المقابل

لقد كانت المعركة بيننا وبين قبيلة غطفان غاية في العنف، وقد أصبنا منهم مقتلة عظيمة وما كان هذا إلا لغياب بطلهم الصنديد رافع بن عدي، ولا شك أنهم ينتظرون يومًا قريبًا ينالون فيه ثأرهم، والقبيلة منذ ذلك الحين مشغولة فيما يمكن أن تصنعه حتى تتهيَّأ لهذا اليوم المنتظر القريب، وقد اجتمع شيوخ القبيلة يفكرون واجتمع معهم الشباب وراح كل منا يدلي برأي، ولكن ما أسرع ما كانت هذه الآراء تواجه بالنقاش.

– نهاجر.

ويقول شيخ القبيلة في عظمة واعتزاز: حتى نصبح أحدوثة بين العرب؛ نترك ديارنا خوف عدو دحرناه وأنزلنا به الهزيمة الماحقة، إذا نحن هاجرنا يكون العدو هو المنتصر، ويصبح النصر الذي أحرزناه أعجب نصر في التاريخ، سيكون نصرًا ترتبت عليه آثار الهزيمة.

– ولكننا إن واجهنا العدو ونيران الثأر تغلي في دمائه ومعه البطل الذي كان غائبًا عنه، فإنه سيصيب منا قتلى كثيرين، ونخسر النصر والدماء في آنٍ معًا.

– إن دمائنا لا شيء، إنها ما خلقت إلا لتحمي كرامتنا وشرفنا، يا شيخ القبيلة.

– الدماء دماء أب أو أخ أو زوج أو ابن، إنها دماء عزيزة.

– في سبيل النصر يصبح العزيز رخيصًا.

– فإن بذلنا الدماء ولم نحقق النصر؟

– لهذا اجتمعنا.

ويقول رأي آخر: ما لنا لا نناشد قبيلة عاصم؛ فإن بينها وبيننا أخوة قديمة.

يقول الشيخ: وما يجعلها تحارب قبيلة غطفان وليس بينهما عداوة، وقبيلة غطفان كثيرة العدد موفورة الحظ من القوة والبأس.

– أليست الأخوة كافية لتقف قبيلة عاصم إلى جانبنا؟

– كنا جديرين أن نأخذ بهذا الرأي لو كان هناك عداء بين قبيلة عاصم وقبيلة غطفان، أما أن تثير قبيلة عاصم العداء عليها بلا داعٍ إليه فهذا ما لا يفعله أحد.

ويقول شيخ من القبيلة في تؤدة ووقار: إن ما يلزمنا يا شيخ القبيلة هو فتًى في مثل قوة رافع بن عدي يجعل انتصارنا على العدو مؤكدًا.

ويصمت الجميع ويتكلم شيخ القبيلة بعد تريثٍ وتفكير.

– بالصواب نطقت، ولكن من أين لنا به؟

ويصيح شاب من القبيلة: إن العرَّاف …

وتقاطعه أصوات كثيرة.

– هل ضعفت؟

– ما للعرَّاف وهذا.

– إنك تخرِّف.

ويقول شيخ القبيلة: دعوا الفتى يكمل حديثه.

ويسود الصمت هنيهة ويعود الشاب إلى حديثه.

– إن العرَّاف يمر بالقبائل جميعها وهو يعرف من أخبارها ما لا نعرف، فلماذا لا نقصد إليه نسأله أن يدلنا على بطل من أبطال العرب يكون كفؤًا لرافع بن عدي؟

ويصمت الشاب ويعود الصمت إلى التحليق ويقول شيخ القبيلة: الرأي ما قلت، إذا كان الغد نذهب إلى العرَّاف.

وينفض الاجتماع ولكن شابًّا من شباب القبيلة يمكث حيث هو لا يريد أن ينصرف، وإنما يظل رانيًا إلى شيخ القبيلة في استعطاف ولهفة، وأنا أنظر إليهما لا يريد أن أنصرف أو أسمع الحديث بين الشيخ والفتى؛ فأنا أعرف ما يريد سليمان أن يقول، وأريد أن أعرف كيف سيجيبه شيخ القبيلة. يظل الفتى رانيًا وشيخ القبيلة يتظاهر بأنه لا يراه وإنما هو يحوِّل عنه بصره في ضيق، حتى إذا فشل سليمان في أن يجعل الشيخ يسأله ما يريد جمع كل ما فيه من شجاعة وتقدم إلى الشيخ.

– وبعد يا عمَّاه؟

– وبعد فيمَ يا سليمان؟

– ألا تعرف؟

– كأني أعرف.

– فما انصرافك عني كلما أردت أن أكلمك.

– أهذا وقته يا سليمان؟

– قبل الحرب كنت تقول بعد الحرب، وها قد انتهت الحرب.

– أترى الحرب قد انتهت.

– لقد انتصرنا، ألم ننتصر؟!

– ففيمَ إذن كان اجتماعنا هذا؟

– لنؤمِّن النصر، ونتأكد منه.

– فإذا أمنَّا النصر وتأكدنا منه يحق لك أن تقول وأن أسمع.

– يا عمَّاه سنوات ثلاث مررن.

– أو عشر ماذا أفعل؟

– اعقد لي عليها.

– فماذا تقول القبيلة؟

– تقول زوج ابنته من ابن أخيه.

– والعدو يتربص بنا.

– وهل لزواجي صلة بالعدو؟

– إني شيخ القبيلة لا يجوز لي أن أفرح والقبيلة خائفة.

– إذن.

– انتظر.

– إلى متى؟

– إلى قريب، إلى قريب إن شاء الله.

ويطرق سليمان ثم يلقي بنظره حوله فلا يجد غيري فيقوم إليَّ يصحبني إلى عريض الصحراء.

– ما رأيك؟

– لقد اخترت موعدًا لا يصلح لهذا الحديث.

– فأي موعد يصلح؟

– حين ترى الأمن بين القبيلة تقدَّم بطلبك.

– ومتى يشيع؟

– لا أحد يعرف متى يشيع الأمن بين النفوس.

– لا أحد يعرف؟

•••

وقال العرَّاف: أعرف فتًى لا حديث له إلا الحرب وأفعاله فيها، وما خاضه من أهوال.

– هل شهدته وهو يحارب؟

– يا أخا العرب إنني عرَّاف لا أشهد الحرب، هل رأيتني أجيء إلى قبيلتكم منذ نشبت الحرب بينها وبين غطفان؟

– لا.

– إن عملي في الحياة هو الحياة، والحرب عملها الموت، يا أخا العرب إن الموت والحياة لا يجتمعان.

– إذن فمَن هذا الفتى الذي يروي عن الحرب؟

– غضبان بن صخر.

– أتعرف مكانه؟

– أدلكم عليه.

•••

وجاء صخر، شاهق هو إلى السماء، عريض الكتفَين ضخم رائع التكوين عظيم البنيان.

– كما شهدت من حروب، وإن عملي فيها بسيط، فإنني أتولى القيادة دائمًا وما هي إلا أن أجيل السيف جولة أو جولَتين حتى يدرك الأعداء بلا أمل لهم وما هي إلا إغماضة عين أو انتباهتها حتى تكون الحرب قد انتهت، في يوم من الأيام نشبت الحرب بين قبيلة بهنس وفزارة، وكان البهانسة أصدقائي فأرسلوا إليَّ رسولًا …

وقصَّ غضبان وقصَّ، وكنت أحس مع كل قصة من غضبان نوعًا من الأمن والطمأنينة يشيع في نفوس القبيلة فتشرق به وجوههم، وسأل شيخ القبيلة: ما أجرك؟

– ما نوع الحرب؟

– يريدون أن ينتقموا من يوم هزمناهم فيه.

– فهي شر أنواع الحرب.

– فلتكن ما تكون، ما أجرك؟

– اجمعوا لي خمسين ناقة سليمة لا عيب فيها ولا أود.

– وبعد؟

– أرسل النياق إلى أهل بيتي ثم أقيم معكم حتى يوم الكريهة.

– أتأخذ النياق قبل الحرب؟

– هكذا تعودت.

– ليكن لك ما أردت.

– وإني أحب أن أشرب الصبوح والغبوق.

– وخمر أيضًا؟

– لا أعيش بغيرها.

– ولك ذلك.

– أما إفطاري فقعب من اللبن، وإناء من السمن، وعشرة أرغفة وغدائي شاة وعشائي …

– وعشاء أيضًا؟!

– إنْ لم آكل فكيف أحارب؟

– وعشاؤك؟

– لا أحب أن أثقل في العشاء حتى يحسن نومي. نصف شاة تكفي.

– لك ما أردت.

– والنصر مؤكد لكم.

وأقام غضبان بيننا يروي عن أعماله، وانصرفت القبيلة جميعًا إلى أعمالها؛ فقد آمنوا أن الحرب لن تنال منهم شيئًا ما دام معهم غضبان، ولم يعد حديث الحرب يدور بينهم إلا إذا جلسوا حول غضبان يسمرون ويستمعون إلى أحاديثه عن حروبه التي لا تنتهي، وكنت جالسًا إلى جانب سليمان حين التفت إليَّ فجأة.

– لقد شاع الأمن في النفوس.

نظرت إليه ثم قلَّبت نظري في وجوه القبيلة، نعم لقد شاع الأمن.

– نعم لقد شاع الأمن.

– لقد صدق قولك، لا أحد يعرف متى يشيع الأمن.

– نعم، لا أحد يعرف.

– لقد شاع الأمن مع أن الحرب لم تنتهِ.

– تستطيع اليوم أن تتقدم إلى عمك.

•••

كان الفرح عظيمًا، واجتمع الحبيبان بعد طول انتظار، وفرحت القبيلة باجتماعهما؛ فقد طالت بهم فترة القلق والخوف، وكانت النفوس منهم تهفو إلى فرح، أي فرح أكان فرح بنت شيخ القبيلة، ومرت شهور طويلة على العروسَين، وبُشِّرت العروس بمقدم طفل يحبو في أثباج الغيب، ورفرفت السعادة على القبيلة لا يذكرهم بالحرب إلا وجود غضبان بينهم يروي عن بطولاته، ويتناول مأكله الدسم وإن كان هذا المأكل لم يصبح له وحده وإنما كان يشاركه فيه كثيرون من أبناء القبيلة؛ فقد اتضح منذ اليوم الأول أنه ليس أكولًا نهمًا كما أحب أن يصوِّر نفسه لأبناء القبيلة. وإن كان في شرب الصبوح والغبوق يكثر ولكن إكثاره ما يلبث أن يتحول إلى أحاديث يُمتع بها مستمعيه من أبناء القبيلة، ولعلهم من أجل هذا كانوا يلحُّون عليه أن يستمر في الشراب كلما أحب أن يكتفي.

لقد نشأ بين غضبان وأبناء القبيلة جميعًا نوع من الألفة والحب والإكبار من جانبهم، والإيناس من جانبه.

•••

حتى كان يوم فوجئنا فيه بنعمان أحد تجار القبيلة يدخل إلى أفناء الخيام يركض فرسه كالسهم النافذ، وقبل أن يوقِف فرسه صاح: لقد جاء اليوم.

وما هي إلا لمحة من بصر حتى كانت القبيلة جميعها حوله.

– كنت في السوق فرأيت جماعة كبيرة من الناس وسمعتهم يذكرون اسم قبيلتنا، فلم أشترِ شيئًا وجئت أسابق الريح.

– متى تظنهم يصلون؟

– قبل أن تغرب الشمس.

وصاح شيخ القبيلة: يومك يا غضبان.

ونظر الجميع إلى غضبان، لم يكن غضبان هذا الذي نرى، لقد امتقع وجهه فهو أبيض ناصع البياض، وزاغت عيناه فهي هاربة في حفائرها كأنما تريد أن تغور داخل رأسه، بل جسمه الشاهق الضخم أصابته الضآلة فهو بعض من جسم.

غضبان جميعه بعض من إنسان، وقال لسانه وهو يتعثر في فمه: بل هو يومكم أنتم.

– يومنا نحن بقيادتك.

– أنا لم أحارب في حياتي.

– ماذا؟

انطلقت صرخة ذاهلة من الجميع، واستغلق الأمر لحظات على شيخ القبيلة، ولكنه سرعان ما تماسك ونظر إلى غضبان ثم قال في تؤدة ووقار: احبسوا هذا الرجل حتى تنتهي الحرب ثم نرى فيه رأينا.

وخفَّ إلى غضبان بضعة فتيان كنت منهم، وكان معي صديقي سليمان ولم يلتفت غضبان إلى أحد منا وإنما نظر إلى سليمان وقال في تؤدة: أما أنت يا سليمان فلا، أنت لا أجيز لك أن تقيِّدني.

وبهت سليمان لحظات ولم يدرِ ما يقصده غضبان إلا أنه ترك الحبل من يده وتولَّينا نحن قيد غضبان، وألقينا به في خيمته، وقد لاحظت عليه شيئًا غريبًا، لم يعد ذلك الشخص الذي كانه منذ لحظات، لقد بارحه الخوف وعادت إليه الطمأنينة التي عهدناها فيه، ولو لم نكن مشغولين بالجيش الوافد ولو وجد منا آذانًا صاغية لراح وهو في قيده يقصُّ علينا بطولاته في الحروب التي خاضها.

•••

راح شيخ القبيلة يستعد للحرب؛ فالقبيلة جميعها تهيِّئ السيوف وتُعد الخيل، وشيخ القبيلة يحدد لكلٍّ منهم موقعه وما عليه أن يفعله.

وجاءت الجيوش آخر الأمر، وبادرنا نلتقي بها قبل أن تصل إلى الخيام وكانت مفاجأة لم تخطر لنا على بال، لم تكن جيشًا؛ لقد كانوا جماعة من قبيلة عاصم لم يتبيَّن نعمان حقيقتهم؛ فقد هيَّأ له الخوف أنهم جيش غطفان، وما لبث شيخ قبيلتنا أن رحَّب بشيخ قبيلة عاصم ودعاه هو ومن معه إلى الخيام لينال الراحة والضيافة.

لقد جاء شيخ عاصم ليعقد صلحًا بيننا وبين قبيلة غطفان وذكر ما طلبوه من دية وكانت مائَتي بعير، ولم ينتظر شيخ عاصم حتى نبحث الأمر بل سارع يقول: وإني أقدم من عندي خمسين بعيرًا هدية مني إليكم حتى يعود السلام إلى الربوع.

وقبلنا الصلح؛ فما أعظم أن ننتصر وندفع ثمن نصرنا هذا العدد من الجِمال.

•••

– فأنت إذن يا غضبان كنت تسرقنا.

– أنا يا شيخ القبيلة؟

– ألست أنت من أخذ الخمسين ناقة وأقمت …

وقاطعه غضبان: لا تذكر المأكل والمشرب يا شيخ القبيلة فإنك أكرم من أن تذكر مثل هذا.

وصاح سليمان: ليكن، فماذا أنت قائل عن الخمسين ناقة.

وقال غضبان: اسكت أنت يا سليمان.

– عجيب أمرك معي، رفضت أن أقيِّدك وأنت الآن ترفض أن أحاسبك، ما شأنك معي؟

– إنك أكثر أبناء القبيلة انتفاعًا بما قدمت.

– لم تقدِّم إلا الأحاديث المزوقة، وأخبار الحروب الوهمية التي خضتها والبطولة الزائفة التي ادعيت إنك صاحبها.

ونظر غضبان لحظات إلى سليمان، ثم راح يجيل عينيه في أبناء القبيلة فوجد عيونهم جميعًا تنتظر جوابه ونكس رأسه هنيهة ثم رفع رأسه في هدوء وثقة.

– لقد قدمت إليكم بهذه الأحاديث أعظم ما كنتم تفتقدونه ولا تجدونه.

– أنت؟

– قدمت إليكم الأمن، قدمت إليكم الاطمئنان.

وكأنما كانت هذه الكلمة في وادٍ سحيق بعيد عن أذهان الجميع، نظر أبناء القبيلة بعضهم إلى بعض ثم التقت عيونهم جميعًا عند شيخ القبيلة فوجدوه صامتًا صمت المفحم الذي لا يجد ما يقول، واستمر غضبان في حديثه موجهًا كلامه إلى سليمان ما يزال: بهذا الأمن وهذه الطمأنينة تزوجت يا سليمان، وجد الفرح سبيله إلى قبيلة كانت قبل أن أجيء مفزعة في صباحها ومسائها، طعامها قلق وشرابها شغل وتفكير، أكثير ما أخذته منكم مقابل ما أعطيتكم، لقد نلتم المقابل، نلتموه كاملًا، أليس كذلك يا سليمان؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤