ وانفعال.

وقد نال شوقي في حياته شهرةً ومجدًا، وفي رأيي أنه ظفر بالشهرة قبل نفيه إلى إسبانيا؛ فقد كان شعره برغم جزالته وما يتميَّزُ به من إشراق في الديباجة، ونبض موسيقى لا يعلو على شعره غيره من كبار الشعراء المعاصرين؛ أمثال محمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري، وأحمد محرم، وحافظ إبراهيم، فلما عاد من المنفى، ظفر إلى جانب الشهرة بالمجد؛ فقصائده التي نظمها خلال الفترة من عام ١٩٢٠ إلى عام ١٩٣٢، تُعَدُّ أضخمَ آثار شوقي وأكثرها أصالةً وتألقًا، وفي هذه الفترة بالذات كان شوقي يعبِّر عن آرائه في الأحداث بشعرٍ اتَّخَذَ طابِعَ الدبلوماسية، دون أن يضطر إلى التخلي على أسلوبه الفني الرفيع.

فهو يتعرَّض لتصريح ٢٨ فبراير، وما ترتَّبَ عليه من وضع دستور ١٩٢٣، وإقامة حياة نيابية بشكلٍ ما، فلا يرى أن في ذلك خلاصًا من القيد ويقول:

إِلامَ الخلف بينكمو إلامَا
وهذي الضجةُ الكبرى عَلامَا؟
وأين ذهبتُمُو بالحقِّ لمَّا
ركبتُم في قضيته الظلامَا؟

ثم يخاطب مصطفى كامل قائلًا:

شهيد الحق قُمْ تره يتيمًا
بأرضٍ ضُيِّعت فيها اليتامى

ويرثي سعيد زغلول القاضي، وهو أحد أقارب الزعيم سعد زغلول، فيلمح إلى الزعماء المختلفين جميعًا ويقول:

أيهم مَن أتى برأس كليب
أو شفى القطرَ من عياء احتلاله

وهو يرى أن كل فرحة زائفة، ما لم يتحقَّقْ جلاءُ الإنجليز، ويقول:

واللهِ ما دونَ الجلاءِ ويومه
يوم تسمِّيه الكنانةُ عيدَا

وكانت آراء شوقي في الأحداث الكبيرة تتسم بالعمق والوطنية والنفاذ إلى كشف الحقيقة، ما عدا حادثًا واحدًا هو حادث الثورة العرابية، وقد هاجَمَ عرابي، وكان مفهومًا أن هذا الهجوم بدافع علاقته بالخديو، الذي أرادت الثورة العرابية المجيدة أن تقتلع جذره من العرش، وتحرِّر المصريين من ربقة العبودية.

وفي هذه الفترة بالذات — من عام ١٩٢٠ إلى ١٩٢١ — أخرَجَ شوقي مسرحياته، التي تُعَدُّ أولَ محاولة فنية جديدة للشعر المسرحي في اللغة العربية؛ وهي: مجنون ليلى، وكليوباترا، وقمبيز، وعلي بك الكبير، والست هدى. والمعروف أن المسرحيتين الأخيرتين، كان شوقي قد نظمهما في صباه، ثم أعاد فيهما النظر ونقلهما من الظلِّ إلى الضوء، بعدما لقيت مسرحياته إعجابًا جارفًا.

•••

لقد تعوَّدنا في كل عام أن نحتفل بذكرى شوقي، وكم صدرَتْ عنه دراسات، وأُقِيمت حفلاتٌ وصُنِعت تماثيلُ، وأعتقد أنَّ شوقي ثروة مصرية عربية، يجب أن نحافظ عليها وننميها، بترجمة بعض آثاره إلى اللغات العالمية، وإنشاء كرسي خاص به في كليات الآداب بجامعاتنا، وإقامة تماثيل له في عواصم المحافظات.

وما زلتُ أتمنَّى على أستاذنا الدكتور محمد صبري صاحب الشوقيات المجهولة، أن يتمَّ عملَه العظيم، بإعادة طبع دواوين شوقي، وشرح ما فيها من رموزٍ لا يستطيع إدراكها إلا مَن عاشوا الأحداثَ التي عاشها شوقي.

وقد عاش الدكتور صبري هذه الأحداث ورعاها، وسلامٌ على شوقي الفنان، الذي قال كلمته ولم يمشِ ولم يتمزَّق!

١  كان هذا قبل حريق دار الأوبرا القديمة، وتعزيز بناء الدار الجديدة مكانها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤