الفصل السابع

جُمعَة

(١) آثارُ أَقْدامٍ

figure

وفي ذاتِ يَوْمٍ رَأَيْتُ آثارَ أقْدامٍ واضِحَةً عَلَى الرَّمْلِ؛ فَتَمَلَّكَنِيَ الذُّعْرُ، وخُيِّلَ إِلَي أَنَّ صاعِقَةً انْقَضَّتْ عَلَي.

وَتَلَفَّتُّ حَوْلِي خائِفًا، وَأَرْهَفْتُ أُذُنِي١ فَلَمْ أَرَ إِنْسانًا، وَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتًا.
وَصَعِدْتُ إِلى أَعْلَى هَضْبَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَأَجَلْتُ لِحاظِي فِي كلِّ مَكانٍ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي هذا الْمَكانِ إِنْسِيًّا. وَقَدْ كِدْتُ أَظُنُّني واهِمًا٢ فَيما رَأَيْتُ وَلَكِنَّ آثارَ الْقَدَمِ — وَهيَ عارِيَةٌ — لَمْ تَدَعْ لي مَجالًا لِلشَّكِّ، فَقدْ رَأَيتُ الْأَصابِعَ وَالْعَقِبَ مُرْتَسِمَةً عَلَى الرَّمْلِ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدِي رَيْبٌ٣ فِي حَقِيقَةِ ما رَأَيتُ، فَأَسْرَعْتُ إِلى كَهْفِي، وَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ جَيْشًا لَجِبًا٤ يُطارِدُني. وَبِتُّ لَيْلَةً نابِغِيَّةً،٥ وَلَمْ يَزُرِ النَّوْمُ جفْنِي حتَّى مَطلَعِ الْفَجْرِ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ.
وَلزِمْتُ بَيْتِي ثَلاثَةَ أيَّامٍ كامِلَةً، ثُمَّ اضْطَرَّنِي الْجُوعُ إِلى الْخُرُوْجِ إِلى بَيْتِيَ الْآخَرِ الَّذِي بَنَيْتُهُ بَيْنَ الْكُرُومِ.٦

(٢) الْحَيْطَةُ

وَهكَذا تَمَلَّكَتْنِيَ الدَّهْشَةُ والْحَيْرَةُ، فَقَد مرَّ عَلَيَّ — في هذِهِ الْجَزِيرةِ — خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، لَمْ أَشْهَدْ فِيها أَحَدًا، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رُؤْيَتِي أَثَرَ الْقَدَمِ.

ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: «لَعَلَّ بَعْضَ سُكَّانِ تِلْكَ الْقارَّةِ الْمُجاوِرَةِ قَدْ وَفَدُوا عَلَى جَزيرَتِي، عَلَى أَنَّهُمْ سَيَتْرُكُونَها بَعْدَ أَنْ يَجِدُوها غَيْرَ صالِحَةٍ لِلْإِقامَةِ.»

ورَأَيْتُ أَنْ أحْتاطَ لِلطَّوارِئِ، حَتَّى لا يُفاجِئنِيَ الْأَعْداءُ؛ فَزِدْتُ فِي تَحْصِينِ مَغارَتي، كما حَصَّنْتُ بَيْتِيَ الْآخَرَ.

figure
وكُنْتُ لَا أَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا مُسْتَعِينًا بِسُلَّمَيْنِ، فَإِذا انْتَهَيْتُ مِنْ صُعُودِيَ الْأَوَّلِ رَفَعْتُ السُّلَّمَ، ثُمَّ وضَعْتُهُ فَوْقَ صَخْرَةِ نائِيَةٍ٧ لِأصِلَ إِلى حِصْنِي. ثُمَّ رَفَعْتُ السُّلَّم مَرَّةً أُخْرَى، لِيُصْبِحَ مُسْتَحِيلًا عَلَى كائِنٍ كانَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَيَّ.
وَلَمْ يَمْضِ عَلَيَّ عامانِ — بعْدَ ذلِكَ — حَتَّى أَصْبَحْتُ عَلَى أَتَمِّ أُهْبَةٍ٨ لِلنَّجاةِ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.

(٣) آثارُ الْغِيلانِ

وفِي ذات يَوْمٍ كُنْتُ أرْتادُ الْجَزِيرَةَ عَلَى عادَتِي، وأتَعَرَّفُ الْجِهاتِ النَّائِيَةَ الَّتِي لَمْ تَطَأْها قَدَمايَ مِنْ قَبْلُ، فَرَأَيْتُ مِنْ آثارِ الْمُتَوَحِّشِينَ ما فَزَّعَني، ومَلَأَ قَلْبِي رُعْبًا وهَلعًا، فَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّ هؤُلاءِ الْمُتَوَحِّشِيَن يَجِيئُونَ بِالْأَسْرَى — بَعْدَ أَنْ يَظْفَرُوا بِهِمْ فِي مَعارِكِهِم٩ — إِلَى الشَّاطِئِ الْجَنُوبِيِّ الْغَرْبِيِّ مِنْ هذِهِ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَشْوُونَ لُحُومَهُم عَلَى النَّارِ ويَأْكُلُونَها. وقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنَ الْجَماجِمِ والأَشْلاءِ١٠ مُبَعْثَرَةً فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، عَلَى مَكانٍ قَرِيبٍ مِنَ الرَّمادِ الكَثِيرِ الَّذِي خَلَّفَتْهُ النَّارُ.
ورَجَعْتُ إِلى مَسْكَني مَهْمُومًا شَديدَ الْأَلَمِ مِمَّا رأَيْتُ. وتَبَيَّنَ لِي — حِينَئِذٍ — أَنَّ آثارَ تِلْكَ الْأَقْدامِ الَّتِي رَأَيْتُها مُنْذُ عامَيْنِ، لَمْ تَكُنْ إِلَّا آثارَ هؤُلاءِ الْغِيلانِ، فاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي قَلِيلًا، بَعد أَنْ عَرَفتُ هذَا السِّرَّ الَّذِي لمْ أَهْتَدِ إِلى مَعْرِفتِهِ مَدَى عامَيْنِ، وكانَ مَجْلَبَةً١١ لِلْخَوْفِ والْفَزَعِ.
وأَدْرَكْتُ أَنَّ هؤُلاءِ الْغِيلانَ لا يَبْحَثُونَ عَنْ شَىْءٍ في هذِهِ الجَزِيرَةِ، وأَنَّهُمْ لا يَجِيئُونَهَا إِلَّا لِيُقِيمُوا مَآدِبَهُمْ١٢ فِيها، كُلَّما ظَفِرُوا بِأَسْراهُمْ فِي الْحُرُوبِ.
وَلَقَدْ مَرَّ بِي ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، لَمْ تَقَعْ عَيْنايَ — فِي أَثْنائِها — عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. فَلمَّا رَأَيْتُ ما رأَيْتُ اعْتَصَمْتُ١٣ بِالْحَذَرِ، وَأَعْدَدْتُ الْعُدَّةَ لِلطَّوَارِئِ؛ حَتَّى لا تُفَاجِئَنِي الْحَوَادِثُ عَلَى غِرَّةٍ.١٤

(٤) مَأْدُبَةُ الْغِيلانِ

وَفي شَهْرِ «دِيسَمْبِرَ» — وكانَ قَدْ مَرَّ عَلَيَّ حِينَئِذٍ ثَلاثةٌ وَعِشْرُونَ عامًا في هذِهِ الْجَزِيرَةِ النَّائِيَةِ — لَمْ أخْرُجْ مِنْ بَيْتِي لِلْحَصادِ في فَجْرِ هذا الْيَوْم حَتَّى رَأَيْتُ نُورًا بالْقُرْبِ مِنَ الشَّاطِئِ، عَلَى بَعُدِ نِصْفِ مِيلٍ مِنْ بَيْتِي. وَلَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ هؤُلاءِ الْغِيلانَ يَرْتادُونَ هذهِ الْبُقْعَةَ مِنْ قَبْلُ؛ فَدَهِشْتُ، وَتمَلَّكَنِيَ الرُّعْبُ والْفَزَعُ. ورَجَعْتُ إِلى بَيْتِي مُسْرِعًا، وَرَفَعْتُ السُّلَّمَ، وَتَأَهَّبْتُ لِلدِّفاعِ عَنْ نَفْسِي. وَظَللْتُ أَتَرَقَّبُ الْعَدُوَّ ساعَتَينِ، ثُمَّ لَمْ أُطِقْ صَبْرًا عَلَى الْبقَاءِ أكْثرَ مِنْ ذلِكَ؛ فَصَعِدْتُ حَتَّى بَلَغْتُ أَعْلَى الصَّخْرَةِ — بَعْدَ أَنْ وضَعْتُ عَلَيْها السُّلَّمَيْنِ — وانْبَطَحْتُ عَلَى الْأَرْضِ. ونَظرْتُ إلَيْهِمْ بِمِنْظَارِي؛ فَرَأَيْتُ تِسْعةً مِنْ هؤُلاءِ الْغِيلانِ جَالِسِينَ — في شَكْلِ حَلْقَةٍ — حَوْلَ نارٍ مُوقَدَةٍ، لِيُهَيِّئُوا طَعامَهُمْ مَنَ الْأَسْرَى الَّذِين جاءُوا بِهمْ إِلى هذهِ الْجَزِيرَةِ.

figure
وقَدْ جاءَ الْغِيلانُ عَلَى زَوْرَقَيْنِ، وجَذَبوهُما إِلى الْشَّاطِئِ، وانْتَظَرُوا الْجَزْرَ حتَّى يَعودُوا أدْراجَهُمْ. فَعلِمْتُ أَنَّهُمْ لا يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ إِلَّا في أَوْقاتِ الْجَزْرِ، فاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي إِلى ذلكَ، وَأَصْبَحْتُ أمْشِي في الْجَزِيرَةِ آمِنًا، في أوْقاتِ الْمَدِّ، فَإِذا انْحَسَرَ مَاءُ الْبَحْرِ أَخَذْتُ حَذَرِي مِنْهُمْ، واسْتَعْدَدْتُ لِلطَّوارِئِ والْمُفاجَآتِ. ولَمْ يَبْدَأِ الْجَزْرُ حتَّى رَكِبُوا الزَّوْرَقَيْنِ. بَعْدَ أَنْ رَقَصُوا طَويلًا، وظَلُّوا يَجْدُفُونَ بِقُوَّةٍ حتَّى اخْتَفَوْا عَنْ ناظِرِي، فَأَسْرَعْتُ إِلى الْمَكانِ الَّذِي كانَ يَجْلِسُ فيهِ هؤُلاءِ الْغِيلانُ؛ فَرَأَيْتُ — مِنْ أَثَرِ الْمَأْدُبَةِ الَّتي أَقامُوها — ما رَوَّعَنِي؛ رَأَيْتُ العِظامَ الْبَشَرِيَّةَ مُتَنَاثِرَةً حَوْلَ النَّارِ، فَثارَتْ نَفْسِي، وكِدْتُ أَتَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ. وقَدِ اشْتَدَّ حَنَقِي١٥ عَلَى هذهِ القَسْوَةِ، وَعَزَمْتُ عَلَى الْفَتْكِ بِأَوَّلِ مَنْ أُقابِلُهُ مِنْ هؤُلاءِ الْغِيلانِ.
figure

(٥) نَجاةُ الْأَسِيرِ

وظَلِلْتُ مُصِرًّا عَلَى مُناجَزَةِ١٦ الْغِيلانِ مُدَّةً طويلَةً. وَمَضَى على ذلكَ ثمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، لَمْ أعْثُرْ — في أثْنائِها — عَلَى أَثَرٍ لِهؤُلاءِ الْهَمَجِ.
وفي صَباحِ يُوْمٍ رَأَيْتُ عَلَى الشَّاطِئِ سِتَّةَ زَوارِقَ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّ عَدَدَ الْقَادِمِينَ لا يَقِلُ عَنْ ثَلاثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلى حِصْنِي، وَرَأَيْتُهُمْ بِمِنْظارِي؛ فَكانَ عَدَدُهُمْ كما تَوَقَّعْتُ مِنْ قَبْلُ. وَتأَهَّبْتُ لِمُناجَزَتِهِمْ، كَلَّفَني ذلكَ ما كَلَّفَني. ورَأيْتُهُمْ يَرْقُصُونَ وقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْمَرَحُ.١٧ ثُمَّ أَحْضَرُوا أسِيرَيْنِ، فَقَتَلُوا أحَدَهُما، وانْتَهَزَ الثَّانِي فُرْصَةَ اشْتِغالِهِما بِالْأَوَّلِ فَلاذَ بالْفِرارِ. وظَلَّ يَعْدُو بِأَقْصَى سُرْعَتِهِ، وَتَبِعَهُ ثَلاثةٌ مِنَ الْغِيلانِ، ولكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا اللَّحاقَ بهِ.

ثُمَّ اعْتَرَضَهُ خَلِيجٌ صَغيرٌ؛ فَأَلْقَى بِنَفْسِهِ فيهِ، وسَبَحَ بِقُوَّةٍ عَجِيبَةٍ حتّى أَدْرَك الشَّاطِئَ الآَخَرَ، وَلَمْ يُبالِ بِارْتِفاعِ الْمَدِّ وَاصْطِخابِ الْأَمْواجِ.

وتَعَقَّبَهُ اثْنَانِ، وعادَ الثَّالِثُ إِلى رِفاقِه.

ورَأَيْتُ الْفُرْصَةَ سانِحَةً لِإِنْقاذِ هذا الْأَسِيرِ؛ لِأَنَّني كُنْتُ في أشَدِّ الْحاجَةِ إِلى خادِمٍ يُعاوِنُني في تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْمُقْفِرَةِ الْعازِبَةِ.

فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِمْ — وَفِي يَدِي بُنْدُقِيَّتِي — وَأَشَرْتُ إِلى الْأَسِيرِ أَنْ يَقِفَ؛ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ إِلَيَّ، وَخَشِي أَنْ يَدْنُوَ١٨ مِنِّي، وَحَسِبَنِي مِنْ أَعْدائِهِ. ثُمَّ فاجَأْتُ أَحَدَ الْمُتَوَحِّشَين اللَّذَيْنِ يَتْبعانِهِ، فَضَرَبْتُهُ بِقَبْضَةِ بُنْدُقِيَّتي ضَرْبَةً شَدِيدَةً؛ فَخَرَّ صَرِيعًا١٩ عَلَى الْأَرْضِ. وَحَاوَلَ الثَّانِي أَنْ يُفَوِّقَ٢٠ إِلَيَّ سِهامَهُ؛ فَعاجَلْتُهُ برَصاصَةٍ أَرْدَتْهُ — مِنْ فَوْرِهِ — قَتِيلًا.
وَوَقَفَ الْأَسِيرُ الْهَارِبُ — حِينَئِذٍ — وَقَدْ تَمَلَّكَهُ الْذُّعْرُ حِينَ سَمِعَ دَوِيَّ٢١ الرَّصاصِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِمِثْلِ ذلِكَ عَهْدٌ مِنْ قَبْلُ. فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْنُوَ مِنِّي؛ فَتَرَدَّدَ في إطاعَةِ أمْرِي، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً؛ فَاشْتَدَّ فَزَعُهُ، وَظَلَّ يَتَقَدَّمُ خُطُواتٍ يَسِيرَةً،٢٢ ثُمَّ يَقِفُ مُتَرَدِّدًا وقَدْ أَذْهَلَهُ الرُّعْبُ. فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ إِشارَةً ثالِثَةً، وَأَنا أُحاوِلُ جَهْدِي أَنْ أُطَمْئِنَهُ وَأُسَكِّنَ مِنْ رُوعِهِ. فَتَقَدَّمَ حتَّى دانانِي، وَجَثا٢٣ أَمامي مُتَوَسِّلًا ضارِعَا؛ فَهَشَشْتُ لَهُ، فَانْثَنَى يُقَبِّلُ قَدَمِي؛ فَتَلَطَّفْتُ لَهُ مُتَوَدِّدًا حتَّى أَذْهَبْتُ عَنْهُ الْخَوْفَ.

ثُمَّ صَحِبْتُهُ إِلى مَغارَتِي، وَأَطْعَمْتُهُ وسَقَيْتُهُ، وأَشَرْتُ إِلى كَوْمَةٍ مِنَ القَشِّ، لِيَتَّخِذَها فِراشًا لَهُ؛ فَذَهَبَ لِيَنَامَ.

(٦) «جُمْعَةُ»

وَهكَذا انْقَضَى زَمَنُ الْعُزْلَةِ، وَأَصْبَحَ لي — مُنْذُ ذلِكَ الْيَوْمِ — رَفِيقٌ أَمِينٌ، شُجاعُ الْقَلْبِ، فِي مُقْتَبَلِ شَبَابِهِ؛ لَمْ تَكُنْ سِنُّهُ تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ عامًا. وَكانَ هذا الْخادِمُ مِثالَ النَّشاطِ وَالذَّكاءِ وَالْوَداعَةِ.

وَلَمْ يَنَمْ نِصْفَ ساعَةٍ حتَّى اسْتَيْقَظَ، وَخَرَجَ مِنَ الْكَهْفِ مُسْرِعًا، إِلى أَن وصلَ إِلَيَّ — وكُنْتُ أَحْلُبُ عَنْزًا — فَانْطَرَحَ عَلَى قَدَمِي، ورَفَعَها فَوْقَ رَأْسِهِ، لِيُفْهِمَني أَنَّهُ طَوْعُ أَمْرِي ورَهْنُ إشارَتي. فَهَشَشْتُ لَهُ وأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ حتَّى رَكَنَ إِلَيَّ، وسُرِّيَ عَنْ نَفْسِهِ،٢٤ وانْقَضَى ما كان يُساوِرُهُ٢٥ مِنَ الْقَلَقِ.
ثُمَّ بَذَلْتُ جُهْدِي في تَعْلِيمهِ لُغَتِي، لِيَسْهُلَ عَلَيْنَا أَنْ نَتَفاهَمَ مَعًا. وقَدْ سَمَّيْتُهُ «جُمْعَةَ»؛ لِأَنَّنِي أَنْقَذْتُهُ مِنَ الْهَلاكِ في يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْجُمَعِ، وهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ عَرَفْتُهُ فِيهِ. ثُمَّ أَشَرْتُ إِليْهِ أنْ يُسَمِّيَنِي «السَّيِّدَ» وَعَلَّمْتُهُ لَفْظَتَيْ: «نَعَمْ» و«لا». ثُمَّ قَدَّمْتُ لهُ جَرَّةً، ومَلَأْتُ الْجَرَّةَ لَبَنًا، وغَمَسْتُ فِيها قِطْعَةً مِنَ الْخُبْزِ وأَكَلْتُ. وأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِثْلِي؛ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَقْلِيدِي فِيما رَأَى مِنِّي. وقَدِ اسْتَساغَ هذا الطَّعامَ،٢٦ وبَدا عَلَى وَجْهِهِ السُّرُورُ. ثُمَّ صَنَعتُ لَهُ ثِيابًا كَثِيابِي، وَقَلَنْسُوَةً مِنْ جِلْدِ أَرْنَبٍ. وَصَنَعْتُ لَهُ — في الْيَوْمِ التَّالِي — كُوخًا بِالْقُرْبِ مِنْ كَهْفِي لِيَنامَ فِيهِ؛ لِأَنَّني كُنْتُ أخْشَى أَنْ تُعاوِدَهُ٢٧ وَحْشِيَّتُهُ، فَيَفْتِكُ بِي — في أثْناءِ نَوْمِي — ويَأْكُلَنِي.
figure
عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ أقْنَعَتْنِي — بَعْدَ ذلِكَ — بِإِخْلاصهِ؛ فَلَمْ أَرَنِي فِي حاجَةٍ إِلَى الْحَذَرِ مِنْهُ. وَقَدْ وَفى لِي٢٨ وَفاءَ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ، وَكَانَ مُسْتَعِدًّا لِبَذْلِ رُوحِهِ فِداءً لِي. وَمَرَّتْ بنا الْأَيَّامُ سَعِيْدَةً وادِعَةً.٢٩
figure
وَكُنْتُ — فِي ذاتِ يَوْمٍ — سائِرًا مَعَ «جُمْعَةَ» فِي أحَدِ الْأَحْراجِ، فَأَطْلَقْتُ رَصاصَةً عَلَى أحَدِ الْجِداءِ؛ فَصَرَعْتُهُ.٣٠ وَما رَآني صَرَعْتُ الْجَدْي — وَأنا عَلَى مَسافَةٍ بَعيدَةٍ مِنْهُ — حَتَّى اشْتَدَّ ذُعْرُهُ، وَانْتَظَمَهُ الرُّعاشُ مِمَّا رَأَى وَسَمِعَ. فَقَدْ أَذْهَلَهُ صَوْتُ الرَّصاصَةِ، وَظَلَّ يَبْحَثُ فِي ثِيَابِهِ، وَهُوَ يَخْشَى أَنْ تَكُونَ قَدْ أصابَتْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُ. فَلَمَّا أيْقَنَ أنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ أَقَلُّ ضَرَرٍ، انْطَرَحَ عَلَى قَدَمي ضارِعًا٣١ ألَّا أقْتُلَهُ. فَطَمْأَنْتُهُ — مَرَّةً أُخْرَى — وَلاطَفْتُهُ، وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ لِيُحْضِرَ الْجَدْيَ. ثُمَّ أَرَيْتُهُ بُنْدُقِيَّتِي، وَصَوَّبْتُها إِلَى بَبَّغاء جاثِمَةٍ٣٢ عَلى شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ، وَأَخبَرْتُهُ أَنَّنِي أُرِيدُ صَيْدَ تِلْكَ الْبَبَّغاءِ. وَما أَطْلَقْتُ عَلَيْها الرَّصاصَةَ حَتَّى اشْتَدَّ ذُعْرُهُ، وَعَجِبَ مِمَّا فَعَلْتُ أَشَدَّ الْعَجَبِ، وَتَمَلَّكَتْهُ الْحَيْرَةُ، وَأَصْبَحَ يَرْتَعِدُ خَوْفًا كُلَّما رَأَى تِلْكَ الْبُنْدُقِيَّةَ.
وَكانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ يُكَلِّمُها مُسْتَعْطِفًا، ضَارِعًا إِلَيْها أَنْ تُبْقِيَ عَلَى حَياتِهِ، وَأَلَّا تَصْرَعَهُ كَما صَرَعَتْ غَيْرَهُ مِنْ قِبَلُ! وَلَمَّا جَاءَ الْمَساءُ سَلَختُ الْجَدْيَ، وَشَوَيْتُهُ، وَأَطْعَمْتُ «جُمْعَةَ» مِنْ لَحْمِهِ؛ فاسْتَمْرَأَهُ.٣٣ وَأَصْبَحَ — مُنْذُ ذلِكَ الْيَوْمِ — يَعافُ٣٤ اللَّحْمَ الْبَشَرِيَّ، وَلا يَسْتَسِيغُهُ طَعامًا.

(٧) نَشاطُ «جُمْعَةَ»

وَفِي الْأَيَّامِ التَّاليَةِ دَرَّبْتُ «جُمْعَةَ» عَلَى الْحَرْثِ وَالْبَذْرِ، وَوَضْعِ الشَّعيرِ فِي السِّلالِ، وَطَحْنِهِ وَعَجْنِهِ وَخَبْزِهِ. وَلَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَنٌ يَسِيرٌ حَتَّى أَكْسَبَتْهُ الْمَرَانَةُ قُدْرَةً نادِرَةً عَلَى صُنْعِ كُلِّ شَيءٍ دَرَّبْتُهُ عَلَيْهِ. وَأصْبَحَ لِي خَيْرَ مِعْوانٍ، بِفَضْلِ ما وَهَبَهُ الله مِنَ الذَّكاءِ وَالنَّشاطِ وَالْإِخْلاصِ. وَشَعَرْتُ بِالسَّعَادَةِ تَغْمُرُنِي،٣٥ مُنْذُ وَجَدْتُ ذلِكَ الْمُعِينَ الذَّكِيَّ. وَقَدْ أصْبَحَ يُخِلِصُ لِي بِمِقْدَارِ ما أُخْلِصُ لَهُ، وَتَوَثَّقَتْ أَوَاصِرُ الْمَحَبَّةِ بَيْنَنَا، وَعَرَفَ أَسْمَاءَ الْأَشْياءِ الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَيْها، وَحَذَقَ تَخْطِيطَ هذِهِ الْجَزِيرَةِ وَمَسَالِكَها؛ فَأَراحَنِي مِنَ الْعَنَاءِ، وَوَفَّرَ لِي أسْبابَ الرَّاحَةِ، وكانَ لِي نِعْمَ الْأَنِيسُ.

(٨) وَطَنُ «جُمْعَةَ»

وَفِي ذاتِ يَوْمٍ جَرَّنا الْحَدِيثُ إِلى الْكَلامِ عَنِ الْوَطَنِ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ طَرِيْقِ الْوُصُولِ إِلَى وَطَنِهِ، وَهَلْ يَأْمَنُ رَاكِبُ الْبَحْرِ عَلَى نَفْسِهِ فِي أثْناءِ هذِهِ الطَّرِيقِ؟ فَأَثْبَتَ أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى وَطَنِهِ أَمْرٌ مَيْسُورٌ. وَظَلَّ يُحَدِّثُنِي عَنْ وَطَنِهِ أَحادِيثَ الْمُعْجَبِ الْمَفْتُونِ بِهِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِي الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ بِلادِهِمْ قَوْمًا بِيَضَ الْوُجُوهِ، فَأَدْرَكْتُ أَنَّهُ يَعْنِي بذلِكَ قَوْمًا مِنَ الْإِسْپانِيِّينَ، وَأَنَّ طَرِيقَ الذَّهابِ إِلَيْهِمْ مَيْسُورٌ مَأْمُونٌ. فَانْفَتَحَ أمامِي بابُ الْأَمَلِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَتَبَيَّنْتُ أَنَّ خَلاصِي مِنْ هذِهِ الْجَزِيرَةِ قَرِيبٌ. وَعَقَدْتُ الْعَزْمَ عَلَى إِعْدادِ الْمُعَدَّاتِ لِلسَّفَرِ إِلى هؤُلاءِ الْقَوْمِ، حَيْثُ أَجِدُ الْوَسائِلَ مُهَيَّأةً لِلرُّجُوعِ إِلى وَطَنِي.

figure

ثُمَّ حَدَّثَنِي أَنَّ زَوْرَقًا كَبِيرًا قَد انْقَلَبَ بِراكِبِيهِ — مُنْذُ أعْوامٍ — وَكانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْبِيْضِ أَمْثالي، وَقَدْ نَجَوْا مِنَ الْغَرَقِ، وَأقامُوا — وَما زَالُوا يُقِيمُونَ — بَيْنَ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ.

فَسَأَلْتُهُ: «وَكَيْفَ سَلِمُوا مِنْ عَشِيرَتِكَ وَقَوْمِكَ؟ أَلَمْ يَأْكلُوهُمْ؟»

فَقالَ لي مُتَثَبِّتًا: «بَلْ أصْبَحُوا إِخْوَةً لَنا؛ فَإِنَّ بَنِي وَطَنِي لا يَأْكلُونَ إِلَّا أَسْرَاهُم في الْحَرْبِ، أَمَّا الْأَصْدِقاءُ الْمُسالِمُونَ فَلا يَنالُونَهُمْ بِسُوءٍ.»

(٩) ذِكْرَياتُ الْوَطَنِ

وَمَضَى عَلَى هَذا الْحَدِيثِ زَمَنٌ طَوِيلٌ. ثُمَّ ارْتَقَيْنا٣٦ — ذاتَ يَوْمٍ — قِمَّةَ جَبَلٍ شاهِقٍ،٣٧ وكانَ الْجَوُّ صَحْوًا؛ فَلاحَتِ٣٨ الْقارَّةُ الْبَعِيدَةُ. وما أَنْعَمَ «جُمْعَةُ» نَظَرَهُ مُتَثَبِّتًا مِنْ رُؤْيَةِ وَطَنِهِ حتَّى غَلَبَهُ السُّرُورُ عَلَى أَمْرِهِ، فَظَلَّ يَقْفِزُ مِنَ الْفَرَحِ، وَيَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وا فَرْحَتاهُ! وا طَرَباهُ! هأَنَذا أَرَى بِلادِي! هأَنذا أَرَى وطَنِي!»
وامْتَلَأَ وَجْهُهُ بِشْرًا وسُرُورًا، وارْتَسَمَتْ عَلَى أسارِيرِهِ٣٩ دَلائِلُ الْحَنِينِ والشَّوْقِ إِلى وَطَنِهِ، فَسَأَلْتُهُ: «أَتُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِلى بِلادِكَ؟»

فَأَجابَنِي وهُوَ يَتَحَرَّقُ شَوْقًا: «لَيْتَ هذِهِ الْأُمْنِيَّةَ تَتَحَقَّقُ، يا سَيِّدِي!»

فَقُلْتُ لَهُ: «وماذَا تَصْنَعُ فِي بِلادِكَ؟ أَتُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِلى وَحْشِيَّتِكَ، وَتَرْتَدَّ إِلى طَبِيعَتكَ الْأُولى، فَتُصْبِحَ غُولًا تَأْكُلُ الْلَّحْمَ الْبَشَرِيَّ؟»

فَقالَ لِي في غَيْرِ تَرَدُّدٍ: «كَلَّا، كَلَّا، فَإِنَّ «جُمْعَةَ» لَنْ يَعُودَ غولًا كما كانَ، وَسَوْفَ يَقُصُّ على قَوْمِهِ كَيْفَ أَصْبَحَ يَسْتَمْرِئُ الْخُبْزَ وَالْلَّبَنَ وَلَحْمَ الْأَغْنَامِ، وما إِلى ذلِكَ مِنْ لَذَائِذِ الطَّعامِ. أَمَّا لَحْمُ الْإِنْسانِ فَقَدْ أَصْبَحَ «جُمْعَةُ» يَعافُهُ ولا يُطِيقُ أَنْ يُفَكِّرَ في اتِّخاذِهِ طَعَامًا لَهُ.»

فَقُلْتُ لَهُ: «لَوْ عَرَفُوا مِنْك ذلكَ لَأَكَلُوكَ!»

فقالَ لِي: «كَلَّا، لا يَأْكُلُونَني، بَلْ يَتَعَلَّمُونَ مِني كَيْفَ يُنَظِّمُونَ حَياتَهُمْ، وَكَيْفَ يَسْتَسِيغُونَ أَطْيَبَ الْأَطْعِمَةِ.»

فَسَأَلْتُهُ: «أَتُحِبُّ أَنْ تَعُودَ إِلى بِلادِكَ الآنَ؟»

فَقالَ لي مُبْتَسِمًا: «لَيْسَ في قُدْرَتِي أَنْ أقْطَعَ هذهِ الْمَسَافةَ الطَّوِيلَةَ سِباحَةً.»

فَوَعَدْتُهُ بِإِعْدَادِ زَوْرَقٍ يُوَصِّلُه إِلى وَطَنِهِ؛ فَقالَ لِي: «حَبَّذا ذلِكَ لَوْ تَمَّ، على أَنْ أَكُونَ رَفَيقَكَ في هذِهِ الرِّحْلَةِ. وَسَتَرَى كَيْفَ يَغْمُرُكَ أَهْلُ وَطَنِي بِالْحُبِّ، وَلَنْ يُفَكِّرَ أحدٌ في أنْ يَأْكُلَكَ، وَلا سِيَّما إِذا أخْبَرْتُهُمْ بِأَنَّكَ أَنْقَذْتَ حَياتِي مِنَ الْهَلاكِ.»

وَما زالَ يُحَبِّبُ إِلَيَّ الذَّهابَ مَعَهُ إِلى وَطَنِهِ، وَيَقُصُّ عَلَيَّ كَيْفَ أَكْرَمُوا جَماعَةَ الْبِيضِ الَّذِينَ وصَلُوا إِلَيْهِمْ مُنْذُ زَمَنٍ طَويلٍ، وكَيْفَ أَنِسُوا بهِمْ، وارْتَاحُوا إِلى عِشْرَتِهِمْ؛ حتَّى أَجْمَعْتُ أمْرِي٤٠ وَتَأَهَّبْتُ لِهذهِ الرِّحْلةِ؛ لَعَلِّي أَتَمَكَّنُ مِنَ الْعَوْدَةِ بَعْدَ ذلِكَ إِلى وَطَني.

(١٠) الْمَرْكَبُ الشِّراعِيُّ

وَاشْتَدَّتْ رَغْبَتي في تَحْقِيقِ هذا الْحُلْمِ الْجَميلِ، فَذَهبْتُ مَع «جُمْعَةَ» إِلى الْمَكَانِ الذي وَضَعْتُ فيهِ زَوْرَقِي، ثُمَّ رَكِبْناهُ معًا؛ فَرَأَيْتُ «جُمْعَةَ» أَمْهَرَ مِنِّي وَأقَدَرَ على مُتَابَعَةِ السَّيَرِ ومُضاعَفَةِ السُّرْعَةِ. فَقُلْتُ لهُ: «أفِي اسْتِطاعتِكَ الآنَ أَنْ تَذْهَبَ إِلى وَطَنِكَ؟»

فقالَ: «لَنْ يَحْتَمِلَ هذا الزَّوْرَقُ الصَّغِيرُ تِلْكَ الرِّحْلَةَ الطَّويلَةَ.»

فَقُلْتُ لَهُ: «عَلَيْنا أَنْ نُعِدَّ زَوْرَقًا أَكْبَرَ مِنْهُ لِتَرْكَبَهُ إِلى وَطَنِكَ.»

فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلى الْأَرْضِ، وقالَ لي مُتَأَلِّمًا مَحْزونًا: «ما الَّذي أغْضَبَ سَيِّدِي عَلَيَّ؟ وَما بالُ سَيِّدِي يُحاوِلُ أَنْ يُقْصِيَ٤١ عنهُ خادِمَهُ جَمْعَةَ؟»

فَقُلْتُ لَهُ: «ألَا تَتَمَنَّى أنْ تَعُودَ إِلى وَطَنِكَ؟»

فَقالَ: «نعمْ، نَعم، أتمَنَّى ذلك مِن صَمِيمِ قَلْبِي، على أَنْ أَكونَ رَفيقَك في الْعَوْدةِ إِلى بِلادي. أَمَّا أَنْ أَتْرُكَ صُحْبَتَكَ وَأَعُودَ وَحْدِي فَلا سبيلِ إِلى ذلكَ، فليْسَ في قُدْرَتي أَنْ أَحْتَمِلَ فِراقَكِ بَعْدَ أَنِ امْتَلَأَ قَلْبِي بِحُبِّكَ، أَيُّها السَّيِّدُ الكَريمُ، الَّذي غَمَرَنِي بِعَطْفِه، وطَوَّقَ عُنُقي بِصَنائِعِه.»٤٢ فَتظاهَرْتُ بِالْإِصْرَارِ٤٣ لِأَخْتَبِرَ مَدَى حُبِّهِ إِيَّاي.

فَلمَّا رَآنِي جادًّا في رَفْضِي غابَ عنِّي قَليلًا، ثُمَّ عادَ إِلَي وَفي يَدِهِ قَدُومٌ، وقالَ لي، وَقَدْ تَمْلَّكَهُ الْيَأْسُ والْحَزْنُ: «بِرَبِّكَ اقْتُلْني بهذهِ الْقَدُومِ، وَأَرِحْني مِن الْحَياةِ، ما دُمْتَ مُصِرًّا على إِرْسالِ «جُمْعَةَ» إِلى قَوْمِهِ!»

فَلمْ أتَرَدَّدْ في إِظْهَارِ مُوافَقَتِي على السَّفَرِ معهُ، بَعْدَ أَنْ بَلَوْتُ إِخْلاصَهُ،٤٤ وَعَرَفْتُ مَدَى حُبِّهِ إِيَّاي. ووَعَدْتُهُ بِتَحْقِيقِ أُمْنِيَّتِه في مُرَافَقَتِه إِلى وَطَنِه. ولَمْ نُضِعْ وَقْتَنا عَبَثًا، بَعْدَ أَنْ عَزَمْنا عَلَى الْقِيامِ بِهذهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ؛ فَذَهَبْنا إِلى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَطَعْناها. وَما زِلْنا دائِبَيْنِ٤٥ في الْعَمَلِ حتَّى صَنَعْنا زَوْرَقًا كَبِيرًا في خِلالِ شَهْرٍ كامِلٍ. وبَعْدَ خمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، اسْتَطَعْنا أَن نُنَزِلَ الزَّوْرَقَ في الْبَحْرِ. وقَدْ تَكَبَّدْنا٤٦ في سَبيلِ ذلكَ عَناءً لا يُوصَفُ. ولَمْ يَمُرَّ عَلَيْنا شَهْرانِ بَعْدَ هذا، حتَّى أتْمَمْنا صُنْعَ الشِّراعِ والسَّارِيَةِ، كما أَنْجَزْنا صُنْعَ السُّكَّانِ٤٧ وقَدْ بَذَلْتُ الْجُهْدَ في تَدْريبِ «جُمْعَةَ» على تَسْيِيرِ هذا الْمَرْكَبِ الشِّراعِيِّ حتَّى حَذَقَهُ وَأَتْقَنَهُ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِمِثْلِ هذا الْمَرْكَبِ الشِّراعِيِّ عَهْدٌ، وَلَمْ يَرَ لَهُ شَبِيهًا طُولَ عُمُرِهِ؛ فَقَدْ كانَ قَوْمُهُ لا يَعْرِفونَ إِلَّا الْجَدْفَ وَحْدَهُ، أَمَّا اسْتِخْدامُ الشِّراعِ والسُّكَّانِ فَذَلكَ ما لَمْ يَأْلَفُوهُ، وَلَمْ يَسْمَعُوا بهِ. وقَدْ أكْسبَتْهُ الْمَرانَةُ قُدْرةً عَجِيبَةً على تَسْيِيرِ مَرْكَبِنا الشِّراعِيِّ، وأَصْبَحَ — بَعْدَ قَليلٍ مِنَ الزَّمَنِ — رُبَّانًا ماهِرًا.
وَهكَذا تَمَّ لَنا إِعْدادُ الْعُدَّةِ لِلسَّفَرِ إِلَى وطَنِ «جُمْعَةَ»، وَلَمْ يُعْوِزْنا٤٨ شَيءٌ مِنَ الْمُعَدَّاتِ.

(١١) حَرْبُ الْأَعْداءِ

وَمَضَتْ عَلَيَّ ثَلاثُ سَنَواتٍ بَعْدَ ذلكَ. وقَدْ أصْبَحَتِ الْجَزِيرَةُ — حِينَئذٍ — جَنَّةً نَضِرَةً،٤٩ بَعْدَ أَنْ كانَتْ مَنْفًى مُوحِشًا، فَقَدْ آنَسَني «جُمْعَةُ» بَعْدَ وَحْشَةٍ، وتَغَلَّبَ إخْلاصُهُ وحُبُّهُ عَلَى كُلِّ عَقَبَةٍ اعْتَرَضَتْنا في حَياتِنا.

وجاءَ الْعامُ السَّادِسُ والعِشْرُونَ، وأنا أَتَرَقَّبُ الْخَلاصَ مِنْ هذهِ الْجَزِيرَةِ. فَلَمَّا أقْبَلَ الشِّتاءُ وَضَعْنا الزَّوْرَقَ في مَكانٍ أمينٍ، حَتَّى انْقَضَى «نُوفَمْبِرُ» و«دِيسَمبِرُ». ثُمَّ أَخَذْنا نُهَيِّئُ الْأَسْبابَ، ونَسْتَكْمِلُ مُعَدَّاتِ السَّفَرِ إِلى وَطَنِ «جُمْعَة».

وإِنَّا لَجَادَّانِ — في صَباحِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، وقَدْ خَرَجَ «جُمْعَةُ» لِصَيْدِ السَّلاحِفِ كعادَتهِ — إِذْ عادَ إِلَيَّ مُسْرِعًا، وهُو يَرْتَجِفُ مِنْ شِدَّةِ الذُّعْرِ، ويَصِيحُ خائِفًا: «يا للْهَوْلِ يا سَيِّدِي!»

فَسَأَلْتُهُ: «أَيَّ هَوْلٍ تَعْنِي؟»

فَقالَ: «ثَلاثَةُ زَوارِقَ تَدْنُو إِلَيْنا، قادِمَةً عَليْنا.»

فَظَللْتُ أُطَمْئِنُهُ وأسَرِّي عن نَفْسِهِ، وهُوَ لا يَكادُ يُصْغِي لِما أَقُولُ؛ فَقَدْ كانَ مُوقِنًا أَنَّ أَعْداءَهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَى الْجَزيرةِ إِلَّا لِيَبْحَثُوا عَنْهُ، وَيُمَزِّقُوا جِسْمَهُ، ويَشْوُوهُ عَلَى النَّارِ!

figure
فَقُلْتُ لهُ: «تَشَجَّعْ يا «جُمْعَةُ»؛ فَلَنْ يُفيدَكَ الْجَزَعُ شَيْئًا، ولَنْ يُبْقِيَ الْأَعْداءُ عَلَى أَحَدٍ مِنَّا إِذا ظَفِرُوا بهِ. ولَيْسَ لَنا إِلَّا أَنْ نُوَطِّنَ نَفْسَيْنا٥٠ عَلَى قِتالِهِمْ. وسأَبْذُلُ نَفْسِي مِنْ أَجْلِكَ، فَلا تُخالِفْ لِي أَمْرًا. وستَرَى كَيْفَ نَحْصُدُهُمْ٥١ بِرَصَاصِنا حَصْدًا.»
وَما زِلْتُ بِهِ حتَّى أَعَدْتُ إِلَيْهِ شَجاعَتَهُ؛ فَبَنَى عَزَمَهُ على أَنْ يَسْتَبْسِلَ٥٢ في قِتالِهِمْ، حتَّى نَنْتَصِرَ عَلَيْهِمْ أَوْ نُمُوتَ كَرِيمَيْنِ.
figure
وَتَأَهَّبْنا لِمُحَارَبَتِهِمْ، فارْتَقَيْتُ قِمَّةَ الْجَبَلِ، فَرَأَيْتُ — مِنْ خِلالِ مِنْظارِي — واحِدًا وَعِشْرِينَ رَجُلًا جالِسِينَ حَوْلَ النَّارِ. فَنَزَلْتُ إِلى سَفْحِ الْجَبَلِ،٥٣ وَأَرْسَلْتُ «جُمْعَةَ» لِيَتَعَرَّفَ ما يَصْنَعُونَهُ؛ فَعادَ إِلَيَّ — بعْدَ قَلِيلٍ — وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُمْ يَشْوُونَ أَحَدَ الْأَسْرَى على النَّارِ لِيَأْكُلُوا لَحْمَهُ. فَذَهَبْتُ إِلى الْغابَةِ وَمَعِي «جُمْعَةُ»، واخْتَفَيْنا بَيْنَ أَشْجارِها الْكَثِيفَةِ، حتَّى أصْبَحْنا على مسافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْأَعْداءِ؛ فَرَأَيْنا رَجُلًا أَبْيَضَ الْوَجْهِ، مُلْتَحِيًا، مَشْدُودَ الْوَثاقِ، مَطْرُوْحًا على الْرَّمْلِ فَصَبَرْتُ عَلَيْهِمْ، حتَّى إِذا شَرَعُوا في حَلِّ وَثاقِه أَمَرْتُ «جُمْعَةَ» أَنْ يُطْلِقَ الرَّصاصَ معِي في وَقْتٍ واحدٍ. وكانَتْ مُفاجَأَةً عَجِيبَةً؛ فَقَدْ قَتَلَ «جُمْعَةُ» — وَحْدَهُ — اثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَجَرَحَ ثَلاثَةً، وَقَتَلْتُ رَجُلًا واحِدًا وَجَرحْتُ اثْنَيْنِ.
figure
وَما سمِعَ الْأَعْداءُ دَوِيّ الرَّصاصِ، وَرَأَوْا ما حَلَّ بِأصْحابِهمْ مِنَ الهَلاكِ وَالْأذَى، حتَّى تَمَلَّكَهُمُ الْخَوْفُ، واسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الذُّعْرُ؛ فَلاذُوا بِالْفِرارِ،٥٤ وَهُمْ لا يَكادُونَ يُصَدِّقُونَ بِالنَّجاةِ. وَرَكِبُوا زَوْرَقَيْنِ لِيَهْرُبُوا إِلى بِلادِهِمْ مِنْ هَذِهِ الصَّواعِقِ الَّتي لَمْ يَرَوْا لَها، فِي حَياتِهِمْ، مَثِيلًا. فاقْتَرَبْتُ مِنَ الرَّجُلِ الْأَبْيَضِ وَحَيَّيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ أَقْرَبَ إِلى الْمَوْتِ مِنْهُ إِلى الْحَيَاةِ. فَفَكَكْتُ وَثاقَهُ، وَسَقَيْتُهُ وَأَطْعمتُه، حتَّى عادَ إِلَيْهِ رُشْدُهُ، وَأَفاقَ مِنْ إِغْماءَتِهِ، فَشَكَرَ لي صَنِيعي أَحْسَنَ الشُّكْرِ. وَقدَ عَلِمْتُ أنَّهُ إسْپانِيُّ الْأَصْلِ، وَأَنَّ سُوءَ حَظِّهِ أوْقَعَهُ أسِيرًا في تِلْكَ الْبِلادِ.

(١٢) أبُو «جُمْعَةَ»

وَرَأَى «جُمْعَةُ» زَوْرَقًا تَرَكَهُ الْأعداءُ؛ فاقْتَرَحَ عَلَيَّ أَنْ نَرْكَبَهُ لِنُطارِدَهُمْ وَنَمْلَأَ قُلُوْبَهُمْ رُعْبًا وَهَلَعًا. فَأَعْجَبَنِي اقْتِراحُهُ، وَما وَصَلْنا إِلى الزَّوْرَقِ، حتَّى رَأَيْنا فِيهِ أسِيرًا ثَالِثًا. فَفَكَكْتُ وَثاقَهُ، وَحاوَلْتُ أَنْ أُنْهِضَهُ عَلَى قَدَمَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ لا يَتَماسَكُ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ وَالْخَوْفِ.

figure
وَلَمْ يَرَ «جُمْعَةُ» هذا الْأَسِيرَ حتَّى ارْتَمَى عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ وَيُعانِقُهُ، وَقَدْ أَذْهَلَهُ الْفَرَحُ حتَّى كادَ يُسْلِمُهُ إِلى الْجُنُوْنِ. فَظَلَّ يَبْكِي وَيَضْحَكُ وَيَقْفِزُ وَيَرْقُصُ وَيَفْرُكُ يَدَيْهِ، وَيَعَضُّ أَنامِلَهُ، وَيَلْطِمُ وَجْهَهُ، وَيُغَنِّي، وَأَنا أُحاوِلُ أَنْ أَسْتَوْضِحَهُ سِرَّ هذا الْخَبالِ،٥٥ وَهُوَ لا يُصْغِي إِلَيَّ. ثُمَّ هَدَأَ قَلِيلًا، وَالْتَفَتَ إِلَيَّ قائِلًا: «اعْلَمْ أَنَّ هذا الْأَسِيرَ هُوَ أَبي. وَقَدْ أَنْقَذَهُ اللهُ عَلَى يَدَيْكَ، فَكَيْفَ لا يَتَمَلَّكُنِيَ الْفَرَحُ وَالطَّرَبُ!»
figure

فتَرَكْتُهُ في فَرَحِهِ، وَأُعْجِبْتُ بِهذا الْحُبِّ الْبَنَوِيِّ. وَقَدْ أَقْبَلَ «جُمْعَةُ» على أَبيهِ يُدْفِئُهُ وَيَتَعَهَّدُهُ — فِي حُنُوِّ الْوَلَدِ الشَّفِيقِ الْبارِّ — وَيَفْرُكُ لَهُ ساقَيْهِ اللَّتَيْنِ أَضَرَّ بِهِما الوثاقُ، وَيَسْقِيهِ تارةً، وَيُطْعِمُهُ تارَةً أُخْرَى، حتَّى أَعَادَ إِلَيْهِ قُواهُ.

فَأَمَرْتُ «جُمْعَةُ» أَنْ يُعْنَى٥٦ بِالرَّجُلِ الْإِسْپاني — كَما عُنِيَ بِأَبِيهِ — فَلَمْ يَتَرَدَّدْ في إطاعَةِ أَمْرِي.
figure
ثُمَّ حَمَلْنَا الْإِسْپانِي وَأَبا «جُمْعَةَ» على لَوْحٍ مِنَ الْخَشَبِ، لِعَجْزِهِما عَنِ السَّيْرِ، حتَّى وَضَعْناهُما فِي خَيْمَةٍ أَقَمْناها بِالْقُرْبِ مِنَ الْحِصْنِ، وَأَعْدَدْنا لِكُلٍّ مِنْهُما فِراشًا مِنَ الْقَشِّ. وَكانَ «جُمعَةُ» خَيرَ تَرْجُمانٍ يَنْقُلُ لِي ما يَقُولُهُ أَبُوهُ وَالْإِسْپانِي الَّذِي أَتْقَنَ لُغَةَ أَعْدائِهِ، لِطُوْلِ عِشْرَتِهِ وَإقامَتِهِ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ.٥٧
figure

ثُمَّ أَمَرْتُ «جُمْعَةَ» أَنْ يَدْفِنَ الْقَتْلَى، حتَّى لا تَفْسُدَ جُثَثُهُمْ، فَتُحْدِثَ رائِحَتُها الْأَمْراضَ الْخَبِيثَةَ؛ فَقامَ بِهذا العَمَلِ خَيْرَ قِيامٍ.

(١٣) بَعْدَ فِرارِ الْأَعْداءِ

وَقَضَيْنا زَمَنًا طَوِيلًا، وَنَحْنُ نَتَعاوَنُ عَلَى زَرْعِ الْأَرْضِ، وَتَوْفِيرِ أَسْبابِ الرَّاحَةِ وَالرَّخاءِ، وَيَأْتَنِسُ بَعْضُنا بِبَعْضٍ. وَسُرْعانَ ما تَمَّتِ الْأُلْفَةُ بَيْنَنا جَمِيعًا، وَأَصْبَحْنا أَصْفِياءَ مُتَحابِّينَ.

figure
وَقَدْ سَأَلْتُ أَبا «جُمْعَةَ»، ذاتَ يَوْمٍ: «أَتُرانا٥٨ فِي خَطَرٍ مِنْ غَارةِ أَعْدائِنا، مَرَّةً أُخْرى؟» فقالَ لِي فِي لَهْجَةِ الْحازِمِ الْمُسْتَيْقِنِ:٥٩ «كَلَّا، لا سَبِيلَ إِلَى عَوْدَتِهِمْ بَعْدَ هذِهِ النَّكْبَةِ. وَما أَحْسَبُهُمْ قَدْ نَجَوْا مِنَ الْعاصِفَةِ الَّتِي هَبَّتْ عَلَيْهِمْ، في أَثْناءِ فِرارِهِمْ. وَلَوْ أَنَّهُمْ نَجَوْا مِنْها لَما وَجَدُوا مِنَ الشَّجاعَةِ ما يَحْفِزُهُمْ٦٠ إِلَى مُعاوَدَةِ الْكَرَّةِ؛ فَقَدْ أطارَ دَوِيُّ الرَّصَاصِ عُقُوْلَهُمْ. وَسيَقُصُّونَ على أَهْلِهِمْ وَأَصْحابِهِمْ ما رَأَوْهُ مِنْ الصَّواعِقِ وَالرُّعُودِ الَّتي أَفْنَتْ جَمَاعةً مِنْ رِفاقِهِمْ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَهُمْ يَتحَدَّثُ — فِي أَثْناءِ فِرارِهِ — وَهُوَ مَدْهُوشٌ مِمَّا رَأى، وَقَدْ مَلَأَتْهُ الْحَيْرَةُ وَالْعَجَبُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَهْتَدِيَ إِلى تَعْلِيلٍ يُفَسِّرُ بِهِ قُدْرَةَ أَعْدائِهِ عَلَى قَذْفِهِمْ بِالصَّواعِقِ، وَتَسْخِيرِ الرُّعُودِ وَالْفَلَكِ٦١ لِلْفَتْكِ بِمَنْ يُرِيدُونَ، عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، دُونَ عَناءٍ.»
وَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ في تَكَهُّنِهِ وَحَدْسِهِ؛٦٢ فَقَدْ عَلِمْتُ — فَيما بَعْدُ — أَنَّ أَعْدَاءَنا قَدْ أذاعُوا عَلَى بَنِي وَطَنِهِمْ — بَعْدَ أَنْ نَجَوْا مِنَ الْغَرَقِ — أَنْباءَ الصَّواعِقِ الَّتِي أَمْطَرْناها عَلَيْهِمْ؛ فَمَلَئُوا قُلُوبَهُمْ رُعْبًا، وَأَيْقَنُوا أَنَّ هذهِ الْجَزِيرَةَ مَمْلُوءَةٌ جِنًّا وَعَفارِيتَ، فَلمْ يَجْرُءُوا عَلَى الدُّنُوِّ مِنْها بَعْدَ ذلِكَ الْيَوْمِ. علَى أَنَّنِي تَأَهَّبْتُ لِنِضالِهِمْ،٦٣ وَتَرَقَّبْتُ عَوْدَتَهُمْ زَمَنًا طَوِيلًا، حَتَّى اقْتَنَعْتُ بِأَنَّهُمْ يَئِسُوا مِنَ الْعَوْدَةِ. فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي، وَانْصَرَفْتُ إِلَى التَّفْكِيرِ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى وَطنِي. ومَرَّتْ بِنا سِنُونَ عِدَّةٌ، ونَحنُ آمِنُونَ وادِعُونَ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ الْعَازِبَةِ.٦٤ وقدْ سَهُلَ عَليْنا أَنْ نُنْجِزَ٦٥ — مُتَعاوِنِينَ — كلَّ ما نَحْتاجُ إِلَيْهِ.
وقَدْ عَلِمْتُ مِنَ الْإِسْپانِي أَنَّ عَدَدَ أَصْدِقائِهِ — مِنَ الْإِسْپانِيِّينَ الَّذِينَ نَجَوْا مِنَ الْغَرَقِ — يَبْلُغُ سِتَّةَ عَشَرَ، ولَديْهِمْ كَثِيرٌ مِنَ الْبُنْدُقِيَّاتِ والمُسَدَّساتِ، ولَيْسَ يُعْوِزُهُمْ٦٦ إِلَّا الرَّصاصُ وَالْبارُودُ. وقَدْ حاولُوا الْعَوْدَةَ إِلَى بِلادِهِمْ؛ فَأَعْوَزَتْهُمُ الْمُعَدَّاتُ، فَأَقامُوا في تِلْكَ الْبِلادِ مُرْغَمِينَ.٦٧ فَسَأَلْتُهُ: «أَتُرَاهُمْ يُلَبُّونَ٦٨ اقْتِرَاحي، إِذا هَيَّأْتُ لَهُمْ أَسْبابَ السَّفَرِ؟»

فَقالَ لي: «لَيْسَ أَشْهَى إِلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ تَحْقِيْقِ هذِهِ الْأُمْنِيَّةِ.»

وَاقْتَرَحَ عَلَيَّ أَنْ يَذْهَبَ مَعَ أَبِي «جُمْعَةَ» لِمُقابَلَتِهِمْ؛ فَأَذِنْتُ لَهُ فِي ذلِكَ، بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ لِي: «إِنَّهُ سَيَكُونُ — هُوَ وَرِفاقُهُ — رَهْنَ إِشارَتِي، وَسَيَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ بِالْوَفاءِ لِي، قَبْلَ أَنْ يُحْضِرَهُمْ إِلَى جَزِيرَتِي. وَبَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ رَكِبَ الْإِسْپانِيُّ وَالشَّيْخُ زَوْرَقَ الْأَعْداءِ بَعْدَ أَنْ زَوَّدْتُهُما بِكُلِّ ما يَحْتاجانِ إِلَيْهِ، مِنْ طَعامٍ وَسِلاحٍ، وَرَجَوْتُ لَهُمَا سَفَرًا سَعِيدًا وَعَوْدًا حَمِيدًا.

١  أصغيت.
٢  متخيلًا.
٣  شك.
٤  كبيرًا.
٥  ليلة طويلة حافلة بالهموم.
٦  أشجار العنب.
٧  بعيدة.
٨  استعداد.
٩  حروبهم.
١٠  الأعضاء.
١١  سببًا.
١٢  مجالس أكلهم.
١٣  تمسكت.
١٤  غفلة.
١٥  زاد غيظي.
١٦  محاربة.
١٧  الفرح.
١٨  يقرب.
١٩  وقع ساقطًا.
٢٠  يوجه.
٢١  صوت.
٢٢  قليلة.
٢٣  قعد على ركبتيه.
٢٤  ذهب همه.
٢٥  يشغله.
٢٦  وجده لذيذًا.
٢٧  ترجع إليه.
٢٨  حافظ عليَّ.
٢٩  هادئة.
٣٠  قتلته.
٣١  راجيًا.
٣٢  قاعدة.
٣٣  استحسنه.
٣٤  يكره.
٣٥  تملأ نفسي.
٣٦  صعدنا.
٣٧  عالٍ.
٣٨  ظهرت.
٣٩  خطوط جبينه.
٤٠  عزمت.
٤١  يبعد.
٤٢  أعماله الجميلة.
٤٣  العزم والثبات.
٤٤  عرفته.
٤٥  مواظبين.
٤٦  قاسينا.
٤٧  الدفة.
٤٨  لم ينقصنا.
٤٩  جميلة خضراء.
٥٠  نقويهما.
٥١  نهلكهم.
٥٢  يعرض نفسه للموت.
٥٣  أسفله.
٥٤  لجأوا إلى الهرب.
٥٥  الجنون.
٥٦  يهتم.
٥٧  معهم.
٥٨  أتحسبنا.
٥٩  المتثبت.
٦٠  يدفعهم.
٦١  استخدامهما وقهرهما.
٦٢  ظنه وتقديره.
٦٣  محاربتهم.
٦٤  البعيدة.
٦٥  نتم.
٦٦  لا ينقصهم.
٦٧  مكرهين.
٦٨  ينفذون.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن ، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.