الفصل الخامس عشر

نظريات الاستعمار وتطور الإمبراطورية

نظرية كيرت ريزلر

لقد بدأ النزاع بين الشرق والغرب قديمًا فقد هاجم الفرس أتيكا ثم أحرقت أثينا في ٤٨٠ق.م. وتمكن الأثينيون من صد الفرس في موقعة سلامين. ولما ظهر إسكندر المقدوني أراد أن يثأر لقومه بفتح الشرق ومهاجمة الفرس في وطنهم، فهزمهم في موقعة جرانيكا ٢٣٤ق.م. ثم هزم دارا في إيسوس في ٣٣٣، ثم سقطت بابل وسوس وبرسوبوليس في يد الإسكندر فأهلكها ثم فتح الهند وقهر الملك بوروس.

وهلك ذو القرنين في صيف ٣٢٣ قبل المسيح في حدود الثلاثين بعد أن قضى على مملكة الفرس وفتح مصر والعراق والهند.

ومؤرخو الإفرنج في هذا الزمان يعدونه أول حماة المدنية الأوروبية، لأنه صد هجمات الشرق عن الغرب وردَّ غزو الشرقيين في نحورهم واحتل بلادهم وأحرقها وغلب ملوكهم وقهرهم، ولولاه ولولا تمستوكليس لكان الغرب قد وقع ضحية للبرابرة الشرقيين.

يزعم الهر كيرت ريزلر في كتاب ألفه في تفسير عظمة إنجلترا الاستعمارية أنها «مدينة لحسن حظها في التأليف بين النظريات والمصالح»، وهو يقصد بذلك إلى أن الإنجليز يوفِّقون بين المثل العليا في المعتقدات والأخلاق وبين منافعهم، ويجدون من ساستهم وكتابهم فريقًا قادرًا على التأويل والتخريج والاجتهاد، بحيث يجعلون النظريات والمبادئ منطبقة على كل زمان ومكان، وهم في ذلك ينتفعون بمرونتها وسهولة تمثيلها مع الحوادث فيخضعون للتقلبات السياسية، وهم أبدًا يعتمدون في أعمالهم على آراء يتمسكون بها هي في الظاهر خلابة مقنعة للعقول المتوسطة التي هي عقول الكثرة من الناس، ويرى المدرك حقيقتها ويفطن إلى مواطن الضعف فيها فيهاجمها ويهدمها. ولكنها تبقى في حدود المعقول حتى يفهم أصحابها وهم من ذكرنا من الساسة والخطباء ورجال الصحف وغيرهم من الكتَّاب أنها أصبحت غير صالحة فيغيرونها ويلبسونها ثوبًا جديدًا، فتبدو للعيان مقبولة معقولة حتى يطول عهدها فتخلَق فيجددون كسوتها بثوب جديد. يعني أن السياسة الاستعمارية الإنجليزية ترتكز دائمًا على سند يبرر العمل السياسي أو العمل الحربي، وأظهر مثال على ذلك فكرة الاستعمار لخير الإنسانية، وادعاء بعضهم بأن في أعناقهم أمانة يؤدونها للجنس البشري وهي مأمورية التمدين والتحرير. فإن تضاءلت تلك الفكرة زعموا بعد حين أنهم يتكبدون مشقة الفتوح والاستعمار لحماية الضعيف من القوي بين الأمم أو مناصرة العدل في أمة واحدة أو حماية عرش أمير أو سلطان أو إنصاف المظلومين من القلة. فلا يدخل الإنجليز مملكة ولا يفتحون بلدًا إلا وهم مسلحون ﺑ «وجه حق»، فوجه الحق الذي يطلونه بطلاء القانون يكون صورة محدثة لفكرة الاستعمار.

هذا ما فهمناه من نظرية كيرت ريزلر في تفسير نظرية الخطر الاستعماري الذي صحب الفكرة الإمبراطورية من عهد الملكة إليزاباطا إلى يومنا هذا. وفي الحق أن بعض الحوادث تؤيد نظرية الرجل، فإن عظمة إنجلترا بدأت بانتصارها البحري على أسطول الأرمادا الإسبانية ثم انتصارها على فرنسا في حروب أمريكا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر وهي الحروب المعروفة في التاريخ باسم «الحرب الهندية» نسبة إلى هنود أمريكا الحمر؛ بدأت كارثة عليهم إلى أن تولى أمرهم ويليام بيت الكبير «إيرل شاتام» فأرسل إلى كندا القائد «ولف» وزوده بالمال والسلاح، فاندحر أمامه القائد مونتكام الفرنسي في موقعة كويبك، وأرغمت فرنسا على التنازل عن جميع أملاكها في أمريكا الشمالية، ومن ذلك التاريخ (حوالي ١٧٦٠) أخذ نجم إنجلترا في الصعود، ولم يتزعزع مركزها بعده إلا مرتين: الأولى عند ظهور نابوليون والثانية في الحرب العظمى لدى حدوث الانقلاب الروسي وسقوط عرش رومانوف، لأن السوفيت زعموا أنهم جاءوا للإنسانية بفكرة جديدة، ففي المرة الأولى خشيت إنجلترا جانب نابوليون، لأنه كان يحمل إلى الشرق رسالة الثورة الفرنسية بمبادئ الحرية والإخاء والمساواة، وهذا أعظم مما كانت إنجلترا تنوي التلويح به لمستعمراتها، فلم تكن إنجلترا ترهب نابوليون لأجل جنوده وأسلحته وشجاعته وإقدامه وعلو كعبه في القيادة ومساعدة الأقدار إياه في المواقع بقدر ما كانت تخشى دعايته التي من دأبها تنبيه الأمم الغفلانة وإيقاظها من سبات الأجيال المتراكمة، والإنجليز أبدًا يخشون الرجال الأفذاذ لأنهم يحملون آراءً وأفكارًا. والأفكار تعمل بأقوى مما يعمل الجيش العرمرم، لأن الجيش قد يصمد وقد يفنى ولكن الفكرة تحيا وتسير، والفكرة السائرة أخطر من الجيش الفاتح لأنها تغزو ولا تفقد شيئًا من قوتها بل تربح رجالًا وأقوامًا وتنمو كلما سارت. لهذا وحده جمعت إنجلترا كل قواها ووجهتها لمحاربة نابوليون، لا نابوليون القائد البطل الطموح طالب المجد والملك العريض ولكن بونابرت ابن الثورة وربيب حقوق الإنسان.

ولكن هل صدق كيرت ريزلر في تعليله عظمة إنجلترا الاستعمارية بحسن الحظ وقدرة الإنجليز على سياسة الأمم المغلوبة وحبهم السيادة على الشعوب التي تستهدف للوقوع تحت نِيرهم؟ نعم صدق، ولكن ليس هذا كل التفسير، فقد أخذ الإنجليز يقلدون الثورة الفرنسية، فينادون أنَّى ذهبوا بالحرية وقد يحررون أفرادًا معدودين، وهم أثناء ذلك يطوون أقوامًا في ثنايا الإمبراطورية، وقد يعتقون الرقيق من رِبْق العبودية الممقوتة ثم يقيدونه غداة عتقه بأنظمة اقتصادية وسياسية أشد في حقيقتها من سلاسل رقِّه الأول.

يدعي مؤرخ ألماني اسمه ويلهلم ديبليوس درس الحياة الإنجليزية في إنجلترا والمستعمرات أن حظ المستعمرات الإنجليزية أفضل من حظ سواها، وأن رعايا إنجلترا أسعد حالًا وأوفر نصيبًا من العلم والحرية والميسرة ممن عداهم من رعايا فرنسا وهولندا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال، ويبني على هذا «نظرية أخف الضررين» التي تنتهي بتفضيل إنجلترا في الاستعمار على سواها. وهي نظرية جارحة مؤلمة فوق كونها فاسدة، فقد يلقاك أحد الخوارج من الشرقيين فيقول لك: «الحق أحق بأن يتَّبع يا أخي! إن حكم الإنجليز أفضل من حكم غيرهم … تصور أنك خاضع لدولة كذا أو كذا، أفكنت تقدر على كيت وكيت من النعم المعنوية والمادية التي أنت متمتع بها؟» … هؤلاء الخوارج الذين في قلوبهم مرض وفي بصائرهم زيغ، يفرضون أولًا وقبل كل شيء أن الشرقي محكوم بالفطرة ومملوك بإرادة أزلية محتومة، فخير له أن يحمد حظه على نعمة الاستعمار الإنجليزي الذي هو أفضل من غيره. ونحن لا نجادل هؤلاء لأن فساد حجتهم ظاهر والدافع لهم على لبس مسوح المبشر معلوم لنا ولكم، ولكننا نجادل الهر ويلهلم ديبليوس الذي يمتدح الاستعمار البريطاني لأنه أقل ضررًا من غيره، فقد غاب عن ذهنه أن المستعمرات الإنجليزية أنواع؛ منها ما هو خاص بأجناس سكسونية أو أوروبية مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا، وهذه سلكت إنجلترا معها مسلك المسالمة والملاينة والمحاسنة بعد ما كابدت من ثورة أمريكا (الولايات المتحدة) التي دارت رحى حروبها من ١٧٧٥ إلى ١٧٨٣. والنوع الثاني: مستعمرات شعوبها تنتمي إلى أجناس ومعتقدات أخرى كالهند وسيلان وزنجبار وأفريقيا الشرقية وغنيا، وهذه الأمم تعاملها إنجلترا معاملة خاصة في سياستها وتعليمها وحكومتها، قد لا تختلف كثيرًا عن معاملة هولندا لأهل جاوة وفرنسا لأهل الجزائر ومراكش. وإن الذي يوغر صدر المؤرخ المنصف على الممالك الأوروبية في مستعمراتها هو حكمها لشعوب تخالف جنسها ومعتقداتها، فلو أن هولندا حكمت شعبًا أوروبيًّا هل كانت تسلك في معاملته مسلكها في معاملة أهل جاوا والهند الشرقية؟ وهل مسلك فرنسا في الألزاس واللورين (مهما صرخ المطالبون بالاستقلال) يقرب في شيء من معاملة فرنسا لأهل الجزائر أو أهل سنجال؟ طبعًا لا! إذن أفضلية الحكم البريطاني إن كانت هناك أفضلية ظاهرة فهي في مستعمرات أوروبية بالجنس والفطرة، وها هي أيرلندا الجزيرة الزمردية التي لا تبعد عن لندن إلا بضعة أميال لم تنل استقلالها الذاتي إلا بشقِّ الأنفس وبعد أن خربت مدائنها العامرة وفَنِي عظماء رجالها وقاست في الحروب الأهلية ما لا يزال ذكره حاضرًا في أذهاننا.

ولعل الهر ويلهلم ديبليوس لم ينسَ قانون الإصلاح الذي أدخلته إنجلترا على مستعمراتها في سنة ١٨٣٢ بعد أن رأت تغير الأحوال في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، فقد أُرغم ساستها على إعطاء الاستقلال الداخلي أو الحكم الذاتي لكندا وأستراليا ونيوزيلندا، وجعلوا لكلٍّ من هؤلاء دستورًا وبرلمانًا ووزارة مسئولة أمام النواب، وهذا هو الشيء الذي يريد الإنجليز إعطاءه للهند الآن بعد أن أعطوه لأستراليا وأخواتها بمائة سنة والهند تأباه. وليست فكرة الاستقلال الذاتي حديثة العهد، إنما ترجع إلى أوائل القرن التاسع عشر، وإليك نصًا يؤيدنا من خطبة أحد الوزراء الإنجليز سير ويليام مولزورث في سنة ١٨٥٠، قال:

يجب علينا أن ننظر إلى مستعمراتنا كأجزاء من الإمبراطورية، يسكنها رجال ينبغي أن يتمتعوا في أوطانهم بما يتمتع به كل إنجليزي في إنجلترا، وما دام هؤلاء المستعمَرون لا يتدخلون في إدارة شئوننا المحلية كذلك لا يجوز لنا أن نتدخل في إدارة شئونهم المحلية. إن لنا الحق في الاحتفاظ بإدارة شئون الإمبراطورية العامة، لأن هذا الاحتفاظ ضروري لصيانة الوحدة الإمبراطورية ولأننا أغنى وأقوى جزء في الإمبراطورية.

وعلينا أن نتفق على المطالب العامة. وإن صح للبرلمان البريطاني أن يستأثر بالسلطة الإمبراطورية، فأرى من دواعي قوة الإمبراطورية أن يكون في برلماننا ممثلون للمستعمرات، فتشعر بأنها والشعب الإنجليزي كلٌّ لا يتجزأ.» ا.ھ. كلام الوزير الإنجليز من خطبة في أثناء القراءة الثانية لقانون حكومة أستراليا ١٨ فبراير سنة ١٨٨٥ ألقاها في البرلمان الإنجليزي.

هكذا كانت الفكرة الاستعمارية في منتصف القرن التاسع عشر، ولعل النبذة التي اقتبسناها من خطبة سير مولزورث أبلغ وصف للنظرية الاستعمارية الإنجليزية في عهدها، وهي طبعًا فكرة متناهية في الحرية في ظاهرها ولكنها تنطوي على الخوف من انقلاب المستعمرات كما انقلبت الولايات المتحدة.

وأعجب تطبيق لنظرية مولزورث انتخاب أعضاء أيرلنديين للبرلمان الإنجليزي باعتبار أيرلندا جزءًا لا يتجزأ من المملكة، مع أن الأيرلنديين الوطنيين كانوا يأبون ذلك وما زالوا يأبونه حتى صار لهم برلمان خاص بهم في عاصمة بلادهم.

وكان من رجال السياسة الإنجليز آخرون يبغضون الاستعمار ويجاهرون بذلك، ومنهم ريشارد كوبدن زعيم الفرقة الحرة في منشستر، ومن أقواله المأثورة أن أسعد يوم في تاريخ إنجلترا هو اليوم الذي لا يكون لها فيه فدان أرض في آسيا. كما كانت عظمى أمانيه أن تقطع كل علاقة سياسية بين إنجلترا وكندا في أسرع فرصة ممكنة.

وربما سارت إنجلترا في طريق وسط بين نظرية مولزورث ونظرية كوبدن، فيخف ضغطها عن خلق الله في الشرق والغرب لو لم تحدث حروب أوروبا في سنة ١٨٧٠، فقد ظهرت ألمانيا بوطنيتها وحربيتها وإمبراطوريتها ورغبتها في التوسع، وظهر بيسمارك ومولتكه والحلقة الأولى من سلسلة هوهنزلرن الرهيبة. وأيقنت إنجلترا أن فرنسا لن تغتفر مذلتها ولن تنسى ثأرها، وأن الشعوب الأخرى ستستيقظ ثم تنهض، وأن صليل السيوف وصدى أصوات المدافع سوف يتجددان بعد حين في أوروبا وغيرها، ورأت تدخل بعض الممالك الأوروبية في المحيط الهادي فخشيت أستراليا ونيوزيلندا على استقلالهما فأرغمت إنجلترا من جديد على تعديل خطتها الاستعمارية بإشراك المستعمرات المستقلة في شئون سياسة الإمبراطورية، وخافت عاقبة الحروب المفاجئة فنبتت فكرة «المواصلات الإمبراطورية»، وكان البخار حديث العهد وكذلك أسلاك البرق فحسنت استعمالها وأتقنت كل اختراع من شأنه تقريب البعيد وتسهيل شُقَّة الأسفار، ليكون ذلك لها عونًا لدى نقل الجنود والذخيرة من أدنى الإمبراطورية إلى أقصاها. وقد مضى على نظرية مولزورث ثلاثون عامًا، وحل محله غلادستون زعيم الأحرار في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، فتوطد حب الإمبراطورية في قلوب الإنجليز وصار مبدأ ثابتًا لدى الأحرار والمحافظين على السواء، فألقى غلادستون في ١٧ مارس سنة ١٨٨٠ خطبته الشهيرة في أدنبرج التي قال منها:

أعتقد أننا جميعًا متحدون في تعلقنا بالمملكة العظيمة التي ننتمي إليها ولتلك الإمبراطورية الكبرى التي وُضعت أمانة في أعناقنا، وما هي إلا أمانة وتكليف من العناية الإلهية كأعظم وأخص ما كُلِّف به فريق من الجنس البشري. وكلما أذكر تلك الأمانة وذلك التكليف أشعر بأن الألفاظ تعوزني وأن الكلام عاجز عن التعبير عما يخالج نفسي. لا أستطيع أن أصارحكم بما أعتقده من نبل الميراث العظيم الذي كان من نصيبنا، ولا عن قداسة الواجب علينا في الاحتفاظ به.

ولن تسمح نفسي بالتنزل به إلى مستوى الجدل السياسي، لأنه جزء من كياني بل من لحمي ودمي ومن قلبي وروحي. ولأجل بلوغ هذه الغاية عملت دائبًا طول شبابي ورجولتي وأكثر من ذلك إلى أن شابت كل شعرة في رأسي. وفي هذه العقيدة وهذا القيام المقدس حييت، وبهذه العقيدة وهذا القيام المقدس سوف أقضي بينكم! ا.ھ. نقلًا عن جريدة التيمس في ١٨ مارس سنة ١٨٨٠.

إنك لا تسمع وزيرًا يتكلم ولكنك تسمع كاهنًا أو واعظًا يبشر! وهو مقتنع أعظم اقتناع، بل مؤمن الإيمان كله، رجل خالط حب المستعمرات لحمه ودمه ومَلَك قلبه وروحه. وهو يعتقد أن مأمورية الاستعمار ليست عملًا سياسيًّا ينطوي على مصالح عادية، بل إنه أمانة وتكليف سماوي، كما كان يعتقد ملوك فرنسا وإنجلترا أنهم إنما يحكمون الشعب ﺑ «اسم الله وإرادته»، وكما كان يعتقد إمبراطرة الصين أنهم أبناء السماء. ومن هو الذي يتكلم؟ هو غلادستون رئيس أحرار إنجلترا العظيم، الذي رسم بهذه الخطبة خطة الاستعمار لا لحزبه فقط بل لجميع الأحزاب السياسية من محافظين وأحرار وغيرهم، كما أثبتت لنا الحوادث.

انخداع الشرقيين بحزب الأحرار

كان كثيرون من الشرقيين يبنون صروح الآمال على تغيير الحكومة الإنجليزية وانتقالها من أيدي المحافظين إلى أيدي الأحرار، باعتقاد أن انتساب الأحرار إلى المعنى الذي تتوق إليه أنفسهم يمتد حتمًا إلى مبادئهم في السياسة الخارجية وتطبيق نظريات الحرية في معاملة الشعوب المغلوبة أو الأمم المحكومة، وهم معذورون في ذلك، لأن كلمة الأحرار وما يشتق منها من الألفاظ والمعاني تغري الرجل البسيط. وغاب عن ذهنهم أن التفريق بين المحافظين والأحرار يرجع إلى طريقة الحكم الداخلية في بلاد الإنجليز نفسها ولا يمتد إلى خارج حدود الجزر البريطانية، وها نحن قد أثبتنا نبذة من خطبة مستر إيورت غلادستون زعيم الأحرار في القرن التاسع عشر.

وإن كان ينقصنا الدليل بعدها فإليك ما حدث في سنة ١٩٠٥ عندما انتقل الحكم من يد بلفور المحافظ وابن أخت سالزبري وربيب بيت سيسيل إلى يد سير هنري كامبل بانرمان زعيم الأحرار في أوائل القرن العشرين، فقد تنفس كثيرون في الشرق، وظنوا أن نظام الحكم سيتحور تبعًا لتغيير الدولة، فأسلم بانرمان زمام وزارة الخارجية إلى إدوارد جراي الشهير الذي كانت له في توطيد أركان الاستعمار والسياسة الإمبريالية مواقف مشهورة وكلمات جوامع لا تزال ترن في آذاننا، وكان إدوارد جراي من أصفى الأحرار مبدأً وأقدر ساستهم على تسيير دفة الأمور، وما زال حاكمًا بأمره في الشئون الخارجية حتى أعلن الحرب على ألمانيا وساير الحرب العظمى حتى شبت عن الطوق وشارفت على دورها الأخير فأصيب بالكَمَه وأمسى كفيفًا فتخلى عن العمل لسواه، وطالما صرح سير جراي (وقد صار الآن لوردًا) بأن سياسة إنجلترا الخارجية لا تتغير، ومسلكها نحو الممالك المحكومة لا يتحول، وأن مصالح الإمبراطورية خارجة عن حومة المنازعات البرلمانية. وكان صادقًا ولم يقل إلا الحق، فإن إنجلترا في عهد الأحرار لم تخسر شبرًا من أملاكها لا وراء البحار ولا أمامها، بل كسبت بفعلهم مستعمرات جديدة في أفريقيا وآسيا. وآراء سير جراي مشروحة بما فيه الكفاية في مذكراته التي نشرت أخيرًا ونقلت إلى اللغة العربية.

وقد نسج على منواله أحد زعماء الأحرار الإنجليز في التصريح بالخطة السياسية، وهو سير هيربرت صمويل المندوب السامي السابق في فلسطين، فقد ألف كتابًا ذا شأن عنوانه «سياسة الأحرار» أو الليبراليزم، قدم له لورد اسكويث زعيم الأحرار المتوفى بفصل طويل.

فشرح سير هربرت نظرية الاستعمار البريطاني في عهد الحكومات الحرة، وحدد مسئولية الأحرار في موضوع الإمبراطورية في الصفحتين ٣٤٣ و٣٤٤، قال ما ترجمته:

إذا صح أن مبدأ الإمبريالزم ينطوي على العزم المؤكد والحزم الصحيح في الدفاع عن الإمبراطورية التي نملكها وعلى عاطفة الاتحاد بيننا وبين المستعمِرين الإنجليز، والرغبة الشديدة في تقدم الإمبراطورية بدون إلحاق أذى بالغير وتنمية التجارة البريطانية دون العمل على خراب الشعوب المحكومة، واستمرار السلطة البريطانية والنفوذ الإمبراطوري مع تمهيد الطريق للتوسع في حريات الأجناس الوطنية (كذا) وعدم السعي في مهاجمة جيراننا والكف عن المغازي والفتوحات في سبيل امتلاك أراضٍ جديدة إلا إذا زادت منافع تلك المغازي حتمًا عن مضارها (كذا) مع اتقاء سفك الدماء ما أمكن، وإذا كانت الإمبريالزم مدفوعة بالتحمس الشريف الذي يقبل النقد في سبيل الإصلاح؛ إذا صح أن الإمبريالزم ينطوي على ذلك إذن وجب علينا أن نصرح بدون مخاطرة ولا خوف من الإنكار أن حزب الأحرار الإنجليزي هو حزب إمبريالست استعماري.

وهربرت صمويل مؤلفًا يعد في نظري خليفة لغلادستون سياسيًّا وخطيبًا، فقد تقدم لوضع أساس للمبدأ الحزبي في غير تردد ولا تلكؤ، وعندنا أن كتابه يعد نبراسًا لكل سياسي شرقي يريد الوقوف على سياسة الإنجليز الاستعمارية، فهو يؤكد أن الإمبريالزم والليبرالزم مبدأ واحد وأنهما ينطويان على القواعد الآتية:
  • أولًا: شدة اليقين في الدفاع عن المستعمرات.
  • ثانيًا: عاطفة الارتباط والتوحيد بين الأحرار والمستعمِرين (أي المقيمين في المستعمرات).
  • ثالثًا: العمل على تقديم الإمبراطورية بدون الإضرار بالغير على قدر الإمكان. والمقصود بالغير هنا الأمم المغلوبة أو المحكومة من الأجناس الأجنبية.
  • رابعًا: التوسع في التجارة الإنجليزية وإيجاد أسواق لها بدون إهلاك متاجر الأمم المحكومة.
  • خامسًا: عدم المساس بحقوق الجيران من الدول الأوروبية لاتقاء الحروب التي تؤدي إلى زعزعة أركان الإمبراطورية.
  • سادسًا: اتقاء الفتوحات التي فيها إهراق الدماء وتكبد المتاعب، إلا إذا كان في تلك الفتوح نفع مؤكد.
  • سابعًا: استعداد الأحرار والإمبريالست لقبول كل رأي فيه نصيحة الإصلاح يساعد على تقوية الإمبراطورية وخلاصها من الشوائب وأوجه الضعف.

السياسة أولًا ثم المال

إذن وجب علينا وعلى كل شرقي أن ينزع من فكره معونة الأحرار في أي ظرف سياسي، ولهذا لا نعجب ولا ندهش إذا علمنا أن لويد جورج زعيم الأحرار الحالي وقف عقبة كئودًا في سبيل أي اتفاق أو معاهدة تنطوي على شيء من الخير للبلاد المغلوبة. وليس صحيحًا في نظري أن الدافع له وجود رءوس الأموال للممولين الأحرار في أي بقعة من بقاع الأرض كالسودان أو غيرها، فإن رءوس الأموال وإن كانت ذات شأن عظيم في نظر أربابها ولكن الاحتفاظ بها ليس المحرك الأول، وإنما المحرك الأول هو تلك المبادئ السبعة التي شرحها صمويل في كتاب منشور.

لأن الإنجليز دائمًا يخضعون التدبير المالي والاقتصادي للمصلحة السياسية، لأن السياسة أساس والمال بناء يُشَاد على الأساس. وإلى هذه الفكرة كان يرمي جوزيف تشمبرلين في سياسته «الحماية الجمركية»، فكان يقصد بذلك إلى شد أواصر أجزاء الإمبراطورية إلى بعضها بعضًا بالاتحاد الجمركي، تقليدًا لخطة بيسمارك الذي أنشأ الاتحاد الاقتصادي بين ممالك ألمانيا المختلفة قبل أن يعلن اتحادها السياسي، وعلى خطوات تشمبرلين سار لفيف من ساسة الإنجليز الذين اتخذوا مجلة «المائدة المستديرة» لسانًا لحالهم.

بيد أن الحكم الذاتي الذي تمتعت به المستعمرات الإنجليزية في كندا وأستراليا ونيوزيلندا خلق في أنفس أهاليها عاطفة وطنية، وفي سنة ١٩٠٠ اتحدت الولايات الأسترالية على هيئة ولايات متحدة فأرغمت إنجلترا على قبول الفكرة خوفًا من النتائج التي قد تترتب على مقاومتها، وكان بين ساسة الإنجليز رجال ينظرون إلى المستقبل فأذاعوا فكرة المؤتمر الاستعماري في ١٨٩٧ ودعوا إلى لندن رؤساء وزارات المستعمرات التي تحكم ذاتها، وقد ظهر للعيان أن سياسة الاستعمار ستلبس ثوبًا جديدًا يتفق مع تغير الزمن، وقضوا عشر سنوات في تمهيد السبيل لقبول التطور الجديد، وفي سنة ١٩٠٧ اجتمع المؤتمر الاستعماري الثاني في لندن وقرر المجتمعون عقد المؤتمر مرة في كل أربع سنين وبدَّلوا اسم المؤتمر الاستعماري فصار المؤتمر الإمبراطوري، وأن الحكومات التي تشترك فيه (كندا وأستراليا ونيوزيلندا) صارت تدعى دومنيون لا مستعمرات، وأن رئيس المؤتمر يبقى دائمًا رئيس وزارة إنجلترا لا وزير المستعمرات وذلك لأن كلمة مستعمرة أصبحت منبوذة ومذِلَّة لمن تُطلق عليهم، فما على الإنجليز إلا أن يبدلوها بغيرها لأنهم خبيرون بعلم النفس ويعلمون أثر الألفاظ في العقول. وهذا يذكرنا بما كان يقوله سير ڤالنتين شيرول من أن بعض الشعوب المحكومة تقنع باللفظ دون المعنى، بيد أن هذه الألفاظ وإن كانت في ذهن واضعيها قليلة الأثر إلا أنها تنشئ على الرغم منهم حالات نفسية جديدة وأوضاعًا قانونية لم تكن في الحسبان.

بيد أن السياسي الإنجليزي لا يكترث لذلك اكتراثَه للواقع، ففي سنة ١٨٨٥ تطوع جنود من أستراليا وكندا للحرب في السودان، وفي سنة ١٩٠٠ تطوع جنود أستراليون في حرب البوكسر بالصين، وفي حرب البوير اشترك الأستراليون والكنديون مع الإنجليز. وأخذ رجال السياسة الإنجليزية يقنعون أصحاب الدومنيون بأن الدفاع عن سلامة أوطانهم ليس محصورًا في شواطئهم ولكنه يمتد إلى وراء البحار، فحياتهم واستقلالهم تابعان لقوة إنجلترا بأساطيلها وجيوشها، وما دامت «الأم الرءوم» في عز وسؤدد فهم في أمان واطمئنان؛ فنتج عن ذلك أن مجلس أركان الحرب الإنجليزي اتسع نطاقه فصار في سنة ١٩٠٧ مجلس أركان حرب الإمبراطورية (وهو عين موعد اجتماع المؤتمر الإمبراطوري الثاني وقبيل الحرب العظمى بسبع سنوات).

فجمع مجلس الحرب الأعلى لفيفًا من الضباط من جميع أركان الإمبراطورية ودربهم تدريبًا منسقًا على وتيرة واحدة، وطاف كتشنر بعد ذلك ببضع سنين فزار أستراليا ونيوزيلندا وأسس مدرسة للضباط وأوعز إلى حكومة الاتحاد الأسترالي بتشريع المران العسكري الإجباري، واقتفت أثرها نيوزيلندا وجنوب أفريقيا. فاستفادت إنجلترا من كل ما تقدم وقوف الملايين من الرجال في سائر أنحاء الإمبراطورية على قدم الاستعداد للحرب.

فلما كانت سنة ١٩١٤ أرسلت الدومنيون مليون رجل للميدان، وأنفق عليهم ٨٦٢ مليونًا من الجنيهات الإنجليزية، أي إن الجندي الإمبراطوري الواحد تكلف أثناء الحرب ما يقرب من تسعمائة جنيه. فلما بذلت الدومنيون هذا المال وهذا العدد العديد من الرجال رأت أن لها حق الاشتراك في إدارة شئون الحرب وفي تلك السياسة الخارجية الإمبراطورية التي أدت إلى اشتعال نيرانها، ولم يكن هذا التطور إلا نتيجة محتمة لتغيير كلمة مستعمرة بكلمة دومنيون، وخلقوا في لندن مجلس وزراء إمبراطوري مكونًا من رؤساء وزارات الدومنيون أعضاء يرأسهم رئيس الوزارة الإنجليزية.

وانبنى على ذلك أن وزراء الدومنيون جلسوا في مؤتمر الصلح بفرساي ووقعوا على المعاهدة بأسمائهم وصفاتهم، ولما تألفت عصبة الأمم دخلت كل دومنيون بشخصيتها مستقلة عن سواها، وما فتئت وزارة إنجلترا منذ سنة ١٩١٩ تستشير حكومات الدومنيون في كل أمر ذي شأن، واتسع نطاق الحكم الذاتي حتى وسع تعيين سفير كندي للولايات المتحدة بعد أن كان سفير إنجلترا يمثل كندا وسواها لدى البيت الأبيض، وفي سنة ١٩٢٥ انشقت وزارة المستعمرات فصارت وزارتين واحدة للدومنيون وثانية للمستعمرات.١

وبهذا نصل إلى أن تطبيق مبادئ الحرية والمساواة على المستعمرات التي يقطنها البيض قد نجحت وأثمرت وأنقذت إنجلترا من ورطة الحرب الكبرى، وشدت أزرها في مؤتمر الصلح وفي عصبة الأمم، ففي كندا امتزج العنصران الفرنسي والإنجليزي حتى صارا شعبًا واحدًا، وكان سير ويلفريد لورييه الفرنسي الجنس أعظم سياسي كندي وحل محلًّا متميزًا على مدى ربع قرن في الإمبراطورية البريطانية كلها، وكان مالكًا ناصية اللغة الإنجليزية التي لم تكن لغة آبائه وأجداده، كما كان مدركًا تمام الإدراك لأسرار الأنظمة الحكومية في إنجلترا والمستعمرات، وهكذا كانت الحال في جنوب أفريقيا.

هذه كانت خطة إنجلترا مع مستعمراتها وأملاكها التي يسكنها أوروبيون أو قوم متسلسلون من أجناس أوروبية، أما المستعمرات الأخرى كالهند وأفريقيا الشرقية فكانت لها شئون أخر. غير أنه لن يغيب عن أذهاننا أن إنجلترا حاولت في العهد الأول من الاستعمار أن تفرق لتسود وهو المبدأ الروماني الشهير، سواءً أكان في المستعمرات الأوروبية الجنس أم في المستعمرات الشرقية، ولكنها خشيت عاقبة البغضاء والفتنة فأخلصت مع أبناء جنسها واستمرت على خطتها الاستعمارية في المستعمرات الشرقية التي ادعت امتلاكها بحجة تمدينها.

١  وفي سنة ١٩٣١ صدر قانون وستمنستر الذي غير كيان الدولة البريطانية، وتكلمنا عنه مطولًا في غير هذا المكان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١