نماذج من الأساطير التوراتية ومدخل إلى فهم دورها التاريخي

(١) مقولات تمهيدية

في ذلك اليوم، قطع الرب مع إبرام ميثاقًا قائلًا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.

(سفر التكوين، ١٥: ١٨)

لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل.

المسيح (إنجيل متى، ٥: ١٧)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.

(سورة البقرة: ٤٧)

ولسنا ننقل من الإسرائيليات، إلا ما أذن الشارع في نقله.

ابن كثير، البداية والنهاية١

إنه ليس من شيء يستطيع أن يبقي الحركة الصهيونية حية وفاعلة، إلا بالإيمان الراسخ … وإن هذا الإيمان يجب أن يتركز على فلسطين، وفلسطين وحدها. وإن أي انحراف عن فلسطين، يكون بمثابة الكفر بهذا الإيمان.

حاييم ويزمان: المذكرات٢

إن الحركة الصهيونية تناضل من أجل فكرة عظيمة، وتمثل تراثًا عظيمًا يكن له الغرب المسيحي أعظم تقدير.

لويد جورج: المذكرات٣

والخضوع الروحي لأمة أخرى هو شر أنواع الاستعمار.

د. جواد علي، المفصل٤

(٢) تأسيس ١

حوالي منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، وقت كانت مصر قد تحولت إلى دولة عظمى على الكوكب الأرضي، منذ ما يزيد على خمسة عشر قرنًا من الزمان، ووقت كانت فيه بلاد العراق القديم قد انتقلت من نظام الدولة المدينية المتعددة، إلى دولة مركزية كبرى تتالت على الحكم فيها عدة دول تركت بصماتها الحضارية في وادي الرافدين، من السومريين إلى الأكاديين إلى الآشوريين، ووقت بدأ الكنعانيون في فلسطين يتحولون عن نظام المشتركات المعبدية إلى نظام الدول المدينية، على شكل ممالك صغيرة متجاورة، بينما شرع فرعهم الشمالي على الساحل اللبناني، والمعروف بالفينيقي، يشرع أشرعته على البحر ليغزو عالمه المجهول، ويقيم مستعمرات متفرقة على سواحله حتى الأطلسي غربًا، في هذا الوقت من الزمن، وفدت إلى بادية الشام موجات بدوية متبررة من البوادي البعيدة،٥ تتدافع متلاطمة على صفحة المنطقة فيما عرف بالقبائل الآرامية. وحين كانت الموجات الآرامية لم تزل في طور التدفق ترسل قرون استشعارها من بادية الشام، تتحسس ما حولها في بلاد الخصب، برز من رغاء بطونهم وأفخاذهم تلك القبيلة التي حطت رحلها، عطشى جوعى، شرقي فلسطين، وحل لها تعدد الأسماء، فعرفها التاريخ باسم العبريين، وبني إسرائيل، وشعب الله المختار، يدفعهم الطمع إلى الجموح في الطموح؛ للاستيلاء على مناطق الخصب الشاسعة من حولهم.

وعلى العادة البدوية، تصوروا أن بالإمكان الإغارة كرًّا وفرًّا، وفق التقاليد البدوية العتيدة، وأخلاقيات السلب والنهب، لكنهم وجدوا أنفسهم هذه المرة إزاء نوع جديد من النظم لم يألفوه، أمام دول وممالك وحضارات كبرى، ذات جيوش منظمة وحكومات مركزية، تتحرك كل أطرافها للعمل بمجرد أن يجذب الملك طرف الخيط داخل قصره؛ مما جعل الجوعى القادمين يتوقفون للتفكير مليًّا في الوسائل المناسبة؛ لاختراق هذه الأسوار المنيعة، والأنظمة الصارمة، فاستكانوا على حدود الممالك المجاورة، وتعاملوا كمحطات إنذار مبكر لهذه الممالك إزاء أي تحركات متبررة حولها من بني جنسهم، مقابل ما تفيض به عليهم هذه الممالك من خيرات.

ومع الاحتكاك بهذه الحضارات المنتظمة في سلك المركزية، اهتدى القادمون وأدركوا، مبكرين، أن صروح الحضارة لا تخرج فجأة من الأرض بلا منابت أو جذور (وهم لا يملكون أيًّا من مقوماتها)، فقيام الكيانات المركزية يحتاج إلى تماسك لا يتيسر للنظام الاجتماعي البدوي بفرقته، ويحتاج إلى تكاتف جهود العمل البشري المتسق في خطط منظمة، يصعب على الطبع البدوي في تفرقه استلهامه أو حتى استيهامه، إضافة إلى ما هو أهم من كل هذا، وأول مقومات الكيان المتماسك هو الأرض؛ ومِن ثَمَّ كان لا بد من أرض أولًا، إلا أن الاستيلاء على أرض متكاملة البنيان الحضاري، جاهزة للتسليم، أمر غير ميسور تقف دونه هممهم؛ لذلك توجه همهم نحو خطة طويلة النفس، تعتمد على التسلل الهادئ والبطيء من أضعف الثغرات الممكنة في المنطقة، ولم يكن هناك أمثل من مجموعة الممالك الكنعانية؛ ليستقروا فيها كمواطنين من الدرجة الثانية، وكعصابات مأجورة على الحدود أحيانًا، وآنها بدأت الأرض تتماسك من تحتهم وتلتئم وتتكون، وفق الخطة لقيام الكيان. والكيان ليس فقط أرضًا تجود بشبع البطون، وتئوي الجسد المنهك من ارتحاله وراء الكلأ، إنما هو أيضًا تراث وراسب لخبرات قديمة وعلاقات بالأرض وطبعها وطبيعتها، وناتج جدول زمني طويل بين الإنسان وبين هذه الأرض، فهو أيضًا تاريخ، ووعي بهذا التاريخ. وهنا لا مندوحة من الاعتراف لهؤلاء الغبر الشعث أنهم كانوا الأصدق وعيًا بالتاريخ في المنطقة، وظلوا مفتحي الأعين والأذهان دائمًا عليه، بينما كانت المنطقة في طريقها إلى غفوات متلاحقة انتهت بسباتها الطويل الحالي.

ومن هنا أخذ هؤلاء في تمثل تراث المنطقة، والتراث الكنعاني بشكل خاص، وهضموه بجودة عالية، ثم بدءوا إعادة صياغته بشكل جديد، بما يخدم مصالحهم الآنية أوانها، والمستقبلية أيضًا، بوعي نفاذ لهذا التاريخ ودوره، مستثمرين في ذلك العملة صادقة الرنين، أقصد «الدين».

وبالدين كانت بداية تاريخهم، الذي لم يكن تاريخهم أصلًا، وبالدين كانت بداية وجودهم كشعب يحمل تراثًا عريقًا «يكن له الغرب أعظم تقدير» على حد تعبير لويد جورج. وبالدين كانت بداية لغتهم بعد أن تحولوا عن آراميتهم الأصلية إلى اللغة الكنعانية، إمعانًا في المصداقية مع الوعي بتمثل التراث والتلاحم التاريخي، وهو ما اعترف به الكتاب المقدس، إذ أوضح، بلا التواء، برغم التواءاته ومنحنياته الخطيرة، أن اللغة العبرية هي «شفة كنعان»، أو لسان كنعان (إشعياء، ١٩: ١٨). وبالدين وتفهمهم لدوره، وإمكانياته التي لا تنفد، كانت بدايتهم كأصل للتدين، فاحتكروا النبوات جميعًا في نسلهم وأصلابهم، وليس هناك شهادة لهم بالتفوق الأكيد سوى التسليم لهم بهذا الاحتكار، برغم أنهم بدءوا من ديانات المنطقة — كما سنرى — لكن بعد أن أدخلوا عليها دبلجة وبرمجة ذكية، فتحولت إلى دين يجمع من المتنافرات هجينًا عجيبًا، يزداد عجبه عندما نجد العقول تقبله أحسن القبول؛ ليصبح صاحب السيادة على عقل المنطقة بلا منازع.

وقديمًا، وحديثًا، وربما لأمد مقبل، كان الدين هو الأسلوب الأكثر فعالية وعملية. وقد تمكن العبريون من التضلع في فنونه، واستثمروه وفق برامج جدوى عالية الكفاءة والجودة، مع انتهاز لماح لكل ما يطرأ في المنطقة من تغيرات على مختلف الأصعدة؛ لنشر القناعات المطلوبة بين أهلها، ومن هنا نفهم لماذا كانوا في عجلة من أمرهم لوضع كتاب مقدس BIBLE، جمعوا له حشدًا من كل ما وقع تحت أيديهم من ميثولوجيا المنطقة وتراثها، مع التدخل بما يلزم وقتما لزم الأمر، فكان هذا الكتاب مأثرتهم الوحيدة، لكنه كان الأوحد الثابت، بعد اندثار الحضارات الأصلية، وانقطاع أهلها عن تاريخها، بينما كانت للمقدس العبري منهلًا ومنبعًا، بحيث أثبت صلابة لا تبارى، لا نجد لها سببًا سوى الوعي بالتاريخ والتواصل معه.

(٣) تأسيس ٢

وهكذا؛ وبعد أن تمكن العبريون من تهويد تراث المنطقة، وجعلوا جماعتهم وأسلافهم قطب الدائرة في كتابهم، فنسبوا بطولات الملاحم القديمة إلى آبائهم الأوائل أحيانًا، وأدرجوا الأبطال في الميثولوجيا القديمة للمنطقة ضمن النسل العبراني أحيانًا أخرى، أو غالبًا ما كانوا يختارون البطل أيًّا كان جنسه، ثم يصوغون له شجرة نسب تولِّده من أسلافهم، فكان أن تلاحقت على صفحات الكتاب ثقافات شتى، أولدت هجينًا تعشقت فيه رواسب شعوب المنطقة، وأدى فيها اليهود دور البطولة المطلقة.

ولعله من نافلة القول، وتكرار المعروف، أن هذا الكتاب لا يعد بحال مصداقًا لما اصطلح على تسميته ﺑ «كلمة الله الثابتة». ولدينا، وبين أيدينا، في مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس، الصادر سنة ١٩٦٠م إقرار واضح يقول: «ما من عالم كاثوليكي في عصرنا، يعتقد أن موسى نفسه كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع النص الذي كتبه عديدون بعده، بل يجب القول: إن ازديادًا تدريجيًّا حدث، سببته مناسبات العصور التالية، الاجتماعية والدينية.»

ومعلوم أيضًا أن الباحثين التوراتيين قد اختلفوا فيما بينهم حول ضبط جمع مادة هذا الكتاب وتوقيتها، وأنه لم يكتب بيد مؤلف واحد في عصر واحد لجمهور واحد، بل قام بهذه المهمة مؤلفون كثيرون، في عصور متباينة، لجماهير تتباين مزيجًا ومزاجًا، حتى امتدت هذه التفانين إلى أكثر من ألف عام، وقدر البعض تاريخ الانتهاء منها حوالي ٤٤٠ق.م.٦ وربما في تقدير آخر، حتى القرن الأول قبل الميلاد.٧
ولعل أشهر المدارس البحثية في التوراة، وهي مدرسة «فلهاوزن Willhaesen»، التي أكدت أن تصانيف التوراة قد بدأ جمعها بعد عهد «موسى» بقرون، وأن الجُمَّاع والمصنفين كانوا مختلفين مزاجًا ومشربًا، ودللت على ذلك بأدلة مهمة، لعل أخطرها ولا يقبل جدلًا، أن اسم الإله وطبيعته وعلاقته باليهود، يختلف ما بين سفر وآخر، إضافة إلى تكرار القصص في الأسفار؛ مما يشير إلى أن المصنفين لم يلتقوا معًا، ليصفوا ما بينهم من خلافات حادة في التفاصيل. هذا مع فروق واضحة وعميقة إلى حد التنافر التام في اللغة والأسلوب بين هذه الأسفار.٨ أما النسخة العربية، فتؤكد على غلافها أنه «قد ترجم عن اللغات الأصلية، وهي العبرانية «أصلًا الكنعانية»، واللغة الكلدانية «وما تحمله من تراث رافدي طويل»، واللغة اليونانية «وما حملته من علوم جامعة الإسكندرية وتراثها المصري العريق».»
وقد ساعد اليهود على الإحاطة بشكل واسع بتراث المنطقة وتحميله للتوراة، أن هناك ظروفًا أدت إلى ارتحالهم في مناسبات مختلفة إلى الرافدين وإلى مصر؛ مما أدى إلى زيادات وتراكمات اصطبغت مع كل ارتحال بلون جديد؛ مما أدى بباحث متحيز لليهود مثل «إيفار لسنر» إلى الاعتراف باحتواء التوراة على متنافرات عديمة الاتساق والتمازج، وقوله: «إن تابوت العهد، يعود بنا إلى مساكن آلهة النيل المتنقلة، وآثار السحر ترجع بنا إلى مصر، كما تذكرنا قصة الطوفان والأرقام الغامضة ببابل، ويصير الإله البابلي جلجامش نمرود، وتصبح ثيران آشور المجنحة كروبيم العبريين. كما أن أسطورة الجنة، وشخصية الشيطان أهريمان وعالم الملائكة ورؤساء الملائكة، تعيد إلى أذهاننا بلاد الفرس، ونتعرف على البعل إله الفينيقيين والكنعانيين في أسماء إشبعل ومربعل. لقد كان الفلسطينيون الذين يحتمل أنهم وفدوا أصلًا من كريت، ينظرون إلى اليمامة أصلًا كإله، أما السمكة التي عبدت في عسقلان، فتظهر في قصة يونان.»٩
وكلام «لسنر» هنا كلام شديد العمومية والتسطيح، إلا أنه يشير إلى المعنى المقصود، ويؤكد وراثة اليهود، أو سلبهم تراث الآخرين بشكل فاضح وضح لدى «لسنر»، وهو المعروف بتحزبه لبني إسرائيل. إلا أن هناك دراسات أخرى أكثر علمية وتدقيقًا وتوثيقًا، قدمها جلة من العلماء الأجلاء، لعل أهمها وأشهرها وأحوزها للثقة، دراسات المصرولوجي «جيمس هنري برستد J. H. Breasted» حول تأثير الحضارة المصرية وثقافتها القديمة في التراث التوراتي، ودراسات عالم الآثاريات السومرية، «صموئيل نوح كريمر S. N. Kramar» أحد أعلام أركيولوجيا الرافدين، حول تأثير السومريين المباشر، وغير المباشر — عن طريق بابل وآشور — في التوراة.
ويقول «برستد»: «إن الكنعانيين، الذين كانوا يسكنون هذه البلاد قبل العبرانيين، كانوا قد اجتازوا مرحلة النمو المتحضر التي تبلغ أكثر من ألف سنة، حينما غزا العبرانيون البلاد، وقد عرفنا من النقوش التاريخية، البابلية والمصرية القديمة، وكذلك من الحفائر الآثارية، شيئًا كثيرًا عن المدن الفلسطينية الراقية النامية، السابقة لعهد العبرانيين. كما كان للثقافة البابلية أثر مهم خالد في فلسطين الكنعانية، وعن طريق الكنعانيين، بوجه خاص، وصل أثر البابليين في الفن والأدب والدين إلى العبرانيين، يضاف إلى ذلك أن الإقليم كان، منذ زمن بعيد، واقعًا تحت نفوذ الحضارة المصرية القديمة، فقد بدأ المصريون يبسطون سيطرتهم على الساحل الفينيقي قبل أن يطأ العبرانيون فلسطين بأكثر من ألفي سنة، إذ اقتحمت الجيوش المصرية فلسطين قبل سنة ٢٥٠٠ق.م. ولما فتح المصريون آسيا الغربية، ووصلوا في فتحهم إلى نهر الفرات في خلال القرن السادس عشر ق.م. بقيت فلسطين مستعمرة في أيديهم أكثر من أربعة قرون، والواقع أنهم حكموا فلسطين مدة قرنين بعد دخول العبرانيين فيها، وبذلك بلغت المدنية الكنعانية مرتبة سامية في القرون التي احتلتها فيها مصر، فلما غزاها العبرانيون، كانت قد اصطبغت مرارًا وتكرارًا بالعناصر المصرية.»١٠
وغاية ما يريده «برستد» هنا، بوضوح، هو القول: إن العناصر الثقافية الكنعانية، حتى التي أثرت في اليهود الغزاة، تعود بدورها إلى أصول مصرية ورافدية؛ لذلك يستطرد: «وكان من نتائج ذلك، أن العبرانيين حينما غزوا فلسطين، صاروا على اتصال مباشر بتلك الحضارة الكنعانية المركبة، التي أنشئ معظمها من العناصر البابلية والمصرية معًا، أما من الناحية الثقافية، فإنها كما أوضحنا كانت داخلة ضمن الإقليم التجاري الذي طالما كانت المعاملات البابلية تسيطر عليه، كما كانت في الوقت نفسه تقع مباشرة في ظل صرح المدنية المصرية العظيمة.»١١
ومِن ثَمَّ قام «برستد» بعقد مقارنات عديدة ومهمة، بين ما عثر عليه من نصوص مصرية، وبين النصوص التوراتية، كان من أهم نتائجها: أن حكمة الملك المصري الإهناسي المعروفة ﺑ «نصائح إلى مري كارع Mare Ka Ra» قد وجدت طريقها إلى سفر «صموئيل» وسفر الأمثال،١٢ كما أثر تصور المصريين لمفهوم العدالة تأثيرًا لا يقبل شكًّا في سفر «ملاخي» وهو يقول: «إليكم يا من تخافون اسمي، تشرق شمس العدالة بالشفاء في أجنحتها» (ملاخي ص٤). ويعقب بأن العدالة في المفهوم المصري مثلتها الإلهة «ماعت» بنت «رع» الشمس، وأن شمس العدالة وصفتها التوراة بأن لها أجنحة، ولم يوجد في أي تصور عبري صورة لإلههم يهوه تمثله بأجنحة، ولم يوجد ذلك إلا في النقوش المصرية وحدها.١٣
ثم يؤكد أن اليهود — لا شك — كانوا على علم بأنشودة إخناتون العظيمة لإله الشمس، بعد أن قارنها بسفر المزامير، وكذلك كانوا على علم بحكم الحكيم المصري «آمن موبي Amen Mu Be»، بعد أن عقد بينها وبين أسفار «أرميا والمزامير والأمثال» مقابلة نصية كادت تكون حرفية، استغرقت حوالي خمسًا وثلاثين صفحة من القطع الكبير، هذا ناهيك عن العدد الكثيف والجم الغفير مما قدمه «برستد»، اكتفينا منه بهذه اللمحات، مع الإحالة إلى المصدر لمن ابتغى المزيد.
أما عالم السومريات «كريمر» فقد قدم جهدًا مشابهًا في مقارنات مدهشة حقًّا ما بين التراث السومري وبين التوراة، حتى كاد يجزم أن كل آراء السومريين في الكون والدين قد انتقلت بتفاصيلها إلى التوراة، وذلك عبر البابليين الذين سبق أن ورثوا التراث السومري وشذبوه وقدموه إلى الدنيا، ويمكن الرجوع في ذلك تفصيلًا إلى أهم كتبه المترجمة، وهي: «السومريون تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم»،١٤ «الأساطير السومرية»،١٥ «من ألواح سومر».١٦

أما نحن، فما نقصده حقيقة، ونصر عليه، هو أن هذه المآثر التي جمعها علماء أجلاء وقارنوها «وعدوها قد دخلت التوراة بالصدفة، أو بالتأثر الطبيعي لجماعة بلا حضارة بالحضارات الكبرى في مصر والرافدين» لم تدخل التوراة بالصدفة وحدها، ولا بالتأثير المنطقي الذي يصب الأعلى في الأسفل، إنما ما نراه، ونحاول إيضاحه في هذه الدراسة، وهو وجود العمد والقصد من أهل التوراة، ليس لمجرد الفائدة العلمية والحضارية، بل لتحقيق أغراض ومقاصد عظمى، ستتضح في حينه.

(٤) تأسيس ٣

إذن، فقد تسلل بنو عابر إلى الممالك الكنعانية تدريجيًّا وعلى دفعات، ويتضح ذلك في قصة التوراة عن هبوط النبي «إبراهيم» ضيفًا على مملكة شاليم، التي كانت قائمة قبل زمنه بزمان، وكان يحكمها كاهن ملك هو «ملكي صادق»، أو «الملك صادق»؛ مما يشير إلى أن ممالك الكنعان كانت تعيش مرحلة المشترك المعبدي حتى هذا الوقت.

وقد ظل هؤلاء الأغراب من العبريين يعيشون زمنًا طويلًا على هامش الحياة الكنعانية المستقرة، وتكلموا لغة أهل البلاد «الكنعانية»، وعبدوا الآلهة الكنعانية، لكن الفرصة الحقيقية للسيطرة الكاملة على الأرض، أو التحول على الأقل إلى مواطنين من الدرجة الأولى، لم تتح لهم طوال هذه الحقبة، وظلوا مجرد عصابات مأجورة لملوك كنعان، حتى جد جديد تمثل في جدب حل بأرض كنعان، دفع بالعصابات العبرية إلى هبوط أرض مصر يستجدون القوت، في عهد النبي «يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»، برفقة أبنائه المعروفين بالأسباط، وعلى رأسهم النبي «يوسف»، إذ نالوا هناك — فيما تزعم التوراة — حظوظًا عظيمة، انتهت بهم وزراء لخزانة المصريين، برغم أنه لم يوجد نص مصري واحد فيما اكتشف حتى الآن يشير إلى هذا المعنى. وقد وصلوا إلى هذه الرتبة بعد صداقة عقدها «يوسف» النبي مع الفرعون المصري، عندما أبهرت الفرعون قدرة يوسف على تفسير الأحلام والتبصير وقراءة الطالع، إلا أنه ما إن انقضى زمن الفرعون الحلوم، حتى ضاق بهم حلم الفرعون الجديد، وقلب حظوظهم رأسًا على عقب، فأمر باستخدامهم كعمالة رخيصة في الأعمال الشاقة، ودخل بنو عابر عهد مذلة مريرة تستشعر مرارتها في كل سفر من أسفار التوراة، مصحوبة باللعنات المرتجاة استنزالًا على المصريين من رب العالمين. ومرة أخرى تحين الفرصة لبني عابر فتطرأ في مصر الفتن الداخلية، التي تشغلها وتصرفها عن القبيلة الهامشية، وعن شئون إمبراطوريتها في الخارج؛ مما يخفف من هيمنتها بعض الشيء على مستعمراتها الآسيوية، في وقت انشغل فيه أهل الرافدين في صراعات انقسمت فيها البلاد على نفسها؛ مما يعطي الضوء الأخضر لبني عابر للهروب من مصر إلى كنعان مرة أخرى. وفي رحلة الخروج، أو الهروب، وفي ضوء انشغال اليد العليا عنهم بشواغلها الخاصة في الداخل، يسجل اليهود في توراتهم أبشع صور الوحشية، فيأتون على كل ما يقابلهم في الطريق ذبحًا وتحريقًا. ولم يسلم من أذاهم لا الإنسان ولا الحيوان، ولا حتى نبات الأرض، بعد أن قررته لهم الشريعة الربانية وأباحته بإباحية مطلقة، وأسفر الرب العبراني آنذاك عن هويته بوضوح، فأعلن أنه من الآن «الرب رجل حرب» (خروج، ١٥: ٣)، وأن رائحة دخان المحروقات أحب المشهيات إلى نفسه الملتاثة «وقود، رائحة سرور للرب»، متكررات في سفر اللاويين، إصحاح ١، ٩، ١٣، ١٧ … إلخ. ولم يكتفِ بذلك، بل قرر أن يمارس لذة الذبح والإحراق بنفسه، فترك عرشه السماوي وهبط يتخبط كرهًا وفظاظة ليمارس رغباته «وأجعل مسكني في وسطكم، وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون لي شعبًا» (لاويين، ١٦: ١١)، وأخذ ينفث أوامره المتكررة:
«أحرقوا جميع مدنهم، بمساكنهم، وجميع حصونهم بالنار» (عدد، ٣١: ١٠)
«اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة» (عدد، ٣١: ١٧)
«احرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار» (تثنية، ١٢: ٣١)
فضربًا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرقها بكل ما فيها، مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتحرق بالنار المدينة، وكل أمتعتها، كاملة للرب إلهك. (تثنية، ١٣: ١٥، ١٦)

أما شريعة الحرب، وفق الخطة المثلى، التي كتبها رب اليهود بإصبعه على الألواح، والتي نفذها «يشوع» خليفة «موسى» على القيادة، بدقة وإخلاص تحسده عليهما الضواري من كواسر الوحش، فهي مرصودة في أوامر الرب وتوجيهاته.

حيث تقترب من مدينة لكي تحاربها، فاستدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك! «وما أشبه الليلة بالبارحة»، وإن لم تسالمك وعملت معك حربًا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك، التي أعطاها الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًّا، التي ليست من هؤلاء الأمم هنا.

أما مدن كنعان الفلسطينية، فلها في موعظة الرب الحسنة شرعة أخرى، فهو يأمر قائلًا: «وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا، فلا تستبقِ منها نسمة ما» (تثنية، ٢٠: ١٠–١٦).

وهكذا وجد بنو عابر فرصتهم للتعبير عن طبائعهم وسليقتهم المفطورة بصدق نادر المثال، مدهش. وقد أكد صدق هذه المفاخر التوراتية ذلك الحجر الذي اكتشف أخيرًا في «نوميديا» ضمن آثار «قرطاجة» القديمة، شمال أفريقيا، وعليه كتابة تقول: «إننا خرجنا من ديارنا لننجو بأنفسنا من قاطع الطريق يشوع بن نون، بعد أن قتل منا في عشية واحدة عشرة آلاف إنسان.»١٧

وكان من طبائع الأمور أن تستقر أمور مصر الداخلية، وتخرج تلملم شتات مستعمراتها الخارجية، وأن تهدأ آشور وتتماسك بابل؛ ليبدأ هؤلاء وأولئك يبسطون حمايتهم على المنطقة، وإن اتفقت الأغراض السياسية لكليهما على أن تظل دولة «سليمان بن داود» على حالها، كحائل بين الدول العظمى، لكن مع تناوب السيادة عليها حسب الفرص المتاحة، ولا يجد بنو عابر من يحرقونه ليكون رائحة سرور للرب، فيحرقون بعضهم بعضًا، وتنقسم مملكة سليمان مملكتين:

السامرة في الشمال، ويهوذا في الجنوب، ويكتشف المصريون أن طبع بني عابر اللئيم غلاب، فيجرد الفرعون «شيشنق» عليهم حملة تجردهم مما يستر عوراتهم؛ ليأتي الآشوريون، ومن بعدهم البابليون، ليستاقوهم أسرى وسبايا على شاطئ الفرات، ليعيشوا هناك في الأسر زمانًا.

وتتغير الأحوال، وتجد تغيرات عالمية جديدة مع بروز القوة الفارسية الطالعة، فيتحالف المأسورون في بابل مع «قورش» عظيم الفرس، ويسربون له أخبار بابل أولًا بأول، حتى يفتحوا له أبوابها، فيرد صنيعهم بأحسن منه، ويعيدهم على دفعات إلى فلسطين، ويسمح لهم بإعادة بناء الهيكل السليماني، ويقيمون دولة خاضعة للفرس، لكن الأحداث تتلاحق على المنطقة، مع قوة الإغريق الصاعدة، فيصطدم «الإسكندر المقدوني» بالفرس، ويحتل فلسطين لتصبح مستعمرة يونانية، ثم تقع بعد موته في قرعة قواده الرومان؛ لتتحول إلى مستعمرة رومانية، ويثور اليهود ثورات متكررة ضد الرومان، فيأتي القائد «طيطس» ليكسب في التاريخ شرف إنهاء الوجود اليهودي هناك، ويدمر الهيكل، ويشتت أصحابه؛ ليبدأ عصر الشتات لليهودي التائه. لكن ليكون ذلك بداية بعث جديد، واحتلال عالمي للعقول وتهويدها، ومع ظهور المسيحية وانتشارها، إضافة إلى فرصة أخرى حانت في مكان بعيد في عمق البوادي، مع ظهور الدعوة الإسلامية، وهو ما سنلمسه لمسًا رفيقًا إبان استمرارنا في بحثنا هذا.

(٥) أسطورة الخلق والتكوين

… وشقها كما تشق الصدفة إلى قسمين
وثبت نصفًا جعله سقفًا سماء …
والأسفل ثبته في الأرض، خلق منه الأرض
من ملحمة الخلق البابلية «إينوما إيليش»
تقول قصة الخلق التوراتية إن الرب العبراني، بعد أن قضى على فوضى الماء أو الغمر البدائي الذي كان أول موجودات الوجود، وكان محيطًا أزليًّا مظلمًا، مثلته التوراة في وحش خرافي عظيم أسمته «لوياثان» هو التنين ذو الرءوس المتعددة، قام الرب بشقه نصفين، صنع منهما السماء والأرض، وقد استغرقت هذه العملية التصنيعية ستة من الأيام، استراح بعدها الإله من عناء عمله على عرشه، في اليوم السابع، وإليك النصوص:
أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رءوس التنانين على المياه. أنت رضضت رءوس لوياثان. (مزمور، ٧٤)
استيقظي، البسي قوة يا ذراع الرب … ألست أنت القاطعة رهب، الطاعنة التنين؟ ألست أنت هي المنشفة البحر، مياه الغمر العظيم. (إشعياء، ٥١: ٩، ١٠)
في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لوياثان، الحية الهاربة. لوياثان الحية المتحوية، ويقتل التنين الذي في البحر. (إشعياء، ٢٧: ١)
كانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه … وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلًا بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد والتي فوق الجلد، وكان كذلك، ودعا الله الجلد سماء. (تكوين، ١: ٢–٨)

ثم بعد ذلك، تخير الرب التوراتي مكانًا على يابسة الأرض، أسمته التوراة «جنة عدن»، وقد اتسم الإله بصفة الخلد لأنه كان يتعاطى في هذه الجنة من شجرة الحياة التي تمنح الحياة الأبدية، كما اتسم بالمعرفة؛ لأنه كان يغتذي من شجرة أخرى هناك، هي شجرة المعرفة. ويومًا ما قرر الرب خلق الإنسان المدعو «آدم»، ثم خلق له من ضلعه أنيسًا هو «حواء» زوجته، ووضعها معه في الجنة، لكنه حرم عليهما ثمرة شجرة المعرفة، ففضل أن يكون رب جاهلين لا رب عارفين، وتشرح التوراة القول: ثم كان ضباب يطلع من الأرض، ويسقي كل وجه الأرض، وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسًا حية، وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقًا، ووضع هناك آدم الذي جبله، وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وحيدة للأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر … وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرب الإله آدم قائلًا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها؛ لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت، وقال الرب الإله ليس جيدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينًا نظيره … فأوقع الرب الإله سباتًا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم. فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت … وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الإله، فقالت للمرأة: أحقًّا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر … ودعا آدم اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي (تكوين، إصحاح ٢، ٣). وهكذا، وبرغم محاولة الرب إيهام الزوجين أن ثمرة المعرفة ثمرة سامة وقاتلة، فقد فضل الزوجان العلم بالشيء على الجهل به، فغضب عليهما الرب لفضولهما المعرفي، وخشي أن يدفعهما الفضول إلى ما هو أكثر ترويعًا، وربما يأكلان من ثمرة الخلد فيكسبان الألوهية؛ مما قد يؤدي إلى منافسة غير مضمونة النتائج، ومن هنا:

قال الرب: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضًا أكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة (تكوين، ٣:  ٢٢–٢٤).

وقد كان المظنون، حتى عهد قريب، أن الكاتب التوراتي هو الناظم الأول لأسطورة الخلق بهذا الشكل، الذي اكتسب ثباتًا عجيبًا، وانتقل إلى ديانات أخرى مع بعض التهذيب هنا والتشذيب هناك، حتى بدأت الكشوف الأركيولوجية المعاصرة في آثاريات المنطقة تأتي بثمارها، وتم فك رموز الكتابة الهيروغليفية المصرية، والمسمارية الرافدية، والأوجاريتية الكنعانية؛ مما أثبت أن هذه الملحمة ليست إلا تهجينًا مستهجنًا لمجموعة من الملاحم القديمة، التي عرفها بنو عابر مبكرين، وأعادوا صياغتها في توراتهم، بينما اندثرت تلك الحضارات القديمة، ونُسي تراثها، حتى أعاد الزمان سيرته، وبدأ نفض غبار الأيام الغبراء عنها.

وبرغم عدم تناسق الدراما التوراتية في التكوين، وتنافرها بعضها مع بعض، ومع أبسط البداهات العقلية، كنتيجة لسلب التراث دون إدراك لمرامي تركيباته الأصلية، ولنزعه عن سياقه البيئي اجتماعيًّا وجغرافيًّا وزمانيًّا، فإن العودة إلى الأصول الأولى لمنابته، تضع بين أيدينا الأسس الحقيقية، والظروف التي بنى عليها الأقدمون تصوراتهم الكونية، كناتج طبيعي لمشاهدات الإنسان وتراكم خبرات تفاعله البيئي، ومحاولته تفسير ما يجري من جدل بين عناصر الطبيعة، ودوره ككائن متميز في هذا الجدل. ولنعد معًا إلى البداية نستطلع أحوال هذا الإنسان في ضوء ما سنطرحه من تصورات.

في مناطق الخصب، التي بدأ الأقدمون يستقرون فيها، بدأ صراع إنساني رفيع القدرات بين الإنسان والطبيعة، من أجل أن يثبت أقدامه في مقرها، رافضًا التراجع إلى طور البداية والبداوة، تطلعًا إلى حياة أقدر على تحدي مزاج الطبيعة المتقلب، وتحديها المستمر لهذا الكائن الذي نشأ من رحمها، ويحاول السيطرة عليها وكبح جماحها لصالح وجوده واستمراره.

وفي مناطق الخصب تنتاب الطبيعة تقلباتها المزاجية، ما بين جدب يزهق الأرواح جوعًا، ويقضي بجفافه على الزرع، والضرع، وبين إفراط في السخاء فتدمر الفيضانات جهود سنين مضنية وشاقة من عمل الإنسان الدءوب، أما الآفة الكبرى، والوحش الجبار، فكان ماء البحر الذي يداوم محاولاته في عدم ترك اليابس، واستمرار طغيانه على دلتا الأنهار؛ مما أدخل الإنسان المزارع في ملحمة رائعة البطولة مع هذا الوحش، ذي الأمواج المتطاولة بألسنتها من الماء المالح، تلفح زرعه وتربته كل حين، وكان على كلٍّ منهما: الإنسان، والبحر، أن يثبت قدرته أكثر من الآخر على التمسك بالطمي الذي كانت تلقيه الأنهار في دلتاها، وكثيرًا ما أطل البحر بأعاصيره رءوسًا وألسنة تنهش من الفلاح زرعه، وتشيع في مستقراته الويل والدمار، ولعل أروع هذه الملاحم بطولة ما سجله المصريون وهم يضمون إلى اليابس مزيدًا، يومًا وراء يوم، ويدفعون البحر إلى الوراء خلف حدوده، حتى تمكنت الدلتا من قوامها العظيم، وهو الأمر نفسه الذي جدَّ السومريون لتحقيقه في العراق القديم.

ومن هنا كان البحر دائمًا رمزًا للفوضى والدمار والظلام. وإنه كي يقيم الفلاح يابسًا لزراعته وقراه، فلا بد أن يفرضه على شاطئ البحر فرضًا أو ينتزعه من البحر بجبروته، ومن هنا نفهم لماذا تصور الإنسان بداية الكون بحرًا أزليًّا فوضويًّا معربدًا، ولماذا تصوره وحشًا متعدد الرءوس لا تقوم الحياة المستقرة واليابسة، بوجه خاص، دون التغلب عليه وقهره؛ ولذلك تصور العقل، وهو في بدئه يحاول الفهم والتفسير، أن البحر هو الأساس في الكوزموسية، ورمز للشر والظلام، بينما أصبح اليابس بطميه، الذي تأتي به الأنهار، رمزًا للخير والضياء، أما الشمس التي كانت تساعد على مزيد من التجفيف وزيادة المساحات المنزرعة، فقد أصبحت أعظم الآلهة طرًّا في جميع البلدان الزراعية، والوديان النهرية، بلا استثناء.

ومن هنا فقد تصور المصريون الأقدمون، وهم بسبيل الفهم، إنشاء علاقات جدلية مع الطبيعة، أن الكون بدأ غمرًا ويمًّا هائلًا مظلمًا، أطلقوا عليه اسم «نون»، وأن من «نون» خرج إله الشمس «رع» بقدرته وحده؛ لينشر الضياء والحرارة على الأرض، من أجل ظهور اليابس، وتكون التربة الصالحة للزراعة، وعليه فإن «رع» قبل الخلق كان في الأزلية والبدء على سطح «نون»، أو ما جاء في الرواية التوراتية يقول: «وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه».

وإن التعبير «يرف» يستدعي معنى الطيران على وجه المياه، والإله الذي عرفه الشرق القديم، في المصورات طائرًا، هو «رع» المصري، الذي كان يتمثل في شكل قرص الشمس مجتمعًا، وهو الذي خرج من الغمر الأول «نون»، وهو الذي أنجب إله الهواء «شو» الذي فتق الأرض قسمين عظيمين، بعد أن كانتا رتقًا، ورفع القسم الأعلى سماءً أصبحت هي الإلهة «نوت».١٨ ثم تزوجت السماء والأرض، أو تفاعلت ظواهرهما فأنجبا أول البشر على الأرض؛ لإتمام المهمة بزيادة المساحة المنزرعة زرعًا وتفليحًا وتسجيلًا للوعي بدور ومهمة كل من الطبيعة والإنسان في تحقيق الغرض الأسمى. وفي قصة أخرى روى المصريون أن وحشًا أول رمزوا له بالاسم «حاتحور»، أو «هاتور»، أو بالقلب اللغوي «هاروت»، وكانت إلهة أنثى، قد انطلقت تدمر بلا تمييز. وتدخل «رع» الشمس لإنقاذ البشر، وتغلب عليها بعد ملحمة بطولية كبرى، ولا ريب أن الشمس هنا كانت تقوم بدورها المعروف ضد ماء البحر الطاغي على اليابس، وهو ما رددته التوراة بوضوح، لكن بعد أن نسبت دور البطولة للرب العبري الذي قضى على البحر البدائي، ونشف البحر «ألست أنت المنشفة البحر، مياه الغمر الأولى» (إشعياء، ٥١: ١٠).
وكما أشرنا، فقد تكررت الملحمة البطولية بين الإنسان والبحر، في دلتا دجلة والفرات على رأس الخليج العربي، وسجلها السومريون، ومن بعدهم البابليون؛ ليؤكدوا أنهم عرفوا ظواهر الطبيعة بعضها ببعض، وأدركوا دور الإنسان فيها، فهذا الإله «نمو Namu» ويعبر عنه بالمقطع الصوري الذي يصور البحر، يوصف بأنه المحيط الأول الذي أنجب السماء والأرض.١٩ ثم تنجب السماء والأرض إله الهواء «إنليل»، الذي تكفل بمهام مهمة، أولها خلق الفأس أداة العمل الزراعي،٢٠ حتى إن خلق الفأس، تلك الأداة البسيطة، قد أعطي أهمية كبرى تليق بمقامه آنذاك، فأفردت له ملحمة كاملة مقدسة، تتحدث في الوقت نفسه قائلة:
الرب الذي يملك حقًّا، هو الذي أظهر للعيان
الرب الذي لا يتبدل في أحكامه إنليل
الرب الذي يجلب البذور إلى الأرض ليزرعها
تولى برعايته فصل السماء عن الأرض
تولى برعايته فصل الأرض عن السماء.٢١
وفي ملحمة أخرى لم يعرف عنوانها الأصلي، واصطلح على تسميتها kAR4 Methos وردت أبيات تقول:
عندما فُصلت السماء عن الأرض
بعدما كانتا متصلتين
… وبعدما نظمت الآلهة الجداول والقنوات
وثبتت شواطئ دجلة والفرات
جلست الآلهة «تستريح».٢٢
وفي جنة الآلهة السومرية المعروفة باسم «دلمون Dilmon»، جاء الابن الإلهي «آنكي»، ويعني اسمه «إله الأرض»، وبالتحديد «اليابس المنزرع»، ممثلًا لبداية البشرية على الأرض، لكنه أصيب بمرض في ضلعه، بعد أن أكل من ثمار حرمتها عليه الإلهة «ننهور ساج Nin Hursag» فخلقت الآلهة إلهة أنثى تحمل اسم «نن تي Nin Ti» لعلاج وتمريض آني. والضلع بالسومرية ينطق «تي Ti»؛ لذلك سميت الإلهة الممرضة «نن تي»، و«نن» تعني سيدة، فهي إذن «سيدة الضلع».
ويعقب الآثاري «كريمر» على ذلك بما يوعز لنا بحل أحجية خلق حواء من ضلع آدم التي وردت في التوراة، حتى يكاد يقنعنا أن التوراة قد أخذت الأصل السومري بشكل شائه، بعد مرور زمان نسي معه هذا الأصل العتيد، ولم يبقَ سوى سيدة الضلع أو السيدة الضلع، فخال كتاب التوراة أن الأنثى الأولى مخلوقة من ضلع الإنسان الأول، وسقط كاتب هذا الجزء من التوراة في الشرك السومري، ففسر حواء التي تدل على الأنثى الأولى في اللغات السامية جميعًا، بأنها مأخوذة من «تلك السيدة التي تحيي، أو تسبب الحياة، أو أم كل حي»، وهو ما تعنيه أيضًا الكلمة السومرية «تي» لأنها تدل على الضلع عندما تكون اسمًا، لكنها عندما تكون فعلًا فهي تعني «أحيا»، أو جعله يحيا!٢٣

أما الختم الذي عثر عليه مؤخرًا في آثار سومر، ففيه فصل الخطاب؛ لأنه يمثل ذكرًا وأنثى يجلسان متقابلين بينهما نخلة، وخلف الأنثى تدلت حية، رأسها بجوار رأس الأنثى، بينما تمد هذه الأنثى يدها في شكل دعوة للذكر الجالس قبالتها، ليتناول من ثمار النخلة، ولنتذكر الارتباط اللغوي بين الحية والحياة، وبين الحية وحيا الأنثى، أو فرجها كمفرز للمواليد والحياة، وبين التسمية حواء «التي تحيي»، أما ما لا يغيب عن فطِن فهو الحية المصرية المقدسة على تيجان الفراعنة، تمنحهم الحياة وطول العمر.

ثم تكتشف أروع الملاحم البابلية، لتقطع ما بقي من شك بيقينها، تلك التي أصبحت من أشهر المآثر في الدوائر العلمية إلى اليوم، والمعروفة باسم «إينوما إيليش Enuma Elish»، أو «في العلا عندما»، وتحدثنا عن بحر أول فوضوي، ترمز له إلهة أنثى شريرة مرعبة تدع «تيامات Tiamat»، يتطوع إله الدولة البابلية (مردوخ Marduk) لمنازلتها وتخليص البشر من نوباتها الهستيرية، فيقضي عليها، ثم يشطر جسدها المائي شطرين، يصنع منهما السماء والأرض.٢٤ أو كما في النص:
شقها كما تشق الصدفة قسمين
وثبت نصفًا جعله سقف سماء٢٥
شطر جسدها شطرين:
أعلاهما ثبته في السماء
خلق منه السماء
والأسفل ثبته في الأرض
خلق منه الأرض.٢٦

«ولنلاحظ أن الأقدمين قد وضعوا بذلك تفسيرًا مريحًا لظاهرة سقوط الماء من الأعالي، في هيئة مطر، بحسبان أن السماء أحد قسمي البحر الأول.»

ثم توضح «الإينوما إيليش» أن الإله «مردوخ» كان هو صاحب فلسفة الخلق بالكلمة، وللمصداقية كان الإله فتاح المصري، صاحب فلسفة مدينة منف هو الأسبق.٢٧ وقد قررت الملحمة البابلية ذلك منسوبًا إلى رب المملكة البابلية، بعد أن تطور الشكل المجتمعي في الرافدين من مشتركات مدينية إلى مملكة مركزية يحكمها حاكم ملك فرد لا تُرد كلمته، وحتى تكون كلمة الملك نافذة لا تقبل الإرجاء، فقد صيغت الملحمة لتعبر عن هذا المعنى الرئاسي الجديد في عالم السماء، كما هو في عالم الأرض، بحسبان الملك ممثلًا جسديًّا لمردوخ على عرش بابل.
وفي أنقاض مدينة «أوجاريت» الكنعانية القديمة، «تل شمرا حاليًّا»، تم العثور على ثروة لا تقدر بثمن من المدونات الكنعانية، التي ألقت ضوءًا مباشرًا على أصل ميثولوجيا الخلق التوراتية، وكان أهم ما ورد فيها تطابق الأحداث، حتى اسم أبي البشر «آدم» بلفظه ورسمه، وهو كما ورد «أب آدم ويقرب»، أي «ويقترب أبو البشر»،٢٨ ومن النصوص التي وجدت قضاء الإله على اليم أو الغمر، أو البحر الأول ممثلًا في تنين هو بالاسم نفسه: «لوياثان»؛ مما يثير الدهشة لشدة التطابق. انظر النص الكنعاني يقول:
في ذلك اليوم
يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم، الشديد لوياثان
ويضع نهاية للحية الملتوية الهاربة
شالياط ذات الرءوس السبعة.٢٩
ونص آخر يقول:
ألست أنت التي محقت يم؟
ألست أنت التي أفنت التنين؟
وسحقت الحية
ذات الرءوس السبعة؟!٣٠

أما العجيب في أمر هذه القصة كلها، التي تعود إلى مفاهيم شعوب زراعية، تعبر عن مشكلات المزارع وهمومه، ووضعت لتفسير ظواهر ترتبط تمامًا بعلاقة البحر بالطمي بالنهر بالخصب بالفلاح نفسه، العجيب أن تنتقل بقضها وقضيضها إلى التوراة. وهو كتاب شعب رعوي بدوي لا علاقة له بكل هذا. ويحل فيها الرب العبراني محل كل آلهة المنطقة الزراعية، ليقوم بكافة الأدوار، في مختلف ملاحم قصص البطولة بين المزارع والبحر، دونما مبرر منطقي واحد، سوى استيلاء الرب التوراتي على تراث المنطقة، الذي أصبح تراثًا مقدسًا، ينحشر داخل كتاب مقدس. ولا شك أن الكتاب التوراتي كان يعلم أن الجميع سيقبلها، في مصر أو كنعان أو الرافدين؛ لأنها إنما تردد تراثهم هم، ومفاهيمهم هم، وذكرياتهم هم، أيام كانت الأنهار تحفر في الرمل طريقًا لها، ولا يوجد من أرض تصلح للزراعة إلا في الدلتا حيث يفرش النهر طميه، فيهاجمه البحر، لكن التوراة ألبسته ثوبًا جديدًا، وبطولة جديدة، وشعبًا يختص بشئون الإله البطل الجديد، هو الشعب العبري.

إلى هنا والخطورة محدودة فيما حدث، لكن الإضافات التي لحقت هذا التراث، وعشَّقها الكاتب التوراتي في قصة الخلق القديمة، تشير إلى المنحى الخطير، والسم المدسوس في العسل، الذي التهمه الجميع شاكرين حامدين. أما الغل اليهودي والحقد البدوي على الزُّرَّاع فينضح واضحًا ويفصح عن نفسه فيما أردف بالروايات الأصلية، ممثلًا في صراع بين الراعي والزارع، يجسد الأهداف المطلوبة داخل عقل المنطقة وروحها وقلبها المطمئن بالإيمان، فتروي التوراة ما لم يقله الأصل البابلي والكنعاني، أو تعكس الوضع الذي كان في أصل الرواية المصرية، حول أول بشر على الأرض، فبينما نجد أول البشر في مصر «أوزيريس» رمزًا للأرض المنزرعة، إلهًا للخير، وأخاه «ست» رمز البوادي والبداوة إلهًا للشر، تقول رواية التوراة:

إن أبا البشر «آدم»، قد أنجب أخوين هما «هابيل» و«قايين»، «وكان هابيل راعيًا للغنم، وكان قايين عاملًا في الأرض، وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانًا للرب، وقدم هابيل أيضًا من أبكار غنمه ومن سمائها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر، فاغتاظ قايين جدًّا، وسقط وجهه … وحدث، إذ كانا في الحقل، أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله» (التكوين، ٤: ٢–٨).

وهكذا وضح أن الرب قد ميَّز الراعي على المزارع، أو «العبراني» على «المصري، والكنعاني، والرافدي» منذ بداية الخليقة، دونما سبب واضح سوى أن الفلاح اجتهد، وعرق، وزرع، وحصد، وقدم ثومه، وبصله، وكراثه، قربانًا مرويًّا بعرق جهده البطولي فآذى أنف الرب، الذي كان دومًا يتوق إلى رائحة اللحم المحروق، ويلح دائمًا في طلبه، وهو ما قدمه له الراعي لتهدأ نفسه وتستريح. والسبب الأوضح أن قايين فلاح من أهل الخصب والزرع؛ ومِن ثَمَّ كان لا بد من إبراز الشر الكامن فيه، مقابل طيبة الراعي السمح الذكي، الذي لم يبذل جهدًا، إنما اكتفى بالاسترخاء إلى جوار قطعانه وهي تتلاقح، ثم أخذ من منتوجها لربه قربانًا، فيقتل المزارع أخاه الراعي الطيب غيرة وحسدًا، ولا يبقى للمزارع ميزة لكل جهوده وحضارته ومنشآته وتراثه وبطولاته، إزاء التفضيل الرباني لهابيل العبراني، وما عليه إلا أن يترك الأرض وتاريخه فيها للراعي الطيب، وما شاء الله قدر.

(٦) أسطورة الطوفان

إن طوفانًا سيهلك مراكز العبادة وتهلك
ذرية البشر …
إن هذا هو القرار الذي أصدره الإله
في مجمعهم؛
قم فابنِ فلكًا.
هذا ما همس به الإله لعبده الصالح زيو سودرا.
من ملحمة جلجاميش٣١
ونتابع الملحمة، فتقول:
أرعد الإله حداد في الغيوم،
وبعد أن زلج زيو سودرا الباب
كان الإله حداد يرعد في الغيوم،
وأصبحت الريح عاتية، فأرخى الحبال
وانطلقت السفينة مع التيار،
وجاءت كل الرياح، والعواصف المدمرة،
واكتسحت الزوابع العواصم،
وبعد أن اكتسحت الزوابع البلاد
في سبعة أيام وسبع ليالٍ،
وتأرجحت السفينة مع الرياح المدمرة
في المياه العالية،
بزغت الشمس تنير الأرض.٣٢

أما التوراة فتقول:

… فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي؛ لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض … اصنع لنفسك فلكًا من خشب … فها أنا آتي بطوفان الماء على الأرض … كل ما في الأرض يموت، ولكن أقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك، ومن كل حي، من كل ذي جسد اثنان … تكون ذكرًا وأنثى … وكان الطوفان.

وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فتغطت جميع الجبال الشامخة … فمات كل ذي جسد … وتعاظمت المياه على الأرض مائة وخمسين يومًا، ثم ذكر الله نوحًا … وأجاز الله ريحًا على الأرض، فهدأت المياه، وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء … واستقر الفلك في الشهر السابع … على جبال أراراط …

وحدث من بعد أربعين يومًا أن نوح فتح طاقة الفلك … وأرسل الغراب فخرج مترددًا … ثم أرسل الحمامة … فلم تجد الحمامة مقرًّا لرجلها … فلبث سبعة أيام وعاد فأرسل الحمامة من الفلك، فأتت إليه الحمامة عند المساء، وإذا بورقة زيتون خضراء في فمها، فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض، فلبث سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه … فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه وكل الحيوانات، وبنى نوح مذبحًا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان.

وكلم الله نوحًا وبنيه معه قائلًا: «هذه علامة ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم وضعت قوسي في السحاب، فتكون علامة ميثاق بيني وبينكم وبين كل نفس حية، فلا تكون المياه طوفانًا لتهلك كل ذي جسد … وعاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، وكانت كل أيام نوح تسعمائة وخمسين سنة» (التكوين، ٦: ٩).

هذا ما جاء بالكتاب العبري المقدس حول قصة الطوفان، وربما أصبح واضحًا أننا سنكرر القول: «وكان مظنونًا أنها إبداع خاص بالمؤلف التوراتي»، والقول لازم عن المقدمات التي أسلفناها، والتي أصبحت معلومة بعد حل رموز اللوح الحادي عشر من ملحمة «جلجامش» البابلية؛ مما دفع الآثاري «كريمر» — بعد ذلك بربع قرن تقريبًا — إلى الإعلان بثقة تامة وبلا وجل: «أن قصة الطوفان التي دونها كُتاب التوراة العبرانيون لم تكن أصيلة، وإنما هي من المبتكرات السومرية التي اقتبسها البابليون، ووضعوها في صيغة الطوفان البابلي.»٣٣
وباستقراء الثلث الأسفل من لوح سومري ذي ستة حقول «نشره آرنوبويل عام ١٩١٤م»، يخبرنا أنه بعد فترة قصيرة من خلق العالم، اكتشفت الآلهة السومرية أن الإنسان لم يحقق الغاية من خلقه، وأنه أفسد في الأرض وسفك الدماء؛ لذلك قررت إفناء الحياة على الأرض وغسلها بماء الطوفان. هذا بينما يؤكد الباحث العراقي «فاضل عبد الواحد»: «أن الطوفان يعد من المظاهر الطبيعية المألوفة في وادي الرافدين، فمنذ قديم الأزمان حتى تاريخنا المعاصر، ما زالت مياه دجلة والفرات وروافدهما، تغمر مساحات واسعة كل عام تقريبًا، خاصة في الجزء الجنوبي من القطر، وأن هذه الظاهرة الطبيعية المروعة، التي لم يستطع الإنسان في وادي الرافدين السيطرة عليها بوسائله المتوفرة آنذاك، كانت في نظر الفرد مثل غيرها من الظواهر الطبيعية الأخرى، سرًّا من الأسرار الإلهية، وسلاحًا من أسلحتها؛ ولهذا فقد احتل الطوفان حيزًا مهمًّا في معتقدات سكان وادي الرافدين وتآليفهم، ولنا أن نفترض أن واحدًا من تلك الفيضانات العظيمة في بلاد سومر، بقي صداه في ذاكرة الأجيال لشدة هوله، وبسبب ما لحق بالناس والبلاد من دمار، بحيث اتخذ منه المؤرخون القدامى نقطة لتأريخ الحوادث.»٣٤
ولعل ما يدعم فرضية الباحث العراقي بشدة، التنقيبات الآثارية التي كشفت الطبقات السفلى للمدن السومرية القديمة، التي أظهرت تحتها طبقة من الطمي يتراوح سمكها ما بين نصف المتر والثلاثة أمتار؛٣٥ مما يشير إلى حدوث الفيضان العظيم بما لا يقبل دحضًا للبيان الأركيولوجي.
أما ألواح سومر فتطالعنا: أن الملك الورع التقي «زيوسودرا ziusudra»، الذي كان يؤدي النذور بانتظام لكهان الآلهة، اختارته الآلهة لتخبره بقرار إفناء الحياة الأرضية بالطوفان، ونصحته ببناء فلك عظيم يجمع له من كل كائنات الأرض، من كل زوجين اثنين، وهو ما يوضح لنا أن السومريين قد تصوروا فيضانهم حدثًا كونيًّا عم الأرض بأسرها، فسجلوه بهذا المعنى، وتمضي القصة في تصوير هول الفيضان وجبروته، إلى أن يهدأ وترسو السفينة، ويطلق «زيوسودرا» حيواناته، فتكافئه الآلهة بالخلود الألفي في «دلمون».
ولا يفوتنا هنا بشأن خلود «زيوسودرا» ما نخرج به من دراسة قائمة الملوك السومريين الأوائل، إذ نلاحظ القوم وقد اعتقدوا أن ملوكهم السالفين قد عاشوا أعمارًا طويلة إلى حد خيالي، وربما كتعظيم لشأنهم وتكريمًا وتقديسًا، فمثلًا تدعي القائمة المذكورة: أن «تموز» عاش ثلاثة آلاف عام، حاكمًا على مدينة Bad-Tibera، وأن «آلوليم» حكم ما يزيد عن ستة وعشرين ألف سنة، وأن «آلجار» قد حكم ستًا وثلاثين ألف سنة،٣٦ ويعقب «د. فاضل عبد الواحد» على تلك الأرقام بقوله: إنها: «… خيالية بشكل واضح، وأغلب الظن أن مثل هذه الأرقام الكبيرة، إنما تعكس فكرة شائعة عند أكثر الأمم القديمة، وهي أن الإنسان كان في قديم الزمان، يتمتع بعمر طويل وصفات جسدية خارقة».٣٧ وعليه، لا يعود غريبًا علينا ما ينسب إلى «زيوسودرا» — بطل الملحمة — من عمر خيالي عاشه بين قومه. أما تقواه فقد أطالت عمره إلى الأبد بنعمة الخلود في «دلمون».
وتأتي الدولة البابلية، فتتناول الملحمة وتعيد صياغتها، ويظل المحتوى، ويتغير أبطال المغامرة، فهذه المرة يصبح البطل هو «أوتنابشتيم Utnabeshtem» الذي ناداه الإله قائلًا:
أوتنابشتيم، يا رجل شوربياك،
اهدم الدار، وابنِ سفينة،
دع أملاكك، وأنقذ حياتك،
ارحل بها وخذ بذرة كل حي.
وينفذ العبد الصالح أوامر ربه، ويروي قائلًا: «وأكملت السفينة في اليوم السابع، وحمَّلتها بكل صنوف الأحياء، واستمرت أعاصير الطوفان ستة أيام وست ليالٍ، واكتسحت الأرض كما تكتسحها عاصفة الجنوب. وفي اليوم السابع أطلقت حمامة، فذهبت وعادت، وعز عليها أن تجد مكانًا ظاهرًا تحط عليه، وأرسلت سنونو وعاد ولم يجد موضعًا ظاهرًا يحط عليه، فأرسلت غرابًا فذهب ورأى الماء يتناقص، فأكل وعب ودار ولم يعد، وحينذاك واجهت الجهات الأربع، وضحيت، وسكبت قربانًا فوق قمة الجبل.»٣٨ وكانت تضحية «أوتنابشتيم» بدوره، ببعض حيوانات السفينة الطاهرة، قام بذبحها وحرقها، ويقول النص: «فتنشق الرب الرائحة الذكية.»٣٩
وعقب الإله «إنليل» على الطوفان بقوله: «لقد حمل المذنب ذنبه، والآثم إثمه، أمهله كي لا يفنى، ولا تهمله كي لا يفسد»،٤٠ وهكذا كان غرض الإله تطهير الأرض من القتلة وسفاكي الدماء، فسفك هو دماء البشر والحيوان ومزقهم شر ممزق، دون أن يميز بين صالح وطالح، لكن «إنليل» وبقية الآلهة ندموا على ما ألحقوه بالبشرية من ويل، وعند ذلك قامت الإلهة «عشتار» بتعليق عقدها الثمين الملون في باحة السماء؛ ليصبح قوس قزح رمزًا لميثاق مع البشر بعدم تكرار الطوفان، وعقبت بالقول: «كما أنني لا أنسى عقد اللازورد الذي كان يزين عنقي، فإنني لن أنسى تلك الأيام أبدًا، سأذكرها دومًا.»٤١

الرمز واضح، فقد سجل الكاتب التوراتي الملحمة الرافدية بكل منمنماتها وزخارفها الدقيقة، لكن إذا كان أهل الرافدين قد سجلوا تذكرة بحدث يتعلق بظروف طبيعة بلادهم، وبأنساقهم الفكرية. فإن الكاتب التوراتي الذي لم يعش واقع الحدث ولا علاقة له بالأمر، يتناول الملحمة ليحقق منها أغراضًا أخرى، فينسب الأمر كله للرب العبراني، ثم ينسب بطولة الملحمة للرجل الذي نسبوا إليه النسل الميمون «نوح»؛ لأن من نوح سيأتي بنو عابر، ثم يضيف الكاتب التوراتي ما لم يكن في الأصل الرافدي، بما يصادق على رؤيتنا بشكل وضَّاء، تلك الرؤية التي تزعم أن بني عابر قد استلبوا التراث، وحشوه بما يلزم، ثم أعادوا تصديره إلينا مرة أخرى، ملحقًا بما يحقق الأغراض المرصودة.

وربما كان من المستحسن، قبل أن نتناول ذلك الحشو وكشف المرصود، أن نركن قليلًا إلى كتب التراث الإسلامية، نقرأ بعض ما تعلق بالأمر فيها، وقبلها نعرج على ما جاء في أخبار العرب الجاهلية، إذ يؤكد لنا الباحث «محمود الحوت» أن أهم أساطير العرب مستمدة من مقدسات اليهود الذين دخلوا بلاد العرب واستقروا فيها وأصبحوا جزءًا من شعوبها وقبائلها؛ لذلك اعتقد العرب في جاهليتهم أن نوحًا هو أحد مشاهير الأنبياء الخمسة أولي العزم، وأخذوا أيضًا بروايات اليهود حول كونه النسل التاسع فقط لآدم،٤٢ وهو أمر لم يستدعِ من العقل العربي أي تساؤل حول إمكانية ضلال الإنسان في مثل هذا الزمن القصير، أو حول استحقاق هذا النسل المتواضع لمثل هذا العقاب الهائل، كلا لم يتساءل العربي وهو في جاهليته مثل هذه التساؤلات، ويزخر الشعر الجاهلي بأخبار السفينة النوحية، فهذا «الأفوه الأودي» — نموذجًا — يأبى إلا أن يسجل أسماء أبناء نوح قائلًا:
ولما يعصمها سام وحام
ويافث حيثما حلت ولام

أما طول العمر النوحي فيصبح مضرب المثل، ومكافأة الله له غاية المنى، ويؤخذ ذلك من مديح «الأعشى» لإياس:

جزى الله إياسًا خير نعمة كما
جزى المرء نوحًا بعدما شابا
في فلكه إذ تبداها ليصنعها
وظل يجمع ألواحًا وأبوابًا

أو مثل ضرب الراجز:

فعلت لو عمرت سن الحل
أو عمر نوح زمن الفطحل
والصخر مبتل كطين الوحل
صرت رهينة هرم أو قتل
ويذهب «د. جواد علي» في موسوعته «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» إلى أن الشاعر «أمية بن عبد الله بن أبي الصلت» هو الناظم الحقيقي لحادثة الطوفان، بالشكل الذي عرفه العرب قبل الإسلام مباشرة.٤٣

هذا أمر، أما الرواية القرآنية الكريمة عن الطوفان فأمر آخر، فالنبي «نوح» فيها (عليه السلام)، نبي كريم كمحمد ، أرسله الله تعالى لهداية قومه، فكانوا كأهل الجاهلية، في تكذيبهم وجحودهم لدعوة الإسلام الكريمة، ولما كان دعاء النبي مستجابًا، فقد دعا نوح (عليه السلام) على قومه بالفناء، فاستجاب له مجيب الدعاء وأرسل عليهم الطوفان، وهو ما تقوله الآيات الكريمة: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (نوح: ٢٦).

وكانت قصة النبي نوح (عليه السلام) كغيرها من قصص الأنبياء، والقرى الكافرة بالنبوات، عبرة لمن عارضوا دعوة المصطفى وتحذيرًا مبطنًا ووعيدًا، ومثال ذلك:
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ. (الحج: ٤٢)
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً. (الفرقان: ٣٧)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ. (ق: ١٢؛ ص: ١٢؛ القمر: ٩؛ غافر: ٥)
أما ما جاء في كتب الأخبار، فلعل أهمه وأجدره بداية بالتسجيل والتدبر، ما جاء عن قوم «نوح» وقوم محمد (عليه الصلاة والسلام)، تذكرة بمصير من سبق وكذبوا، في قول الشيخ «الحافظ ابن كثير»: «وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان، واعترف به آخرون منهم، وقالوا: إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا … وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع، وجهل بليغ، ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الأرض والسماء.»٤٤

هذا وقد جمع «الجزائري» ما ورد عن النبي نوح (عليه السلام) في موجز لطيف، يصف فيه حجم السفينة بقوله: «فقدر طولها في الأرض ألف ومائتا ذراع، وعرضها ثمانمائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعًا …» وعندما ركب نوح (عليه السلام) السفينة ومن معه «ضربتها الأمواج حتى وافت مكة وطافت في البيت، وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحًا، ومن الأرض العيون، حتى ارتفعت السفينة فمست السماء، فرفع نوح يده وقال: يا رهمان أنفر، وتفسيرها يا رب أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها … واستوت السفينة على جبل الجودي وهو جبل بالموصل، جبل عظيم … ويروى عن أبي عبد الله … أن مدة لبثهم في السفينة سبعة أيام ولياليها …» ثم يروي عن وهب مسندًا أن الله أوحى لنوح حين هبط من السفينة: «يا نوح إني خلقت خلقي لعبادتي، وأمرتهم بطاعتي، وقد عصوني وعبدوا غيري، واستوجبوا بذلك غضبي فغرَّقتهم، وإني قد جعلت قوسي أمانًا لعبادي وبلادي، وموثقًا مني بيني وبين خلقي، يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ومن أوفى بعهدي مني؟ ففرح نوح (عليه السلام) واستبشر، وكانت القوس فيها سهم ووتر، فنزع الله عز وجل السهم والوتر من القوس، وجعلها أمانًا لعباده لا تقولوا قوس قزح فإن قزح اسم الشيطان، ولكن قولوا قوس الله، وإن هذه المجرة التي في السماء ويسمونها مجرة الكبش، موضع انفطار السماء للماء.»

وقد أشار «ابن كثير» بدوره للقربان الذي رفعه نوح (عليه السلام) لله، وللقوس علامة العهد في قوله: «إن الله كلم نوحًا قائلًا له: اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك، وجميع الدواب التي معك، ولينموا وليكثروا في الأرض، فخرجوا وابتنى نوح مذبحًا لله عز وجل، وأخذ من جميع الدواب الحلال، والطير الحلال، فذبحها قربانًا إلى الله عز وجل، وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض، وجعل تذكارًا لميثاقه إليه: القوس الذي في الغمام وهو قوس قزح.»٤٥
أما العجيب، فهو ما جاء عند «الجزائري» يحمل حفريات من عقائد أهل الشام والرافدين القديمة، فيقول: «عن الصادق … قال: يوم النيروز هو اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي.»٤٦ والنيروز كما هو معلوم عيد الربيع والخصب القديم، حيث كانت منطقة الرافدين والشام تدين بعبادة عدد من آلهة الخصب والزرع والمطر منذ فجر التاريخ، مثل الإله «حداد» إله الصواعق والبرق والأمطار، والإلهة «بارات» إلهة «بيروت» الفينيقية، وكانت الوجه الآخر لعملة «عشتار» الرافدية، التي حملها معهم الفينيقيون لتبارك رحلاتهم البحرية عبر جبل طارق، فأعطت للجزر البريطانية اسمها، وكان رمزها الأول هو الصليب، نجده منقوشًا على عرشها، أو تمسكه — في مصوراتها — بيدها، علمًا أن الصليب كان الاصطلاح السومري الدال على الخصب،٤٧ كما حملت اسم «ستيلا ماريا» أو «ستلا ماري» أي كوكب البحر،٤٨ حيث عبد الفينيقيون عشتار كما عبدها الرافديون، ممثلة في كوكب الزهرة، ولما كان الفينيقيون قومًا بحريين يعتمدون في حياتهم على التجارة البحرية، فقد اتخذوا من الزهرة أو «عشتار» أو «بارات» أو «ستلا ماريا» أو «ماريا» كوكبهم المعبود، بل إن «ماريا» هو الاشتقاق اللاتيني للماء الطاغي أو البحر الهادر أو الطوفان.
وبالعودة إلى الجزائري يقول: «عن أبي الحسن … أن الله أوحى إلى الجبال إني واضع سفينة على جبل منكن في الطوفان فتطاولت وشمخت، وتواضع جبل بالموصل يقال له الجودي، فمرت السفينة تدور في الطوفان على الجبال كلها حتى انتهت إلى الجودي، فوقفت عليه، فقال لنوح: بارات قني، بارات قني، يعني اللهم أصلح، اللهم أصلح. وفي حديث آخر: أنه ضرب جؤجؤ السفينة الجبل، فخاف عليها قال: يا ماريا أتقن، يعني رب أصلح، وفي حديث آخر أنه قال: يا رهمان أتقن، وتأويلها يا رب أحسن … وفي عيون أخبار الرضا، قال: «إن نوحًا … لما ركب السفينة أوحى الله إليه: يا نوح إن خفت الغرق فهللني ألفًا ثم سلني النجاة أنجيك من الغرق ومن آمن معك، فلما استوى نوح ومن معه في السفينة ورفع القلص عصفت الريح عليهم، فلم يأمن نوح من الغرق، فأعجلته الريح فلم يدرك أن يهلل ألف مرة فقال بالسريانية: هلوليا ألفًا ألفًا، يا ماريا أتقن، فاستوى القلص وجرت السفينة».»٤٩
وإن النداء «هلوليا» كان نداءً معروفًا ومستعملًا في الأناشيد الطقسية لآلهة الخصب القديمة، وكانت رمزًا لعبادة «ديونسيوس» النسخة الرومانية لتموز الرافدي زوج عشتار، ونسخة من حداد صاحب الأمطار والرعود والبروق، و«هلوليا» من بالإيلوليين، والنداء مركب من شقين: الأول هر «إيل» وهو اللفظ السامي الدال على الإله. أما الثاني فهو احتمالًا من السومرية A-U أي السائل المخصب الأصل «ريلوليو Eieleu» حتى عُرف عباد «ديونيسيوس» نسبة لهذا النداء، وهو خاصة «حداد» صاحب الرعود والبروق والصواعق والسيول.٥٠ ونعود — منعًا للتشتت — إلى موضوعنا ورؤيتنا، وزعمنا أن العبريين قد استلبوا تراثنا وحشوه بما يلزم، ثم أعادوا تصديره إلينا مرة أخرى ملحقًا بما يحقق الأغراض المرصودة.

فهذا «نوح» التوراتي يهبط من سفينته ومعه أولاده الثلاثة «سام، وحام، يافث» ومن نسلهم تأتي شعوب الأرض، وحسب التصنيف التوراتي فإن «سام» سيخلف ذرية من أهل البوادي الرعاة، الذين سينسلون بني عابر المباركين، أما «حام» فسينجب ولدين ينسلان شعبين، الأول هو «مصرايم» أبو المصريين، وأهل السودان … كل ذوي البشرة السوداء حتى الكوشيين أو الأحباش، والثاني هو «كنعان» أو الكنعانيين سكان فلسطين (التكوين، ١٠)، ولعله من الواضح أن الرجل وهو يدون، قد اتخذ لجده البعيد اسمًا من جذر السمو «سام»، وحط بأهل النيل وفلسطين في طين الأرض وحمئها «حام»، فهو من جذر الحمو والحمأ، وربما ربط الكاتب بين الحمو واسوداد الطين واسوداد البشرة. كما أن الحمأ هو طين الأرض الحارة الخصبة. وتصل الإضافات التوراتية إلى هدفها حين تقول: «وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمه وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا، فأخذ سام ويافث الرداء، ووضعاه على أكتافهما ومشيًا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم بما فعله ابنه الصغير، فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته، وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم» (التكوين، ٩: ٢٠–٢٦).

وهكذا: ومرة أخرى، تحيق اللعنة بكنعان الفلاح، مع قرار سماوي ونبوءة مقدسة، تؤكد أن «كنعان» سيكون عبدًا لذرية الراعي «سام» أبي العبريين، دونما ذنب جناه سوى أن أباه وليس هو، أبصر عورة «نوح»، بل إن «نوحًا» نفسه لم يصب بداء الثمل من السكر، إلا عندما «ابتدأ يكون فلاحًا»!

والمغزى أوضح من الحاجة للشرح أو التعليق. فأرض كنعان هي المطمع والمشتهى؛ لأن مصر والرافدين أكبر من الطموح، ومع ذلك لم يكن هناك بأس من طرح الفكرة ابتدائيًّا، فمن يعلم؟ فيقول الرب لإبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (التكوين، ١٥: ١٨).

أما النجاح الحقيقي الذي حققته مثل هذه الإضافات المصدرة إلينا، فهو أنها شقت طريقها بثقة داخل تراثنا الإسلامي، مع ملحقات وزيادات، وأحيانًا مجاملات وملاطفات لبني إسرائيل، بحسبانهم محل احتكار النبوات السابقة، كما أن صحيح الإسلام يضع من شروط الإيمان، شرط الإيمان بالنبوات التي سبقت الرسالة الإسلامية، وخاصة أن الآيات القرآنية الكريمة قد أعادت التاريخ كله دورة كاملة، وأكدت أن كل الأنبياء السابقين في بني إسرائيل إنما كانوا مسلمين، ومن هنا، ومع قلة التفاصيل في العموميات القرآنية، لم يجد كتبة التراث والأخبار حرجًا أو بأسًا من الرجوع إلى المنمنمات الدقيقة لتاريخ هؤلاء الأنبياء والمسلمين، في كتاب اليهود المقدس، حتى أصبح منهلًا لا ينضب للمشتغلين بعلوم التراث، ولا غضاضة في الأمر مع إعلان النبي محمد أنه هو نفسه فرع من الشجرة المباركة، عبر «إسماعيل بن إبراهيم». ومعلوم أن «إبراهيم» أهم أرومات العبريين وأنشرهم ذكرًا، هذا مع التصريح الواضح في الحديث النبوي عن «البخاري» «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.» وهو الحديث الذي استندت إليه طبقة كتَّاب السير والتأريخ المسلمين، وعلى رأسهم «ابن كثير» الذي أورد الحديث في مقدمته لكتاب البداية والنهاية، معلنًا أنه سيجعل من روايات أهل الكتاب مصدرًا لا غنى عنه، ويعقب على الحديث الشريف بالقول: «فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار».٥١
وإجمالًا لذلك، قام «النيسابوري الثعلبي» يصب جام غضبه على «حام» المزارع، فيقول راويًا عن قتادة منسوبًا إلى النبي : فأصاب «حام» امرأته في السفينة، فدعا نوح ربه، قال: فتغيرت نطفته فجاء بالسودان.٥٢ فالأسود هنا أدنى درجة من الأبيض، وسر سواده مضمر في الحديث، وربما كان ذلك سر أن العبيد يغلبهم السواد، ثم يضيف عن عطاء الحديث «ودعا نوح على حام أن لا يعدو شعر ولده آذانهم، وحيثما كان ولده يكونوا عبيدًا لولد سام.»٥٣ ثم يزيد مجاملًا مؤكدًا لأهل التوراة فضلهم، فيقول: «ولما حضرته الوفاة (يقصد نوحًا) أوصى إلى ابنه ثم سام، وجعله ولي عهده.»٥٤
أما زعيم طبقة كتَّاب السير «ابن كثير»، وهو — زيادة في النكاية — من أبناء فلسطين، ومن مواليد بلدة «شركوين»، وعاش حياته في «مجدل» وتوفي بها، فيجعل كنعان هو الابن الكافر من بني «نوح»، والذي قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء،٥٥ ويكرر الثعلبيات قائلًا: «إن حامًا واقع امرأته في السفينة، فدعا عليه السلام نوح أن تشوه خلقة نطفته، فولد له ولد أسود هو كنعان … وقيل بل رأى أباه نائمًا وقد بدت عورته، فلم يسترها وسترها أخواه، فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وأن يكون أولاده عبيدًا لإخوته.»٥٦
أما «المسعودي» فأسعده أن يردد: «ودعا على ولده حام، لأمر كان منه مع أبيه قد اشتهر، فقال: ملعون حام، عبد عبيد يكون لإخوته، ثم قال: مبارك سام.»٥٧ أما «نعمة الله الجزائري» فينعم على سام بمزيد من النياشين والتبريكات، فيقول في قصص الأنبياء: «عن أبي عبد الله أن جبريل أتى فقال له: يا نوح إنه قد انقضت نبوتك واستُكملت أيامك، فانظر الاسم الأكبر وميراث العلم، فادفعها إلى ابنك سام … فدفع عليه السلام آثار النبوة إلى ابنه سام. فأما حام ويافث فلم يكن عندهما علم ينتفعان به.»٥٨ وسبب ذلك مسلمات مصدقة، صدق بها «الصدوق القمي» في كتابه «علل الشرائع» وهو يقول: «إن نوحًا كان يومًا في السفينة نائمًا، فهبت ريح فكشفت عورته، فضحك حام ويافث، فزجرهما سام ونهاهما عن الضحك، وكان كلما غطى سام شيئًا تكشفه الريح، كشفه حام ويافث، فانتبه نوح فرآهم يضحكون فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان، فرفع نوح يديه إلى السماء يدعو، ويقول: اللهم غير ماء صلب حام حتى لا يولد له إلا السودان … جميع البيض سواهم من سام، وقال نوح عليه السلام لحام ويافث: جعلت ذريتكما خولًا أي خدمًا لذرية سام إلى يوم القيامة.»٥٩

والأمثلة على ذلك كثير، ولن نجد كتابًا تراثيًّا واحدًا يخلو من ذكر القصة التوراتية الملغومة، مع إضافات وشروح اجتهادية لإنصاف «سام» على «حام» أو لإنصاف الراعي على المزارع، أو أهل المراعي على أهل الوديان الخصبة. ومن هنا نفهم لماذا أصبح كل الفراعين في نظر أحفادهم المسلمين كفارًا ملاعين، ولماذا يترحم الفلسطيني اليوم على «طالوت» أو «شاءول» الإسرائيلي، ويلعن جده «جالوت» أو «جوليات» الذي استشهد وهو يدافع عن أرضه، وما على الاثنين سوى مسح عرق الحياء عن الجبين، من أفاعيل الأجداد الملاعين، مع بني عابر الطيبين. وإذا كان «ابن كثير» قد صب نقمته على جده «كنعان»، فلا غرابة إذا وجدنا العرف في القرية المصرية يستمد أصوله من كتب التراث الإسلامية فيجعل من ينتحلون اسم «العرب»، ويعدون أنفسهم من أصل رعوي (من جزيرة العرب) أصحاب حق مشروع في السيادة والسلب والنهب دون استهجان. بينما يصبح الانتساب للفلاحين سُبَّة وعارًا وضعفًا ومذلة وهوانًا؛ مما جعل أصحاب الأصول المصرية القح يتنافسون في استكشاف أصول بدوية عربية لأروماتهم؛ مما يسجل النتيجة الواضحة للجولة بين الراعي والمزارع، أو بين أبناء «حام»، على المستوى الديني، ثم بالتبعية على المستوى الاجتماعي والنفسي، بل السياسي، وهو أمر لا مندوحة من الاعتراف به، ولا عزاء للفلاحين.

(٧) أسطورة «إيل»

في جبل إيل، جبل الله، سُكناي،
في الأماكن الهانئة سُكناي.
من ملحمة البعل الكنعانية
ولنعد إلى ما قبل الوعد الإلهي بما بين النيل والفرات أرضًا خالصة (تسليم مفتاح) لبني عابر، والقبيلة تحط رحالها في أرض كنعان بهدوء الضيفان ولطف المستجير طالبًا الإجارة والجوار. وتسجل التوراة هذه اللحظات التاريخية العتيدة فتقول:

فأخذ إبرام ساراي امرأته، ولوطًا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا، والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان، واجتاز إبراهيم في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض، وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له، ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل، ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق.

(التكوين، ١٢: ٥–٨)

القبيلة العبرية هنا مختصرة، مرموز لها بقيادتها من الأسرة الإبراهيمية، تخرج من حاران تريد أرض كنعان، بإيجاز سريع يشير إلى خط الهجرة الآرامية، وضمنها القبيلة العبرية والفخذ الإبراهيمي. ثم، وبالسرعة نفسها، وفي إشارة خاطفة تقول التوراة: إن الكنعانيين كانوا أهل هذه الأرض وأصحابها، لكن حلقها يغص بذلك فتلتوي في تعبيرها، ولا تفصح بالتعبير المباشر، إنما تقول: «وكان الكنعانيون حينئذٍ في الأرض!»

ودون مقدمات ولا ممهدات، يظهر الرب لإبرام ليهبه الأرض الكنعانية، مسجلة ومشهرة وممهورة بالضمانات لولده من بعده، فهو ليس مجرد انتفاع مؤقت إبان حياته تئول بعده لأصحابها، إنما لنسله، ولنلاحظ أنه لم يقل حتى لأبنائه، بل لنسله! فالخطط معدة سلفًا ولأمد بعيد مقبل.

أما العجيب في الرواية هنا فهو التعبير «فبنى مذبحًا للرب الذي ظهر له»! وهذا إنما يعني وجود أرباب لم تظهر له، وظهر أحدها، أو أن القبيلة كانت قبل نزول كنعان تعرف ربًّا محددًا غير هذا «الذي ظهر له»، ويظهر هذا الجديد فجأة في كنعان بالذات، وهو قول يتسق مع واقع الأحوال آنذاك، فقد كان لكل شعب أرض، ورب للشعب والأرض، فهل كان هذا «الذي ظهر له» ربًّا لإبراهيم منذ البدء، أم أنه رب كنعاني حيث حطت القبيلة رحالها؟ الإجابة يمكن استنتاجها من باقي الرواية التوراتية، وهي تقرر بوضوح أن «إيل إله إسرائيل (التكوين، ٢٣: ٢٠)»، وهنا يجدر بنا الوقوف قليلًا لتسجيل بعض الملحوظات المهمة التي يمكنها أن تجيب عن السؤال المطروح.
  • (١)

    إن الإله طوال القصص التوراتي السابق على نزول أرض كنعان، منذ بدء الخليقة إلى ظهور إبراهيم، لم يذكر أبدًا بالاسم «إيل»؛ مما يشير إلى أنه لم يكن معروفًا لهذه القبيلة في مواطنها الأصلية.

  • (٢)

    كان هذا الإله معروفًا هناك حين وصول القبيلة أرض كنعان، وله بيت مقدس يعبد فيه، وأصبحت المدينة المقام فيها حرمًا كاملًا له وسميت «بيت إيل»، ثم نقل من هناك إلى الجبل، شرقي بيت إيل، ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق. أي إنه سكن بين المدينة المقدسة «بيت إيل» ومدينة «عاي».

  • (٣)

    إن هذا الإله الكنعاني قد أصبح إلهًا لإسرائيل، أو أنهم اختاروه إلهًا، وأعلنوا أنه هو الذي اختارهم، والغرض الذي يمكن فهمه أن لكل شعب أرضًا يرتبط بها بالمواطنة والوطنية، ولا توجد شعوب دون وطن، لكن توجد «قبائل» بلا وطن، تمتهن الرعي وترتبط ببدائية البداوة، وتنفر من عاطفة الوطنية والاستقرار؛ لذلك عندما قرر هؤلاء أن يتحولوا من قبيلة إلى شعب، وحلا لهم اسم «شعب الله المختار»، قاموا يمنحون أنفسهم أرضًا، منحها لهم رب الأرض نفسها، فهو الذي اختارهم وأتى بهم إلى بلاده ليتأله عليهم، بعد أن ضاقت به السبل وانقطعت الوظائف، فاختارهم شعبًا خاصًّا له يمارس معهم الربوبية! وحتى لا يكون هناك تناقض، فإن الرب نفسه، بحسبانه المالك الشرعي، هو الذي منحهم أرضه الكنعانية؛ لذلك ما فتئت التوراة تكرر هذا المنح من الرب الكنعاني صاحب أرض كنعان بكافة الصيغ، التي أبرزها وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان، ملكًا أبديًّا وأكون لهم إلهًا (التكوين، ١٧: ٨).

  • (٤)

    وإضافة إلى كون «إيل» إلهًا كنعانيًّا قديمًا في البلاد، له بيته ومدينته المقدسة، فقد كان له كهانته المنظمة، قبل هبوط القبيلة العبرية عليه. فهذا كبير الكهنة يستضيف «إبرام» وأهله بعد معركة ناجحة مع أعداء للمنطقة الكنعانية، ثم يبارك «إبرام» باسم «إيل»، فيسبغ عليه المواطنة لدفاعه عن البلاد، «وملكي صادق ملك شاليم، وأخرج خبزًا وخمرًا، وكان كاهنًا لله العلي، وباركه وقال: مبارك إبرام من الله العلي … الذي أسلم أعداءك في يدك» (التكوين، ١٤: ١٨–٢٠). وفي المقابل تقرر أن ينال الكاهن من «إبرام» ورجاله الذين أخذوا يصولون في المنطقة ويجولون، العُشر من الغنائم التي يغنمها «فأعطاه عُشرًا من كل شيء» (التكوين، ١٤: ٢٠). وتمت الصفقة بمباركة من ملك في الجوار كان له نصيبه أيضًا، فحضر الاتفاقية. «وقال ملك سدوم لإبرام: أعطني النفوس، وأما الأملاك فخذها لنفسك …» (التكوين، ١٤: ٢١)، لكن «إبرام» يترك لهم كل شيء من الغنائم الزائلة بإباء وشمم، ويقول للملك: «لا آخذن لا خيطًا ولا شراك نعل، ولا من كل ما هو لك، فلا تقول: أنا أغنيت إبرام» (التكوين، ١٤: ٢٣-٢٤)، ويتوجه للرب «إل عليون»، أو «إيل العالي» أو «الله العلي» بندائه: «أيها السيد الرب: ماذا تعطيني؟» (التكوين، ١٥: ٢). فيجيبه: «أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها» (التكوين، ١: ٧)، ثم لا يلبث «إل» أن يوسع على خليله، فيزيد: «لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (التكوين، ٥: ١٨).

  • (٥)

    إن «إيل»، إله المدينة الكنعانية المقدسة «بيت إيل»، يستمر على عهده وتصميمه في اختيار بني عابر شعبًا بديلًا لشعبه الكنعاني، فيظهر ليعقوب حفيد إبرام ليؤكد له استمرار الحلف، ويعرفه بنفسه قائلًا: «أنا إله بيت إيل» (التكوين، ٣١: ١٣).

وحتى تثبت التوراة جدارة بني عابر بالأرض، ورب الأرض، تجعل الإله الكنعاني يمر بتجربة مريرة، يستشعر بعدها مدى حاجته الشديدة للعصابة العبرية، فتروي:

… فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه …

وبرغم أن «حق فخذ يعقوب» قد انخلع في هذه الجولة الصراعية، فإنه يستمر يضغط على خصمه مما يضطره إلى ترجيه «وقال: أطلقني، لأنه قد طلع الفجر.» وهنا، وفي هذه اللحظة التاريخية، يكتشف يعقوب شخصية خصمه الحقيقية، التي تخشى النور والنهار، ويعرف فيه «إل» إله كنعان، فيرفض يعقوب إطلاقه إن لم يباركه، بما تحمل هذه البركات من أعطيات:

«وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت، وسأل يعقوب وقال: أخبرني عن اسمك، فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك، فدعا يعقوب اسم المكان فينيئيل، قائلًا: لأني نظرت الله وجهًا لوجه ونجيت نفسي» (التكوين، ٣٣: ٢٤–٣٠).

ومن هنا تغير اسم «يعقوب» إلى «إسرائيل»؛ ليصبح أولاده من بعده يحملون اسم «بني إسرائيل»، والكلمة «إسرائيل» هي في الأصل العبري «صرع إيل»، وتعني «مصارع الرب»، أو «صارع الرب»، وهكذا أثبت «يعقوب» لرب كنعان قدراته؛ ومِن ثَمَّ استحقاق هذا الرب للحماية، وفرض الإتاوة، وسلب الأرض، ونهب العرض، ولا بأس أن تتدخل الشروح المتفذلكة لتؤكد أن الكلمة «إسرائيل» تعني أيضًا: «جندي الرب»؛ أي حامي الرب والمدافع عن حياضه وذماره!

أما المكتشفات الآثارية في تل شمرا (مدينة أوجاريت الكنعانية القديمة)، فقد كشفت لنا في ملاحمها المتعددة عن عبادة الإله «إيل» كسيد للآلهة، وخالق للبشر، وأنه كان معروفًا على نطاقٍ واسع في هذه المنطقة، وتصفه ملحمة «البعل» بأنه خالق الكائنات، رفيع المقام، مقامه عند نبع النهرين، قرب أفقا، أبو الزمن والسنين، لطفان «أي كثير اللطف» … إلخ.٦٠

لكن، كما سبق أن أشرنا، جدَّت ظروف أدت إلى مستجدات في جوهر الاعتقاد اليهودي، فحل الجدب بأرض كنعان، مما اضطر القبيلة العبرية أن تهبط مصر، مع واحد من بني إسرائيل هو «يوسف»، حيث عاشوا أو عاثوا هناك زمنًا، خرجوا بعده بقيادة سليل إسرائيل العتيد «موسى» النبي، وتحت راية إله جديد، غلبت عليه العناصر الرعوية هو «يهوه» أو «جاهوفاه»، وإن ظلت فيه علامات زراعية خصيبة لم يستطع التخلص منها بحكم تأثير الوسط البيئي المصري في اليهود. وقد أصبح «يهوه» هو إله اليهود القومي طوال تاريخهم بعد ذلك، ويبدو أنه جاء كرد فعل للاضطهاد المصري. وقد وضحت بدويته في مجموعة سمات «لا مجال لسردها هنا». وكان أبرزها ما أوردناه من شرائع الحرب، وقد أدى ظهور «يهوه» إلى انتهاء «إل» تمامًا، وتحوله إلى رمز وعلم قديم أدمج في «يهوه» نهائيًّا، إضافة إلى أن بني عابر لم يعودوا في هذا الطور بحاجة لممالأة آلهة المنطقة، بعدما تيسر لهم جهاز الردع وتحولوا بكاملهم إلى مؤسسة عسكرية متحركة إلى كنعان، فجاء «يهوه» متسقًا مع طبيعة المرحلة والعنصر، مع ملاحظة أن التوراة تقول: إن «موسى» قد التقى بهذا الإله خارج مصر، وفي منطقة من البوادي أسمتها «مديان».

(٨) أسطورة المسيح الملك

إنهم يقولون عنك يا أوزيريس:
لو أنك ترحل إلا أنك تستيقظ ثانية
ولو أنك تموت إلا أنك تبعث مرة ثانية
قف، انهض،
إن إيزيس تحبك!
متون الأهرام

وكل ما أسلفناه من نصوص توراتية، يضمه كتاب مقدس واحد من الأناجيل المسيحية، يؤمن به المسيحيون كمقدس واحد على الدرجة نفسها من القدسية، تأسيسًا على قول المسيح: «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل» (متى، ٥: ١٧)، مقررًا بذلك أنه جاء مصدقًا للتوراة وسيرة الأنبياء اليهود فيها، وأنه إنما هو متمم فقط، وهو أمر كان له دوره الخطير في دخول الإسرائيليات كعمد أساسية للإيمان المسيحي، حتى إن «المسيح» نفسه لم يتعرض، لا بالشرح ولا التعليق، حول قصص الخلق، أو الطوفان، أو غيرها من قصص التوراة، بحسبانها مقررات صادقة مسلمًا بها، وطلب من المؤمنين الرجوع إليها في التوراة؛ لذلك ظلت الأناجيل جميعًا قصة حياة وموت وقيام المسيح، ومعنى الخطيئة والفداء وما ارتبط بهما من عقائد وطقوس. وقد كانت بدورها تراثًا من الثقافة القديمة للمنطقة، ظل حيًّا وقائمًا إلى زمن المسيح، حتى وقع في يد اليهود فاقتنصوه، وانهالوا عليه تهويدًا، حتى صار تراثًا لبيت داود «ولا نعلم لماذا يبحث المسيحيون في التراث اليهودي، أو المهود عن النبوءات بقدوم المسيح، ويربطون التوراة بالأناجيل لما فيها من هذه النبوءات، بينما كان عليهم أن يبحثوا عن ذلك في المصادر الأصيلة في تراث المنطقة، التي انتهت وصبت جميعًا عند المسيح، أو لماذا التقليد ولدينا الأصل، أو لماذا المهود ولدينا الوطني الأصيل، نكتشف فيه ما نريد من نبوءات».

ويبدو أن واقع الأمر قد سبب إرباكًا شديدًا للمهتمين بالبحث الجاد، بين المسيحيين الشرقيين؛ لارتباطهم من جانب بوطنهم، وما يلزم عن هذا الارتباط من معانٍ تستلزمها الوطنية، وارتباطهم من جانب آخر بمقدس مفروض عليهم فرضًا في العهد القديم، ويناقض تمامًا هذه الوطنية ومصالح الوطن ومعنى المواطنة الحق. فهذا المرحوم الصديق «أنيس فاخوري» ينشغل بالقضية زمنًا إلى أن يهديني ما وصل إليه منشورًا في كتاب، حاول فيه نزع ما لحق بالعقل المسيحي من تهويد، بعد أن وضع يده على نقطة التقينا عندها، وهي بنص كلامه «عندما نتعجب نحن في الشرق الأوسط أو في العالم العربي كيف أن الغرب المسيحي لا يأبه لحقنا، بل يدعم حق عدونا المغتصب، وعندما نبحث عن أسباب ذلك الدعم وننسبه فقط إلى قوة اليهود المالية والاقتصادية والإعلامية المسيطرة في العالم الغربي، نكون قد وضعنا أيدينا على نصف الجواب، أما النصف الآخر الذي ما زلنا نجهله أو نتجاهله، فهو كامن في أن الذهن المسيحي قد تهود منذ أكثر من ثمانين سنة، وتبنى مطالب الصهيونية وكأنها أمل كل مسيحي.»٦١

وهكذا عبر الرجل عن معايشته أرقًا مهمومًا به إلى يوم وفاته، ما بين إيمانه وبين وطنيته الصادقة، وما يتعرض له هذا الوطن، في ضوء ما رسمته المقدسات في العقل بما يناقض تمامًا مصالح هذا الوطن.

لكن الأستاذ «فاخوري» كان مؤمنًا ويرفض التخلي عن هذا الإيمان؛ لذلك حاول باستمرار أن يرجع هذا التهويد إلى العصر الراهن مع ظهور الدعوة الصهيونية، برغم إشارات في كتابه تتحدث عن أسباب تبني الغرب المسيحي لمطالب الصهاينة، وما أسماه دون تصريح ﺑ «… الوشائج الدينية الغامضة القائمة بين المسيحية واليهودية، والعلاقة غير الواضحة تمامًا، ما بين العهد القديم والعهد الجديد في الكتاب المقدس للكنيسة المسيحية، وهي الأمور التي جعل منها التضليل اليهودي ركائز دينية وأدبية قوية، متأصلة في ذهن الغرب المسيحي؛ لذلك نرى أن الكيان الإسرائيلي الديني السياسي كان قائمًا في ذهن الغرب المسيحي، لمدة طويلة، سبقت إعلان الأمم المتحدة قرارها بالتقسيم سنة ١٩٤٧م، تمهيدًا لقيام إسرائيل في السنة التالية.»٦٢
وما أشار إليه من أسباب ساعدت على هذا التهويد «… بواسطة اليهود المتنصرين الذين اندسوا بين المسيحيين عبر السنين، وأخذوا يغذونهم بالتفاسير والنظرات والتعاليم المضللة … الذي سهل اختلاط الأمر على المسيحيين.»٦٣ لكن دون أن يشير بالطبع إلى أن كل تلاميذ «المسيح» بلا استثناء إنما كانوا يهودًا، وهم حواريه، وكتبه أناجيله، ورسله إلى العالمين! واكتفى بالتنبيه إلى ما أسماه الوشائج الدينية الغامضة «بغموض» بين الكتابين والديانتين، وهو الأمر الذي نراه غير غامض، ولم يعد يحتمل مجاملات أو محاذير، بل هو الأمر الذي كتب للمبادئ اليهودية النصر الحقيقي على نصف عقل العالم اليوم.
ودونما علاقة خاصة بقضيتنا وروافدها السياسية والتاريخية، ودونما رابطة مواطنة أو وطنية، يكتشف بعض المسيحيين في الغرب تناقض العهدين القديم والجديد، ويؤسسون مذهب الثيوزوفيرية والأزوتيرية السرية الجديد، يحاولون فيه تخليص «المسيح» الروحاني والمسيحية العالمية من المفاهيم الناموسية المؤسسة على عمد توراتية؛ مما يصل بهم إلى رفض العهد القديم، بأنبيائه ومفاهيمه وشرائعه، ويلجئون إلى تفسير الأناجيل وما لحقها من مفاهيم ناموسية يهودية تفسيرًا جديدًا لا علاقة له بالقديم، يقوم على التأويل والترميز، إبقاءً لإيمان روحي بالمسيح، ورفضًا لإيمان ناموسي بالشرع واللامعقول، وهو ما نجده في مؤلفات واحد من المبشرين بهذا المذهب من العرب «ندرة اليازجي»، الذي وضح أنه وجد خلاصه الروحي، وحسه الوطني معًا في هذا المذهب، فيصرح دون مواربة ولا وجل بالقول: «يخطئ المسيحيون إذ يبقون على الصلة بين المسيحية واليهودية، فقد استغل اليهود نقطة الضعف هذه منذ بداية عصر التبشير المسيحي، هذه البدعة التي تقوِّض المسيحية وتعيد لليهودية كيانها، وإذا لم تعمل المسيحية على تخليص نفسها من اليهودية، فإن كلام بولس وتحذيراته تظل صحيحة إلى الأبد.»٦٤
وهكذا فإن «اليازجي»، ممثلًا للثيوزوفيرية، يطلب شطب التوراة من تاريخ المسيحية ومقدساتها، وقد عمد إلى ذلك بطول كتابين بين أيدينا،٦٥ عامدًا إبان ذلك إلى إبراز الفروق الجوهرية بين إله موسى التوراتي المرعب الدراكولي، وبين إله المحبة والسلام مسيح الأناجيل، لكن «يازجي» يؤكد، بذلك، على جانب واحد من صورة مسيح الأناجيل، وهو الجانب المتأثر بثقافة المنطقة، وتتضح صبغته الزراعية واضحة في المسيح الروحاني السماوي، وصاحب الملكوت الأخروي، مهملًا في الصورة نفسها المسيح الممسوح بالصبغة البدوية والفكر اليهودي، والتي صبغته بصورة «ابن داود» صاحب الملكوت الأرضي لإسرائيل، وما كان ممكنًا له كمؤمن المطالبة برفض آخر لجزء من الأناجيل؛ نظرًا للتعشق التام بين الصيغتين في المقدس المسيحي الإنجيلي؛ مما اضطره إلى اللجوء إلى التفسيرات الرمزية والتأويلية للجانب المطبوع بوجهة النظر الإسرائيلية من المسيح كملك لليهود من نسل «داود»، فجاء مبتسرًا ومتكلفًا وغير مقنع، لا للمؤمن المسيحي ولا للباحث المحايد الموضوعي، ولا لغير المؤمنين بالمسيحية، بينما الأمر الواضح لدينا هو ما أوضحناه، أن المسيح الإنجيلي قد جمع ثقافتين متنافرتين تمامًا وجذريًّا، تم دمجها في عصر الدمج الإمبراطوري إبان السيطرة الرومانية وفي العصر الهيليني بالتحديد، ثقافة الراعي وثقافة المزارع، أو الراسب اليهودي والتراث الوطني للمنطقة، وذلك التراث الذي تمثل إبان ظهور المسيح وقبله، في مجموعة ديانات الفداء الزراعية، التي تدين جميعًا في كثير من تفاصيلها لأهم العقائد المصرية القديمة، هي عقيدة الثالوث الأوزيري « أوزيريس الأب Osiris، إيزيس الأم ISIS، حوريس الابن Horus»، التي سبق أن أفردنا لها كتابًا خاصًّا صدر عن دار فكر مؤخرًا بعنوان: «أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة». وهي عقيدة تحتاج منا وقفة متعجلة، بما يتفق والمساحة المتاحة في هذه الدراسة القصيرة، وإضافة إلى هذا العرض السريع يمكن الاستعانة بالكتاب المشار إليه، مع أربعة بحوث سبق وفصلنا فيها القول عن ديانات الخصب الفدائية، ورصدنا بياناتها في الهامش.٦٦

وبالعودة إلى العصر الهيليني الروماني، نجد أنه قد انتشر على صفحة الخصب، شرقي المتوسط مجموعة من العقائد المتشابهة، تأسست على نتاج الخبرات القديمة للمزارع مع الطبيعة، وكونت مجموعة من المفاهيم عن آلهة للخير وأخرى للشر، وعبدت عادة ثالوثًا إلهيًّا مثل فيه دور الأب، الإله المختص بالخصب ريًّا ومياهًا طامية، وتصوره إذ كان نهرًا في البلاد التي تعتمد في ريها على الأنهار، أو في السماء الممطرة في البلاد التي تعتمد على الأمطار، كإله ذكر يخصب الأرض دومًا بلقاحه المائي؛ لذلك تصوروا الأرض إلهة أنثى، تعطي مولودها زرعًا، وهو بدوره «الزرع» إله يقوم بتمثيله الإله الابن في الثالوث المقدس للعائلة الإلهية، وغالبًا ما اندمج الأب في الابن بحيث أصبحا أقنومًا واحدًا، يمثله إله واحد، هو إله الماء، وفي الوقت نفسه إله النبات.

وكما يموت الزرع، يجف ثم يعود إلى الحياة، فقد تصوروا إله الخصب تجري أموره على الوتيرة نفسها، فهو قد مات ثم قام في صيرورة خالدة أبدًا، فموته مؤقت، وخلوده هو الحقيقة المطلقة، وهي تصورات تتسق وتفكير الإنسان آنذاك، وتعبر بصورة شعرية دينية عن علاقة الإنسان بالزرع الذي تتوقف عليه حياته واستقراره المجتمعي؛ لذلك كان لا بد من العمل الجاد في الأرض لمساعدة هذا الإله المحب العطوف على العودة إلى الحياة مرة أخرى، فأضفت على العمل في الأرض صبغة القداسة، وربطت المواطنة والعمل بالإيمان، بحيث يعد أي إهمال في حق الأرض ورب الزرع كفرًا مبينًا (ولم يزل العرف في مصر يعد تفريط المزارع في الأرض الزراعية بالذات، دون غيرها، سبة وعارًا لا تمحوهما أية محاولات تكفير بديلة). وهكذا كانت العقيدة القديمة ضامنة للمجتمع سلامته واستمراره مترابطًا، كناتج لارتباطه المستقر بالأرض، ما دامت تعطي، وهي لا تعطي إلا بالعمل، وبالإيمان بها وبهذا العمل.

وقد دخلت عقائد الفداء مختلف المواطن الخصيبة، بتطورات وتغيرات حذفت منها وأضافت، كناتج طبيعي للجدل الاجتماعي وما يفرزه من تغيرات على مستوى النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وصراع طبقي حاضر دومًا في هذا الجدل، حتى بلغت كمال نضجها في انضوائها تحت راية الإله المصري «أوزير» رب الثالوث المصري، ورمز النيل والغلة في آن واحد، بل اندمجت فيه تمامًا، وذلك في العصر الهيليني الروماني، الذي اصطلح المؤرخون على تسميته بما أسماه لسان حال الجماهير آنذاك: عصر الآلام، كناتج لسيطرة السلطان العسكري الروماني، وواضح لدينا أن هذا الانضواء قد بدأ تفاعلًا ثوريًّا اندمجت فيه مختلف ديانات الفداء في منظومة واحدة، تحت راية «أوزير» المصري، كقيادة لشكل أيديولوجي موحد في مواجهة القمع الروماني، بعد أن أتيحت لهذا الإله مجموعة من العوامل جعلت منه قيادة روحية وأيديولوجيا ثورية، كما أدت إلى انتشار عالمي لعقيدته مع زوجته «إيزي» وابنه حور، حتى فرض وجوده على إيمان الرومان أنفسهم فعبدوه مع أسرته باسم «سيرابيس Sirapis» وبينما كانت جامعة الإسكندرية مركز الإشعاع الفكري والعقدي آنها، تواصل تصديره مع كل طالب علم، مصحوبًا بكثير من الإضافات التفسيرية والفلسفية.
وقد انتهينا في كتابنا المذكور إلى أن عبادة «أوزير» في مصر القديمة قد ترافقت مع ثورة عظمى ضد النبلاء والملكية والدين الرسمي القائم، وذلك قرب نهاية الدولة القديمة، وكانت هذه الديانة بمثابة الأيديولوجيا التي حددت للثورة طريقها وأهدافها، بعد أن جمعنا لذلك عددًا من القرائن والبراهين، انتهت إلى حسبانه الإله الذي رمز لانتصار العدل على الظلم، وأن موته في أسطورته، على يد الظالمين، وما عاناه من آلام أثناء ذلك تعبيرًا — ومشاركة — عن آلام الجماهير، ثم موته، ثم قيامته من الموت، إعلام عن عودة الوعي، أو عودة الجماهير إلى الصحو. كما كان ابنه الإلهي «حور» وهو يقود الجيوش ضد الملك الشرير الظالم «ست»، لهيبًا يؤجج صدور الجماهير ويشعلها حماسة، ومن هنا كان الإيمان بأوزير يعني ضرورة القيامة والثورة والتجدد الدائم، كالزرع المتجدد دومًا، الذي يكافح تحت التربة بعد الموت الظاهري، للعودة إلى الحياة مرة أخرى، فأوزير قد تعذب ومات شهيدًا من أجل المتألمين، ومشاركة لهم في الآلام، وقد ساعد على انتشار هذه العقيدة في بقاع الإمبراطورية الرومانية دور الإلهة «إيزي»، التي مثلت الوفاء بأجلى معانيه لزوجها الثائر، ورفضت أي استسلام للقدر الذي قرره رب الدولة «رع» على زوجها بالموت. وقامت تجمع أشلاءه بعد مقتله، من أجل القيامة المجيدة. ومثلت دور الأنثى الثائرة، التي تقوم بدورها من أجل إقامة العدل، ودور الزوجة المخلصة الوفية، لكنها الحرة، التي يحرر حبها من يؤمن بها ويحبها. ومن هنا وجدت لها من الإناث عابدات مخلصات في كل صقع، في ضوء مقررات الاستعباد الروماني للمرأة التي أصبحت في عصر الآلام مجرد متاع رخيص مبتذل، مع وعد بعالم آخر بلا ألم ولا ظلم قرب عرش «أوزير»؛ لأن «أوزير» لم يستشهد إلا عن قصد منه ورغبة؛ لكي يثبت أن من يموت يقوم، ومن يعاني الآلام لا بد أن يعوض عنها عالمًا سعيدًا خالدًا؛ ومن هنا قرر أن يكسر حاجز الخوف عن الجماهير، فهبط من مجده السماوي، ومات، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء بعد أن التقى بروحه بحبيبته «إيزي» وهي بعد عذراء، بلا ملامسة جسدية، فأنجبت منه «حور»، وعليه كان الإيمان بأوزير هو بمثابة بنوة له؛ لأنه التقاء أرواح، ويصبح المؤمنون به أبناء له، يدخل الإيمان إلى قلوبهم مصحوبًا بصفته الإلهية، فيخلدون مثله في عالمه الآخر؛ لذلك كان الإيمان بأوزير وبموته وقيامه، سبيلًا إلى قيامة أخرى للمؤمنين في عالمه السعيد، ومن يمت شهيدًا فسوف يقوم، ولا عجب إذا وجدنا هذا الإله يفعل فعله الأيديولوجي في عقر الدولة الرومانية، فتتخذ ثورة العمال في عصر الآلام من الديانة المصرية أيديولوجيا دافعة للثورة.٦٧ وبرغم كل محاولات الحكام المتتالية لتفريغ هذه الأيديولوجيا من مضمونها الثوري، سواء في مصر أم خارجها، ومع الإجهاض المتتابع من الأجهزة الحاكمة، للثورات التي كان دافعها ومحركها الأيديولوجيا الأوزيرية، وعلى مر السنين، بدأت تتكون لدى الجماهير قناعات أن النجاح الأعظم للثورة الكبرى على الظلم إنما يتحقق بعودته مرة أخرى من السماء ليخلص الناس من الآلام، بخاصة في عصر الآلام، ومن هنا بدأ الانتظار للمخلص أوزير، وبدأت الشائعات المعبرة عن رغبة الجماهير تتحول إلى لون قدسي يؤكد أن «أوزير» قبل صعوده إلى السماء أكد أنه سوف يعود مرة أخرى ليقيم دولة للعدل ومملكة المساواة والإخاء.

وكان تفريغ هذه الأيديولوجيا من محتواها الثوري مهمة أولى وأساسية جابهت الإمبراطورية في البداية، بحيث لا يبقى منها سوى جانبها السلبي المتمثل في انتظار عودة المخلص بهدوء، أو الخلاص الروحي بانتظار الموت ليذهب المؤمن إلى عالم العدل السماوي؛ ليعيش هناك إلى جوار «أوزيريس»، أو سيرابيس (التسمية الرومانية للإله المصري)، وجاء التحقيق ببساطة في اعتناق الطبقات الراقية، والمترفة، والمثقفة، ورجال الجيش، لهذه العقيدة، بعد أن كانوا يشكلون تيارًا تابعًا للمدرسة الفلسفية الرواقية، تلك الفلسفة التي اتضح فيها التدخل المباشر، عندما تحولت من فلسفة مادية إلى فلسفة روحية؛ لتقوم بدورها التخلفي الرجعي فتمتزج بالعقيدة الأوزيرية، وتشكلان فلسفة إشراقية صوفية، تفي بالغرض الأمثل للمؤسسة العسكرية الحاكمة، كي يعطي ما لقيصر لقصير، وما لله لله، ومن هنا دخلت على الأوزيرية مصطلحات فلسفية لا تعني الجماهير في قليل أو كثير، أو ربما لم تكن مفهومة لهم أصلًا، بينما انتشر بينهم منها (مع دور الكهان وما يمثلونه من قيمة للإنسان العادي) فقط الجانب الإشراقي المتمثل في انتظار الموت خلاصًا. أما الطبقة المثقفة فقد انتشرت بينها هذه العقيدة والفلسفة انتشارًا هائلًا، بعد أن تم إفراغها من الطبقة صاحبة المصلحة في الجانب التثويري؛ لتصبح العقيدة الجديدة ترفًا روحيًّا لأناس أوجعهم الشبع، يبحثون عن كل الغرابة ويذهبون وراء الإغراب، في بلاد الشرق والاستشراق.

وبعد أن انتهت المدرسة الرواقية المسيَّسة من إنجاز المهمة الموكلة إليها، تحولت فلسفة الكلمة Logos التي كانت تعني من قبل قانون الوجود، إلى أن تصبح هي سر الوجود، أي أصبحت فلسفة حلولية تنادي بالوحدة العالمية (تحت راية الإمبراطورية بالطبع)، وبالإخاء الإنساني، فقادت الحركة الروحية بزعامة «بوسيديونيوس»،٦٨ وبعد أن تحولت جامعة الإسكندرية إلى مرتع فلسفي للرواقيين، دمجت الكلمة Logos بالابن الإلهي «حور»، استنادًا إلى تماثيله التي تصوره واضعًا سبابته على فمه، علامة على أنه الكلمة.٦٩ ولما كان «حور» ممثلًا لأبيه على الأرض، فقد أصبح الأباطرة الرومان كذلك هم المخلصون الحقيقيون لرعاياهم، مثل «نيرون»، الذي ارتفع بعد موته جسدًا حيًّا إلى السماء بقسم مغلظ من «نوميرواتيكس»، ومن يشك في «نوميرو»؟٧٠ ومثل «أوغسطس» الذي قررت لائحة مجلس الشيوخ بشأنه أنه كان صورة تجسيدية للإله على الأرض، وقام الفيلسوف «سنكا» يعطيه لقب المخلص،٧١ حتى أصبحت ديانة «أوزير» بعد فلسفتها رواقيًّا ديانة البطالمة الرسمية،٧٢ ومعروف أن الإمبراطور «هادريان» كان أهم المتحمسين لجعلها ديانة رسمية للإمبراطورية،٧٣ ومِن ثَمَّ قرر الآثاري «أدولف إرمان» أن هذه العبادة انتشرت في كل الأرجاء؛ لأنها كانت «… تقدم لأتباعها عزاءً أخيرًا في كافة المصائب، وكانت تمنحهم الإيمان بحياة أخرى أفضل، يقضونها في مملكة أوزيريس.»٧٤ حتى إن الكلمة الرواقية تحولت إلى ضلع مقدس في الثالوث، وأصبحت معبودًا انتشر في حوض المتوسط يعزِّي المسحوقين ويرفه عن المترفين، بعد أن صارت فيما يقول «أرنولد توينبي» «… العقل الخلاق السرمدي، الذي عرف فيه المفكرون الهيلينيون الحقيقة المطلقة الكامنة وراء مظاهر الكون.»٧٥ ولم تكن الكلمة سوى الأب ممثلًا في الابن، والابن كان «حور»، وأصبح هو الإمبراطور.
ونتيجة لكل هذا التسارع استطاع الآثاري «إرمان» أن يؤكد أنه لم يعد «… في الإمبراطورية الرومانية الواسعة الأرجاء، مقاطعة واحدة لا تعبد فيها الآلهة المصرية، حتى استطاع ترتوليان أن يقول: إن الأرض بأسرها تعقد الإيمان اليوم باسم سيرابيس.»٧٦ أما ما أكده المرحوم «عباس العقاد»، فهو أن أكثر هذه المقاطعات تأثرًا بهذا المذهب هي بلاد الجليل، حيث ولد السيد المسيح؛٧٧ مما حدا باليهود الناموسيين أو المتمسكين بحرفية التوراة، إلى طرح مثل سار على ألسنتهم يقول: «إنه لا خير يأتي من الجليل».٧٨
المهم أن العقيدة الأوزيرية قد استقطبت كل الأساطير الأخرى مثل تلك التي كانت تنسب إلى «… السحرة الذين يجففون البحيرات بكلمة ينطقون بها، أو يجعلون الأطراف المقطوعة تقفز إلى أماكنها، أو يحيون الموتى.»٧٩ ومن هنا استولى «أوزير» على كل «قصص الشفاء»،٨٠ وابتلع «أوزير» الإله الإيراني «ميثهرا»، وأصبح بدلًا منه صاحب «العشاء الرباني المصنوع على هيئة الصليب»٨١ وأصبح بدلًا من الإله «ديونزيوس» «صاحب القلب المقدس وابن الإله الأوحد، الذي قتله البشر فحملوا إثم خطيئة عالمية، لا يغفرها إلا الخلاص، بالإيمان به، وبالتعميد، وبتعاطي جرعات من النبيذ تمثل روح ابن العذراء»، فتسري فيه الروح الخالدة. وأصبح هو المخلص المنتظر٨٢ عند الجماهير المطحونة، بعد أن ابتلع عقيدة «البوذيستافي»، وأصبح هو بدلًا منه «… الله الابن … منقذًا ضحى بنفسه، وراعيًا أمينًا للقطيع البشري الضال».٨٣

وتحت الاحتلال الروماني، قام اليهود بعدة ثورات فاشلة، فقسمهم الفشل فرقًا، لعل أشهرها: الصدوقية والفريسية. وبرغم الفشل أمام جيوش الرومان التي بلغت حد الاكتمال، فقد ظل الصدوقيون مخلصين لتوراة «موسى» وقصص الأنبياء السوالف، بل ازدادوا سلفية وتمسكًا بحرفية التقليد، إضافة لكونهم كهنة الهيكل وسدنته، مما حدا بهم إلى رفض منطق العصر وتغيرات الزمن، فظلوا يحلمون بمملكة «داود» الغابرة، ثم تصوروا أن هذه المملكة لا بد أن تقوم مرة أخرى على يد واحد من نسل «داود» ضمانًا لنقاء الدم الملكي، وهذا الشخص الملك موجود، لكنه مفقود ضائع بين بيوت إسرائيل، وفي حال إعلانه عن نفسه سيقود شعبه بقوة السلاح؛ ليجتاح قلاع الرومان ويطبق شريعة «موسى». ومن هنا قاموا يفسرون بعض الآيات القديمة بمنهج التأويل، على أنها نبوءات بظهور هذا الملك العظيم عندما تشتد المحنة بالشعب، وسيأتي جبارًا مثل «شاءول»، مقاتلًا مثل «داود»، حكيمًا مثل «سليمان». وفعلًا بدأ العصر يرهص بالنبوءة الصدوقية، ينتظر يهوديًّا يعلن أنه حفيد «داود»، وعندئذٍ سوف يمسحه الصدوقيون بالزيت المقدس مسيحًا، حسب الشرعة التوراتية لصحة التتويج الملكي.

هذا، بينما كانت مقاطعة الجليل في وادٍ آخر، يموج بفلسفة الإسكندرية وفلسفتها الرواقية وعقيدتها الأوزيرية، بحيث رفض أهلها منطق الصدوقيين، بعد أن انكسرت الثورات على رماح الرومان واحدة إثر أخرى، وأصبحت القناعة أنه لا يقدر على الرومان إلا الرب، ولم يعد مجديًا إلا أن يهبط الرب بنفسه كما هبط لموسى من قبل، ولكن في صورة روحانية بروح قدس، تحل في بذرة بشرية في أحشاء عذراء تنجبه أو تنجب منه ابنًا هو المخلص الموعود، وسيكون هو الكلمة والقانون، فكلمة الله نافذة، فلا يحارب ولا يقود جيوشًا، إنما يتكلم بالسلام، ويقيم دولة المحبة التي أرادها فلاسفة الرواقية.

وحدث أن ظهر، في الجليل، وفي قرية من أعمالها هي «الناصرة»، من أعلن أنه قد توافرت فيه المواصفات المطلوبة في «المسيح» المنتظر، وهو ما سجلته الأناجيل كما سنرى:

يستهل الإنجيلي «يوحنا» — وهو واحد من تلامذة المدرسة الرواقية — إنجيله بقوله: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله» (١: ١). «وأن الله صار جسدًا وحل بيننا» (١: ١٤). أما كيف حدث ذلك، فهو ما يشرحه الإنجيلي «لوقا» في إنجيله بالقول: «أرسل جبريل الملاك من عند الله إلى مدينة في الجليل، اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم، فدخل عليها الملاك وقال: … ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا، هذا يكون عظيمًا، وابن الله يدعى … القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (١: ٢٦–٣٥). ومن هنا لم يراود «بولس الرسول» أي شك وهو ينادي ورجع الصدى منه يردد في أرجاء المتوسط: «إنه إلهي يسوع المسيح.» الرسالة إلى رومية (١: ١٨)، «إنه ربنا يسوع المسيح.» الرسالة إلى فيلبي (٤: ٢٣). أما «بطرس الرسول» فقد أخذ على عاتقه نفي أية علاقة للمسيح «ابن الله» بأي أبناء آلهة آخرين في تراث المنطقة، فقام يؤكد القول: «إننا لم نتبع خرافات مصطنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه؛ لأنه أخذ من الله كرامة ومجدًا، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسمى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سُررت به، ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلًا من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس.» رسالة بطرس الثانية (١: ١٦–١٨). وإعمالًا لذلك أكد «يوحنا» أن «… المسيح ابن الله الحي» (٦: ٦٩) … أما سبب مجيئه عند «بولس» أن «الله بين محبته لنا ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا، وقد صولحنا مع الله بموت ابنه. الرسالة إلى رومية» (٥: ٨). وأنه قد «مات من أجل خطايانا … وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث.» الرسالة الأولى لكورنثوس (١٥: ٣-٤). وأن من يؤمن بذلك فإن يوحنا يؤكد له أنه سيصبح ابنًا للمسيح خالدا مثله، «… كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الإله. أي المؤمنون باسمه» (١: ١٢)، وأكد المعنى نفسه «بولس» بقوله: «الله نفسه أبونا وربنا» الرسالة إلى تسالونيكي (٣: ١١)، وسبب هذه الأبوة عند «بطرس» هو الحصول على الطبيعة الإلهية الخالدة، أو كما قال: «… لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية.» الرسالة الثانية «١: ٣-٤»، وهو ما أوضحه بالقول: «والذي يؤمن بالابن له حياة أبدية» (الرسالة الثانية، ٣: ٣٥).

مع هذا الاعتقاد الجازم في ألوهية «المسيح»، أو بنوته للإله، وأنه ولد من عذراء، وأنه هبط فداء للبشر وتخليدًا للمؤمنين في عالم آخر عوضًا عن عالم الآلام الدنيوي، فقد تلازم مع هذا الاعتقاد اعتقاد آخر عجيب، فهذا «لوقا» بعد تأكيده عن المسيح «هذا يكون عظيمًا وابن الله يدعى»، يردف القول مباشرة ويعطيه الرب كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد (١: ٣٢-٣٣) ثم لا يني يردد أنه: «هو مسيح ملك» (٢٣: ٢٢)، وينادي: «تبارك الملك الآتي باسم الرب» (١٩: ٣٨).

أما الإنجيلي «متى»، فيرصد «المسيح»، آخر النسل في شجرة نسب بيت الملك «داود»، وأنه الملك المنتظر للجلوس على عرش إسرائيل، فإن «مرقس» يقول: «مبارك الآتي باسم الرب، مباركة هي مملكة أبينا داود» (مرقس، ١١: ٩-١٠)، ثم هذا «يوحنا» يحكي أن: «فيليبس وجد نثنائيل وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء: يسوع بن يوسف الذي من الناصرة» (٥: ٤٥-٤٦). لذلك اضطر «بولس» لمحاولة شرح توفيقي يقول عن المسيح: «هو فعلًا الذي سبق فوعد به في الكتب المقدسة عن ابنه، الذي صار من نسل داود من جهة الجسد، وتعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، القيامة من الأموات» (الرسالة إلى رومية).

(٩) مقولة ختامية

ليست هناك ثقافة، أيًّا كانت، يمكن فرضها على شعب من خارجه، إن لم تجد لها أرضًا خصبة تناسبها، فما بالنا ومنابت هذه الثقافة تضرب بجذورها في أعماق تاريخنا القديم، وأن كل ما حدث هو أن العبريين قد تمكنوا من استخدام هذه الثقافة كأداة للوعي بتاريخ المنطقة، وهم الغرباء، من أجل السيطرة عليها، بدءًا بالسيطرة الروحية، وتوجيهها وفق المخططات المطلوبة، بينما نحن اليوم نرفع شعارات الثقافة القومية، والمهول في الأمر أننا لا نعني بهذه الثقافة — في الأغلب الساحق — سوى جزء من تراثنا، هو بالتحديد الجزء الذي تم تهويده وأعيد تصديره إلينا؛ مما أدى بنا إلى وعي مزيف بحقيقة تراثنا، بينما الوعي الصادق بأصالتنا يعني، في رأيي، الوعي بتاريخنا كله وعيًا ناقدًا، وألا يقتصر على فترة محددة من هذا التاريخ، وأن غياب الوعي الصادق بالتراث الصادق وبالتاريخ الصادق، لغياب العقلية النقدية، هو الخطر الحقيقي الذي تتعرض له هذه الأمة، وهو ما أتصور «د. جواد علي» كان يعنيه بالتعبير: «شر أنواع الاستعمار».

figure
لوحة رقم ٢١: ختم أسطواني سومري، ينتمي إلى حوالي منتصف الألف الثالثة ق.م. كائن حاليًّا بالمتحف البريطاني بلندن، يمثل أفعى تنتصب خلف امرأة تمد يدها في شكل دعوة للرجل الجالس أمامها لتناول ثمرة من شجرة أو نخلة بينهما. ولعله من الواضح تمامًا أن هذا النقش الذي سبق تدوين الكتاب المقدس بقرون طويلة يمثل قصة إيعاز الحية للذكر والأنثى الأوائل بأكل الثمرة المحرمة.
figure
لوحة رقم ٢٢: الإلهة: المرأة الحية، فن هندي.
figure
لوحة رقم ٢٣: فن معاصر (الفنان فرانس براملي وارن) المرأة والحية.
figure
لوحة رقم ٢٤: إيزيس الأم الإلهية ترضع ولدها الإلهي حورس، فن مصري قديم.
figure
لوحة رقم ٢٥: الربة إيزيس وابنها الإلهي، فن مصري قديم.
figure
لوحة رقم ٢٦: العذراء ووليدها، فن مسيحي. لاحظ تاج الملوكية الأرضي، ومعه هالة الألوهية المستديرة.
figure
لوحة رقم ٢٧: العذراء والطفل بالهالة السماوية المستديرة خلف الرأس.

فن مسيحي.

figure
لوحة رقم ٢٨: رمز الصليب في حضارات ثلاث قديمة من اليمين إلى اليسار: مصري، رافدي، إيراني.
١  ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، لبنان، ط٤، ١٩٨٨م، مج١، ص٥.
٢  Trail and Errot, the Autobiography of chaim Weizmann, Harpere and Bros New York, 1948, p. 110.
٣  Ibid p. 158.
٤  د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، بغداد، د.ت، ج٦، ص٥٨.
٥  د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، ط٧، القاهرة، ١٩٦٤م، ج١، ص٨.
٦  د. أنيس فريحة، دراسات في التاريخ، دار النهار، بيروت، ١٩٨٠م، ص١٩٨؛ انظر أيضًا د. حسن حنفي: في هوامشه على ترجمة كتاب أسبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، دار الطليعة، بيروت، ط٢، ١٩٨١م، ص٢٨.
٧  فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة، بيروت، ط٢، ١٩٧٩م، ص١٠٨.
٨  سبتينو موسكاتي، من عرضه لآراء فلهاوزن بكتابه «الحضارات السامية القديمة»، ترجمة د. يعقوب السيد بكر، دار الكتاب العربي للطباعة، القاهرة، ١٩٥٧م، ص١٥٧.
٩  إيفار لسنر: الماضي الحي، ترجمة شاكر إبراهيم سعيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨١م، ص١٤٢.
١٠  جيمس هنري برستد: فجر الضمير، ترجمة سليم حسن، مكتبة مصر، د.ت، ص٣٧٢.
١١  نفسه، ص٣٧٢، ٣٧٣.
١٢  نفسه، ص٣٨٢.
١٣  نفسه، ص٣٨٥.
١٤  صموئيل نوح كريمر، السومريون، تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم، ترجمة د. فيصل الوائلي، وكالة المطبوعات، الكويت.
١٥  صموئيل نوح كريمر، الأساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر داود، مطبعة المعارف، بغداد، ١٩٧١م.
١٦  صموئيل نوح كريمر، من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد، ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، ١٩٧١م.
١٧  تجدها في الفصل الرابع من المجلد الثالث من Chember’s Paper’s.
١٨  د. سيد محمود القمني، أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، دار فكر للدراسات والنشر، القاهرة، ط١٩٨٨م، ص٨٠.
١٩  د. عبد الحميد زايد، الشرق الخالد، دار النهضة العربية، القاهرة، د.ت، ص١٤٤.
٢٠  د. فوزي رشيد، الديانة، والمعتقدات الدينية، ضمن سلسلة تاريخ العراق، «مع آخرين»، دار الحرية للطباعة، بغداد، ج١، ص١٥٢، ١٥٤.
٢١  كريمر، الأساطير السومرية. سبق ذكره، ص٦٥، ٦٦.
٢٢  د. فوزي رشيد، خلق الإنسان في الملاحم السومرية والبابلية، آفاق عربية، آيار، ١٩٨١م، ص١٧.
٢٣  كريمر … من ألواح سومر، ص٢٤٣، ٢٤٤.
٢٤  جان بوتيرو، الديانة عند البابليين، ترجمة وليد الجادر، طبع جامعة بغداد، ١٩٧٠م، ص١٧.
٢٥  د. نجيب ميخائيل، مصر والشرق الأدنى القديم، حضارة العراق القديم، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦١م، ج٦، ص٣٠٤.
٢٦  د. أنيس فريحة، ملاحم وأساطير من الأدب السامي، دار النهار، بيروت، ط٢، ١٩٧٩م، ص١٠٦.
٢٧  د. سيد محمود القمني، أوزيريس … سبق ذكره، ص٨٦.
٢٨  فراس السواح، سبق ذكره، ص٨٨.
٢٩  نفسه، ص١٨٥.
٣٠  نفسه، ص١٨٥، ١٨٦.
٣١  كريمر، من ألواح … سبق ذكره، ص٥٢٧.
٣٢  د. فاضل عبد الواحد، الطوفان في المراجع السماوية، أوفست الإخلاص، بغداد، ١٩٧٥م، ص٧٤، ٢٣.
٣٣  كريمر، الأساطير … سبق ذكره، ص٩٤٨.
٣٤  د. فاضل، الطوفان، سبق ذكره … ص١١٠، ١١١.
٣٥  د. عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، ١٩٧٦م، ج١، ص٤٠٠.
٣٦  د. فاضل، الطوفان، سبق ذكره … ص٣٧، ٣٨.
٣٧  د. فاضل عبد الواحد، عشتار ومأساة تموز، وزارة الإعلام العراقية، بغداد، ١٩٧٣م، ص٣٦، ٣٧.
٣٨  د. عبد العزيز صالح، الشرق … سبق ذكره، ص٤٥٧، ٤٧٦.
٣٩  فراس السواح، سبق ذكره، ص١٥٤.
٤٠  الموضع نفسه.
٤١  الموضع نفسه.
٤٢  محمود سليم الحوت، في طريق الميثولوجيا عند العرب، دار النهار، بيروت، ط٢، ١٩٧٩م، ص٤٤.
٤٣  د. جواد علي، المفصل … سبق ذكره، ج١، ص٢٥٣، ٢٥٥.
٤٤  ابن كثير، البداية … سبق ذكره، ج١، ص١١٠.
٤٥  ابن كثير، البداية … سبق ذكره، ج١، ص١١٠.
٤٦  الجزائري، النور … سبق ذكره، ص٩٦.
٤٧  السواح، سبق ذكره، ص٣٠١، ٣٩٢.
٤٨  عباس العقاد، الله، دار الهلال، القاهرة، ص١٥٣.
٤٩  الجزائري، النور … سبق ذكره، ص٣٨، ٧٩.
٥٠  السواح، سبق ذكره، ص٢٩٤.
٥١  ابن كثير، البداية … سبق ذكره، ج١، ص٥.
٥٢  الثعلبي النيسابوري، عرائس المجالس، المكتبة الثقافية، بيروت، د.ت، ص٧٥.
٥٣  الموضع نفسه.
٥٤  نفسه، ص٦٠.
٥٥  ابن كثير، سبق ذكره، ج١، ص١٠٥.
٥٦  نفسه، ص١٠٨.
٥٧  المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة الإسلامية، بيروت، ج١، ص٤١.
٥٨  نعمة الله الجزائري، النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، ١٩٧٨م، ص٨٠، ٨١.
٥٩  الصدوق القمي، علل الشرائع، المكتبة الحيدرية، النجف، ط٢، ١٩٦٦م، ج١، ص٣٢.
٦٠  يمكنك الرجوع إلى ترجمة كاملة لملحمة البعل في «ملاحم وأساطير من الأدب السامي، د. أنيس فريحة، دار النهار للنشر، بيروت، ط٢، من ص١١٣–١٦١».
٦١  أنيس فاخوري: نسف الأضاليل مرحلة أساسية في إزالة إسرائيل، أوفست مؤسسة فاخوري، بيروت، ١٩٧٤م، ص٢٩.
٦٢  نفسه، ص٧.
٦٣  نفسه، ص٢٣.
٦٤  ندرة اليازجي: رد على اليهودية المسيحية، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط٢، ١٩٨٤م، ص٣٩، ٤٠.
٦٥  ندرة اليازجي: (إضافة للكتاب المذكور في ١) كتابه: رد على التوراة، دار طلاس، دمشق، ط٢، ١٩٨٤م.
٦٦  د. سيد محمود القمني، إلهة الجنس أو الزهرة، آفاق عربية، بغداد، عدد ٩، ١٩٨٢م، من ص٣٨–٤٧؛ د. سيد محمود القمني، البعد الأسطوري للشيطان في التراث الشرقي، فكر للدراسات والأبحاث، القاهرة، عدد ١٠، ص١١٣–١٢٥.
د. سيد محمود القمني، الأضاحي والقرابين الجذور التاريخية، فكر للدراسات والأبحاث، عدد ١١، يناير ١٩٨٨م، ص٨٣–١٠٦.
د. سيد محمود القمني، القمر الأب، أو الضلع الأكبر في الثالوث، الكرمل، نيقوسيا، قبرص، عدد ٢٦، ١٩٨٧م، ص٣٩–٦٥.
٦٧  د. سيد محمود القمني، أوزيريس … سبق ذكره، ص٢٠٢.
٦٨  أرنولد توينبي، تاريخ الحضارة الهيلينية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ١٩٦٣م، ص٢٤٠.
٦٩  أبكار السقاف؛ نحو آفاق أوسع، الأنجلو المصرية، القاهرة، د.ت، ج٢، ص٩٥٢.
٧٠  نفسه، ٩٤٧.
٧١  نفسه، ص٩٧٣.
٧٢  أدولف إرمان، ديانة مصر القديمة، ترجمة محمد عبد المنعم أبو بكر، ومحمد أنور شكري، نشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، د.ت، ص٤٦٥.
٧٣  نفسه، ص٤٦٩.
٧٤  نفسه، ص٤٨٦.
٧٥  توينبي، سبق ذكره، ص٢٤٧.
٧٦  إرمان، سبق ذكره، ص٤٨٦.
٧٧  عباس العقاد، حياة المسيح، كتاب الهلال، عدد يناير ١٩٨٨م، القاهرة، ص٧٧.
٧٨  نفسه، ص٩٣.
٧٩  ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة الثقافية بالجامعة العربية، ط٣، ١٩٦١م، مج١، ج٢، ص٤٧٧.
٨٠  إرمان، سبق ذكره، ص٤٧٧.
٨١  العقاد، الله، دار المعارف، القاهرة، ط٢، ص١٥٣.
٨٢  نفسه، ص٤٩.
٨٣  توينبي، سبق ذكره، ص٢٤٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠