الفصل الخامس

فيلسوف هرمسي حقيقي

حظيت الخيمياء بسمعة متقلبة بحلول منتصف القرن السابع عشر. فعلى الرغم من أن الكثيرين كانوا يزدرونها باعتبارها المسعى البائس لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، رأى آخرون أن لها تراثًا طويلًا وجليلًا، وأن أسرارها أكبر و«أنبل» من أن تخفى في لغة وعبارات مجازية مبهمة. وكان الفلاسفة الطبيعيون، أمثال روبرت بويل، يزدرون ممارسات معينة يطلق عليها «خيميائية»، وفي الوقت نفسه يعتقدون أن بعض النصوص الخيميائية، إذا استوعبت بوجه صحيح، فإن من شأنها أن تقدم وصفًا لأهم العمليات في الطبيعة. وكانت الخيمياء في حد ذاتها جزءًا من ممارسة أكبر تسمى «الكيمياء»، والتي شملت عمليات خيميائية عادية أو «شائعة» كانت جزءًا من مخزون مهارات أي كيميائي، ولكن بدت التقاليد الخيميائية التي تؤمن بأن الطبيعة بأكملها حية وكأنها تعد بإجابات عن الأسئلة المتعلقة بالتخمر، والحرارة، والتعفن، وكذلك نمو الحيوانات، والنباتات، والمعادن. وكان يُفترض أن لدى الخيميائيين مدخلًا لتقنيات تحاكي تلك العمليات الاستثنائية وتتيح لهم تحويل العديد من العناصر أحدها إلى الآخر. وكان معظم الخيميائيين يعتقدون أن هناك جانبًا دينيًّا أو روحانيًّا أساسيًّا للفن، رغم أن الأدلة على ذلك غائبة بوضوح في أبحاث نيوتن الخيميائية.

في خمسينيات القرن السابع عشر، تكونت حلقة من الممارسين في لندن والتفت حول الأمريكي جورج ستاركي، الذي طوَّر نظريات جيه بي فان هلمونت عن القوة الحيوية في عدد من الأعمال. واتجه نيوتن إلى أعمال ستاركي في نهاية ستينيات القرن السابع عشر، وجذبه إلى ذلك تحليله للطريقة التي يمكن بها تخمير أو إنبات عناصر أولية معينة. وفي مذكرات ترجع لهذه الفترة، وضع أيضًا قاموسًا من المصطلحات التي وجدها في كتابات بويل ودوَّن كل العناصر الكيميائية، والإجراءات، والكثير من الأدوات والمعدات المطلوبة لممارسة فن الكيمياء العادية. غير أنه اتجه إلى التقاليد الكيميائية لتزويده بإجابات عن أسئلة تتعلق بأهم الموضوعات التي حيَّرته وحيَّرت معاصريه، تحديدًا التخمر، والتحول، والحياة، والتكاثر، والعلاقة بين العقل والجسد. ليس التاريخ الذي أصبح فيه نيوتن منخرطًا في دراسة الخيمياء معروفًا على وجه التحديد، وإن كان وجود خطاب لصديقه فرانسيس أستون، وشراؤه مصهرين والمجلدات الستة لكتاب لازاروس تستسنر «مسرح الكيمياء» — كل ذلك في عام ١٦٦٩ — يشير إلى أن اعتلاءه كرسي أستاذية الرياضيات في جامعة كامبريدج في نفس التوقيت ربما يكون قد صرفه عن اهتمام أعمق.

على الرغم من ذلك، لم يهمل نيوتن مطلقًا ما تقدمه الكيمياء «العادية». ففي نفس التوقيت تقريبًا، وفي مفكرته «الكيميائية»، دوَّن ملاحظات امتدت على صفحات عدة، من كتاب روبرت بويل «تجارب وملاحظات جديدة عن البرودة» الصادر عام ١٦٦٥، مضيفًا تساؤلات وتجارب ثانوية خاصة به. وقد شكَّل هذا إلى جانب أعمال أخرى لبويل نُشرت في ستينيات وسبعينيات القرن السابع عشر، أعظم منجم للمعلومات امتلكه نيوتن تحت يده، وقدم معلومات تفصيلية وموثوق بها عن العالم الطبيعي. فقد أشار — على سبيل المثال — إلى أنه على الرغم من أن الطقس في آسيا أكثر برودة بكثير، فإن الصينيين لا يشعرون بالبرودة مثل الأوروبيين؛ نظرًا لوجود «انبعاثات من تحت سطح الأرض» تحتوي على «تيارات حرارية». وثمة ملاحظات أخرى من مؤلفات بويل، إلى جانب تأملات نيوتن عنها، عكست موضوعات ذات أهمية دائمة داخل نطاق فلسفته الطبيعية، مثل الحرارة، والضوء، والتحول، و«مبادئ» الطبيعة.

وفي موضع آخر، في قسم عن تحول «الأشكال»، أشار نيوتن (نقلًا عن كتاب «أصل الأشكال والخصائص» لبويل الصادر عام ١٦٦٦) إلى أن المواد الحية المتنوعة مثل الشعاب المرجانية، والسلطعون، وجراد البحر تتحول إلى حجر حين تخرج من الماء، وأنه بالقرب من جزيرة سومطرة كانت هناك أغصان أشجار صغيرة تحتوى على «ديدان» كجذور لها، وأنه في البرازيل يوجد حيوان قريب للجندب تحول إلى نبات. ومرة أخرى، يقدم بويل معلومات بالغة الأهمية تتعلق برواسب أرضية بيضاء ظلت على السطح بعد ترشيح مياه الأمطار؛ وعلَّق نيوتن بلهجة استحسان أن فان هلمونت كان يرى أن الماء هو أساس كل شيء، لأن جميع الأشياء يمكن «اختزالها» إليه «عن طريق عمليات متعاقبة».

وتشير المقتطفات المأخوذة من كتاب جورج ستاركي «ثبوت الاستغلال الكيميائي للنار» — والتي أعقبت الإشارة إلى فان هلمونت — إلى تحول في التركيز في قراءاته. ففي نفس الوقت كان يقرأ ويدون ملاحظات عن كتاب مايكل ماير «الرموز الذهبية للاثنى عشر شهرًا»، الذي شكل مع مخطوطة تحوي نصائح للمسافرين الأساس للخطاب الذي أرسله إلى أستون في مايو عام ١٦٦٩. بدأ هذا الخطاب بنصائح رنانة حول كيفية التعامل مع الأجانب، ولكن نيوتن أيضًا أخبر أستون (الذي كان على وشك الانطلاق في جولة في أوروبا) أن ينتبه للتحولات من فلز لآخر، لأنها «تستحق انتباهك لها لكونها التجارب الأكثر تنويرًا وتوضيحًا للطريق في الفلسفة أيضًا». وثمة تعليمات معينة جاءت من قراءته لماير، ولكنها أيضًا كانت ترتبط بمعلومات مجمعة من قراءته لأعمال بويل. وسرعان ما شرع نيوتن في قراءة كم ضخم من كل من الأعمال المطبوعة والمكتوبة بخط اليد في مجال الخيمياء. ومن الحقائق ذات الأهمية البالغة أن ملاحظاته تأتي من نسخ مكتوبة بخط اليد من العديد من هذه النصوص، مما يشير إلى معرفته بمجموعة من الخيميائيين في كامبريدج أو لندن، وهو الأكثر ترجيحًا. وللأسف إن هوية الكثير من هذه الشخصيات غير معروفة.

إنبات الفلزات

كما في حالة «الأسئلة الفلسفية»، سرعان ما شرع نيوتن في إجراء تجارب جديدة، وإن ظلت فهرسة ومقارنة الأعمال والمصطلحات الخيميائية المختلفة عنصرًا أساسيًّا لاستراتيجيته البحثية. وبعد شرائه مجموعة «مسرح الكيمياء» مباشرة، وضع قائمة قصيرة من «الافتراضات» استقى فيها من النصوص الواردة في المجموعة. وقد أشار في هذه الافتراضات إلى «روح زئبقية» نشطة تسمى «ماجنسيا»، والتي كانت «العامل المساعد الحيوي الفريد» الذي يتغلغل في كل الأشياء في العالم. كان هذا هو ما يُعرف بالزئبق الفلسفي؛ أي الشكل البدائي لجميع الفلزات والذي عندما يعيد الخيميائيون تكوينه يمكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج تحولية غير عادية. ومن خلال العمل بالحرارة الخفيفة، أمكن تسخيره لتحويل (أو «تحليل») العناصر إلى حالتها الأولية، ثم «تنشيطها» (أو «توليدها») في شكل جديد. وبالاستعانة بقياس تمثيلي يعد أساسيًّا للتقاليد الخيميائية، لاحظ نيوتن أن أسلوب عمل هذه الروح كان قاصرًا على أي مجال تعمل فيه، سواءٌ على الفلزات، أم في جسم الإنسان، أم في مختبر الخيميائي، وأنها تنتج الذهب من «النطفة الفلزية»، فيما تستطيع توليد بشر من نطفة بشرية.

وقد جرت معالجة أفكار مشابهة بقدر أكبر كثيرًا من التفصيل في بحث رائع كُتب على الأرجح في أوائل سبعينيات القرن السابع عشر. ويُعرف هذا البحث بالسطر الأول منه، وهو: «عن قوانين وعمليات الطبيعة الجلية في الإنبات»، وهو واحد ضمن مجموعة من أهم كتابات نيوتن عن أي موضوع. وتظهر العديد من الموضوعات والأفكار — مثل التحول، والتكاثف، والطبيعة باعتبارها «عاملًا دورانيًّا» مستديمًا — مرارًا وتكرارًا في مواضع مختلفة من عمله. وقد دوَّن نيوتن — تحت عناوين مرقمة فيما يشبه مخططًا تمهيديًّا لأطروحة — أن نفس القوانين التي تحكم نمو النبات تشمل أيضًا نمو الفلزات. فعن طريق الفن الخيميائي، يمكن جعل الفلزات تنبت نتيجة لنشاط «روح خاملة» تقبع بداخلها. وكما هو الحال في الفن، تستطيع الطبيعة بهذا الشكل أن تنمو وتزدهر فقط، ولكنها لا تستطيع تكوين «البروتوبلاست» أو أشكال الأشياء الطبيعية، والتي هي من صنع الله.

fig8
شكل ٥-١: رسم نيوتن لحجر الفلاسفة؛ وهي مادة يمكنها أن تساعد في إجراء عمليات خيميائية مثل تحويل الفلزات غير النبيلة إلى ذهب، أو تجديد شباب البشر لمنحهم الخلود.1

كان هناك عدد من مساحات «الاتفاق» بين مملكة الحيوانات ومملكة الفلزات، وكما رأينا، كان إنبات الفلزات في ظروف معملية — في رأي نيوتن — مناظرًا للطريقة التي تقوم بها الطبيعة بعملها. والواقع أن كون الفلزات أشياء حية هو ما يجعل لديها قدرة هائلة على التأثير على الحيوانات سلبًا أو إيجابًا. وكان هذا واضحًا من القوة التي يتمتع بها فصل الربيع على التنشيط وتجديد الشباب، وحقيقة أن التغير في كم ونوعية الجسيمات الفلزية في الهواء تخلق «سنوات صحية وأخرى سقيمة»، وكذا في ملاحظة أن الطبقة الأرضية التي تغطي المناجم غالبًا ما تكون جرداء. وتستطيع المعادن أن تتحد مع أجسام الحيوانات وتصبح جزءًا منها «وهو ما لا تستطيع فعله إن لم يكن لديها عامل إنبات بداخلها».

أيضًا زعم نيوتن أن أفعال الطبيعة إما «نباتية» (أو «منوية»)، أو «ميكانيكية» بحتة، كما فيما يطلق عليه الكيمياء «الشائعة». وفي بعض الأحيان، يمكن إحداث تغيرات في ملمس الأشياء عن طريق «عمليات الاندماج أو الانفصال الميكانيكية» لهذه الجزيئات، ولكن غالبًا ما يتحقق ذلك بنبل أرفع عن طريق حركة «المواد النباتية الخاملة». والطبيعة نفسها لها طريقة أكثر «حذقًا وسرية ونبلًا للعمل» من تلك الموجودة في الكيمياء العادية إلى حد بعيد، وذلك النمط من العمليات هو ما يحاول الخيميائيون محاكاته. وكان الأساس و«العوامل المساعدة» لحركاتها النباتية هي «البذور أو الأوعية المنوية» في قلب المادة (المحاطة بغطاء رطب)، والتي أسماها نيوتن «نار»، و«روح»، و«حياة» الطبيعة. وقد شكلت هذه العناصر «جزءًا صغيرًا بشكل لا يصدق» من المادة، مما عمل على تنشيط ما كان ليصبح مجرد «مزيج من أرض ميتة وماء عديم الطعم». وفي حين أن جسم المادة الأكبر حجمًا غالبًا ما لا يتأثر بالحرارة الشديدة، يمكن القضاء على «فاعلية» البذور أو إفسادها عن طريق الارتفاع أو الانخفاض الشديد في درجة الحرارة. وقد كان الإنبات جزءًا محوريًّا من هذه العملية، يتألف من حركة البذور «الناضجة» على الأجزاء الأقل نضجًا من مادة مختلفة ليجعلها ناضجة قدر الإمكان. وفي موضع آخر من المخطوطة، أشار نيوتن إلى الجزء الدقيق من المادة باسم «الروح النباتية»، والتي كانت واحدة في جميع الأشياء باستثناء ما يتعلق بدرجة «امتصاصها» أو نضجها. وحين امتزجت أرواح نباتية مختلفة معًا، «شرعت في العمل»، وتحللت، و«امتزجت معًا على نحو تام، ومن ثم تبدأ دورة عمل مستديمة إلى أن تصل للحالة الأقل هضمًا».

عالج البحث كذلك الطرق التي استطاع بها الخيميائيون الاستفادة من الإنبات، عن طريق محاكاة الطبيعة، لإحداث ظواهر غير عادية. وكان من الشروط اللازمة لتفعيل مهمة الخيميائي و«لكي تكتسب المادة المتحللة بأكملها القدرة على توليد شيء منها» وجود مرحلة أولية من الاختزال إلى «فوضى متحللة». فالتحلل «يحول» شيئًا ما عن الماهية التي كان عليها، وهو شرط حدوث عملية التوليد والتغذية، على الرغم من أن التحلل الكامل يحدث «عفونة كريهة سوداء». وكما في الطبيعة، فإن ذلك يحدث في ظل حرارة «هادئة»، وعلى مواد رطبة، بينما البرودة أو الحرارة الشديدة من شأنهما أن يدمرا المهمة. وقد كان بإمكان الخيمياء أن تعزز تأثير الطبيعة على أي شيء كان، دون أن يكون المنتج أقل «طبيعية» مما لو كانت الطبيعة قد أنتجته بمفردها: «هل يكون الطفل مصطنعًا لأن الأم تناولت عقاقير، أو تكون الشجرة التي تزرع في حديقة وتروى بالماء أقل طبيعية من تلك التي تنمو وحدها في الحقل؟» إن شجرة بلوط عمرها مائة عام يمكن جعلها تتكاثر، كما يمكن جعل المعادن «تتعفن وتتحلل» من خلال «ترتيبها ومزجها كما ينبغي مع الرطوبة المعدنية».

الأكوان المعدنية

ذهب نيوتن إلى أن الفلزات حين تتحول إلى «أدخنة رقيقة ومتطايرة» تستطيع تخلل الماء (أو السوائل الأخرى)، و«التشرب» فيه. وهي تفقد قدرتها الإنباتية في الماء البارد، لتتحول إلى حالة مالحة «ثابتة» ومتجمدة، وتصبح عودتها مرة أخرى إلى فلزات بالغة الصعوبة. فملح البحر، على سبيل المثال، كان مزيجًا من أنواع مختلفة من الأدخنة المعدنية التي تماسكت جميعًا معًا، وكان لهذه «الكتل الملحية» قدرة أكبر على الاتحاد معًا وتكوين قنوات بلورية طويلة. وقد لوحظ هذا الميل لدى الأبخرة أو الأدخنة للتجمد عن طريق تقطير مياه الأمطار وتحويلها إلى أجزائها المكونة لها، وكذلك عن طريق ملاحظة ميل الماء إلى الالتحام بالمعادن وتكوين نتوءات على الصخور.

ولعل أكثر عمليات التكاثف «حميمية» هي تلك التي تمت عن طريق مزج «الأبخرة غير المرئية» لأنواع مختلفة من الأدخنة، وهو ما نتج عنه تجمعات صلبة ذات «بنية أكثر ظهورًا ورقة»، مثل «النترات»، وهو عنصر أطلق عليه نيوتن «روحًا» تكونت نتيجة «تخمر النار والدم … وجميع أنواع النباتات». وعندما تكثفت، قامت الأجزاء الرطبة التي كونت النترات بتكوين ملح أيضًا، ولكن برودة ماء البحر أعاقت هذه الأبخرة الأكثر رقة ومن ثم لم يتواجد فيها نترات. وفي حالته النترية الأكثر رقة، كان الملح يتخمر ويتحلل، ولكن جزيئات الملح الخشن في حد ذاتها كانت «ميتة». غير أن الملح يمكن «حثه» على الإنبات، سواء طبيعيًّا أم اصطناعيًّا «عن طريق مواد أخرى في حالة حية ومنبتة». والأملاح القاعدية تحفظ اللحوم وتعمل من خلال جزيئاتها الخشنة، ولكن في ظروف معينة يمكن تنشيط «العنصر الخامل» بها للعمل «بنشاط» على عناصر أخرى. واعتبرت النترات في حالتها تلك، بوجه عام، أقوى المعادن لإثراء الأرض، وكذلك مصدر البارود ومصدر أنقى جزء من الهواء. وأشار نيوتن إلى أنه إذا أمكن دفع الأملاح للتحلل، فمن الممكن أن تكون دواءً رائعًا.

وباسترجاع نظريته السابقة، وصف نيوتن نظامًا دوريًّا رائعًا تُطلَق فيه الأرض أبخرة مائية وأدخنة معدنية متنوعة إلى أعلى. ومع ارتفاع الهواء يُدفَع الأثير باستمرار إلى أسفل نحو الأرض، «وهناك يتكثف ويندمج تدريجيًّا مع الأجسام التي يقابلها، ويعزز حركاتها باعتباره عامل تخمير حساس». ولكونه لزجًا ومرنًا، فإنه يسقط أجسامًا أثقل عند نزوله، ولكونه أخف كثيرًا من الهواء، فإنه يفعل ذلك بسرعة أكبر كثيرًا من سرعة ارتفاع الهواء. ومن ثم، كانت الأرض أشبه بحيوان ضخم أو «نبات عديم الحياة»، يتنفس في الأثير من أجل التجديد اليومي لنشاطه وحيويته. وأردف نيوتن أن العناصر الأرضية تألفت من الأثير ممتزجًا بروح أكثر نشاطًا، والتي كانت «العامل المساعد الكوني للطبيعة، ونيرانها الخفية، وعامل تخمرها، وأساس الإنبات». وباعتبار الأثير «الروح المادية لكل المادة»، يمكن تنشيطه بواسطة الحرارة الخفيفة، وربما يكون مؤلفًا في حقيقته من الضوء أو من نفس مكوناته. فكلاهما له «أساس نشط مذهل»، وكلاهما كان «عاملًا مستديمًا»، وكل الأشياء تبعث ضوءًا حين تتعرض للحرارة. ومثل ضوء الشمس كانت الحرارة أساسية لعملية التوليد، و«ما من مادة تتخلل كل الأشياء بذلك القدر من التلقائية، والبراعة، والسرعة مثل الضوء، وما من روح تتخلل الأجسام بهذا الكم من البراعة، والسرعة، والقوة مثل الروح النباتية». لم يكن علم الكونيات — الذي يتسم بقدر رائع من الثراء — موجهًا لشيء أقل من الكشف عن عناصر الحياة النشطة، والكون بأكمله. وكان نيوتن يعود لنفس الأفكار مرارًا وتكرارًا، وإن كان بأشكال مختلفة.

سحق الضفادع

ظهر علم الكونيات الخيميائي الخاص بنيوتن إلى النور كليةً في شكل مختلف من أعماله ألفه في أواخر عام ١٦٧٥. وعلى الرغم من أنه لم يُطبع في حياته، فقد تعاملت «الفرضية» التي ألفها عام ١٦٧٥ مع جميع الموضوعات المهمة والأساسية التي عاودت الظهور في بدايات القرن الثامن عشر في فقرة «تساؤلات» في الطبعات المختلفة لكتابه «البصريات». وفيما كان نشاطه في الخيمياء موجهًا بشكل أكثر وضوحًا نحو كشف النقاب عن العناصر النشطة في المادة العادية، فإن الأعمال الموصوفة في «الفرضية» عنيت جزئيًّا بإخضاع الأثير لنفس أشكال التساؤل التجريبية التي تفحص بها روبرت بويل الهواء. والواقع أنه عندما التقى نيوتن ببويل في لندن في أوائل عام ١٦٧٥، سخر بويل بوضوح من عزم نيوتن على ثقب «الأثير العادي». وفي الوقت نفسه، خاض نيوتن أيضًا نقاشًا مطولًا مع هوك حول سبب حدوث الانعكاس والانكسار، والذي أعزاه نيوتن إلى حركة حافة الوسط الأثيري الذي يمر الضوء بداخله. وفي تكرار لمقترحه الذي طرحه قبل عقد، أخبر هوك أن إجراء تجربة في مضخة هواء يمكن أن يثبت ذلك، من خلال توضيح أن ظواهر الانعكاس والانكسار لا يطرأ عليها أي تغيير بحدوثها في مضخة هواء مفرغة؛ فالأثير — وليس الهواء — هو الذي يحدث الانعكاس والانكسار.

في بداية ديسمبر ١٦٧٥، أرسل نيوتن إلى أولدنبرج عملين. كان الأول هو «حوار حول الملاحظات» والذي ذكرناه مسبقًا فيما يتعلق بالحلقات الملونة، فيما كان الثاني أطروحة صغيرة رفضها نيوتن باعتبارها «أفكار أخرى مصاغة بغير عناية». قُرئت هذه الأطروحة في اجتماعات أسبوعية منذ ٩ ديسمبر، وكانت بعنوان «فرضية تشرح خصائص الضوء التي نوقشت في أبحاثي العديدة». وعلى الرغم من أنه كان يعتزم فيما سبق ألا ينشر أي شيء من هذا النوع، فقد قال (في إشارة إلى هوك بالتأكيد): «لقد لاحظت أن عقول العلماء العظماء تتجه لوضع الفرضيات بشكل كبير، وكأن أحاديثي [افتقرت] لفرضية تفسرها.» وقال في تفاؤل إنه يأمل أن يضع ذلك حدًّا للنزاعات الدائرة حول عمله.

بحسب هذه الأطروحة، فإن الأثير هو سبب العديد من أنواع الظواهر الأرضية وليس الهواء. فالأثير أكثر خلخلة ورقة و«مرونة» من الهواء، وهو مزيج مركب يتألف «في جزء منه من الجسم البارد الأساسي للأثير [و] في جزء آخر من «الأرواح الأثيرية»» المتعددة الأخرى، مثلما يتألف الهواء من الجسم الأساسي للهواء ممتزجًا ﺑ «أبخرة وانبعاثات». وقد كانت حقيقة أن الأثير يمكنه أن يخلق ظواهر متنوعة؛ مثل الكهرباء والمغناطيسية، دليلًا وافيًا على طبيعته المركبة. وخمَّن أنه ربما تكون «الطبيعة» بأكملها قد تكونت من توليفات من الأرواح الأثيرية أو الأبخرة التي تكثفت بواسطة الترسيب. وقد خلق الله الأشكال الأصلية للطبيعة مباشرةً، لتستمر في التكون بعد ذلك بقوة الطبيعة ذاتها. وأردف نيوتن (مسترجعًا لغة أطروحته الخيميائية) أنه بقوة الأمر الإلهي «ازدادي وتكاثري»، «أصبحت الطبيعة محاكيًا تامًّا للنسخ والنماذج التي تكونت منها بواسطة البروتوبلاست».

وصف نيوتن تجربة بسيطة ألقت الضوء على طبيعة الكهرباء، واستحضرت مجددًا فكرة التكاثف. تضمنت التجربة فركًا قويًّا لقطعة زجاج مستديرة محاطة بالنحاس حتى تقفز القطع متناهية الصغر للورقة التي تقع أسفل قطعة الزجاج، «متحركة بخفة جيئة وذهابًا». واستمرت قطع الورقة في «القفز» حتى بعد توقف الفرك، قافزة في كل اتجاه بينما استقر بعضها على الجانب السفلي من الزجاج لفترة وجيزة. وقد كتب نيوتن أنه قد ظهر واضحًا وجود «مادة دقيقة» في الزجاج تخلخلت وانطلقت منه، مكونة نوعًا من الريح الأثيري. بعد ذلك، تكثفت مرة أخرى وعادت إلى الزجاج، مما أحدث الجذب الكهربي الذي جذب الورقة إلى جانبها السفلي.

بعد عشر سنوات من تأملاته الأولية البسيطة عن الموضوع، منحت «الفرضية» نيوتن أيضًا الفرصة للتصريح بأفكاره عن الأسباب المحتملة للجاذبية. فمن الممكن أن تكون ناتجة عن التكاثف المستمر لطبيعة ما «دبقة، ولزجة، ومرنة» مناظرة لذلك الجزء من الهواء الذي يدعم الحياة. قد تكون تلك الروح قد تكاثفت في أجسام مختمرة أو محترقة وسقطت كأشعة جاذبة داخل تجاويف الأرض، مكونة «مادة رخوة ربما تكون فيما يبدو العصارة المغذية للأرض أو المادة الأولية التي تنمو منها الأشياء القابلة للتوليد». بعد ذلك، تطلق الأرض تيارًا صاعدًا من الانبعاثات الهوائية، تصعد بعد ذلك إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، حين «ترقق» المادة مجددًا «وتعود إلى أساسها [الأثيري] الأول». وقد أشار نيوتن، مكررًا المصطلحات من النص الخيميائي، إلى أن الطبيعة بذلك كانت «عاملًا دورانيًّا مستديمًا»، إذ تحول السوائل إلى أجسام صلبة، والمادة النقية إلى مادة «أكثر كثافة»، وجميع الأشياء إلى مضاداتها ثم تعيدها مرة أخرى إلى حالتها الأولى. وعلى نطاق أكبر، قد تلعب الشمس دورًا محوريًّا في نفس الظاهرة، متشربة الأثير «للحفاظ على إشراقها» لمنع الكواكب من الهرب.

كان الأثير — في رأي نيوتن — السبب وراء وقوع معظم الظواهر الأرضية، إذ يستحث أنشطة مثل: التخمر، والتحلل، والانصهار، والانعكاس، والانكسار. وعلى نحو أكثر تأملًا، رأى نيوتن أن ذلك قد يفسر «تلك الإشكالية المحيرة»، التي هي تحديدًا القدرة على تحريك المرء لجسده، مع انقباض وتمديد العضلات وفقًا للكيفية التي يكثف بها المرء الأثير الذي يتخللها أو يمدده. ولا شك أن هذه النظرية كانت أساس النقاش الذي خاضه مع بويل في الربيع الفائت بشأن ثقب الأثير، إذ اقترح نيوتن أن يحاول بويل إجراء مزيد من تجارب ضخ الهواء على العضلات. وعلى الرغم من حقيقة أن الماء غير قابل للانضغاط، نجح بويل في سحق فرخ ضفدع، في إشارة إلى أن «عصاراته الحيوانية»، ربما مع الأثير المخلخل في مسامه الدقيقة، يمكن تقليصها (وتمديدها). بل إن نيوتن قد عدَّل مفهوم بويل عن «مرونة» أو مطواعية الهواء، ليضع فرضية تفيد بأنه في المواقف الطبيعية، لا بد أن يوجد قدر معين من الأثير الطيع أو «المرن» داخل أي جسم لكي «يدعم ويوازن» ضغط الأثير الخارجي.

في فترة ما في نهايات سبعينيات القرن السابع عشر، أو على الأرجح بدايات الثمانينيات، ألف نيوتن نصًّا استثنائيًّا («عن الجاذبية وتوازن السوائل»، والمعروف الآن باسم «الجاذبية»)، جادل فيه بقوة ضد فكرة ديكارت عن أن الحركة لا يمكن قياسها إلا بالمقارنة بالأجسام المحيطة. وفيما يتعلق بنقاشنا، فإن الأمر الرائع هو جدال نيوتن حول أن الفراغ الخاوي ممتلئ بأشكال «محتملة» مختلفة قادرة على «احتواء» أجسام مادية من نفس الحجم (ولكنها ليست مشابهة لها كما كان ديكارت يزعم). فالفراغ برمته كان من صنع الله، ولكنه لا يماثله، إذ إن مَن خلق قادر على جعل فراغات بعينها غير قابلة للاختراق، أو عكس الضوء بطريقة معينة، ومن ثم خلق أجسام ملموسة: «إنه نتاج عقل إلهي يُدرَك في كم محدد من الفراغ». ووفقًا لنيوتن، فإنه يمكن تحقيق كل ذلك بفعل التفكير والمشيئة الإلهيين لا أكثر، وهو شيء مناظر للطريقة التي نحرك بها أجسامنا وقتما نشاء. وخلص إلى أنه إذا كانت طريقة تحريك أجسامنا معروفة لنا، «فإن نفس النمط من التعقل والتفكير من المفترض أن يعرفنا أيضًا كيف يمكن أن يحرك الله الأجسام». وعلى الرغم من الاختلافات العديدة بين الله والإنسان، فإننا جميعًا في النهاية خُلقنا على هيئته. وكما سنرى، فقد ظهرت نسخة أعظم من هذه النظرية في كتاباته المهمة في القرن الثامن عشر.

وبتبيان كيفية تحكم المخلوقات في عضلاتها، ربما يكون سحق أفراخ الضفادع قد ألقى بعض الضوء على العلاقة بين العقل والجسد. لقد كانت الطريقة التي سيطرت بها الروح على الكثافات النسبية للسوائل المتدخلة في الحركة العضلية معقدة وصعبة، ولكن نيوتن أقدم بشجاعة على طرح عدد من الفرضيات في هذا الصدد. وكان محور رؤيته هو نظريته القائلة بأن عصارات الحيوانات احتوت على «الأرواح الحيوانية» الأثيرية، التي لم تهرب عبر مسام الطبقات الخارجية للمخ والأعصاب والعضلات. وذهب نيوتن إلى أن السبب في هذا هو أن أجزاءً معينة من الجسم كانت أكثر أو أقل ميلًا لإيواء هذه الروح بمقتضى حقيقة أنه كان هناك «أساس سري للاندماج» أو «التنافر» الأثيري بين مختلف المواد. وقد أتاح ذلك للروح البقاء في بعض أجزاء الجسم دون الأخرى، والنظرية نفسها ربما تفسر لم ظلت الدوامات الشمسية والكوكبية منفصلة. ففي حالة الجزيئات الهوائية، حسبما أشار، من الممكن أن يكون هناك عنصر ثالث قد أُدخل لجعل المواد التي كانت «غير مندمجة» معًا فيما سبق، مندمجة إحداها مع الأخرى. فهل كان يمكن للروح ألا تتفاعل مع الأثير بنفس الطريقة من خلال إدخال شكل مختلف من الأثير ربما يجعل الأرواح الحيوانية للعضلات وطبقاتها الخارجية مندمجة أو غير مندمجة معًا؟

على أكتاف هوك

في مواجهة مباشرة للنظرية الواردة في كتاب «ميكروجرافيا» لهوك، علَّق نيوتن في أطروحة «الفرضية» بأن الضوء لم يكن الأثير في حد ذاته، ولا حركته المتذبذبة، ولكنه «شيء ما» — لم يصرح بماهيته تحديدًا — يُفرز من أجسام مضيئة. وثمة «مبدأ حركة» عمل في البداية على تسريع الضوء بعيدًا عن هذه الأجسام، ولكن نيوتن مرة أخرى لم يصرح ما إذا كان السبب وراء هذا «ميكانيكيًّا» أم كان قد تحقق بوسيلة أخرى، ربما تكون مشابهة لمبدأ الحركة الذاتية الذي غرسه الله في الحيوانات.

وأردف قائلًا إن الضوء والأثير قد أثر أحدهما في الآخر، حيث الأثير يكسر الضوء، بينما الضوء يؤثر على الأثير لتوليد حرارة. كذلك ربما يكون الضوء قد جعل الأثير يتذبذب، مرسلًا ذبذباته في شكل سلسلة عبر جسم أكبر بنفس الطريقة التي يمكن بها للطرق على طبلتين أن يحفز الهواء ليتذبذب. وقياسًا على الطريقة التي ينتج بها الهواء المتذبذب الصوت، يمكن أن تنتج الألوان المتعددة عن طريق ذبذبات تُطلق في «ألياف» العصب البصري. وأقوى الذبذبات من شأنها أن تنتج أقوى الألوان، بل إن نيوتن افترض إمكانية تحليل الضوء وفقًا للطريقة التي «قُسِّم» بها الصوت إلى نغمات. وقد ورد بالفعل في هذا البحث أن نيوتن قد اقترح لأول مرة علانيةً (بناءً على خطوط رسمها أحد أصدقائه) تقسيم الطيف إلى سبعة ألوان، مرة أخرى بالقياس على الأوكتاف. وأخيرًا، حاول نيوتن أن يشرح كيف ظهرت الحلقات متحدة المركز في شرائح رفيعة، وكذلك كيفية حيود الضوء. وقد أثار حيود الضوء خلافًا في اجتماع الجمعية الملكية في ربيع عام ١٦٧٥ حيث أثار هوك الموضوع، إذ أكد نيوتن أن ذلك مجرد شكل من أشكال الانكسار، فيما أكد هوك أنه إذا كان كذلك، فهو نوع جديد. غير أن نيوتن أشار في «الفرضية» إلى أنه قد قرأ أن جريمالدي قد أجرى بعض التجارب على حيود الضوء قبل هوك بزمن.

وفي خطاب أُرسل بعد أسبوع من إرسال «الفرضية»، وصف نيوتن تجارب كهربية أخرى يمكن إجراؤها بالزجاج وقطع الورق. وقد أثارت هذه التجارب فيضًا من الاستنساخات الناجحة، ولعل من علامات تأثير نيوتن وإبداعه أن هذه الملاحظات المرتجلة عن الظواهر الكهربية خلفت تأثيرًا عميقًا على مدار العقود الأربعة التالية. وكان من اهتمامات نيوتن الأكثر إلحاحًا، النزاع الناشئ مع هوك حول الظواهر البصرية. فلدى قراءة الجزء الثاني من «الفرضية» في يوم ١٦ ديسمبر، وقف هوك وأشار إلى أن معظم مذهب نيوتن قد ورد في كتابه «ميكروجرافيا»، وأن نيوتن طوره فقط بإضافة «بعض التفاصيل». وعندما سمع نيوتن بهذا، رد لأستاذ كلية جريشام في اتهاميه المزدوجين له بالتزييف والسرقة الأدبية الصاع صاعين. فقال نيوتن إن وصف هوك للسبب الأثيري للظواهر البصرية في «ميكروجرافيا» لم يختلف إلا قليلًا عن الأسباب التي وجدت في أعمال ديكارت «وآخرين»، وأنه قد «استعار» العديد من مذاهبهم، مطورًا إياها فقط بتطبيق نسخته من النظرية على ظاهرتي الشرائح الرفيعة والأجسام الملونة.

وواصل نيوتن حديثه بأن القاسم المشترك بينه وبين هوك كان ضعيفًا، ما عدا المفهوم العام بأن الأثير يهتز، وبعدها افترض هوك أن الضوء مماثل للأثير المهتز، بينما لم يعتقد نيوتن ذلك. فشرح الانكسار والانعكاس، وكذلك الطريقة التي تنشأ بها ألوان الأجسام الطبيعية، على نحو مختلف تمامًا عن هوك، والحق أن تجارب نيوتن على الشرائح الرفيعة «تدحض كل ما قاله عنها». قُرئ هذا الخطاب في اجتماع للجمعية في ٣٠ ديسمبر، وبعد يومين أنشأ هوك — على إثر شعوره بالاستياء من نيوتن وأولدنبرج بلا شك — «ناديًا فلسفيًّا» (ضم حلفاء أمثال كريستوفر رين)، حيث كرر اتهامه بأن نيوتن قد أخذ مادة علمية ونظريات بالجملة من «ميكروجرافيا».

وحين قرئ خطاب آخر من نيوتن في الجمعية الملكية في ٢٠ يناير ١٦٧٦، هرع هوك على الفور لكتابة خطاب استرضائي له، متهمًا أولدنبرج بإثارة المشاكل بينهما. وكان يعلم ما أراد نيوتن أن يسمعه، متعللًا بأنه يبغض الجدال والتشاحن عبر المطبوعات، ومؤكدًا أنه يجل «الأبحاث الممتازة» لنيوتن. ومثل التعليقات الأخرى في الخطاب، كان ادعاؤه بأنه سعيد برؤية نيوتن «يطور ويحسن» الأفكار والنظريات التي بدأها قبل ذلك بكثير، ولكن افتقر الوقت لإكمالها؛ سلاحًا ذا حدين. ولكن على الرغم من وجود تعليقات أخرى في هذا الشأن، فقد أغدق هوك بالإطراء على قدرات نيوتن، التي قال إنها فاقت قدراته إلى حد كبير. وأنهى خطابه بقول إنه سوف يكون سعيدًا بالانخراط في مراسلات خاصة مع نيوتن، لإبداء اعتراضاته في خطابات شخصية إذا حاز ذلك قبولًا لديه.

كان ذلك هو السياق الذي كتب فيه نيوتن خطابه الشهير الذي قال فيه إنه لو كان قد طوَّر الأفكار وذهب بها لمدى أبعد، فإن ذلك يرجع لوقوفه على أكتاف عمالقة. وأخبر هوك أن المراسلات الخاصة ستكون أقرب للاستشارات، وأنه يقبلها بل ويرحب بها، إذ إن «ما يتم على مرأى العديد من العيان نادرًا ما يخلو من اهتمامات أخرى خلاف العثور على الحقيقة». وبعد أن عكس موضوع خطاباته ليسلطه نحو أولدنبرج، راح يثني على ما أنجزه هوك بعد ديكارت، مشيرًا إلى أنه من المحتمل أيضًا أن يكون هوك قد أجرى تجارب لم يجرها هو نفسه. ومن الممكن قراءة الجملة الأخيرة — مثل كثير من التعبيرات التي كان طرفا هذا الحوار يتراشقانها — بمعنيين، وأيًّا كانت المصالحة التي تمت بينهما، فقد دامت لأربع سنوات بالكاد.

بعد بضعة أشهر من انتهاء هذا الصدام المحرج مع هوك، كتب نيوتن إلى أولدنبرج بشأن خطاب كان قد نُشر مؤخرًا دون توقيع، كتبه بويل عن موضوع الزئبق الخيميائي، الذي عمل على تسخين الذهب المصهور حين مُزج معه. وعلى الرغم من أن نيوتن قد تشكك في أن يكون الزئبق قد أثر على الذهب بواسطة جزئيات معدنية «أكثر كثافة»، ومن ثم قد لا يكون له أي فائدة في العمليات الطبية أو الخيميائية، فقد أشار إلى أن بويل قد أحسن صنعًا بعدم نشر المزيد عن هذا الموضوع. والواقع أن ذلك ربما كان «مدخلًا لشيء أكثر نبلًا، ولا يمكن تداوله دون أن يخلف دمارًا هائلًا على العالم إذا كان من المفترض أن يكون هناك أي صدق أو حقيقة لدى الكتَّاب الهرمسيين». وكان على بويل أن يأخذ بنصيحة «فيلسوف هرمسي حقيقي»، والذي سيكون رأيه أكثر قيمة من رأي أي شخص آخر؛ «فهناك أشياء أخرى إلى جانب تحويل الفلزات (إذا كان هؤلاء المدعون العظماء يتفاخرون بغير ذلك) ما من أحد غيرهم يفهمها». وقد انتقد فيما بعد بويل لصراحته الزائدة و«توقه للشهرة»، وهي ملاحظة تشير جزئيًّا لهذه الواقعة بالتأكيد.

تفسير خيميائي لنشأة الكون

في فبراير من عام ١٦٧٩، كتب نيوتن إلى بويل بخصوص مناقشة أجرياها فيما سبق حول فكرة «السمات الفيزيائية»، على الأرجح خلال زيارته في ربيع عام ١٦٧٥. ولا شك أن هذا الخطاب قد استقى من أبحاثه الخيميائية، وإن كان أيضًا قد ارتبط بالآراء الفلسفية الأكثر تقليدية (وفي مواضع كثيرة كان ملخصًا لها)، تلك الآراء التي أبداها في «الفرضية» الصادرة عام ١٦٧٥. أخبر نيوتن بويل أن هناك أثيرًا مرنًا ينتشر عبر الغلاف الجوي، وكرر تعليقاته التي أوردها في «الفرضية» لعلها تستطيع تفسير العديد من الظواهر العادية. ومرة أخرى، استحضر نظريته عن «الاندماج» لتفسير حاجة بعض الفلزات لمعالجتها بواسطة «وسيط ملائم» من أجل الامتزاج بالماء أو الفلزات الأخرى. وثمة أجزاء أخرى من الخطاب استقت من أعماله الخيميائية، وقد أخبر بويل أنه بدراسة كيفية تكوُّن المكونات الهوائية عن طريق التخمر المستمر لأعماق الأرض، لم يكن من السخف الاعتقاد بأن الجزء الأكثر ثباتًا وبقاءً من الغلاف الجوي كان فلزيًّا. وقد كان هذا هو «الهواء الحقيقي»، الذي جُعِل فوق الأرض مباشرة وأسفل الأبخرة الأخف عن طريق ثقل جزيئاته الفلزية. غير أنه ليس الجزء الواهب للحياة من الهواء، و«لا يمنح الكائنات الحية أي تغذية إذا سلبت منه الانبعاثات والأرواح الأكثر رقة التي تنتشر بداخله». وكان التأنق الأخير له في هذا الخطاب عبارة عن فقرة عن الجاذبية، والتي شرحها بالاستعانة بنظريته عن الأثير.

كان نيوتن على مدار معظم مشواره المهني شديد الإخلاص — وإن كان ذلك في الخفاء فقط في معظم الأحيان — لكل من الفرضيات الأثيرية ولبرنامجه الخيميائي. فقد أجرى تجارب بنشاط بالغ في أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن السابع عشر، وعاد إلى الموضوع ما أن فرغ من تأليف كتاب «المبادئ الرياضية» في ربيع عام ١٦٨٧. وكان معظم عمله يتضمن تنظيم وتقييم جودة النصوص المختلفة، ولكن نوبة جديدة من النشاط التجريبي حدثت في بدايات تسعينيات القرن السابع عشر، حين عمل صديقه فاتيو دي دويلير كوسيط بين نيوتن وبين الخيميائيين المقيمين في لندن. ويبدو أن موجة التجريب النشط قد تلاشت حين ذهب إلى لندن في أواخر تسعينيات القرن السابع عشر، ولكنه ظل ملتزمًا باستقصاء ودراسة الأفكار المحورية داخل إطار التقاليد الخيميائية والرؤية الخيميائية الأساسية القائلة بأن الطبيعة مليئة بنشاط دقيق ولكنه قوي.

تكشفت من حين لآخر لمحات من برنامجه الخيميائي للآخرين. ففي أواخر عام ١٦٨٠، حين انخرط نيوتن في سلسلة ممتدة من التجارب الخيميائية، اتجه توماس بيرنيت بكلية كرايست بجامعة كامبريدج إلى أفضل الفلاسفة الطبيعيين بكامبريدج لاستشارته بشأن الكيفية التي خلق بها الله الأرض من خلال وسائل طبيعية. وقد كان كتاب «النظرية المقدسة عن الأرض» لبيرنيت الصادر عام ١٦٨١ أول عمل في مجال اللاهوت الطبيعي يكتسب شهرة في أواخر تسعينيات القرن السابع عشر، وكان في ذلك الوقت قائمًا على فلسفة كتاب نيوتن «المبادئ الرياضية».

أخبر نيوتن بيرنيت أن خلق الجبال والمحيطات ربما حدث في البداية إما بفعل حرارة الشمس، أو بفعل ضغط الدوامات الأرضية والقمرية على المياه القديمة الموجودة منذ بداية الخلق. فانكمشت الأرض في اتجاه خط الاستواء، مما جعل المناطق الاستوائية «أكثر تقعرًا»، ومن ثم سمح لمياه المحيطات بالتجمع هناك. إضافة إلى ذلك، كانت تلك الأيام الأولى تمتد لفترة أطول كثيرًا من الأيام في عصرنا الحديث، مما أعطى عملية الخلق مدة كافية لتصبح ما هي عليه اليوم تقريبًا. ولاستيعاب كيف أصبحت حالة اللاتكوُّن البدائية القديمة متمايزة إلى تلال وتجاويف، عاد إلى تحليل بحثه عن «إنبات الفلزات»، والذي سجل فيه أن المواد الصلبة غالبًا ما كانت تتشكل في صورة محاليل، كما حدث عندما ذاب الملح الصخري في المال وتبلور إلى قضبان طويلة من الملح. بخلاف ذلك، فقد أدى جفاف وانكماش الأجزاء الأخرى من حالة اللاتكوُّن تحت تأثير حرارة الشمس إلى ترك قنوات تتيح للماء الهبوط إلى أسفل الأرض، وتتيح «للأبخرة تحت الأرضية»، مثل ينابيع الماء الحار و«الأدخنة» في المناجم الصعود من الأعماق.

وفي إسهام مهم لنيوتن في تفسير الإنجيل، انتقد أيضًا وصف بيرنيت للكيفية التي ينبغي بها فهم الوصف الموسوي للخلق. فلم يكن يُعتقد أن وصف خلق النورين الكبيرين (أي الشمس والقمر) والنجوم في اليوم الرابع يشير ضمنًا إلى أنهما قد خُلقا بالفعل في ذلك اليوم، ولا أن موسى قد وصف حقيقتهما الفيزيائية؛ «فالبعض منها أكبر من هذه الأرض، وربما من عوالم صالحة للسكن، ولكنه وصفها فقط كأنوار تضيء هذه الأرض». وقد تبنى نيوتن نهجًا مشابهًا للوصف الموسوي للضوء الذي خُلق في اليوم الأول للخلق. وعلى الرغم من أن موسى قد «واءم» لغته لكي تتناسب مع القدرات الإدراكية للجهلاء، فلم يكن الوصف مختلقًا. فقد ذهب نيوتن إلى أن وصفه للخلق لم يكن «فلسفيًّا أو ملفقًا» ولكنه كان «حقيقيًّا» — «فلم تكن مهمته تصحيح مفاهيم العامة في الأمور الفلسفية»، بل كانت «مواءمة وصف للخلق بشكل جذاب وجميل قدر الإمكان ليتناسب مع إدراك وقدرات العامة».

وفضلًا عن تلميحه إلى بيرنيت في الخطاب، ذكر نيوتن أيضًا أن وجود عوالم أخرى لم يكن أمرًا غير قابل للتصديق وذلك في خطاب بعثه إلى ريتشارد بنتلي في بداية عام ١٦٩٣. كذلك تشير مفكرة «الأسئلة الفلسفية» إلى أنه حين كان طالبًا كان يؤمن بتلك النظرية المتطرفة التي تنص على أنه بعد أي حريق هائل، يكون هناك «تعاقب للعوالم»، وفي عام ١٦٩٤ أخبر ديفيد جريجوري أن المذنبات لها وظيفة إلهية خاصة، وأن الخالق قد احتفظ بمخزون من أقمار المشتري من أجل خلق جديد.

في حوار غير معتاد مع جون كوندويت في نهاية حياته، أخبره نيوتن أن الضوء والمواد الأخرى التي تطلقها الشمس قد التحمت معًا في شكل قمر، ثم في شكل كوكب من خلال جذب مواد أخرى، ليصبح في النهاية مذنبًا يعود مرة أخرى إلى الشمس ليعيدها إلى حالتها مجددًا. وأضاف أن هذا المذنب قد يكون تمامًا مثل مذنب عام ١٦٨٠ الكبير الذي اصطدم بالشمس لاحقًا في المستقبل القريب. وعندما عاد المذنب إلى الشمس، زاد من حرارتها على نحو هائل إلى حد «احتراق هذه الأرض وسلب قدرة أي حيوانات على البقاء حية»، وهو حدث فسر فيما يبدو ظهور المستعرات العظمى (السوبر نوفا) التي شوهدت في عامي ١٥٧٢ و١٦٠٤. ربما يكون كل ذلك قد أدير بواسطة «كائنات ذكية» أسمى تعمل بتوجيه من الله. وأردف نيوتن أن وجود الإنسان على الكوكب كان محدودًا، وأشار ضمنًا إلى أن القوة الإلهية ربما تكون قد «أعادت إعمار» الكوكب. بعد ذلك، أشار كوندويت إلى فقرة في كتاب «المبادئ الرياضية»، أشار فيها نيوتن إلى استعادة النجوم لحالتها بواسطة المذنبات، وسأل نيوتن لماذا لم يوضح تداعيات ذلك على مستقبل نظامنا الشمسي؟ ولما كان موضوع نهاية العالم موضوعًا مسليًا بوضوح، فقد علَّق نيوتن في لحظة عبث نادرة بأن هذا الأمر «يهمنا نحن أكثر، وأضاف ضاحكًا أنه قد قال للناس ما يكفي لمعرفة ما يعنيه».

هوامش

(1) © The Dibner Institute, Cambridge, Mass.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤