ما أسهل الغدر على الصديق!

في ذات مساء جاء جورجي آجيوس إلى يوسف براق، وقال له: أريد أن تستأذن صاحب هذا المحل بالتغيب الليلة.

– لماذا؟

– لأني أود أن تذهب معي لزيارة رجل كبير والتعرف به؛ لأنه يهتم الآن بمشروع عظيم ويحتاج فيه إلى مثلك، فإذا قابلته فلا بد أن تعجبه، ويكون لك معه حظ كبير، وقد مهدت لك السبيل فاستأذن بالتغيب صاحب الدكانة متى عاد.

– ولكن صاحب المحل لا يأذن.

– استعفِ وامضِ ولا تسأل عنه؛ فهل تبقى رهينًا في هذه الدكانة الحقيرة؟

– من هو هذا الرجل الكبير؟

– سأخبرك عنه حين نذهب معًا، وسأنتظرك الساعة العاشرة في قهوة الشيشة، فلا تتردد في مطاوعتي، لا أقدر أن أتأخر دقيقة الآن، إلى الملتقى.

ولما كانت الساعة العاشرة التقى يوسف بجورجي في قهوة الشيشة، فقال هذا له: «هيا بنا لئلا يفوت الوقت.» فمشى الاثنان معًا إلى جهة الحديقة، وكان هناك أوتوموبيل ينتظرهما، وفيه رجل وحوذي، فصعدا إلى الأوتوموبيل وفي الحال درج بهما، فقال يوسف: إلى الآن لا أدري إلى أين أنا ذاهب.

فقال جورجي: إلى المستر هنري ميس الأميركي، وقد جاء هذا الرجل حديثًا إلى مصر لكي يؤلف شركة زراعية كبرى والمسيو فوتيوس هنا (مشيرًا إلى الرجل الآخر) يقدمك إليه؛ لأنه يتكلم الإنكليزية.

وكان يوسف بين الاثنين فشكر للمسيو فوتيوس خدمته.

وما هي إلا دقيقة حتى رأى يوسف أن الأوتوموبيل يدرج في شارع عباس، وما أوغل الأوتوموبيل في هذا الشارع حتى شعر يوسف أن كفين من حديد قبضتا على ذراعيه من ورائه، فعلم أنهما كفا المسيو فوتيوس، فدهش ورام أن يصرخ فشعر أن كف جورجي قبضت على عنقه أيضًا، وأن إسفنجة مبتلة وضعت على أنفه ولم يعد يستطيع حراكًا، وفي نصف دقيقة فقد وجدانه.

•••

لم يعِ يوسف من سباته إلا بعد حين، وأول ما شعر به أن يديه لم تزالا مقبوضتين، فحاول الإفلات فخانته قوته؛ لأن فعل الكلوروفورم لم ينقضِ تمامًا، وكان يفتح عينيه ويغمضهما فلا يرى إلا ظلامًا في الحالتين، ثم ما لبث أن فهم أنه موثق اليدين والرجلين، ولم يشعر بوجود أحد غيره في ذلك المكان، فقال في نفسه: إذا لم أكن موءودًا حيًّا وكان قضاتي عادلين يبقى لي أمل بالخلاص؛ لأني لم أرتكب وزرًا ولم أسئ إلى أحد.

ثم ما لبث أن سمع حركة وصليل مفتاح في باب، ورأى ومضات نور ضئيلة، فتنهد الصعداء، وعند ذلك انفتح الباب فرأى يوسف شخصًا مقنعًا بقناع لا يشف عن وجهه، وفي يده الواحدة مصباح ضئيل النور جدًّا، وفي يده الأخرى كرسي صغير، فأجال يوسف نظره في المكان، فإذا هو غرفة فارغة ليس فيها شيء غيره.

ثم أوصد الرجل المقنع الباب، وجلس على كرسيه أمام يوسف وبقي صامتًا والهلع يأخذ من فؤاد يوسف، فقال هذا بصوت خافت: هل أنت عزرائيل؟

فأجابه المقنع: كلا، بل أنا نائبه.

– من أنت؟

– أنا من لا تعرفه ولم تره قط ولن تراه بعد الآن.

– إذن لماذا أنت مقنع؟

– إني مقنع حتى إذا رأيت وجهي في المستقبل لا تعرفني.

– إذن لم يزل لي مستقبل!

– نعم، ولكن مستقبلك في يدك، فإذا أجبتني على ما أسألك بالصدق تعود من حيث أتيت.

– وإلَّا؟

– فتهلك حيث أنت ولا يعلم بك إلا أسماك النيل.

فخفق فؤاد يوسف جزعًا، وقال: سل.

– أين أودعت هيفاء؟ قل الحقيقة؛ لأنه لا يطلق سراحك إلا متى عادت هيفاء إلى أهلها.

ففكر يوسف هنيهة ثم قال: وهل ترغم هيفاء على زواج من لا تريده؟

– ليس هذا شأنك.

– ذلك شأني؛ لأن لي شرطًا كما لك شرط، فهل يطلق سراحي حالما تهتدون إلى محل هيفاء.

– لا أقدر أن أعدك بذلك، وإنما أنا مكلف بالاستعلام منك عن مقر هيفاء الحقيقي، وغيري مكلف باستردادها.

– وبتزويجها من ذلك الزنيم؟

– لا أدري.

– إذن لا أدلكم عليها.

– إذن تموت الليلة، وستموت معذبًا.

ثم نهض الرجل المقنع وهمَّ بالخروج كأنه أنجز مهمته، فصاح به يوسف: دمي على رءوسكم يا لئام.

– لا تصخب ولا تصرخ فليس من يسمع.

– إلى أين يا لئيم؟

– سأعود مستعدًّا لإهلاكك؛ لأن مهمتي لم تنتهِ.

– والحكومة والبوليس والقضاء؟

– احتطنا لكل شيء؛ فما نحن أغبياء.

– أين جورجي آجيوس؟

– لا أعرفه.

– من تعرف؟

– لا أعرف إنسانًا ولا إلهًا.

– أفما أنت إنسان ذو قلب؟

– صرت عزرائيلًا بلا قلب.

فاشتد جزع يوسف وقال: رحماك يا هذا لا أطلب منك كثيرًا، أطلب أمرًا صغيرًا جدًّا وهو أن ترسل لي يهوذا الذي سلمني، فإذا كنت لا تعرفه فالذين تعرفهم يعرفونه.

– لا تنتظر أن ترى هنا غيري، فاستعد للقاء ربك.

وخرج الرجل موصدًا الباب وراءه، وعادت الظلماء تتكاثف على صدر يوسف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤