الفصل الثامن

سبب انحطاط العرب وتاريخ الدولة البحرية الإسلامية العظمى

دولة بحرية إسلامية عظمى

ربما كان الكثيرون من الشرقيين لا يعرفون شيئًا عن تلك الدولة الإسلامية البحرية العظمى التي قامت منذ قرنين في شرق جزيرة العرب وقضت على دولة البرتغال وهددت الهند والإنجليز والفرس، ولولا الاستئثار وحب الذات والتفاني في السلطة والجهل وقبول الدسائس الأجنبية لكانت اليوم من أعظم دول البحار في العالم، هذه هي دولة عمان، وتجد الإفرنج أنفسهم يوجزون في كتبهم عند ذكر عمان ويكتفون بتذكيرنا بوقوع مسقط عاصمتها في أيدي البرتغال في أوائل القرن السادس عشر، وأنها ما زالت تحت حكمهم إلى نصف القرن السابع عشر، وأنها بعد ذلك كانت نهبًا بين نادر شاه الفارسي وأحمد بن سعود واليعاربة، وأنها فقدت قطر والبحرين بما فيهما من مصائد اللؤلؤ والثروة الطائلة، وأن تويني أحد سلاطينها قتله ابنه، وكانت البلاد مسرحًا للفتن والقلاقل وإراقة الدماء.

وترى السائح الشرقي الحديث القادم من شمال أفريقيا أو من بلاد العراق أو عائدًا من بمباي إلى الخليج الفارسي يحدثك بلوعة عن دولة بحرية إسلامية نشأت في تلك البحار، فإن أهل البلاد وهم من الإباضية إحدى فرق الخوارج قد انشقوا على أنفسهم فاستقل الفريق الأعظم منهم بالداخل والجبل الأخضر، وجعلوا عليهم إمامًا هو الشيخ الرويحي ثم خلفه الشيخ الخليلي وذلك على أثر مفاوضة السلطان تيمور مع الإنجليز في سنة ١٩١٢، وما زال تيمور يحكم السواحل وطولها ثلاثمائة كيلومتر في عرض أربعين كيلومترًا، وإذا نزلت إلى الجنوب لقيت جزيرة البحرين وعاصمتها منامة بقصورها الفخمة، وإذا صعِدت شمالًا وجدت إمارات صغيرة بل مدنًا مثل دبي وأبو ظبي ورأس الخيمة. ولكن الشعب والمدنية والتعليم والسياسة والمالية … هذا كله وراء الستار أو في المستوى الخلفي، لأن استئثار الأمراء بالملك وتنازعهم على السلطة وثروة الأقلية وفقر الأغلبية قد غطت على كل شيء، وجاءت دسائس السياسة الأجنبية فقضت على البقية الباقية.

سبب انحطاط العرب

روى لنا محدث ثقة أنه زار عمان في سنة ١٩٢٤ ونزل بضيافة السيد أحمد دملوك من أكبر أغنيائها، وكان القصر فخمًا والرِّيَاش نفيسًا والمائدة رَدَاحًا، وكل مظاهر العز والرفاهية موفورة.

وفي الصباح دخل عليه في قاعة الجلوس التي أُعِدَّت له شابٌّ جميل الصورة يلبس قميصًا في غاية القذارة قد انقلب من البياض إلى السواد وقد أرخى شعوره مكدسة على كتفيه وعلى جبينه ولطَّخها بزيت قذر فكان منظره كإنسان الغابة، وقد قال صاحبي إنه ظن عند رؤيته أن هذا الشاب لم يذق طعم النظافة حياتَه وأنه لم يعرف لون الماء ولا رائحة الصابون. فلما دنا منه وسلم عليه رد تحيته بغير اكتراث، فجاء رجل وجيه وهمس في أذن الضيف محدثي وقال له: «هذا السيد محمد دملوك نجل السيد أحمد دملوك»، فدُهش الضيف ولم يُخفِ دهشته على الشاب وقال له: يا سيد محمد، لا عذر لك فيما أنت فيه من سوء البِزَّة، فالغنى بحمد الله متوافر والماء كثير والثياب النظيفة الجميلة من الحرير والمخمل ميسورة والحلَّاق يتمنى أن يتشرف بقص شعرك وتقليم أظافرك، فضحك الشاب وقال له: «أتريد أن أكون مخنثًا؟!»

غير أن هذا الشاب الذي يحمل في رأسه تلك المعقولية الغريبة والذي تربى على أن النظافة قد تؤدي إلى فقد الرجولة، ونسي كل ما حفظه الأثر من تاريخ النبي ووصف حياته الخاصة، وما أمر به الدين الإسلامي؛ لم يكن غبيًّا ولا بليدًا بل كان على أوفر نصيب من الذكاء وحسن الإدراك وسعة الاختبار، وكان في عينيه بريق يدل على سمو النفس، فقد قال يومًا لمحدثي: أتريد حقًّا يا سيد فلان أن تصلح شئون العرب، وأنت تغار على تاريخهم وتتمنى لهم السلامة والنهوض والعلا؟

فأجاب صاحبي بالإيجاب.

فقال له: عليك إذن أن تلقي بملايين والدي في البحر أولًا، فإذا تمكنت من ذلك فإنك ناجح في إنهاض العرب.

فاستفسر وطلب المزيد من البيان فقال: اعلم يا سيدي أن هذه البلاد تشمل عشرين أو ثلاثين شخصًا من أرباب الملايين وهم يسخِّرون الشعب كله في تكوين الثروة لأنفسهم، فلا يُعقل أنهم يعينون أحدًا على تحسين حالة الشعب بتعليم أو تربية أو تهذيب، فالحال كما ترى يشقى المليونان أو الثلاثة ليسعد عشرون أو ثلاثون رجلًا فقط، وأنشد:

وكم قائل ما لي رأيتك راجلًا
فقلت له من أجل أنك فارس

فدُهش محدثي من ذكاء الشاب وفصاحته وصراحته وحريته وبعد نظره، وقرَّبه منه وتودَّد إليه وانقطع إلى مسامرته، ولكنه لم ينجح طول مدة إقامته في إقناعه بأخذ حمام واحد أو تغيير قميصه القذر، وقال لي: إن أولاد رجال أوروبيين أو شرقيين في أقطار أخرى يملكون عشر ثروة والد هذا الفتى يتعلمون في باريس وأكسفورد ويعيشون عيشة الأمراء، ولكن هكذا أحوال العرب.

الدولة الإسلامية البحرية

نرجع إلى ما كنا فيه من ذكر تلك الدولة الإسلامية البحرية العظمى التي طردت البرتغال وتهددت الفرس والإنجليز في بلاد الهند إلى أن ذلت على أيدي أصحابها.

إن الخليج الفارسي هو الشق من الماء الملح الداخل من بحر عمان بين بلاد فارس وجزيرة العرب، وأوله من الجنوب مضيق رءوس الجبال جنوبًا وآخره شط العرب حيث مصب دجلة والفرات شمالًا، ومن المدن العظيمة الواقعة على شاطئه بندر عباس ومسقط وبوشهر ولنجه والكويت، وهو مزدان بجزر كثيرة فيها الصغير والكبير شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا وأشهرها جزيرة البحرين جنوبًا وجزيرة ببيان شمالًا.

كان خليج العجم من قديم الزمان كما هو اليوم مفتاح الطريق للتجارة بين الشرق والغرب، ولا تطمئن دولة غربية في الهند ولا يستقر أمرها إذا لم تكن هي القابضة بيدها على هذا المفتاح، وذلك لأنه أسهل الطرق لتجارة الهند وأصلحها وهو أقل خطرًا من المحيط الهندي وأقرب مواصلة، وهو فوق ذلك في مأمن من العواصف الهوجاء التي تنتاب البحر الهندي في الربيع والصيف فضلًا عن الخريف والشتاء، فقد روى لي صديق جاوي أنه كان في صيف ١٩٠٢ مسافرًا فيه فقامت عاصفة دمرت الباخرة تقريبًا، وكنت قبل ذلك أظن المحيط الهندي على شيء من الهدوء. وأضف إلى ذلك أن الخليج الفارسي حصن بحري حصين وبابه مضيق هرمز حيث تكاد بلاد إيران تصافح بلاد العرب، فضلًا عما في هذه الطريق من الجزر الغنية والمدن العامرة كما أسلفت. ولا يضل السائح طريقه ولا يملها من سواحل الهند إلى جزائر الخليج إلى البصرة فبغداد فسوريا فمصر فأوروبا.

وقد كان هذا الخليج دائمًا مسرحًا للفتن والقلاقل والحروب التي يسببها حب السيادة والاستعمار، يريده الإنجليز طريقًا آمنة للتجارة في أيام السلم ويريدونه حصنًا مغلقًا في وجه غيرهم في أيام الحرب، لأنه مفتاح الهند ويريدون هذا المفتاح في يدهم وحدهم، هذه هي غايتهم الأولى والأخيرة. وقد تمكنوا من القضاء على الأسطولين الكبيرين اللذين أنشئا فيه، فإن دولة عمان كما سيجيء الكلام أنشأت أسطولًا قضى على البرتغال، فكان مآله التدمير على يد الإنجليز.

وكان للبحرين أسطول شراعي كبير مسلح بالمدافع والذخيرة الوافرة، وقد استفحل أمره وبواسطته استولى حكام جزيرة البحرين على قطر والقطيف كما استولى أسطول عمان على زنجبار وشرق أفريقيا وبلغوا به رأس جواديفار (ص٢٦١ دائرة المعارف الإنجليزية، ج٢، طبعة تاسعة) فخشي الإنجليز عاقبة ذلك، لأن مصلحتهم تقضي بأن تبقى بلدان الخليج متنافرة متشاقَّة متخاصمة لكل منها أمير مستقل كما هي الحال الآن في الكويت وأبي ظبي ودبي ورأس الخيمة، وكما كانت في المحمرة قبل أن يستولي عليها الفرس في سنة ١٩٢٤، فأخطروا أمراء البحرين بأن القتال في البحر ممنوع وأن لبريطانيا حقًّا في منعه تعترف لها به الدول الكبرى فلا يجوز إذن أن يخرج أسطولكم إلى عرض البحر وإذا خرج فالأسطول الإنجليزي يقوم بواجبه (اقرأ يؤدِّبه ويحطِّمه)، فاحتج الشيوخ والأمراء بأن بلادهم جزر ثغورها مفتوحة غير محصنة ولا حصن لها إلا الأسطول، فإن لم ندفع به الأعداء ملكوا بلادنا ورقابنا وإذا لم ندافع هجموا علينا، فأجاب الإنجليز إذا كان الأمر كذلك فإن حكومة بريطانيا إذا امتنعتم عن الحرب البحرية تتعهد برد الأعداء عن بلادكم (اقرأ نضعكم تحت الحماية)، وهكذا تلاشى الأسطول البحراني (جزيرة البحرين) كما تلاشى قبله الأسطول العماني. هذا من جهة السياسة الخارجية.

وإذا أنت درست أحوال العرب الداخلية علمت من غير طويل عناء أن بلية العرب الكبرى كانت ولا تزال نزوع كل قبيلة بل وكل عشيرة إلى العزلة والاستقلال، لا يعرف العرب من مبدأ التضامن غير ما تأمر به القبيلة أو يدعو إليه في بعض الأقطار المذهب الديني، لا يخضع العرب لبعضهم بعضًا إلا كرهًا، ثم ينزعون إلى السيادة المستقلة حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

فتراهم ضحايا جهلهم، وليس الجهل فقط لأن الجهل الأعزل قد لا يضر كثيرًا، ولكنهم ضحايا الجهل المسلح كما كانت شعوب أستراليا وهنود أمريكا الوطنيين، وليتهم ينتفعون بهذا السلاح في محاربة أعدائهم أو رد غارة المغيرين، ولكنهم ينتفعون بهذا السلاح في قتل أنفسهم ولا يتركون وراءهم عِلمًا ولا مدنية ولا ثقافة، بل المُلك والسلطة والمال لأفراد قلائل والفقر والجهل والموت للأغلبية الساحقة.

وقد بينت كيف أن الإنجليز وعدوا البحرين بالدفاع عنها ضد العدو الهاجم حتى دمرت أسطولها الحربي، وبعد ذلك كانت كل حركة دفاع من الإنجليز تفقد البحرين جزءًا من حريتها واستقلالها … درجات بعضها فوق بعض تؤدي إلى استيلاء إنجلترا على البحرين، فكيف يثقون بعهود الإنجليز ووعودهم؟ ومتى صدقت السياسة في وعودها لا سيما مع الشرقيين عامة ومع العرب خاصة؟!

قال أحد أدباء البحرين يصف الاستعمار الأوروبي:

إذا كان هناك فرق بين الاستعمار الإنجليزي واستعمار الدول الأخرى فهو أن الاستعمار الأوروبي كالقَصَّاب الذي يقتل الشاة بجرة مدية في نحرها، لا يتركها إلا وهي تسلم الروح لخالقها، أما الآخر فمثل القَصَّاب الذي يعذب الشاة وخْزًا بالإبر حتى ينزف دمها، فأية الميتتين أخف؟ وأي الذابحين أرحم؟

غير أنك ترى أن العرب أنفسهم والشرقيين عامةً يُعينون المستعمر على أنفسهم ولا يقصِّرون في مساعدته على القضاء على أمتهم ووطنهم.

وطالما رأينا في تاريخ الشرق الحديث أن المغلوب يساعد الغالب على نفسه فماذا يحمله على ذلك؟

أهو الجهل، أم الضعف والجبن والخنوع، أم الرهبة من القوي المنتصر، أم الخضوع للمصلحة الخاصة والطاعة العمياء؟

ما جنى على العرب غير أنفسهم، كنا وكنا وكنا حديث مبتذل، يوم قُفلت المدارس في البلاد فعم الجهل وتوارثه الأبناء كنا الجانين على أنفسنا، يوم خدَعَنا الأجانب بدولة عربية مستقلة ودفعوا لنا الذهب الوهَّاج وحملناه في صفائح وقضينا على الدولة العثمانية وطمِعنا في ملك الجزيرة أولًا وفي الخلافة والإمامة ثانيًا؛ كنا الجانين على أنفسنا، يوم عُزل هؤلاء الملوك وخُلعوا وطُردوا كانوا الجانين على أنفسهم.

قد كانت القوة والمال والعلم بأيدينا ففرطنا فيها وفي قوميتنا وكنا الجانين على أنفسنا، واليوم نرى القوة والعلم والمال بأيدي الأوروبيين فلا نقتدي بهم في الفضائل والحسنات حتى نبلغ شأوهم ونستعيد مجدنا فكنا الجانين على أنفسنا.

الإباضية وإلى من ينتمون؟

انظر إلى تاريخ عمان تجده صفحة دامية ملئت سطورها بأسماء الأمراء والفاتحين المتقاتلين في سبيل السلطة والسؤدد، فكان أول انشقاقهم على دولة العرب الأولى كونَهم من الخوارج الإباضية، ومن أئمتهم الآن سليمان باشا الباروني الذي يعيش بين ظهرانَيْهم منذ بضع سنين، مما يدلك على أن الإباضية في الخليج الفارسي كما هم في طرابلس وغيرها من ممالك الإسلام. والخوارج هم الفرقة العاشرة من الفرق التي انشقَّ بها الإسلام، ويقال لهم النواصب والحرورية نسبة إلى حروراء موضع خرج فيه أولهم على عليٍّ، وهم الغُلاة في حب أبي بكر وعمر وبغض علي بن أبي طالب، وينقسمون إلى عشرين فرقة، وهم ضد الشيعة على خط مستقيم.

والفرقة التاسعة عشرة من الفرق العشرين هي الفرقة الإباضية أتباع عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان وكان من غلاة المحكِّمة، الذي زعمت الحارثية أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكِّمة الأولى إلا هو وبعده حارث بن مزيد الإباضي الذي انتسبت إليه الحارثية. وقد أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبد الله بن إباض، وافترقت فيما بينها فرقًا يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة (يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة) براءٌ من الشرك والإيمان وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار، وأجازوا شهادتهم وحرَّموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية وصحَّحوا مناكحهم والتوارث منهم، وزعموا في ذلك أنهم محاربون لله ورسوله لا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلوه الخيل والسلاح فأما الذهب والفضة فإنهم يردونهما على أصحابهما عند الغنيمة.

ثم افترقت الإباضية فيما بينهم أربع فرق: الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب «طاعة لا يراد الله بها».

وقد أسس الإباضية بضع دول، منها دولة في تاهرت استمرت ١٣٠ سنة، وأخرى في عمان وهي موضوع بحثنا هذا، وشبه دولة في طرابلس التي من بقايا أئمتها سليمان باشا الباروني الذي سبق ذكره. فدولة تاهرت قضى عليها الفاطميون، ودولة عمان قاومت البرتغال وطاردتهم وقضى عليها التخاذل ثم الاستعمار الإنجليزى، ودولة طرابلس قضى عليها الاحتلال العثماني.

الشيطان البرتغالي «أبو كركه»

أما خبر البرتغال وكيف حاربتهم دولة عمان فيرجع تاريخه إلى ظهور ألفونسو أبو كركه (ولعله من أصل أندلسي) الذي ولد في ١٤٥٣ وهلك في سنة ١٥١٥، وكانت البرتغال لعهده تشبه إنجلترا الآن من حيث القوة البحرية وحب الاستعمار والهجوم على الشرق.

وكانت غزوته الأولى إلى الهند بثلاث بوارج حربية، وما زال يغزو ويفتح حتى حصَّل لقب «حاكم الهند» واستولى على «جوا» واجتاح ساحل المالابار، واحتل مدينة ملكا وهي مفتاح الهند الصينية، وهو الذي وقف في وجه ترك آل عثمان وعاقهم عن دخول الهند، وضرب عدن مرتين بالمدافع فدمرها، واستولى على جزيرة هرمز وهي جزيرة صغيرة عند مدخل خليج فارس وعند مضيق رءوس الجبال الذي تتصافح عنده بلاد إيران وجزيرة العرب، وحصن جزيرة سقطرى لأن أهلها كانوا نصارى من النَّسْطُوريين، وحالف نجاشي الحبش وحاول الاتفاق معه على تحويل مجرى النيل من السودان إلى البحر الأحمر ليتمكن بذلك من هلاك القطر المصرى، فكان هذا الشيطان في أثناء حياته التعسة آفة عظمى على الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء الشرق وأفريقيا. ومن جملة مغازي هذا القرصان سواحل عمان، فملَك البرتغال مسقط وصَحَار والمطرح وقريات ولم يكن بأيدي الأهالي سوى فُرْضَة «لاوة»، وقد سار إليها الأمير ناصر بن مرشد فاستعان أهلها العرب المسلمون بالبرتغال فأمدُّوهم بالمال والسلاح، ولكن ناصرًا فتح البلد ثم هاجم البرتغاليين أنفسهم في مسقط وصحار والمطرح وقريات وانتزعها منهم وذلك لأن عهد أبو كركة كان قد مضى فإنه مات في سنة ١٥١٥ وناصر تولى الملك بعد ذلك بقرن تقريبًا، ولم يكن بتلك المدن إلا بقايا البرتغال الذين تركهم أبو كركة وأمدَّتهم البرتغال برجال وجنود ليستعمروا المدن التي فتحها قرصانهم الأعظم، فطردهم ناصر من رأس الخيمة ثم هزم البرتغاليين في المدن الأخرى وفرض عليهم الجزية.

ويُسجل بالفخر لناصر أنه منذ ورث العرش وضع نُصْب عينيه تطهير بلاده من العار الأجنبي وفهم في ذلك الوقت السحيق (أوائل القرن السابع عشر) ما لم يفهمه كثيرون من ملوك الشرق وأمراء الإسلام في القرنين التاسع عشر والعشرين، أو ما فهموه و«طرمخوا» عليه، لقد أدرك ناصر بن مرشد — طيب الله ثراه — أن الأوروبي المستعمر إذا أَنْشَب أظفاره في بلد لم ينته منه إلا باستخلاص جميع البلاد واستعباد كل من فيها من الرعية، وأن الواجب على العاقل أن يتقي هذا الداء قبل أن يستفحل وأن يبادر إلى اقتلاعه بكل الوسائل قبل أن يَنْشَب فيتأصل ويعِز الدواء. فناصر بن مرشد ١٠٣٤–١٠٥٩ يعد بحق محرر عمان وباني مملكتها، وخلفه سلطان بن سيف فنسج على منواله في مطاردة الأجانب، ولم يكتفِ سلطان بالفتك بالبرتغال في بلاده بل قصدهم إلى بلاد الهند فأرسل أسطوله الحربي يغزوهم في ساحل كوجرات وديو ودامان فأخذوا بعض المدن وعادوا بذخائر عظيمة.

وكان سلطان بن سيف ولعله أخو ناصر أو ابن عمه أميرًا ديمقراطيًّا على طريقة عمر بن عبد العزيز، فكان يخرج كسائر الناس ويغْشَى المجامع والمجالس ويختلط بالعامة بدون حارس ولا ياور ولا مصاحب ولا قرين، بل حراسته من ثقته بمحبة قومه، وصحابته من معرفتهم فضله وإجلالهم قدره.

وخلفه ابنه بلعرب في ١٠٧٩ھ وبدأ الشقاق بين الأخين فنازعه أخوه سيف بن سلطان، وانضم الفقهاء أو العلماء إلى سيف وعضَّدوه بفتواهم ودسائسهم كعادتهم في كل بلاد المسلمين فكان ذلك بداية الشقاق. وانتصر سيف في هذه المرة، ليس بفضل العلماء ولكنهم لم يكونوا لينضموا إليه ما لم يشعروا بقوته وتفوقه فهم دائمًا في جانب القوي، ولو أنهم رأوا مغنمًا في جانب بلعرب ما تأخروا عن تعضيده والفتيا له …

وقد أظهر سيف همة في مكافحة البرتغاليين حتى طردهم من مومباسه على شاطئ أفريقيا الشرقية، وهو الثغر الذي تداولته البرتغال وعمان وزنجبار وانتهى الأمر بوقوعه في يد الإنجليز في سنة ١٨٩٠، وكان الإنجليز ورثة دولة عمان فورثوا فيما ورثوا ذلك الثغر الذي جعلوه عاصمة لمستعمرة أفريقيا الشرقية. وطرد سيف البرتغاليين عن جزيرة بمبا وضمها إلى مملكة عمان، واستولى عليها الإنجليز كما استولوا على زنجبار، بل إن أسطول سيف بن سلطان اجتاح جزيرة سلزيت بقرب بمباي وكذلك مدينة بارسالور ومانغالور، ولم يقدر راجا كارزناتيك أن يذب عنهما. وخلَفه في ١٧١١ ولده سلطان الثاني فثابر على سياسة الفتح واسترداد ملك عمان وانتزع البحرين من يد الفرس … ومات وخلَّف ولدين أحدهما بالغ وهو مهنَّا والآخر قاصر وهو سيف فانقسم الناس بشأنهما وأراد كل فريق أن يولي أحدهما، وتغلب مهنَّا بفطنته ودهائه على أخيه الصغير ولكنه قُتل وبدأت الفتنة بين الأمراء والشعب ١١٣٣، وجاء يعروب أحد الأمراء وتولى باسم سيف القاصر ثم اغتصب الملك وجعل نفسه إمامًا أصيلًا، ووجد عالمًا أعطاه فتوى لمصلحته وهو عدي بن سليمان القاضي الشرعي الذي أعطاه حكمًا شرعيًّا بأنه أحرز الإمامة بحق وأنه ليس بعاصٍ ولا غاصب (؟!) فقام ضده أمير آخر وهزم يعروب وقتل القاضي الشرعي وطاف بجثته الأسواق، ثم قام أحمد بن سعيد من أسرة البوسعيد فتولى بعض المدن وأحسن إدارتها وانتهى الأمر بأن نصَّبوه إمامًا في سنة ١١٥٤ھ. وكان لعمان أسطول قوي استعانت به الدولة العثمانية في سنة ١٧٥٦ على استرداد البصرة من العجم، فنقلت بوارجه وقواربه نحو عشرين ألف مقاتل من عمان إلى شط العرب، كما كان يفعل الإنجليز في الحرب العظمى من نقل الجنود على نقالات تجرها البوارج.

فانظر كيف انقلبت الحال وزالت الدول وأصبح العزيز ذليلًا والمستقل محكومًا والغالب مقهورًا! وكان من جملة أسطول أحمد بن سعيد طرَّاد اسمه «الرحماني» ذكرناه بين أسماء القطع البحرية وهو الذي كسر سلسلة كبيرة من الحديد وضعها الإيرانيون في شط العرب لمنع أسطول عمان من دخول البصرة كما صنع المصريون عند بولاق لما دخلت مراكب الفرنسيين لدى حملة نابليون. وبعد أحمد تولى ابنه سعيد بطريق ولاية العهد لا بطريقة الانتخاب، لأن الإمامة في عمان من صدر الإسلام تقع دائمًا بالانتخاب على حسب مذهب الخوارج، والحقيقة أن الانتخاب هو مذهب السنة ومذهب الجماعة ولكن تحول الأمر بعد أن صار مُلكًا عضوضًا إلى مبايعة الوارث الذي يكون عيَّنه المورِّث من قبل، وقد تحول ذلك في عمان أيضًا فبعد أحمد بن سعيد تولى ابنه سعيد في سنة ١١٩٤.

الخليج الفارسي وكيف ضاع؟

ويمكن القول بأن عهد الاحتلال الإنجليزي والدسائس الاستعمارية الحديثة بدأ في عهد هذا الأمير وعهد أخيه سلطان الذي نازعه، فإنه في سنة ١٧٩٨ عقدت معاهدة بين شركة الهند الإنجليزية وبين سلطان على بعض مسائل تجارية، كما هي عادة الإنجليز تمسكنوا فتمكنوا، وتبعتها معاهدة أخرى بينه وبين الإنجليز أمضاها جون مالكولم سنة ١٨٠٠ يحق للإنجليز بموجبها أن تعيِّن مقيمًا في مسقط. وفي بحر هذه المائة سنة من ١٨٠٠–١٩٠٠ استولت إنجلترا على البلاد بالحيلة أولًا ثم بالتجارة ثم بالفتنة ثم بالقوة القاهرة.

فلما جاءت الحرب العظمى كان الخليج الفارسي حبيبها ونور عينها ومفتاح الهند في يدها من شماله إلى جنوبه، وكانت جميع مدنه وجزائره سواحله وأمرائه وشيوخه خاضعين لها، وقد امتد نفوذها إلى شرق أفريقيا وسواحلها، وذلك كله بعد أن استتب لها الأمر في الهند كلها، فهي ورِثت البرتغال ولكنها لم تحارب البرتغال، بل تسلمت التركة الشرقية من الدولة الإسلامية التي تعيَّنت وصيًّا على التركة وقامت بأعباء تصفية التركة خير قيام، فطردت البرتغال وطردت العجم، ونظفت الخليج الفارسي من الأجانب واستولت على زنجبار وشرق أفريقيا، وسلمت هذا كله لقمة سائغة إلى إنجلترا. ولم يكن بقاء هذا المقيم الإنجليزي في مسقط عبثًا، فإنه قنصل ووكيل سياسي وخبير بالأمور، يدرس الأحوال ويمتزج بالأمراء والزعماء ويبُثُّ العيون والأرصاد ويوزع الأموال السرية، وبالجملة يمهد السبيل في رفق وهوادة إلى أن تسنح فرصة الاستيلاء التام، فإن سير برسي كوكس الذي عرف منذ عشر سنين بأنه مندوب سامٍ في العراق لم يكن كما يظن بعض الناس غريبًا عن العراق والعرب، بل إنه كان في سنة ١٩٠٢ وكيلًا لبلاده في الخليج الفارسي، وهؤلاء الوكلاء يقبضون على زمام الأمور بطريقة تشبه طريقة السلطان عبد الحميد، فقد روى ثقة عن أحد الموظفين في الوكالة السياسية بالبحرين أنه كان يجيء إلى الوكالة ويُخرج منها كثيرًا من الرسائل والبلاغات السرية، وفي الدار منها ما يملأ بضعة صناديق ويُدهش فحواها كثيرين حتى رجال السياسة في لندن.

وكان من بوادر وجود الوكيل السياسي الإنجليزي في مسقط أن شركة الهند الإنجليزية تمكنت من إرسال أسطول في ١٨٠٩ حارب بعض العرب بتهمة القرصنة، وفي سنة ١٨١١ استعان السيد سعيد بأصدقائه الإنجليز فأعانوه على قلعة شيناس فأخذها. وعاد الإنجليز بقيادة الجنرال كير إلى محاربة الذين وصفوهم بالقرصان وأعانهم السيد سعيد، لأنهم صاروا حلفاءه.

وسار السيد سعيد والسادة الإنجليز لقتال عرب جعلان الذين تركوا الإباضية وصاروا وهابية فقهرهم عرب جعلان، وتوفي السيد سعيد عَقِيب هذه الهزيمة حوالي سنة ١٨٢٠.

وما زال الإنجليزية يجاملون حلفاءهم إلى سنة ١٨٥٤ حيث احتل الإنجليز بندر عباس وأراد السيد سعيد (أخو المتوفى في سنة ١٨٢٠) أن يحارب العجم فمنعه الإنجليز من إمرار جنوده في البحر من ساحل العرب إلى ساحل العجم، لأنهم لا يسمحون بحركات حربية في الخليج الفارسي، وصارت إنجلترا من ذلك التاريخ تصارح بحقيقة مقاصدها، وهي أنها لا تطيق أن ترى على ثَبَج ذلك البحر مقاتلًا واحدًا إن لم يكن تحت رايتها.

ولما تولى السيد تويني حارب الوهابيين وجرد أسطولًا عظيمًا لفتح زنجبار فتحفز الإنجليز له وحكَّموا بينه وبين حاكم زنجبار لورد كاننج حاكم الهند فقضى برجوع الأسطول. وقُتل تويني في فرشه واتُّهم ابنه سالم بقتله، ولكن الإنجليز عضَّدوا سالمًا وسلَّموه الملك، وهو بطبيعة الحال أطوع وأضعف لأنه مدين بنجاته من عقوبة القتل ثم بالعرش للإنجليز فلا يمكن أن يخالفهم. وكان الإنجليز قد ادَّخروا لوقت الشدة عم تويني هذا واسمه تركي واحتفظوا به أسيرًا في الهند، فلما لم ينالوا كل بغيتهم من سالم وامتصُّوه لحمًا ولفظوه عظمًا، طردوه من الملك وولَّوْا عمه الذي أحضروه من الهند فجاء من بمباي إلى مسقط وتسلم زمام الأمور، وحصلت في ١٨٧٤ فتنة فتغلب عليها تركي بتعضيد الإنجليز. وصارت إنجلترا صاحبة الحول والطول في الخليج الفارسي وعمان والبحرين، تولِّي وتعزل وتنصُر وتخذِل من تشاء بغير حساب.

كل ذلك في مدى أربع وسبعين سنة من ١٨٠٠ إلى ١٨٧٤، وفي سنة ١٨٨٨ توفي تركي وخلفه ولده فيصل بن تركي وذلك بموافقة إنجلترا التي أصبح أمير مسقط لا يصدر إلا عن رأيها، وكانت قد دخلت مصر منذ أربع سنوات وحصرت الشرق العربي بما فيه العراق وبين النهرين والبصرة بين مصر غربًا والهند شرقًا، ومن ذلك التاريخ بل قبله بعشرات السنين كانت قد رسمت خطة الاستيلاء على الجناحين، فلم يبق إلا الاستيلاء على القلب وهو جزيرة العرب.

وإنني لا أشك مطلقًا بل أثبت بأدلة تاريخية لا تقبل الشك أن إنجلترا كانت من أكثر من مائتي سنة تريد وضع يدها على مصر ثم طمعت في بلاد العرب كلها، ووضعت لذلك منهاجًا دقيقًا أول بند فيه تجريد العرب وأهل الشرق الأوسط من السلاح، وكانت تريد دخول الجزيرة من الجنوب الشرقي فاستولت على عدن وبوغاز باب المندب، ولكن أئمة اليمن الصالحين الأتقياء الشجعان وقفوا لها ومنعوا دخول الأجانب بلادهم ورضوا بتوحشهم وتأخرهم ورفضوا المدنية الخلابة البراقة التي وراءها السيف والمدفع وسلاسل الأسر الدائم. فلما خابت في الجنوب ورأت أئمة اليمن يكونون جيشًا ويدخلون مع دول أخرى لشراء الأسلحة هاجمت العرب من الخليج الفارسي كما شرحنا. وقد استعمل الإنجليز في تنفيذ سياستهم كل وسيلة، وأنا أشيد بفضلهم على وطنهم لأنهم لا يدخرون رجالًا ولا مالًا ولا عقلًا في سبيل عظمتهم الاستعمارية والضحايا نائمون يغطُّون غطيطًا أو يتمتعون بالمال والنساء، وقد استفادوا بنص القرآن في تعدد الزوجات وهو مخالف لما يقصدون، فصار الملك أو الأمير يعدد الزوجات بحجة ربط أواصر النسب والمصاهرة فساعدوا الإنجليز بالفتن الشائعة في بيوتهم، فتعددت الزوجات ونشأ عن ذلك ضغائن بين الإخوة ومنافسة بين الأمهات أساسها تباغض الضرائر الذي أراح الله منهن أمم أوروبا حتى إن مؤرخًا إنجليزيًّا قال لهم الحقيقة في كتابه «التاريخ القديم» وهو رولنيسون حيث يقول في ص٢٧:

إن تعدد زوجات الملك يزيد في عدد السباهلة في البلاط ويقتضي بناء القصور المتعددة التي توجب نفقات طائلة، ويقتل شعور الولاء والمحبة في الأسرة الواحدة، شعور الأبوة والبنوة والإخاء، ويفسد الأخلاق ويعلم النفاق ويضعف قوة البدن والروح، ويبعث على الخناثة والترف ويمكن من النفوذ والسيادة في الأحكام طبقة من أحط الطبقات.

وكل ما رأيناه في عمان وغير عمان من الفتن والقلاقل سببه نزاع بين الإخوة، حتى إن الأخ يغتصب حق أخيه والولد يقتل والده (كما وقع للأمير تويني من ولده سالم).

وكذلك يسعى الإنجليز بوسائلهم المعروفة بتأجير قوم من العرب يضربون على أوتارهم وينشرون الدعاية لهم ويلبسون ثياب الغش ويقولون عن أنفسهم بالباطل إنهم من مفكري العرب أو مصلحي الإسلام ولا همَّ لهم إلا ترويج السياسة الأجنبية الاستعمارية.

وكما أن المسلمين كانوا يعدون في أيام قوتهم بلاد الإفرنج بلاد حرب ويعلنون ذلك ويثبتونه في أحكامهم الشرعية والمدنية والجزائية، ولا يزال هذا الأمر حتى هذه الساعة في كتبهم، كذلك الدول الأوروبية الاستعمارية تعد جميع بلاد المسلمين بدون استثناء ممالك أعداء، فهم يسعون بكل الوسائل إلى منعهم من تسليح أنفسهم، وسواء أكانت البلاد الإسلامية صديقة لأوروبا أو معادية لها فمحكوم عليها عندهم بالسقوط تحت نِير الاستعمار فلا يجوز لها أن تتسلح.

السياسة الاستعمارية وعمان

وهذا الحكم نفسه جرى على بلاد عمان.

فإنه قبل الحرب العظمى بسنتين ١٩١٢ حاولت إنجلترا تجريد أهل عمان من السلاح حتى تريح بالها من جهتهم، ولأن ثغورهم كانت مشهورة بتجارة السلاح شهرتها بتجارة اللؤلؤ والتمر الأسود فأوعزت إلى السيد تيمور أمير مسقط بجمع السلاح من أيدي الأهالي وشددت عليه في ذلك وهي تعلم أنه لا يخرج من يدها ولا يخالف أمرها وقد سافر إلى بلاد الإنجليز مرارًا وقابله الملك جورج واحتفى به، ولأن تيمورًا تربطه بالإنجليز معاهدات كثيرة أشد من معاهدات الحماية، فلما حاول ذلك انتقض عليه الأهلون وبايعوا غيره، وامتدت الثورة وعظم الخطب وزحف الثوار إلى مسقط وحصروا الأمير وكادوا يوقعون به لولا أن وردته نجدة إنجليزية حفظت له حياته، ودامت الثورة عامين واستقل الثائرون بالداخلية والجبل الأخضر وولَّوْا عليهم إمامًا هو الرويحي وخلفه الخليلي، وقنع تيمور بالساحل ومدنه، وأخذت الداخلية في تدبير شئونها وقد فاز أهلوها باستبقاء أسلحتهم.

هذه مملكة عمان التي كانت أقوى دولة بحرية في آسيا، قد آل أمرها بتلاعب إنجلترا واستسلام أمرائها لهم إلى سقوطها وصارت إمارة صغيرة محمية لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا ولا يقدر أميرها أن يأتي بأمر مهما كان تافهًا إلا إذا أشار به المعتمد الإنجليزي الذي غرس أقدامه من سنة ١٨٠٠ في مدينة مسقط.

فنَزُفُّ هذه الحقيقة إلى أولئك البُلْه من أبناء جلدتنا الذين لا يزالون يحلمون بأن إنجلترا لا بد أن تؤسس لهم دولة عربية، ولا سيما الذين ينادون اليوم بضرورة تأليف الحلف العربي …

وأما زنجبار والمستعمرات التي كانت لعمان في شرق أفريقيا فقد اقتسمتها إنجلترا مع ألمانيا وإيطاليا ولم يبق لسلطان زنجبار على بلاده إلا الاسم، وكان آخر أمراء زنجبار برغش بن سعيد المتوفى في سنة ١٨٨٨.

وقد هدم الإنجليز والألمان دولة زنجبار التي تأسست سنة ١٨٥٦ كما هدموا دولة عمان ودمروا أسطوليهما كما دمروا أسطول البحرين.

وقد هدموها حتى لا يبقى لهم معارض ولا منازع في استعمارها، لأن كل دولة عربية عزيزة الجانب على جوانب الأوقيانوس الهندي هي قَذًى في أعينهم وخطر على الهند في نظرهم.

البحرين

ولا يقل تاريخ الإنجليز في البحرين والمحمرة والكويت غرابةً واغتيالًا عما رأيناه في عمان، فقد تدخلوا في شئون البحرين في سنة ١٨٦٧ بسبب وقعة دامسة، وكان حاكم البحرين الشيخ محمد بن خليفة وكان رجلًا أبله فقد تقرب إليه الإنجليز بواسطة وكيلهم السياسي الذي جاءه من أبي شهر يخطب وده ويدعوه لعقد معاهدة تضمن له سلامة بلاده ومساعدة بريطانيا، ومن شروط المعاهدة أن يتنازل عن حقوقه في تجهيز الجنود البحرية والسفن الحربية وإنجلترا ترد عنه كل غارة. فلما وقعت موقعة دامسة وسافر الشيخ محمد إلى قطر ليطفئ الفتنة انتهز الوكيل السياسي الإنجليزي هذه الفرصة وأمر بإطلاق مدافع البارجة على القلعة بالمنامة حتى هدمها، وطلب الوكيل من علي أخ محمد أن يتولى الإمارة ففرح علي بذلك وخان أخاه، ولكن محمدًا تربص به حتى تمكن من محاربته وقتله، ومات محمد بن خليفة في ١٣٠٧ منفيًّا أو مهاجرًا في مكة، وتولى الشيخ عيسى وقد أحسن الظن بالإنجليز خمسًا وخمسين سنة فأذلوه وامتهنوه وانتهكوا حرمة ملكه المرة بعد المرة، وذلك ثمن إخلاصه لهم بعد الذي رآه من فعلهم بعمه محمد بن خليفة وموافقته على المعاهدة السابقة بينهم وبين عمه التي قضت على أسطول البحرين ووكل الدفاع عن البلاد إلى بريطانيا.

وكان الشيخ عيسى يخلص للإنجليز ويخون سواهم، فقد فاوضه مدحت باشا في معاهدة الدولة العثمانية فأبى وسلَّم خطابه إلى الإنجليز، وخابره الألمان في المعاهدة فأبى وأعطى مكاتبتهم للإنجليز، فبماذا كافأه الإنجليز؟ شددوا عليه الخناق في سنة ١٣١١ وسلبوا منه امتيازات قضائية لرعاياهم، وفي سنة ١٩٠٣ أنزل سير برسي كوكس (بعد ذلك بعشرين عامًا المندوب السامي في العراق) جنودًا إنجليزية إلى البر وطلب إحراق بقية أسطول البحرين، ونفى أحد الأمراء إلى الهند خمس سنين، واختصت الوكالة الإنجليزية بالفصل في دعاوى الأجانب كلهم، وفي سنة ١٩٢٣ عزل الإنجليز الشيخ عيسى ووُلِّي ابنه الشيخ أحمد مكانه.

هذه قصة البحرين من حكومة مستقلة ذات أسطول حربي إلى حكومة بغير أسطول، إلى حكومة يراقبها وكيل سياسي إنجليزي، إلى حكومة تشارك في إدارة شئونها الداخلية والخارجية حكومة إنجلترا، إلى حكومة تعزل إنجلترا أميرها وتولِّي سواه والأمة جامدة لا تحرك ساكنًا، حتى حق الهجرة تأباه إنجلترا على بعض أهل البحرين الذين يأبون الضيم والمذلة.

فإنه بعد عزل الشيخ عيسى خشي أهل البحرين على قوميتهم ودينهم فكتبوا يريدون الهجرة:

إذا حالت القوة النارية بيننا وبين الاحتفاظ بشريعتنا الإسلامية وكرامتنا القومية غادرنا الوطن.

وقد باشرت بعض العشائر الهجرة فعلًا.

فأجابهم الوكيل الإنجليزي:

إن دولة بريطانيا تساعد الشيخ حمد (خليفة عيسى) في كل عمل معقول يجريه لمنعكم من الهجرة، فإذا أقدم أحد على الهجرة عوقب بمصادرة أمواله، وإسقاط ديونه على الأهالي، ومنع سفنه من الغوص.

وكل ذلك في سبيل اللؤلؤ والهند.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١