حرب في قلب

بعد قليل كان يوسف برَّاق في قاعة فاخرة الرياش، أنيقة الترتيب تدل على جمال الذوق المتناهي، فقال في نفسه: لا أظن هذا المنزل المشتمل على هذا الذوق الجميل يشتمل أيضًا على تلك الفتاة في وقت واحد، فلا بد أن تكون الفتاة ساكنة أو زائرة في طبقة أخرى من طبقات هذه البناية.

وبعد أن رحَّب نجيب المرَّاني بضيفه ترحاب العربي الكريم قال له: متى قدمت من أوروبا؟

– أول أمس.

– أهلًا وسهلًا، عسى أن تستطيب الإقامة في مصر.

– أقول لك الحق أيها العزيز: إن طيب الإقامة فيها يتوقف على التوفق في الشغل.

– لا أظنك استطعت أن تبحث عن شغل حتى الآن.

– بحثت بعض البحث بناءً على نصح رفيق رافقته من الإسكندرية إلى هنا، فأرشدني إلى بعض البنوك والشركات، فذهبت إلى بعضها وسألت عن وظائف خالية فلم أجد.

– هل قصدت إلى البنك الأميركاني؟

– قصدت إليه فقيل لي أن لا وظيفة خالية فيه.

فضحك نجيب وقال: وأنا أعلم أن هذا البنك يحتاج إلى بعض المستخدمين؛ لأنه جديد، ولعل أكثر الدوائر التي قصدت إليها تحتاج إلى قليل مستخدمين، ولكن الذين تسألهم لا يقرون بالوظائف الخالية؛ لأن عندهم من ذويهم طلابًا لها، هل قدمت «طلبًا» إلى هذا البنك؟

– «طلبًا» خطيًّا؟ لا، بل تقدمت بنفسي.

– لقد أخطأت؛ لأنك لم تقدم نفسك إلا للأشخاص الذين يقفلون الباب في وجه كل طالب من غير ذويهم، ورأيي أن تكتب «طلبًا» تبسط فيه أهليتك وتشفعه بنسخ من الشهادات التي معك، ثم تدفعه بنفسك وتطلب مقابلة مدير البنك، وتلتمس منه أن يمتحنك.

– ولماذا الامتحان بعد أن يطلع المدير على طلبي وشهادتي؟

– لا بد من الامتحان والوساطة أيضًا.

– لا بأس من الامتحان، أما الوساطة فلماذا إذا كان الامتحان يثبت أهليتي؟!

– لا بد منها أيضًا؛ لأنه قد يكون بين الطالبين الأكفاء من أوصى به أحد أصدقاء المدير، فالوساطة لأجله تقدمه عليك وإن كان أقل منك أهليةً.

– كم هي ماهيات الوظائف الخالية؟

– حوالي ثمانية جنيهات.

فانقبض يوسف برَّاق، وقال: أقول لك الحق: إني لا أريد أن أقتل وقتي في وظيفة بأقل من عشرين جنيهًا.

فضحك نجيب وقال: إني لواثق بأهليتك يا عزيزي يوسف، ولكن لا وصول إلى الوظائف العالية إلا بالصعود من الوظائف الواطئة.

– يا لله! ألأجل وظيفة صغيرة أحتاج إلى واسطة؟!

– نعم، وإذا لم تكن الواسطة فعالة فلا تنجح مهما كانت الوظيفة حقيرة؛ لأنك غريب في البلاد، وعليك أن تبتدئ بالصعود من أول السلم، ومتى اكتسبت قلوب معارفك الجدد يقدرونك قدرك، فتستعين بهم على الترقي إلى الوظائف العالية.

عند ذلك رأى يوسف فتاة عادلة القوام قد لاحت في رحبة المنزل، وما وقعت عينه على عينها حتى اضطرب، وفي الحال نهض يريد الخروج، فأمسك به نجيب قائلًا: إلى أين؟

– أستأذنك بالانصراف الآن إلى ملتقى آخر.

– لا، بل تتغدَّى معنا وتتعرف بسائر العائلة.

– إني ممتن لفضلك جدًّا، لقد تغديتُ فَأْذَنْ لي بالانصراف.

وبذل نجيب جهده في إقناعه بالبقاء فلم يفلح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠