دوي وصدى

أما يوسف ففض الرسالة خافق الفؤاد وقرأ ما يأتي:

ليت الأقدار تفهم فكانت تغنيك عن تحمل مشقة، وتنقذني من عذاب أليم.

أنت تكلفت جهدًا ضائعًا، وأنا أقاسي ألمًا بلا مسكن، والذنب ذنب القدر الأعمى.

لولا المصادفة لوفرت أنت جهدًا عنيفًا، ولقضيت أنا واسترحت من عذابي.

حملتني تلك المصادفة دينًا لك، فلا أنا أستطيع وفاءه ولا أنت تبتغي بذله.

فاحسب هذا الدين في جملة خسائرك، وأنا أحسب هذا الشقاء في جملة مصائبي.

لا تكن مشفقًا كل حين، فقد يضيع إشفاقك مع غير أهله.

وقد تكون هذه الرسالة فضولًا مني، ولكني فكرت طويلًا فلم أرَ بدًّا من هذا الفضول؛ ليكون مبلغك شكري لك.

وكانت الرسالة بلا إمضاء كما كانت بلا عنوان.

•••

وما انتهى يوسف من تلاوة الرسالة، وهو يتمشى حتى قال: «لله من كبريائك.»

وكاد يمزق الرسالة تمزيقًا، ولكن أنامله لم تطاوعه، وبعد أن طواها ووضعها في جيبه استعادها وقرأها ثانية وثالثة، ثم قال لنفسه: «نسيت أن أسائل الفتاة عن رجل ليلى، تقول: إن اسمها ليلى، فهل أنا قيسها ولي منها عذاب قيس؟ شكت أمس من ألم رجلها، فلا ريب أنها تعذبت الليلة الفائتة، وتأرَّقت أرقي ولكن شتان بين أرقينا.»

•••

ذهب يوسف إلى مصلحة التنظيم، ودفع بطاقة بولس المراني إلى سليم الهيزلي، فاستقبله هذا أجمل استقبال، وقال: لقد أوصاني بك المسيو نجيب مراني أيضًا، يلوح لي أن أسرة المراني كلها تودك يا مسيو برَّاق؛ ولذلك أحسب نفسي سعيدًا إذا استطعت أن أقوم بخدمة لصديق يوده آل مراني هذا الود.

فشكر يوسف له تلطفه، وهو يشعر بوخز في ضميره من جراء ما ألحق ببولس المراني من الإهانة.

ولا نطيل الكلام على القارئ، فإن سليم الهيزلي قدم يوسف إلى مدير المكتب، وتوسل إليه أن يقبله في الوظيفة، فامتحنه المدير بنفسه، وأعجب بمعارفه وبصدق ما بدا من بواطنه، ولم يتردد في توظيفه، فكان يشتغل في المكتب تحت يد سليم الهيزلي؛ لأن هذا أقدم منه.

•••

في ذلك المساء كان يوسف منزويًا في إحدى القهوات، وهو يعيد تلاوة الرسالة الآنفة الذكر، ويتفهم معانيها كأنها إنجيله الذي يحتاج تروٍّ، ثم تناول ورقة، وجعل يكتب تارة ويشطب أخرى، وبعد التنقيح استقر قلمه على الأسطر الآتية:

ليت الأقدار تفهم فكانت تمدني بقوة وسرعة تكفيان لتلافي تلك الحادثة قبل وقوعها، بحيث لا يبقى لي مسوغ أن أقترب منكِ.

أنا دائمًا ضائع الجهد، وإلا لاستطعت أن أوفر عنك ألمًا، ولكن الذنب ذنب القدر الأعمى فسامحيه وسامحي ضعفي.

حملتني تلك المصادفة واجبًا لكِ، فأنا ضعيف عن القيام به وأنت تبتغين الاستغناء عنه، فأنا سيئ الحظ، وقد عداك سوء حظي، فليت في وسعي أن أزيل هذا السوء عنك.

فاحسبي هذا الحظ السيئ عارضًا في حياتك، وأنا أضيف هذا العجز إلى سائر عجزي، ولو كان القدر يفهم وينصف لعداني ألمك، ولكن لا، لعله يفهم وينصف فلا يراني أستحق هذه العدوى.

لا تكوني حليمة؛ فقد يضيع حلمك مع غير أهله. ليتك أطنبت بالتأنيب، فهو عندي إيجاز والإيجاز لا يشبع نفسي

قد تكون هذه الرسالة جسارة مني، ولكني فكرت طويلًا فلم أجد نفسي مستغنيًا عن هذه الجسارة؛ لتكون ذريعة لشكر حلمكِ.

في صباح اليوم التالي كان يوسف في باب المنزل السفلي، وهو كل هنيهة يكشف الساعة، ويستبطئ الثواني حتى ضاق ذرعه قبل أن بدت له الفتاة المؤتزرة، فلما أقبلت عليه قال مبتسمًا: خفت أن لا تأتي.

– الوعد دين يا مسيو يوسف.

– هل عرفت ليلى بقدومك؟

– استأذنتها.

– ألم تزل تتألم؟

– لا تتألم.

– رجلها؟

– جاء الطبيب في الحال وفحصها، فقال: إنها مرضوضة رضًّا خفيفًا جدًّا، فوصف لها مروخًا أزال الألم حالًا.

فاستغرب يوسف هذا القول المخالف لظاهر نص الرسالة، ثم قال: تنتظر ليلى جوابًا لكتابها؟

– لا أدري.

– هل فهمت ليلى لماذا أتيت أنت؟

– قلت لها: إنك ضربت لي ميعادًا.

فلم يرتح يوسف لأجوبة الفتاة المقتضبة، ثم قال: هل هي صديقتك؟

– نعم.

– هل أنت جارتها؟

– بل مقيمة معها.

– بأي صفة؟

– خادمتها.

– خادمتها؟ لماذا ذلك؟

– ماذا أفعل؟

– هل ترضى أمك أو خالتك كما تقولين؟

– لا تدري حتى أعلم إن كانت ترضى؛ ولهذا لا أود أن أتأخر هنا؛ لئلا تصادفني فتأخذني إليها بالرغم مني، وقد ائتزرت بهذه «الحبرة» لكيلا تعرفني.

– كيف اتصلت بليلى؟

– لما وجدت نفسي عرضة لذلك الذئب، حاولت الفرار من المنزل وذهبت إلى «المخدم» أطلب خدمة، وكانت ليلى هناك تطلب خادمة فذهبت معها.

– هل عرفت ليلى بقصتك؟

– عرفت ببعضها، عرفت أني تركت أمي؛ لأنها تريد أن تزوجني ممن لا أريد فأشفقت عليَّ وآوتني عندها.

– هل أنت مرتاحة إلى خدمتها؟

– جدًّا؛ لأنها تعاملني كأخت.

– عجيب.

– أين العجيب؟ لو كنت تعرف ليلى …

وكان كل جواب من أجوبة الفتاة كإزميل يعمل في فؤاد يوسف، فقال: فماذا؟

– لكنت تقول: إنها ليست كسائر البنات.

– صدقت ليست كذلك.

– إذن تعرفها؟

– لا، ولكن ماذا قالت عني؟

– لم تقل شيئًا.

– هل عرف أهلها بتفصيل الحادثة؟

– نعم، ولكنها لم تسمِّ لهم الفتى الذي أنقذها ولا أنا فعلت؛ لأني لا أخالفها بأمر.

– حسن، إذن أنت محتمية بها.

– نعم، ومسرورة جدًّا تحت حمايتها.

– لم تقولي لي اسمك.

– هيفاء.

– اسم جميل، هل يمكنني أن أراك غدًا أيضًا يا هيفاء، ولك مني الجزاء الذي تطلبين؟

– أفعل إذا لم تمانع ليلى.

– ولا أنا ألومك إذا مانعت، هل تتفضلين أن تدفعي هذه الرسالة إليها وحدها؟

(وكانت الرسالة بلا عنوان ولا إمضاء.)

– بكل سرور أفعل.

– إني أمتن لك.

ثم افترق الاثنان هو إلى الجنوب وهي إلى الشمال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠