الفصل الأول

مقدمة

استنادًا إلى معلومة من مجهول، بدأت منظمة «الرحمة ضد القتل» — منظمة مدافعة عن حقوق الحيوان مقرها واشنطن العاصمة — في تقصِّي أنشطة مزرعة دواجن صناعية ضخمة تملكها الشركة الزراعية آي إس إي-أمريكا ومقرها سيسلتون بولاية ميريلاند. بعد رفض مسئولي شركة آي إس إي طلب ناشطي المنظمة القيام بجولة في الشركة، دخل ناشطو المنظمة مقر الشركة خلسة بالليل مصطحبين كاميرات فيديو، وقد أصابت مقاطع الفيديو — التي كشف عنها ممثلو المنظمة لاحقًا في مؤتمر صحفي — كثيرًا من مشاهديها بالصدمة. رأى الحاضرون الآلاف من الدواجن — كثير منها بلا ريش وتحتضر فيما يبدو — محشودة في أقفاص «بطاريات» صغيرة مصنوعة من السلك ومرصوصة رصًّا بعضها فوق بعض. بينما كان الروث يغطي بعض الدواجن، كانت هناك دواجن كثيرة غير قادرة على الحركة، تعرقل حركتها أسلاك الأقفاص، وبدا البعض الآخر ميتًا ومتحللًا. وقت كتابة هذا الكتاب، يعمل الناشطون، الذين حرروا ثماني دجاجات — شُخِّص وضعهم الصحي بالسيئ للغاية من قبل طبيب بيطري محلي — على إطلاق حملة قومية لمنع استخدام أقفاص البطاريات. بناء عليه، لا يستهدف ناشطو المنظمة شركة آي إس إي-أمريكا بصورة خاصة، التي يُعتبر نموذج مزرعتها شائعًا للغاية، بل منظومة إنتاج البيض إجمالًا.

حققت حملات كهذه من قبل نشطاء مدافعين عن حقوق الحيوان نجاحًا في بعض الأحيان؛ فاستجابة لضغوط النشطاء، اتخذ الاتحاد الأوروبي قرارًا بالاستغناء التدريجي عن أقفاص البطاريات بحلول عام ٢٠١٢. وكانت شركة ماكدونالدز قد أعلنت في صيف ٢٠٠٠ أن مطاعمها لن تشتري البيض إلا من موردين يمنحون الدواجن في مزارعهم مساحة لا تقل عن ٧٢ بوصة مربعة داخل الأقفاص للتحرك فيها، وهو ما يزيد بنسبة ٥٠٪ تقريبًا عن المساحة القياسية في صناعة الدواجن الأمريكية.

fig1
شكل ١-١: أحد نشطاء الدفاع عن حقوق الحيوان يلتقط مقاطع فيديو داخل إحدى المزارع التجارية.1

تعكس هذه الأحداث ظاهرة ثقافية كبرى، ألا وهي صعود حركة حقوق الحيوان المعاصرة، وهي الحركة التي تحدَّت الرؤى التقليدية الراسخة حيال المكانة الأدبية للحيوانات. يعارض معظم الناس القسوة ويشعرون بالأهمية الأدبية للحيوانات. في الوقت نفسه، ساهمت الرؤى التقليدية التي تبيح استخدام الحيوانات دون أية قيود تقريبًا في التأثير بعمق على معتقداتنا وممارساتنا اليومية. يدفع التوتر الأدبي والفكري الذي يمر به المرء في مواجهة مثل هذه المعتقدات المتصارعة في اتجاه بذل الجهود اللازمة لاستيعاب هذه الموضوعات محل الصراع. كيف نفهم المكانة الأدبية للحيوانات في مقابل المكانة الأدبية للبشر؟ بوجه عام، يتفق التقليديون والمدافعون عن حقوق الحيوان على أن الإجابة تتعلق تعلقًا كبيرًا بالكيفية التي ينبغي أن نفهم الحيوانات نفسها بها: ما طبيعة الحيوانات من حيث كونها كائنات حية؟ وبصورة خاصة، ما هي طبيعة حيواتهم العقلية؟

عند تناول هذه الموضوعات، وموضوعات أخرى ذات صلة، سيكون من المفيد البدء بلمحة تاريخية عن التفكير التقليدي حيال الحيوانات وعن ظهور حركة حقوق الحيوان. تعتبر اللمحة التالية (التي يغلب عليها رؤى بيكوف، ويونسن، وريجان وسنجر، ولا سيما تايلور) موجزة للغاية، ومن ثم انتقائية لا محالة في تحديد المصادر الرئيسية للتوجهات التقليدية والراهنة حيال الحيوانات.

(١) لمحة تاريخية

في جميع أرجاء العالم، تمثَّلت المصادر الرئيسية للتفكير التقليدي حول المكانة الأدبية للحيوانات في الدين والفلسفة، اللذين تفاعلا مع العلم في تشكيل المفاهيم حول طبيعة الحيوانات ككائنات حية. في المقابل، من الجدير بالذكر الإشارة إلى أن الميل إلى التمييز بين الفلسفة والدين يُعتبر مسألة غربية بصورة رئيسية، فيما يعتبر التمييز بين الفلسفة والعلم مسألة حديثة نسبيًّا. في الغرب، دفع أرسطو بصورة مؤثرة بأن الحيوانات — رغم افتقارها إلى «العقل» — تمتلك إدراكًا حسيًّا، وأنها أقل من البشر في المرتبة الطبيعية، ومن ثم تمثِّل موارد تلائم الأغراض الإنسانية. ونظرًا لأن الحيوانات تفتقر إلى الأرواح العاقلة، كما رأى أرسطو، لا يُعتبر تعاملنا نحن البشر معها مسألة عدالة. رأى أرسطو أيضًا أن الرجال يتفوقون على النساء بالفطرة، نظرًا لتفوق الرجال المزعوم على النساء في القدرة على التفكير، وأن بعض البشر — نظرًا لأن قوة أبدانهم أكثر من قوة عقولهم — يصلحون بصورة فطرية لأن يصبحوا عبيدًا. من بين اليونانيين القدماء، شملت الأصوات المناهضة لهذه الرؤية الأرسطية فيثاغورث، الذي رأى أن الحيوانات ليست سوى بشر سابقين حلُّوا في أجساد أخرى، وثيوفراستس الذي كان يعتقد في قدرة الحيوانات على التفكير إلى درجة ما. في المقابل، اتفق معظم الفلاسفة وعلماء اللاهوت الغربيون اللاحقون مع أطروحة أرسطو في وجود الحيوانات بغرض استخدام البشر الذين يتميزون وحدهم بالعقل.

عزَّز الكتاب المقدس بشكل كبير الرؤية الأرسطية للحيوانات من خلال التأكيد على أن الله خلق البشر على صورته، وأننا بوصفنا بشرًا أحرارٌ في استخدام الموارد الطبيعية — بما في ذلك الحيوانات — لخدمة أغراضنا الخاصة. على الجانب الآخر، من خلال إِشارة الكتاب المقدس إلى أن «جميع» البشر خُلقوا على صورة الله، شرَّع الكتاب المقدس رؤيةً للإنسانية تساوي في الحقوق، رؤية تتعارض مع الميول الأرستقراطية للفكر اليوناني، بما في ذلك أفكار أرسطو. في العصور الوسطى، شدَّد الفلاسفة المسيحيون من أمثال القديس أوغسطين وتوما الأكويني على الزعم القائل إن افتقار الحيوانات إلى العقل يبرر وقوعها في مرتبة أدنى من البشر، وهو طرح تقبَّله معظم المسيحيين مُذَّاك. وبينما اتُّفق على أن الحيوانات تقع في مرتبة أقل من البشر، شدَّدت اليهودية في تراثها الأقدم أكثر مما شددت المسيحية على ضرورة تقليل الألم الواقع على الحيوانات؛ فاستنادًا إلى الفكرة القائلة إن مخلوقات الله جميعها تستحق الرحمة، تتجلى هذه الفكرة في التعاليم اليهودية المتعلقة بذبح الحيوانات بغرض الغذاء وفي لعن الصيد من أجل المتعة فقط، ومصارعة الثيران، وقتال الكلاب. في الوقت نفسه، يتفق الإسلام، ثالث الأديان الإبراهيمية، على أن البشر يتمتعون بأهمية فريدة، وأن الحيوانات مخلوقة للاستخدام الآدمي، إلا أن القرآن ينهى عن ممارسة القسوة ضد الحيوانات ويشير بما يثير الجدل (حسب تفسير القارئ للقرآن) إلى أن الحيوانات تتمتع بدرجة من العقلانية، فضلًا عن أن النبي محمد نُقل عنه قائلًا: «الراحمون يرحمهم الرحمن.»

بينما تكشف الفلسفة الغربية الحديثة — الحقبة الممتدة من ديكارت في القرن السابع عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر — عن اختلافات شائقة بين فلاسفتها، فإنها دعمت لدرجة كبيرة الرؤية القائلة بتفوق البشر، وهو ما يعكس تأثير الديانة السائدة فيها، المسيحية. من خلال تكوين مفهوم عن الطبيعة باستخدام مصطلحات ميكانيكية خالصة، حلَّ العلم الحديث محل الرؤية الأرسطية السائدة للطبيعة باعتبارها تتمتع بأغراض محددة وتشبه إلى حدٍّ ما كائنًا حيًّا. إزاء هذه الخلفية، وجد رينيه ديكارت أن من الطبيعي النظر إلى الحيوانات، التي هي جزء من الطبيعة، باعتبارها آلات عضوية، لا تخلو من العقل فحسب بل من «المشاعر» أيضًا. ورأى ديكارت أنه بينما كانت الأجساد البشرية جزءًا من الطبيعة، عُثر على جوهر الطبيعة الإنسانية — التي تكشف عنها قدرة متفردة على التحدث بلسان وممارسة سلوك إبداعي — في العقل، أو الروح، أو النفس الإنسانية، التي كانت تحظى وحدها دون أي شيء آخر في جسد الإنسان بالوعي. ولكن بدا الزعم القائل إن الحيوانات لا تستطيع حتى الشعور بالألم مجافيًا للمنطق الفطري في نظر معظم الفلاسفة. بناء عليه، أقرَّ توماس هوبز، وجون لوك، وإيمانويل كانط، وآخرون بتوافر الإدراك والمشاعر لدى الحيوانات، فيما أنكروا وجود خاصية ما — مثل العقل أو القدرة على استيعاب المفاهيم العامة — قيل إنها ضرورية لتبوء مكانة أدبية مهمة. وبالنسبة إلى الفلسفة الأخلاقية عظيمة الأثر لكانط، صار «الاستقلال»، أو التحرر من وجود حتمية الطبيعة السببية، سببًا بارزًا في تبرير استخدام الإنسان للحيوان.

بينما هيمن بوضوح الاعتقاد في سيادة البشر على الحيوانات على الفلسفة الحديثة، كان جليًّا أيضًا جدوى وجهات نظر بديلة أخرى. ثمة مثال مقابل في فلسفة ديفيد هيوم الذي كان ينظر إلى التعاطف باعتباره ينبوعًا للفكر الأخلاقي، وأشار إلى أن التعاطف قد ينسحب على كائنات حساسة أخرى بخلاف البشر. في المقابل، رأى هيوم أن فكرة العدالة تتصل في المقام الأول بالتفاعلات بين أولئك الذين يتمتعون بقدرة متساوية نسبيًّا، وهو ما لا ينطبق على تعاملنا مع الحيوانات. ويوجد مثال أكثر راديكالية تمثَّل في رائد الفلسفة النفعية جيرمي بنتام، الذي رأى أن السلوك القويم يتمثَّل في تعظيم التوازن بين المتعة والألم في نفوس أولئك الذين يتأثرون بأفعال المرء. ومشيرًا على استحياء إلى أحد النتائج المترتبة على تطبيق هذا المعيار الأخلاقي في أحد الحواشي، شدَّد بنتام على أن مبدأ النفعية يجب أن يأخذ في الاعتبار الحيوانات الحساسة، التي تستشعر المتعة والألم، بصورة لا تقل عن البشر. بناءً عليه، انتقد بنتام بشدة إلحاق الألم بالحيوانات بصورة روتينية باعتباره من قبيل «الطغيان» الإنساني. طرح ستيوارت ميل الفيلسوف النفعي لاحقًا فكرة أكثر تعقيدًا لمسألة النفعية؛ إذ كانت المتع الإنسانية التقليدية — مثل المتع الفكرية، والجمالية، والأخلاقية — تمتلك وزنًا أكبر في ميزان حساب النفعية في مقابل وزن المتع الحسية الشائعة. ولكن، لم تعمِ هذه الردة النظرية إلى السيادة الإنسانية ميل عن إدراك التوتر بين ممارسات استخدام الحيوانات اليومية والرؤية الأخلاقية الموضوعية التي تأخذ مصالح الحيوانات في الاعتبار. في الوقت نفسه، رفض الفيلسوف غير التقليدي آرثر شوبنهاور اعتبار العقل، والاستقلال، والوعي الذاتي، والقدرة، عوامل محددة رئيسية للمكانة الأدبية. ولما كان شوبنهاور متأثرًا بالهندوسية والبوذية، أشار إلى أن الحياة الأخلاقية تتطلب الرحمة تجاه جميع المخلوقات التي يمكن أن تعاني. مع ذلك، ووفق رؤية شوبنهاور، يسهم ذكاء البشر الأكبر من ذكاء الحيوانات في زيادة إحساسهم بالمعاناة، وهو ما يبرر الأهمية الأخلاقية المولاة للمعاناة الإنسانية.

في مجال العلم الحديث، تمثَّل الإسهام الأكبر في فهمنا للحيوانات في أعمال تشارلز داروين في القرن التاسع عشر، الذي بيَّن أن البشر تطوروا من سلالات حيوانية أخرى. دفع داروين أيضًا بصورة مقنعة، وإن كان بصورة أقل تأثيرًا، أن قدرات البشر والحيوانات تختلف بصورة كبيرة من حيث الدرجة لا من حيث النوع. واستنادًا إلى ملاحظات دقيقة، رأى داروين أن كثيرًا من الحيوانات تمتلك مفاهيم عامة، وبعض القدرة على التفكير، والعناصر البدائية من الأحاسيس الأخلاقية، ومشاعر معقدة. بينما تجاهل العلماء مزاعم داروين تلك حتى وقت قريب للغاية، جعلت نظرية التطور — لا سيما بالاشتراك مع علم الجينات الحديث — من وجود فجوة إدراكية ما، لا سبيل إلى رأبها بين البشر والحيوانات الأخرى، مسألةً لا سبيل إلى الدفاع عنها.

لم تتناول اللمحة التاريخية التي قدمناها حتى الآن سوى التراث الغربي، وقبل أن ننتقل للحديث عن حركات حقوق الحيوان في القرنين التاسع عشر والعشرين، نتناول أولًا بعض الأفكار الرائدة النابعة من التراث غير الغربي، وهو التراث الذي يقدِّم أمثلة مثيرة للاهتمام متعارضة مع نماذج الفكر الغربي.

بينما قد يتحدث شخص غربي وآخر شرقي عن الحياة باعتبارها شيئًا مقدسًا، على الأرجح لن يتحدث عن الحياة «في مجملها» سوى الشخص الشرقي وحده. تقبل المذاهب الهندية اليانية، والهندوسية، والبوذية جميعها، بصورة أو بأخرى، مبدأ «أهيمسا»، وهو المبدأ الداعي لعدم إيذاء جميع المخلوقات الحية واحترام جميع أشكال الحياة. تشترك نظم الاعتقاد هذه أيضًا في الإيمان بتناسخ الأرواح. ويؤكد اليانيون والبوذيون على الترابط بين جميع الكائنات الحية، ويوصون بتناول الأغذية النباتية، ويعارضون بشدة الممارسات التقليدية المتعلقة بالتضحية بالحيوانات. تغيَّرت الهندوسية، التي تضم بين جنباتها العديد من الأديان المتمايزة، كثيرًا في القرون الأخيرة؛ نظرًا لتأثير اليانية والبوذية عليها بصورة جزئية. وإذ صارت «أهيمسا» أكثر محورية بالنسبة إلى الهندوسية، فقد أصبحت التضحية بالحيوانات أقل شيوعًا. يرى كثير من الهندوس اليوم أن إلحاق الأذى في الحياة سيؤدي إلى التسبب في معاناة لاحقة للطرف المتسبب في الأذى، وهو ما يرسِّخ قاعدة أخلاقية قوية لحماية الحيوان من أجل تحقيق المصلحة الذاتية. في الوقت نفسه، في الشرق البعيد، يشدد الميراث الفلسفي القديم الذي لا يزال حيًّا إلى اليوم للكونفوشية على وحدة جميع الأشياء في الطبيعة، ولا يرى إلا اختلافات في الدرجة فقط بين البشر والحيوانات فيما يتصل بالقدرات. بناءً عليه، يغرس أتباع كونفوشيوس — رغم تسليمهم بالأولوية الإنسانية — أحاسيس التوحد مع الحياة بأسرها والتعاطف إزاء جميع الكائنات التي تعاني.

في القارتين الأمريكيتين، اعتاد السكان الأصليون (الذين جاءوا في الأصل من آسيا، عابرين ما يُعرف اليوم باسم روسيا إلى ألاسكا) النظر إلى الطبيعة باعتبارها مفعمة بالروح، وهو ما يتعارض جذريًّا مع مفهوم ديكارت الميكانيكي للطبيعة. وفي إطار رؤيتهم الروحية للحياة الحيوانية، بينما يتفق الأمريكيون الأصليون بصورة عامة على مبدأ احترام الحيوانات، لا يجدون غضاضة في السماح بالقتل (الذي يُظهر الاحترام) واستهلاك الحيوانات.

إجمالًا، دعم التراث الغربي بصورة كبيرة الرؤية القائلة إن البشر يحظون بمكانة أدبية خاصة بهم وحدهم، أو على الأقل أكثر رقيًّا بكثير، بناءً على الاعتقاد أن البشر فقط يتمتعون بالاستقلال، والعقلانية، والدراية بالذات، والقدرة على فهم العدالة. يجري النظر إلى الحيوانات بصورة عامة باعتبارها متاحة للاستخدام الإنساني، ويُظهر الميراث الفكري غير الغربي وجود اختلافات كبيرة بين تياراته وبين الميراث الفكري الغربي. فبالنظر إلى التراث الفكري غير الغربي إجمالًا، سيجد المرء خيطين يتجاذبان اتجاهات مختلفة: خيط يتمثَّل في الالتزام الجاد بحماية رفاهة الحيوانات واحترام الحياة الحيوانية — سواء أكانت تُحترم هذه الحياة في حد ذاتها أم باعتبارها وسيلة للخلاص الإنساني والنماء — وخيط آخر يتمثَّل في القناعة بأن البشر أكثر أهمية من الحيوانات.

رغم أن الميراث الفكري الغربي كان بصورة عامة أقل احترامًا من الميراث الفكري غير الغربي للحيوانات، فإن الفكرة المعاصرة لحقوق الإنسان وسياساتها ظهرت في الغرب؛ فقد بدأت أول حركة مهمة لحقوق الحيوان في إنجلترا في القرن التاسع عشر، حيث كان الدافع من ورائها معارضة استخدام الحيوانات في الأبحاث العلمية دون تخديرها. ألهمت هذه الحركة مظاهرات احتجاج، وإصلاحات تشريعية في المملكة المتحدة، فضلًا عن ميلاد العديد من منظمات الدفاع عن حقوق الحيوان، خاصة في البلدان المتحدثة بالإنجليزية. لكن ضعفت المعارضة لاستخدام الحيوانات في الأبحاث في أوائل القرن العشرين، وبالرغم من استمرار بعض المنظمات الإنسانية الأولى في ممارسة أنشطتها، فقدت الحركة زخمها وصارت خارج نطاق ملاحظة الجمهور.

في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كان المناخ السياسي والفكري في بريطانيا العظمى، والولايات المتحدة، وكثير من البلاد الغربية الأخرى أكثر تقبلًا لظهور حركة إنسانية جديدة. فتحت حركة الحقوق المدنية في معارضتها لأشكال التمييز العنصري والجنسي الباب أمام رفض الأشكال الأخرى من التمييز. أتاحت المخاوف بشأن التلوث وتدمير البيئة مساحة منطقية وثقافية للتعبير عن المخاوف المتزايدة إزاء الحيوانات التي تتأثر لا شك بحالة البيئة. في مجال العلم، بدأت النظرية السلوكية التي كانت سائدة في فترة من الفترات — وهي النظرية التي تحظر الحديث عن «الحالات الداخلية» للحيوانات (والبشر)، ما يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد سند علمي للرحمة تجاه الحيوانات — في الاحتضار الذي طال انتظاره. في عام ١٩٧٦، نشر دونالد جريفن كتاب «حول مسألة وعي الحيوان»، وهو الكتاب الذي عُد علامة على ميلاد حركة علمية مؤثرة بصورة متزايدة، ألا وهو علم سلوك الحيوان الإدراكي، الذي يتناول سلوك الحيوان في سياق نظرية التطور، ويفترض وجود هذه «الحالات الداخلية» باعتبارها معتقدات، ورغبات، ومشاعر. وكان نشر كتاب بيتر سنجر «تحرير الحيوان» في عام ١٩٧٥، وهو الكتاب الذي جمع بين الجدل الفلسفي المقنع والكتابة السلسة، حدثًا مهمًّا؛ فابتدأ هذا الكتاب سيلًا عظيمًا من الكتابات الفلسفية الحيوية التي تدور حول المكانة الأدبية للحيوانات — وهو موضوع تجاهله فلاسفة القرن العشرين إلى حد بعيد — وألهم الكثيرين لأن يصبحوا ناشطين للدفاع عن الحيوانات.

ظهرت حركة حقوق الحيوان الحديثة في إطار هذا الفضاء الثقافي المرحِّب، وشهدت تطورات مهمة مثل تأسيس رابطة مفسدي الصيد الجائر البريطانية في عام ١٩٦٣، وتأسيس جماعة السلام الأخضر المناصرة للبيئة في عام ١٩٧١، ومنظمة الشعب من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات في عام ١٩٨٠. حاليًّا، تشمل حركة حقوق الحيوان المئات من المنظمات، وملايين الأعضاء، وبعض الإنجازات التشريعية المهمة؛ مثل قانون رفاهة الحيوان السويدي (١٩٨٨) البالغ التقدمية، وقانون حظر عبوات لحم البتلو البريطاني (١٩٩٠)، وميثاق الحماية الدولية للدلافين (١٩٩٢)، وذلك غيض من فيض من الإنجازات التشريعية المهمة في هذا الصدد. وفي المجتمع العلمي، صارت دراسة بدائل الأبحاث على الحيوان مسألة ذات اعتبار في بعض الدوائر. بينما بدا الأشخاص الذين امتنعوا عن تناول اللحوم لأسباب أخلاقية غريبي الأطوار منذ عشرين أو ثلاثين عامًا مضت، صارت النباتية الأخلاقية جزءًا لا يتجزأ من الاتجاه العام السائد، وهي آخذة في الانتشار بسرعة كبيرة.

وهكذا، تغيرت الثقافة الغربية، فصارت أكثر تقبلًا لفكرة حقوق الحيوان، وصارت أكثر جدية في استكشاف الموضوعات ذات الصلة فيما يتعلق بالمكانة الأدبية للحيوانات وحيواتها العقلية. لا يزال الكثيرون اليوم يتساءلون حول المعاملة المناسبة للحيوانات، ويريد هؤلاء تطوير فهمهم واستيعابهم للموضوعات المتعلقة بحقوق الحيوان.

(٢) خطة الكتاب

سوف نتناول العديد من الموضوعات المهمة في هذا الكتاب، وتتعلق الأسئلة الأكثر جوهرية بالمكانة الأدبية للحيوانات في مقابل المكانة الأدبية للإنسان. هل تحظى الحيوانات بأي مكانة أو حقوق أدبية؟ ماذا تعني هذه المصطلحات تحديدًا؟ وإذا كانت الحيوانات تحظى بمكانة أو حقوق أدبية، هل يجب إذن النظر إليها باعتبارها متساوية مع البشر بمعنى من المعاني الأدبية؟ هنا، يجب التمييز بين المعاملة المتساوية وبين الاعتبار المتساوي، كما يجب عرض وجهات نظر مختلفة حول هذه الموضوعات. إضافة إلى ذلك، سنواجه لا محالة مسألة نطاق الموضوعات؛ أيُّ حيوانات نقصد عندما نتحدث عن «الحيوانات»: هل نقصد جميع الحيوانات حرفيًّا، بما في ذلك الأميبا، أم الحيوانات الحساسة فقط (التي تمتلك مشاعر)، أم بعض مجموعات حيوانات أخرى؟ سنتناول هذه الموضوعات في الفصل الثاني.

كثيرًا ما تفضي المناقشات حول المكانة الأدبية للحيوانات إلى الافتراض المنطقي القائل إن الكثير من الحيوانات حساسة. في المقابل، يتطلب أي تمحيص مفصَّل حذر للموضوعات الأخلاقية المتعلقة بالحيوانات معرفةَ المزيد عن طبيعة الحيوانات، خاصة عقولها. على سبيل المثال، إذا كان المرء يعتقد أن الجمبري يفتقد إلى الإحساس، لا يمتلك أي أحاسيس (واعية) على الإطلاق، سيقوِّض هذا الاعتقاد أي اهتمام بهذه المخلوقات من الناحية الأدبية. يتمثل السؤال الرئيسي في الفصل الثالث إذن في الآتي: بناء على الأدلة التجريبية، تقريبًا ما هي مجموعة الحيوانات التي يبدو أنها تحظى ﺑ «مشاعر» — أحاسيس مثل الألم، وحالات شعورية مثل الخوف؟ وأي نوع من المشاعر تمتلكها هذه الحيوانات؟

في ظل فهم أوضح للحيوات العقلية للحيوانات، نعالج في الفصل الرابع سؤال أي نوع من «المصالح» تتوافر لدى الحيوانات؟ بعبارة أخرى، نسعى إلى بيان الطرق الرئيسية التي يمكن أن «تُضار» بها الحيوانات. بداهة، تعتبر الأحاسيس غير السارة مثل الألم والحزن نوعًا من الضرر. يمكن أن تُضار الحيوانات أيضًا عن طريق «الحبس»؛ قيود على الحرية تتعارض مع قدرة أحدهم على العيش جيدًا. في المقابل، هل تعتبر المصلحة في تفادي الحبس مجرد مثال على المصلحة في تفادي المشاعر غير السارة؟ أو هل نتسبب في الضرر لحيوان موضوع في قفص لا يعاني من الأسر، نظرًا لاعتياده عليه، من خلال القضاء على فرص ممارسته حياته بصورة طبيعية؟ هل يسبب «الموت» السابق لأوانه — في مقابل عملية الاحتضار المؤلمة — الضرر للحيوان؟ هل يتسبب قتل كلب طبيعي لا يعاني من أي مرض دون ألم أثناء نومه في ضرر للكلب؟ بمجرد البدء في التعمق في طبيعة مصالح الحيوانات، وفي الطرق العامة التي يمكن أن يقع من خلالها الضرر على الحيوانات، سنصادف أمورًا تتسم بالخلافية الشديدة. سيستعرض ذلك الفصل الطرق المختلفة لتناول هذه الموضوعات، مقترحًا حلولًا لبعضها.

تمهد الفصول من الفصل الثاني إلى الفصل الرابع للمناقشات العملية التي ستُطرح في الفصول التالية، وذلك من خلال تقديم أطر عمل لفهم المكانة الأدبية للحيوانات، وحيواتها العقلية، ومصالحها. يتحرى الفصل الخامس أخلاقيات أكل اللحوم، ويركِّز على موضوع استهلاك اللحوم المُنتَجة في مزارع تجارية، كما يتناول موضوعات أكل اللحوم المنتَجة في المزارع العائلية فضلًا عن المأكولات البحرية. في الفصل السادس، نناقش أخلاقيات اقتناء الحيوانات الأليفة وحيوانات الحدائق، إضافة إلى مناقشة الأضرار التي تقع كثيرًا على هذه الحيوانات. ويناقش الفصل ما إذا كانت هناك اعتراضات مشروعة — بناء على «احترام» الحيوانات — ضد تقييد حرية الحيوانات في المنزل أو في حدائق الحيوان. أخيرًا، يستعرض الفصل السابع الموضوع المعقَّد بشكل استثنائي المتعلق بإجراء الأبحاث على الحيوان، ويتناول الفصل موضوعات مثل ما إذا كان التقدم الطبي الحيوي يبرر إيقاع الضرر بحيوانات التجارب التي لا تملك الموافقة على ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، هل هناك درجة معينة من الضرر تقع على حيوانات التجارب لا يعتبر تخطيها أخلاقيًّا؟ وإلى أي مدى يجب أن تكون التجربة المقترحة واعدة حتى يمكن الدفاع عنها أخلاقيًّا؟ وما مدى الجهود التي ينبغي أن يبذلها مجتمع الأبحاث العلمية في البحث عن بدائل لاستغلال الحيوانات؟

إذا نجح هذا الكتاب في تحقيق أهدافه، فسيساعد القارئ على التعرف على عدد من الموضوعات الرئيسية التي تقع في صميم النقاشات المعاصرة لحقوق الحيوان.

هوامش

(1) Compassion Over Killing.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤