سفر التكوين

في تلك الأثناء كانت ليلة ساهرة في منزل الخواجه بطرس المراني أبي نجيب وليلى، فكانت ردهة الاستقبال حافلة بجماعة من الأصدقاء، نخص بالذكر منهم الدكتور صديق أفندي هيزلي ابن خال ليلى، وسليم أفندي هيزلي ابن عم الدكتور صديق المذكور، وقد ورد ذكره قبل الآن، وعرف القارئ أنه موظف في مصلحة التنظيم، وهو الذي توسط ليوسف برَّاق في توظيفه بتلك المصلحة بناءً على توصية من بولس المراني، وبالطبع كان أيضًا هناك بولس أفندي المراني أخي الخواجة بطرس صاحب المنزل، هذا عدا أفراد آخرين من رجال ونساء.

وقد اعتاد الساهرون في منزل المراني أن يجدوا السهرة كحفلة أدبية، إذ يتخللها بعض الوقت تلاوة قصائد، أو نتف أدبية جديدة، أو أحاديث في مواضيع علمية أو سياسية؛ لأن نجيب وأخته كانا عشاق الأدب؛ ولهذا كان معارفهما ممن يميلون إلى الأدب كثيرًا أو قليلًا.

ولا نطيل الحديث على القارئ، فإن مسامرة الساهرين في تلك السهرة أدت إلى بعض القصائد الجديدة، التي نشرت في بعض مجلات ذلك الشهر، فتلا بعضهم بعضها على الحضور، فكانت تروق للكثيرين منهم، وفي أثناء ذلك قال نجيب المراني: عندي شيء جديد، جديد بكل معنى الكلمة، أريد أن أتلوه عليكم، فعسى أن يروق لكم.

فقال صديق هيزلي: هل عكفت على صناعة القلم يا نجيب، أخاف أن يكون حظك أخيرًا حظ حملة الأقلام.

– ما أنا إلا دخيل في فن القلم يا صديق، فلا أتخذه صناعة بل حلية لصناعتي، وأنت تعلم أن القلم دفة لسفينة المحاماة.

فقالت ليلى: دعنا نسمع لنحكم إن كنت تحسن إدارة هذه الدفة.

فتناول نجيب ورقة من جيبه، واعتدل في مكانه، وجعل يلقي المقال التالي خير إلقاء كأنه يعظ في معبد، قال:

سفر التكوين

في البدء تزوجت القوة المادة، فولدتا سدمًا، وكانت الجاذبية ذكورة والدافعية أنوثة، ثم نضجت السدم فكانت إجرامًا، وكان دورانها في أفلاكها مداعبة.

تلك قوة القوى وتلك مادة المواد.

تفرقت القوة في نسلها كتفرق المادة في ذريتها.

لكل نظام شمسي قوته القصوى، ولكل أرض قوتها، ولكل ذرة قوتها.

كل أرض تحوم حول شمس هي أمها، حتى إذا أعرضت عنها جلبتها بجلباب من غمام، وإذا مالت إليها كستها بثوب من ربيع، بيد أنها لا تخرج عن دائرة قوتها، بل كلما فقدت قوة تقترب منها لتستمد منها قوة جديدة، والأم تدخر القوة القصوى.

ثم تزوجت القوة الثالوث الهيدرو-كربو-نيتروجيني، فولدا المبدأ الحيوي «البروتو بلاسم»، وتزوجت القوة مجموع المبادئ الحيوية فولدا «القلب».

بذلك التفرق تفرقت القوة القصوى، وبهذا التجمع تجمعت «في القلب».

•••

كل قلب مركز لقوة قصوى، وهو يفرقها على المبادئ الحيوية، التي تدور حوله في البدن دوران الأقمار حول سيارها.

كل قلب عالم قائم بذاته، وعوالم القلوب أجرام تدور في أفلاكها متجاذبة متدافعة قوة القوى، تلعب بالكل متجمعة متفرقة.

•••

القوة منفصلة: العدم.

القوة متحدة: الحياة.

القوة متمدِّدة: العقل.

القوة متقلصة: الشعور.

ما بين التمدُّد والتقلص — التناقص — السر الذي لا يدرك: «الحب».

•••

أين الفهم لإدراك نظام الاتحاد والانفصال، أو نظام التمدُّد والتقلص؟

وأين القدرة للسيطرة على هذا النظام؟

لو أمكن الفهم لصح الاختيار.

ولو وجدت القدرة لصحت الحرية.

لا فهم ولا قدرة فلا اختيار ولا حرية.

لقوة القوى الأمر والنهي.

•••

ماذا يشمل هذه الكواكب السوابح؟ فضاء.

وما وراء هذا الفضاء؟ اللانهاية.

وما الذي يحتوي هذه اللانهاية؟ قلب.

•••

ماذا كان من قبل؟ أزل.

وماذا يكون من بعد؟ أبد.

وماذا يشمل الأزل والأبد؟ سرمد.

وماذا يشمل السرمد؟ دائرة حب.

•••

ما الحب؟ قوة تمدد القلب حتى يحتوي اللانهاية والسرمد، أو تقلصه إلى ذرة، أو تنفصل عنه فيعود عدمًا.

•••

رامت القوة القصوى أن ترقي الطبيعة، فاستخرجت من السديم أرضًا، ومن الأرض حياة ومن الحياة شعورًا، ومن الشعور قلبًا ومن القلب حبًّا، فإذا بها تجد نفسها فيه، وهنا وقفت.

•••

واغترت الطبيعة بارتقائها فحاولت أن تتجبر على القوة، فاستخرجت من الحياة نفسًا، ومن النفس روحًا ومن الروح ملاكًا، فوجدته كتلة من حب.

•••

ورامت الحياة أن تتفوق على القوة والطبيعة معًا، فحولت نفسها إلى عقل والعقل إلى ذكاء، ولما رام الذكاء أن يطوف بين الأفلاك، ويخترق أعماق المادة ليتفهم نواميس الطبيعة، ويستخدمها لإسعاد الحياة وجد نفسه لا يفهم إلا ناموس الحب.

•••

ورامت النفس أن تنافس الجميع، فكست نفسها بالضمير، ثم حلته بالفضيلة فوجدت أنها تحليه بالحب.

•••

ومتى بلغ الرقي حيث ابتدأ استتم دائرته، والدائرة لا تقبل مزيدًا.

•••

الحب وقوة القوى سرٌّ واحد.

•••

القلب آلة الحب وبه يفعل الحب ما يشاء.

يخترق قلوب الجبال ويطير بأجنحة من بخار، ويمشي على اللجج ويسرع مع البرق، ويسبح في الأثير، ويقيم العروش ويدحرج التيجان، ويثير الحروب ويبسط السلام على الخليقة.

•••

إذا استطعت أن تستنزل ملاكًا إلى الأرض، أو أن يستصعدك ملاك إلى السماء، فاعلم أنك تحب.

إذا استطعت أن تعصي فؤادك فلست تحب.

•••

القلوب جواذب دوافع، وبينها ما بين العناصر من الألفة والتنافر.

القلب الأقوى حبًّا أغلب جذبًا.

أكثف الحجب أشف من الأثير للقلوب.

للقلوب لغة واحدة: الخفوق.

نبضات القلب كلماته، وأمواج الأثير تنقلها إلى القلب الذي يفهمها.

قلب في الشمال وقلب في الجنوب، فإذا تخافقا تفاهما.

فما أسماك أيتها القلوب وأعظمك!

•••

يا قوة القوى أنت المعبود الأسمى، إن القلوب خاضعة لنظامك المجهول، فاشغليها بقوتك؛ لكي تتجاذب وتأتلف إذا كان مجدك بائتلافها.

ولما انتهى نجيب من التلاوة طوى الورقة، وأجال نظره في الحضور، فإذا كلهم سكوت كأن على رءوسهم الطير، فقال: أظنها لم تعجبكم؛ لأنكم لم تصفقوا لها.

فقالت ليلى مبتسمة: وهل يصفقون بعد قراءة الكتاب المقدس؟

وقال الدكتور صديق هيزلي: أقسم بالله إنه ليس لقلمك قطرة في هذه المقالة.

– إن الذي كتبها إنسان مثلي أيضًا.

– من هو هذا الكاتب الفيلسوف الذي تلد قريحته هذه الحقائق الشعرية؟

فضحكت ليلى، وقالت: الحقيقة والشعر لا يجتمعان.

فقال الدكتور صديق هيزلي: في هذه المقالة اجتمعا وهنا العجب، فبالله من كتب هذه النبذة يا نجيب؟

– كتبها كاتب لا يعرفه أحد كاتبًا وهو يوسف براق.

فقال سليم هيزلي: لا أستغرب أن تكون هذه النبذة من قلم يوسف؛ لأني توسمت من أحاديثه سعة العلم وحدة الذكاء، فلماذا لا ينشرها في إحدى المجلات؟

– يلوح لي أنه لا يهتم بنشرها، ولو لم أجدها بالصدفة عنده حين زرته أمس ما اطلعت عليها، ولما قرأتها أعجبت بها جدًّا، ورغبت إليه أن يأذن لي بنسخها فنسختها.

عند ذلك استأذنت ليلى من أخيها أن يريها الورقة، فتناولتها منه وجعلت تتلوها وحدها.

واسترسل القوم بالأحاديث المختلفة، وليلى لاهية بمطالعة المقالة، فقرأتها أولًا وثانيًا وثالثًا، وهي تنعم النظر في كل جملة، ولم تكفَّ عن القراءة، حتى جاء عمها بولس المراني وجلس إلى جانبها قائلًا: هل تأذنين لي ببعض أسئلة يا عزيزتي ليلى؟

فاختلجت ليلى قليلًا ظانة أنه سيباحثها بأمر لا تريده، فقالت له: بأي موضوع؟

– أود أن أسألك عن حقيقة الفتاة هيفاء التي كانت خادمة عندك، فقد سمعتك مرة تقولين: إنها فارة من منزل أمها؛ لأنها تريد أن تزوجها من رجل غني لا تريده، ثم إن الفتاة خرجت ذات صباح ولم تعد، فهل عرفت أين ذهبت؟

– كلا، وإنما رجحت أنها عادت إلى أمها، أو أن أمها عثرت عليها فأخذتها قسرًا.

– هل تعرفين أين تسكن أمها؟

– نعم كانت تسكن في منزل قريب منا في الشارع العباسي، وقد أرسلت من يسأل عن الفتاة هناك فوجد المنزل فارغًا، لماذا تسأل عن هذه الفتاة؟

– لأمر يهم بعض الناس، هل أنت واثقة أن المرأة التي تصطحبها أمها؟

– لم تقل الفتاة: إنها ليست أمها، ولكن معاملتها لها تريب.

– بماذا تريب؟

– فهمت من الفتاة أنها كانت ترغمها على معاشرة الرجل، وكان الرجل يتطاول على الفتاة؛ ولهذا نفرت منه، واضطرت أن تهرب من عند أمها.

– هل تعرفين من هو هذا الرجل؟

– أتذكر أن الفتاة ذكرت اسمه فهيم بك رامح، ولكنها لا تعرف عنه شيئًا سوى أنه غني جدًّا، وإنما نفرت منه لأنها أساءت الظن بمقصده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠