الفصل الأول

شخصية قومية

فَقَدَ سير إسحاق نيوتن وعيه في وقت متأخر من مساء السبت، وتوفي مباشرةً بعد دقات الساعة الواحدة صباحًا من يوم الإثنين الموافق العشرين من مارس عام ١٧٢٧ عن عمر يناهز ٨٤ عامًا. كان يحضره لحظة الوفاة طبيبه ريتشارد ميد، الذي أخبر الفيلسوف الفرنسي الكبير فولتير فيما بعد أن نيوتن أخبره وهو على فراش الموت أنه لم يضاجع امرأةً قط. وكان يقوم على رعاية نيوتن أيضًا في ساعاته الأخيرة ابنة أخته غير الشقيقة كاثرين وزوجها جون كوندويت، الذي كان أشبه بمساعد شخصي لنيوتن في سنواته الأخيرة. وعلى الرغم من انشغاله وكثرة أعبائه، تولى كوندويت وحده تقريبًا تنظيم حفل التأبين لهذا الرجل العظيم الذي عرفه عن قرب، ونجح نجاحًا بطوليًّا في الإشراف على جمع كل المعلومات المهمة المتوافرة لدينا تقريبًا فيما يتعلق بحياة نيوتن الخاصة. وكان مسئولًا عن ترتيبات جنازة نيوتن في كنيسة ويستمنستر آبي في نهاية مارس من عام ١٧٢٧، واتفق مع ألكسندر بوب لتأليف الكلمة التي نُقشت على قبر نيوتن. وفي السنوات اللاحقة، كلَّف أعظم فناني العصر من البريطانيين والأجانب برسم عدد كبير من اللوحات ونحت التماثيل النصفية لبطله.

حاول كوندويت على مدار عدة سنوات أن يكتب «حياة» نيوتن على وجه الدقة، وإن لم يتمكن مطلقًا من إتمام المهمة. كان قد سجل تفاصيل بعض الحوارات التي دارت بينه وبين نيوتن، ولكنه أرسل لعدد من الأشخاص ليرسلوا له ذكرياتهم معه من أجل الحصول على المزيد من التفاصيل عن أعمال نيوتن العلمية. وبعد وفاة نيوتن بأسبوع، كتب كوندويت إلى برنارد دي فونتنيل الفرنسي، السكرتير الدائم لأكاديمية العلوم الملكية بباريس، عارضًا عليه تقديم مادة يستطيع استخدامها في «رثائه» لنيوتن. فرأى كوندويت في ذلك فرصة لتحصين سمعة قريبه في الدولة التي كانت من أكثر الدول معارضةً للاعتراف بتفوق نيوتن وتميزه في العلوم والرياضيات. ولم تسلم سمعة نيوتن من النيل منها في فرنسا حتى نهاية ثلاثينيات القرن الثامن عشر، وفي أعقاب وفاته، حرص كوندويت على أن يعي العلماء الفرنسيون وغيرهم من غير البريطانيين على ريادة نيوتن وأسبقيته في ابتكار علم التفاضل والتكامل، وهو شرف ظل معظم العلماء الفرنسيين ينسبونه للعالم الألماني متعدد المعارف جوتفريد لايبنتز. وعلى مدار صيف عام ١٧٢٧، عكف كوندويت على كتابة «مذكرات» نيوتن، والتي أرسلها إلى فونتنيل في شهر يوليو.

fig1
شكل ١-١: تمثال كوندويت النصفي لنيوتن، تنفيذ جيه إم ريسبراك.1

قدمت «مذكرات» نيوتن بقلم كوندويت سجلًّا تاريخيًّا واقعيًّا — وإن كان يشوبه التملق — لحياة نيوتن الفكرية والأخلاقية، ووصفت فيه حياته الأخلاقية بأنها «نقية وطاهرة فكرًا، وقولًا، وفعلًا». فقد كان متواضعًا إلى حد يثير الدهشة، وأظهر قدرًا رائعًا من الجود والعطاء، إلى جانب شفقة وعطف ووداعة وصلت إلى حد أنه غالبًا ما كان يذرف الدموع عند سماع قصة حزينة. وكان عاشقًا للحرية، ومحبًّا لحكم الملك جورج الأول الهانوفري، بيد أنه كان «يمقت ويبغض» الاضطهاد، وكانت الرحمة بالحيوان والإنسان هي «الموضوع الأثير الذي أحب التركيز عليه». وقد أدرج كوندويت بيانًا عن تقدم نيوتن المبكر في كامبريدج، وأضاف رواية متحيزة لصراع الأسبقية مع لايبنتز؛ فلم يكن الأمر أن لايبنتز ليس أول من ابتكر علم التفاضل والتكامل فحسب، ولكنه أيضًا «لم يستوعبه مطلقًا بما يكفي لتطبيقه على نظام الكون، والذي كان الفائدة العظيمة والجليلة التي جناها منه سير إسحاق نيوتن».

أُلقي «رثاء» فونتنيل على أعضاء الأكاديمية في نوفمبر عام ١٧٢٧، وفيه قدم سردًا جيدًا لتقدم نيوتن العلمي وفي مجال الرياضيات، مقرًّا بأنه قدَّم جميع اكتشافاته العظيمة تقريبًا في بداية العشرينيات من عمره. واختلف مع الكثير من المعتقدات الموجودة في كتاب «المبادئ الرياضية»، خاصةً المعتقد الخاص بمفهوم «الجذب»، إلا أنه أفاض في الحديث عن أهميتها بوجه عام. وعلى الرغم من إدراك فونتنيل أن نيوتن كان يختلف مع الكثير من نظريات عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي الكبير رينيه ديكارت، فقد أشار إلى أن كليهما حاول إقامة العلم على أسس رياضية، وأن كليهما كان نابغة في عصره ومنهجه. وسرعان ما ترجم الرثاء إلى الإنجليزية، ليصبح المصدر الغالب لجميع السير الذاتية المكتوبة باللغة الإنجليزية لما يزيد على قرن.

ظهرت أعمال أخرى بسرعة بالغة، وكان من ضمنها «مجموعة الوثائق الأصلية» لويليام ويستون، والذي كان أول نص يتحدى علانيةً صورة نيوتن كفارس أبيض متألق. وكان ويستون خليفة نيوتن كأستاذ للرياضيات بجامعة كامبريدج، إلا أنه فُصل من كامبريدج في عام ١٧١٠ لاعتناقه آراءً دينية مهرطقة مشابهة لتلك التي اعتنقها نيوتن. وأفصح ويستون لأول مرة عن آراء نيوتن اللاهوتية المتطرفة، وقارن بين «السلوك والطابع الحذر» الذي اتسم به نيوتن وبين «انفتاحه» هو نفسه، ولكنه أشار إلى أن نيوتن لم يكن يستطيع إخفاء اكتشافاته العظيمة في اللاهوت «على الرغم من طابعه شديد التخوف والحذر والتشكك».

حتى قبل أن يقرأ كوندويت كتاب ويستون، استاء من الطريقة الموضوعية التي قارن بها فونتنيل بين نيوتن وديكارت، ومن طريقة معالجته لنزاع الأسبقية. وعلى الفور، كتب مرة أخرى لعدد من أنصار نيوتن في فبراير من عام ١٧٢٨ مناشدًا إياهم؛ «باعتبار أن سير إسحاق نيوتن كان شخصية قومية، فإنني أعتقد أنه على الجميع أن يساهم بعمل يهدف لإنصافه». وكان من بين أكثر الرسائل التي تلقاها ردًّا على رسالته إثارةً، رسالتان من همفري نيوتن (لا توجد صلة قرابة تربطه بنيوتن)، والذي باعتباره سكرتيرًا لنيوتن، كان لديه بصيرة فريدة من نوعها لسلوكه خلال السنوات التي ألَّف فيها كتاب «المبادئ الرياضية» (١٦٨٤–١٦٨٧). فبحسب همفري، كان نيوتن أحيانًا ما «يقف فجأة، ويستدير، ويركض صاعدًا الدرج، وكأنه أرشميدس آخر، ويصيح «وجدتها، وجدتها»، وينكب ليكتب واقفًا دون أن يمنح نفسه رفاهية سحب كرسي للجلوس عليه». وكان نيوتن في ذلك الوقت فيما يبدو يستقبل مجموعة مختارة من العلماء في قاعته، من بينهم جون فرانسيس فيجاني، وهو محاضر في الكيمياء في كلية ترينيتي. وظلت علاقة فيجاني بنيوتن على ما يرام، حتى قام فيجاني «بسرد قصة خليعة عن إحدى الراهبات»، بحسب كاثرين كوندويت.

كان جون كوندويت قد تلقى بالفعل معلومات غاية في الأهمية من خبير الآثار ويليام ستوكلي، الذي كان قد انتقل إلى جرانثام قبيل وفاة نيوتن. ولما كان هذا هو المكان الذي التحق فيه نيوتن بالمدرسة الثانوية المحلية فيما كان يقيم مع الصيدلي المحلي، فقد كان ذلك مكانًا مثاليًّا لجمع معلومات متعلقة بمرحلة الشباب من حياته. وبحلول عام ١٨٠٠، نُشر بعض مما ذكره ستوكلي والقليل من أوراق كوندويت. غير أنه في بداية القرن التاسع عشر، ساهمت المعلومات الجديدة بعمق في تغيير طريقة تفكير الناس في نيوتن. وفي عام ١٨٢٩، كشفت ترجمة لسيرة ذاتية حديثة لنيوتن كتبها جون-باتيست بيو أنه عانى من انهيار عصبي في أوائل تسعينيات القرن السابع عشر. ولكن ما كان أشد تدميرًا هو ما حدث في ثلاثينيات القرن التاسع عشر حين انطلق وابل من المعلومات المزعجة من أوراق أول فلكي ملكي، جون فلامستيد، والتي قدمت صورة ذميمة لسلوك نيوتن. ومنذ ذلك الحين، راح الفيكتوريون يتبارون فيما بينهم لتقديم ترجمات لحياة نيوتن وأعماله. والأهم من كل ذلك، أصبح كتاب ديفيد بروستر «مذكرات عن حياة ومؤلفات واكتشافات سير إسحاق نيوتن» (١٨٥٥)، وهي نسخة منقحة بشكل رائع من كتابه «حياة سير إسحاق نيوتن» (١٨٣١)، هي الترجمة الغالبة لحياته لما يزيد على قرن. وقد حاول ببسالة التعامل مع انخراطه الشديد في الخيمياء، وآرائه الدينية غير التقليدية، ومعاملته الفجة غالبًا للصديق والعدو، ولكنه لم يرغب مطلقًا في الإقرار بالمدى الكامل الذي وصل إليه انحدار نيوتن.

في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، قرر لورد بورتسمِث الخامس — وهو حفيد بعيد لكاثرين كوندويت ومالك أوراق نيوتن البحثية — التبرع بمخطوطات نيوتن «العلمية» للدولة. وشُكلت لجنة بجامعة كامبريدج لتقييم قيمة المجموعة، وأعلنت نتائجها في كتالوج لهذه الأوراق البحثية في عام ١٨٨٨. أما الأوراق غير العلمية، بما فيها مؤلفات نيوتن في الخيمياء واللاهوت، فلم تعتبر ذات قيمة كبيرة بوجه عام، وظلت مع عائلة بورتسمِث إلى أن بيعت في صالة سوذبي للمزادات في عام ١٩٣٦ مقابل مبلغ زهيد للغاية تجاوز بالكاد ٩ آلاف جنيه إسترليني. واستحوذت إحدى مؤسسات بيع مواد النشر بالتدريج على معظم أوراق نيوتن في اللاهوت من التجار، وبيعت في النهاية لجامع المقتنيات النادرة أبراهام يهوذا، الذي كان خبيرًا في فقه اللغات السامية. وتوفي يهوذا في عام ١٩٥١، وعلى الرغم من كونه معاديًا للصهيونية، فقد ذهبت ملكية مجموعته المدهشة من أوراق نيوتن إلى المكتبة الوطنية الجامعية في الجامعة العبرية بالقدس بعد دعوى قضائية استمرت لما يقرب من عقد كامل.

حضر الاقتصادي الكبير جون ماينارد كينز جزءًا من مزاد سوذبي، وركز كل جهوده للاستحواذ على جميع أوراق نيوتن في الخيمياء، وكذلك الأوراق «الشخصية» التي كانت تحت يد جون كوندويت. وبحلول عام ١٩٤٢ — والذي وافق الذكرى المئوية الثالثة لميلاد نيوتن — أصبح كينز مالكًا للغالبية العظمى من أوراق نيوتن في الخيمياء، إلى جانب بعض الأطروحات اللاهوتية. وعلى الرغم من انشغاله بمتطلبات الحرب العالمية الثانية، ألقى كينز خطبة بنيت على هذه المواد كجزء من الاحتفالات الهادئة بالمئوية الثالثة. وكان نيوتن الذي وصفه في خطبته أكثر روعة بكثير من ذلك الشخص الذي قدمه مؤرخو السير الذاتية السابقون، إذ وصفه بأنه «يهودي موحد من أتباع مدرسة موسى بن ميمون»، وأنه لم يكن «صاحب مذهب عقلي» أو «أول وأعظم علماء العصر الحديث»، ولكنه:

آخر جيل السحرة، وآخر البابليين والسومريين، وآخر العقول العظيمة التي أشرفت على العالم المرئي والفكري بنفس أعين هؤلاء الذين بدءوا في بناء تراثنا الفكري منذ ما لا يقل عن ١٠ آلاف عام.

كان نيوتن ينظر إلى عالمي الطبيعة والنصوص الغامضة المتلازمين كلغز ضخم يمكن حله من خلال فك شفرة «بعض الخيوط الغامضة التي نسجها الله حول العالم لإتاحة نوع من البحث الفلسفي عن الحقيقة للنخبة». وكانت كتاباته في موضوعات الخيمياء واللاهوت، حسبما ذهب كينز، «تتميز بالمعرفة الواعية، والمنهج الدقيق، والرصانة البالغة في التعبير»، وكانت «معقولة ومنطقية شأنها شأن كتاب المبادئ الرياضية».

استفادت أكثر سيرتين ذاتيتين مؤثرتين وقائمتين على مادة علمية — واللتين كُتبتا في أواخر القرن العشرين — استفادة واسعة من المواد الواردة بالمخطوطات اليدوية. فيقدم كتاب «لوحة لإسحاق نيوتن» الصادر عام ١٩٦٨ الذي ألفه فرانك مانويل ترجمة تحليلية نفسية لشخصية نيوتن، اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على الفرضية القائلة بأن سلوك نيوتن اللاواعي اتضح «على نحو أساسي في مواقف الحب والكراهية». ووفقًا لمانويل، فإن مصدر مشكلات نيوتن النفسية كان يكمن في حقيقة زواج والدته مرة أخرى ولم يكن نيوتن قد تجاوز الثالثة من عمره فقط. فبعد فقدانه لوالده الحقيقي، والذي توفي قبل شهور قليلة من ميلاده، أصبح نيوتن يكن عداءً لزوج والدته، وكرس نفسه للأب الوحيد الذي استطاع أن يدرك وجوده بحق؛ هو الله. وقد أوضح مانويل كيف أن التجارب الصادمة التي واجهها في شبابه كانت داخلية، وأن الشاب المتزمت العبقري المعذب أصبح الطاغية الهرم في بدايات القرن الثامن عشر.

وفي كتاب ريتشارد إس ويستفول الأكثر تقليدية بعنوان «رجل لم يعرف الراحة: ترجمة علمية لحياة إسحاق نيوتن» الصادر عام ١٩٨٠، تناول المؤلف أعمال نيوتن باعتبارها الجانب الرئيس في حياته. فقد عنيت «ترجمته العلمية» المستقاة من المجموعة الكاملة لمخطوطات نيوتن التي كانت متوافرة آنذاك للعلماء والدارسين، بكل جانب من اهتمامات نيوتن الفكرية، وإن كان مجاله العلمي «يمثل الفكرة الأساسية». وبينما يتعامل ببراعة واقتدار مع إنجازات نيوتن الفكرية، إلا أنه من الواضح أن إعجاب ويستفول الشديد بهذا الجانب من حياة نيوتن لا يمتد ليشمل سلوكه الشخصي.

وقد مقتَ ويستفول في النهاية ذلك الرجل الذي ظل يدرس أعماله على مدى أكثر من عقدين، ولم يكن أول من يكنُّ مثل هذا الشعور تجاه الرجل العظيم.

هوامش

(1) Courtesy of Dr Milo Keynes.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤