تمهيد

مقَدِّماتُ السَّفَرِ

(١) أُسْرَةُ «رُوبِنْسَنْ»

كانَتْ ولادَتِي فِي عامِ ١٦٣٢م بِمَدِينَةِ «يُرْك» الَّتِي اتَّخَذَها أَبي مَوْطِنًا ثانِيًا لَهُ، بَعْدَ أَنْ كَسَبَ منَ التِّجارةِ مكاسِبَ طائِلَةً، وجَنَى١ ثَرْوَةً عَظيمةً، كَفَلَتْ لهُ عِيشَةً راضِيَةً.

وكانتْ أُسْرَتُنا مُؤَلَّفَةً منْ: والِدِي الشَّيْخِ، وأُمِّيَ الْعَجوزِ، وثَلاثِة أبْناءٍ كُنْتُ أصْغَرَهُمْ سِنًّا.

وقَدْ قُتِلَ شَقِيقِي الْأَكْبَرُ فِي مَعْرَكةٍ حَرْبِيَّةٍ، وسافَرَ الشَّقِيقُ الْأَوْسَطُ إِلَى حَيْثُ لَا نَدْرِي؛ فانْقَطَعَتْ أَخْبارُهُ، ولَمْ نَعْلَمْ عَنْهُ — بَعْدَ ذلكَ — شَيْئًا.

وَعُنِيَ أبِي عِنايةً كبيرَةً بِتَعْلِيمي، وَنَشَّأَنِي أَحْسَنَ تَنْشئَةٍ، وَزَوَّدَنِي بكَثيرٍ منْ نَصائِحِهِ الثَّمِينَةِ، واخْتارَ لِي أَنْ أتَفَقَّهَ فِي القانُونِ٢ ولكِنَّنِي كُنْتُ شَدِيدَ الزُّهْدِ فِي دَرْسِهِ، وكانَت نَفْسِي مُنْصَرِفَةً عنْ ذلكَ كُلِّهِ.

(٢) حُبُّ السِّياحَةِ

هِيَ أُمْنِيَّةٌ واحِدَةٌ، طالَمَا تَمنَّيْتُها، وَرَغْبَةٌ شَدِيدَةٌ، طالَمَا وَدِدْتُ تَحْقِيقَها، فقَدْ شُغِفْتُ٣ بالسِّياحَةِ وَرُكُوبِ الْبِحارِ، وَتَمَلَّكَ عَلَيَّ حُبُّ السَّفَرِ كُلَّ نَفْسِي؛ فَلَمْ أَعُدْ أُصْغِي إِلَى لَوْمٍ أَوْ نَصِيحَةٍ. وَكأَنَّ إِرادَةً قاهِرَةً قَدْ هَيْمَنَتْ٤ عَلَى نَفْسِي، وَغَلَبَتْنِي عَلَى أَمْرِي؛ فَلَمْ أُصْغِ إِلَى نَصِيحَةِ أبِي، وَرَجاءِ أُمِّي، وإِلْحَاحِ أَقارِبِي؛ حَتَّى يَئِسُوا مِنْ هِدايَتِيِ، لِما رَأَوْهُ مِنْ عِنادِي وَإِصْرارِي.

(٣) نَصِيحَةُ والِدِهِ

وَكانَ أَبِي شَيْخًا مُجَرِّبًا حَكِيمًا، وَكُنْتُ أَحِبُّهُ وَأُجِلُّهُ.

figure
وَذا صَباحٍ دَعانِي إِلى غُرْفَتِهِ — وَكانَ الشَّلَلُ قَدْ أَعْجَزَهُ عَنِ الْمَشْيِ — وَقالَ لِي وَقَدْ بَدَتْ عَلَى وَجْهِهِ أَماراتُ الْغَيْظِ وَالْأَلَمِ: «أيُّ رَغْبَةٍ مَجْنُونَةٍ تَدْفَعُكَ إِلَىَ مُغادَرَتِنا، وَتُبَغِّضُ إلَيْكَ الْبَقاءَ مَعَنا؟ وَماذا يُضْجِرُكَ٥ مِنْ حَياةٍ هَنِيئَةٍ وَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، فِي بَيْتٍ نَشَأْتَ فيهِ، ووَطَنٍ أَلِفْتَهُ وأَحْبَبْتَهُ؟ وما بالُكَ تُؤْثِرُ٦ الشَّقاءَ عَلَى الرَّاحَةِ، وَتُعَرِّضُ نَفْسَكَ لِأَخْطارِ الْبَحْرِ وَمَتاعِبِ السَّفَرِ؟ لَقَدْ يَسَّرَ اللهُ لكَ سَبِيلَ السَّعادَةِ، وَهَيَّأَ لَكَ عِيشَةً راضِيَةً، فَما أَجْدَرَكَ٧ أَنْ تَرْضَى بِما قَسَمَ اللهُ، وتَحْمَدَهُ عَلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي اخْتَصَّكَ بِها! وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذا أَصْرَرْتَ عَلَى عِنادِكَ، وَأَبَيْتَ إِلا تَحْقِيقَ رَغْبَتِكَ الْمَجْنُونَةِ فِي السَّفَرِ، أَغْضَبْتَنِي، وأَغْضَبْتَ أُمَّكَ، وَأَغْضَبْتَ اللهَ — سُبْحانَه — الَّذِي أَمَرَكَ بِطاعَةِ أَبَوَيْكَ.»

(٤) دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ

وَظَلَّ أبِي يَعْنُفُ٨ فِي كلامِهِ تارَةً، وَيَلِيِنُ تارَةً أُخْرَى، وَيَضْرِبُ لِيَ الْأَمْثالَ. وَلَمْ يَدَعْ وَسِيلَةً مِنْ وَسَائِلِ النُّصْحِ إِلا سَلَكَها. ثُمَّ خَتَمَ حَدِيثَهُ قائِلًا: «وَاذْكُرْ — يا ولَدِي — أَنَّنِي فَقَدْتُ شَقِيقَكَ الْأَكْبَرَ الَّذِي قُتِلَ فِي الْحَرْبِ، وفَقَدْتُ شَقِيقَكَ الْأَوْسَطَ الَّذِي أَصَرَّ عَلَى السَّفَرِ، كما تُصِرُّ عَلَيْهِ الْآَنَ؛ وَقَدِ انْقَطَعَتْ أَخْبارُهُ عَنَّا إِلَى الْيَوْمِ، فَما نَعْلَمُ: أَحَيٌّ هُو أَمْ مَيِّتٌ؟ وأصْبَحْتَ لنا — بَعْدَ أَخَوَيْكَ — كُلَّ رَجائِنا وَعَزَائِنا، فَإذا أَصْرَرْتَ عَلَى عِنادِكَ، وَأَبَيْتَ إِلَّا السَّفَرَ فَلَنْ يُبارِكَ اللهُ لكَ، وَلَنْ تَلْقَى — فِي سَفَرِكَ — إِلا الْعَناءَ والشَّقاءَ.»

•••

وَقَدْ كانَتْ هذِهِ الْكَلِمَةُ تَكَهُّنًا٩ صادِقًا، وَدَعْوةً مُسْتَجَابَةً؛ فَقَدْ شَقِيتُ — بعِنادِي وإِصْرارِي١٠ — شَقاءً لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ قَبْلِي.

(٥) عُدُولُهُ عَنِ السَّفَرِ

وكانَ صَوْتُ أبِي مُتَهَدِّجًا،١١ ودُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ١٢ مِنْ عَيْنَيْهِ وقَدِ اشْتَدَّ أَلَمُهُ حينَ ذَكَرَ لِي مَوْتَ شَقِيقِيَ الْأَكْبَرِ، وانقِطاعَ أَخْبارِ شَقِيقِيَ الْأَوْسَطِ.
وكانَ يَتَمَثَّلُ لِي حَنَانُه وعَطْفُهُ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ يَنْطِقُ بِها. ولَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِي أَنْ أُخالِفَ لَهُ نُصْحًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَوَعَدْتُهُ بِالْعُدُولِ عَنِ السَّفَرِ. وعَقَدْتُ عَزْمي١٣ عَلَى الْبَقاءِ فِي وَطَنِي، نُزُولًا عَلَى حُكْمِهِ، وطاعَةً لِأَمْرِهِ.

(٦) نَقْضُ الْعَهْدِ

وَبَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ عاوَدَتْنِي رَغْبَةٌ قاهِرَةٌ فِي السَّفَرِ، وحَنِينٌ شَدِيدٌ إِلَى رُكُوبِ الْبَحْرِ فَنَسِيتُ ما عاهَدتُ أَبِي عَلَيْهِ، وَتَحَوَّلْتُ١٤ لِذلِكَ حِيلَةً لَمْ أُوَفَّقْ فِيها؛ فَقَدْ رَأَيْتُ دَلائِلَ الاِبْتِهاجِ بادِيَةً عَلَى وَجْهِ أُمِّي — ذاتَ يَوْمٍ — فَوَجَدْتُ فِي ذلِكَ فُرْصَةً سانِحَةً لِلْإِفْضاءِ إِلَيْها بِرَغْبَتِي فِي السَّفَرِ، واسْتِئْذانِها فيهِ. وتَلَطَّفْتُ فِي شَرْحِ الْأَسْبابِ الَّتِي تَحْفِزُنِي١٥ إِلَى السَّفَرِ لِرُؤْيَةِ الْبِلادِ الَّتِي طالَمَا سَمِعْتُ عَنْها. وأَظْهَرْتُ لَهَا أَنَّ هذِهِ الرَّغْبَةَ قَدْ مَلَأتْ نَفْسِي؛ فَلَمْ أَعُدْ أَصْلُحُ لِأَداءِ أَيِّ عَمَلٍ آخَرَ، قَبْلَ أَنْ أَظْفَرَ بِتَحْقِيقِها. وختَمْتُ حَدِيثِي مَعَها قائلًا: «واعْلَمِي أَنَّنِي إِذا عَجَزْتُ عَنِ الظَّفَرِ بهذا الْإِذْنِ مِنْكِ ومِنْ أَبِي فَإِنَّنِي مُعْتَزِمٌ السَّفَرَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذانٍ. ولا تَنْسَيْ أَنَّنِي قَدْ بَلغْتُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِي، وأصْبَحْتُ عاقِلًا رَشِيدًا، أَمْلِكُ أَمْري. عَلَى أَنِّي أرَى الْخَيْرَ فِي أَنْ يَأْذَنَ لِي أَبي فِي السَّفَرِ».

(٧) غَضَبُ أَبَوَيْهِ

وما سَمِعَتْ أُمِّي مِنِّي هذا الْكَلامَ حَتَّى اشْتَدَّ غَضَبُها عَلَيَّ، وقالَتْ لِي: «مِنَ الْعَبَثِ أَنْ تَتَمادَى١٦ فِي إِقْناعِنا بهذهِ الْفِكْرَةِ الطَّائِشَةِ الَّتِي لا تَجُرُّ عَلَيْكَ إِلَّا الْوَبالَ.١٧ ولَنْ يَسْمَحَ لكَ أبُوكَ بِأَنْ تُعْرِّضَ نَفْسَكَ لِلْهَلاكِ».

•••

وما أخْبَرَتْ أبِي بِما اعْتَزَمْتُهُ، حَتَّىَ اشْتَدَّ ألَمُهُ وغَيْظُهُ، وَقالَ لَهَا: «يَبْدُو لِي أَنَّ الشَّقاءَ مُقَدَّرٌ لِهذا الوَلَدِ التَّاعِسِ. وسَيَلْقَى في سَفَرِهِ مِنَ الْمَصائِبِ والْأَهْوالِ، ما لا يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بالٍ. وسَيَعْرِفُ أَنَّ ما يَحُلُّ بِهِ مِنَ النَّكَباتِ هُوَ عِقَابٌ عادِلٌ عَلَى مُخالَفَتِهِ نَصِيحَةَ أَبَوَيْهِ. ولَنْ يَسْمَحَ لِي ضَمِيرِي أَنْ أَشْرَكَهُ فِي تَسْهيلِ أَسْبابِ شَقائِهِ.»

•••

وَما انْقَضَى عَلَيَّ عامٌ — بَعْدَ ذلكَ — حتَّىَ فَرَرْتُ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ أَزْمَعْتُ١٨ السَّفَرَ، بَعْدَ أَنْ عَجَزْتُ عَنِ الظَّفَرِ بِرِضاءِ أَبَوَيَّ.
وكُنْتُ أَعْجَبُ لِتَشَبُّثهِما١٩ بِبَقائِي مَعَهُما. ولَمْ أَعْلَمْ — حِينَئِذٍ — ما كانَ يَخْبَؤُهُ لِي الْقَدَرُ مِنْ مَصائِبَ ووَيْلاتٍ.
١  جمع.
٢  أتعلمه.
٣  تعلق قلبي.
٤  تسلطت.
٥  يضايقك.
٦  تختار.
٧  أحسن لك.
٨  يشتد.
٩  إخبارًا بالغيب.
١٠  عزمي الثابت.
١١  مرتعشًا.
١٢  تسقط.
١٣  بنيت إرادتي.
١٤  اتخذت.
١٥  تدفعني.
١٦  تستمر.
١٧  سوء العاقبة.
١٨  قررت.
١٩  تعلقهما.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١