قصص الحظ العاثر

كانت جولي ترتدي فستانًا مقلمًا بخطوط وردية وبيضاء وتعتمر قبعة من القش بلون الصوف الطبيعي، تحت حافتها زهرة وردية. كانت القبعة أول شيء لاحظته في مظهرها بينما كانت تمشي بخُطًى واسعة في الشارع. لوهلة لم أدرك أنها جولي. فعلى مدار العامين السابقين، عشت لحظات من الذهول كلما الْتَقيت أصدقائي في الأماكن العامة. فكانوا يبدون أكبر مما ينبغي. ولكن لم تبدُ جولي أكبر سنًّا، بَيْدَ أنها لفتت انتباهي بطريقة لم يسبق لها مثيل. كانت القبعة هي ما لفت انتباهي لها؛ إذ جال في خاطري أنها تعطي انطباعًا أنيقًا، رغم أنه لا يناسبها، وهي تغطي رأس تلك المرأة طويلة القامة صبيانية الطباع. بعدها أدركت أنها جولي، فأسرعت لتحيتها، وجلسنا حول مائدة في ظل شمسية بمطعم على الرصيف حيث تناولنا الغداء.

لم نكن قد تقابلنا منذ شهرين، وتحديدًا منذ المؤتمر الذي عُقد في شهر مايو. واليوم أنا في زيارة إلى تورونتو، حيث تعيش جولي.

سرعان ما أخبرتني بمجريات الأمور. بدت جميلة وهي جالسة، بملامح وجهها الرقيقة المستظلة بالقبعة، وعينيها الداكنتين اللامعتين.

قالت جولي: «هذا الأمر يجعلني أسترجع أحداث قصةٍ ما؛ أليس ما حدث يشبه إحدى تلك القصص الساخرة التي تنطوي على تحوُّل مفاجئ في الأحداث في نهايتها؟ تلك القصص المشهورة جدًّا؟ لقد اعتقدتُ حقًّا أنني جِيءَ بي لحمايتك. لا، لا لحمايتكِ تحديدًا، فهذه كلمة سفيهة جدًّا، لكنني حسبت أن شعورًا ما كان يخالجك، ولكنك توخيتِ الحذر، وهذا ما استدعى وجودي. ألن تصنع هذه الحبكة قصة رائعة؟ لماذا أمست هذه القصص عتيقة؟»

قلت: «لأنها بدت متوقَّعَة أكثر من اللازم، أو لأن الناس حسبوا أن هذه ليست هي الطريقة التي تسير بها الأمور، أو أنهم تساءلوا: من يعبأ بالطريقة التي تجري بها الأمور؟»

قالت جولي: «الأمر ليس كذلك بالنسبة لي! لم يكن أي شيء متوقعًا!» نظر شخص أو اثنان باتجاهنا؛ فالطاولات هنا تكاد تكون متلاصقة.

ثم عبست ودفعت القبعة لأسفل على وجنتيها، فسحقت الزهرة المتدلية على صدغها.

قالت: «لا بد أن أكون صريحة. أشعر أنني أميل إلى الرعونة والطيش الآن. كما أنني مُذهَلة فحسب. هل هذه القبعة سخيفة؟ لا، حقًّا، هل تذكرين عندما كنا نقود السيارة وأخبرتِني بالزيارة التي قمتِ بها؟ الزيارة التي اصطحبك فيها ذلك الرجل لمقابلة الأثرياء؟ المرأة الثرية؟ تلك المرأة البشعة؟ هل تذكرين ما قلتِه آنذاك أن للحب نوعَين، وأن منهما نوعًا لا يود أحد أن يظن أنه ضيعه؟ حسنًا، كنت أفكر آنذاك، هل ضيعت الحب بنوعَيه؟ لم تسنح لي الفرصة حتى أن أميز بين نوعَي الحب.»

كنت على وشك أن أقول «ليزلي»، وهو اسم زوج جولي.

قالت جولي: «لا تقولي «ليزلي». أنتِ تعرفين أن هذه العلاقة لا تهمني. ليس بوسعي شيء؛ إنها فعلًا لا تهمني؛ ولذا، كنت أعد نفسي لعدم الاكتراث بها، بل والسخرية منها، ولكن خطر لي التفكير فيما يدفعني إلى الرِّضَى بمجرد الفتات!»

قلت لها: «دوجلاس أفضل من الفتات.»

«نعم، إنه كذلك.»

•••

عندما انفض المؤتمر في مايو الماضي، واصطفت الحافلات أمام بوابة الفندق الصيفي بانتظار أن تقل الناس إما إلى تورونتو أو إلى المطار، دلفتُ إلى غرفة جولي ووجدتها تحزم حقيبة الظهر خاصتها.

قلت لها: «أمَّنت لنا وسيلة مواصلات إلى تورونتو، إذا كنت تفضلينها عن الحافلة. هل تذكرين الرجل الذي عرَّفتك به ليلة أمس؟ دوجلاس ريدر؟»

أجابت جولي: «حسنًا. أصابني السأم بعض الشيء من كل هؤلاء الرجال. هل لا بد أن أتحدث معه؟»

«قليلًا. هو سيتكلم.»

أعنتُها على ارتداء حقيبة ظهرها؛ ولعلها لا تملك حقيبة للمبيت. كانت ترتدي حذاءً طويل العنق يتحمل المشي لمسافات طويلة، وسترة من القطن المتين. لم تكن تمزح بشأن ارتدائها هذا الحذاء؛ إذ كان بإمكانها العودة إلى تورونتو سيرًا على الأقدام؛ ففي صيف كل عام، كانت هي وزوجها وبعض أبنائهما يقطعون طريق بروس سيرًا على الأقدام. وثَمَّةَ أمور أخرى تتعلق بها تتماشى مع الصورة الكلية؛ فهي تصنع الزبادي بنفسها، وكذلك الخبز الأسمر والجرانولا. قد يظن البعض أنني ربما كنت قلقة بشأن تعريفها بدوجلاس الذي كان يجنح إلى أكثر الأفكار استفزازًا إذا ما تحدث أحدهم أمامه بشيء ينم عن الاهتمام بالصحة. فقد سمعته ذات مرة يخبر الناس أن الزبادي يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، وأن التدخين مفيد للقلب، وأن الحيتان كائنات مقيتة. إنه يفعل ذلك على سبيل المزاح، ولكن بثقة شديدة ممزوجة بإضافات صادمة من عنده المقصود منها الاستهزاء والسخرية، مستخدمًا إحصائيات زائفة وتفاصيل مختلَقَة؛ ومن ثَمَّ يستشيط غضبًا أولئك الذين يجادلهم أو يرتبكون أو قد يشعرون بالإساءة الشديدة، وأحيانًا ما تغلب عليهم كل هذه المشاعر دفعة واحدة. لا أتذكر أنني فكرت كيف ستتعامل جولي معه، لكنني أفترض أنني لو كنت فكرت في الأمر، لجزمت بأنها لن تجد مشكلة في التعامل معه؛ فجولي ليست إنسانة بسيطة؛ فهي تتعامل بأساليب ملتوية، ودومًا على علم بما تفعله وبما ترتاب فيه. ليس من السهل إذنْ معرفة ما ترمي إليه من خلال دوافعها.

أنا وجولي صديقتان منذ سنوات. وهي تعمل أمينة بواحدة من مكتبات الأطفال في تورونتو. ولقد ساعدتني في الحصول على الوظيفة التي أشغلها حاليًّا، أو على الأقل، هي التي أطلعتني على الحاجة إلى شغلها. أنا أعمل الآن سائقة لشاحنة تقل مكتبة متنقلة في وادي أوتاوا. أما عن حياتي الشخصية، فقد طُلِّقتُ منذ فترة طويلة؛ ولذلك من الطبيعي أن تتحدث إليَّ جولي عن مشكلة تزعم أنها تعجز عن مناقشتها مع كثير من الناس. إنه سؤال في واقع الأمر أكثر من كونه مشكلة. والسؤال هو: هل ينبغي أن تحاول جولي العيش بمفردها؟ قالت لي إن زوجها ليزلي قاسي القلب وسطحي وعنيد ولا يشبعها عاطفيًّا، غير أنه وفيٌّ ومخلص وسامي المبادئ وضعيف. وقالت أيضًا إنها لا تريده في حياتها على الإطلاق، لكنها تظن أنها ربما تفتقده أكثر مما تستطيع الاحتمال. وأخبرتني أنها لا تتوهم أن لديها القدرة على جذب أي رجل آخر، لكنها تُحس أحيانًا أن مشاعرها وحياتها … إلخ، تضيع هباءً.

أنصتُّ إليها، وحدَّثتُ نفسي أن شكواها تشبه شكاوى الكثير من النساء، وحقيقة الأمر أنها أشبه كثيرًا بالشكاوى التي كنت أصدع بها حينما كنت متزوجة. إلى أي مدًى ستستمر هذه الأحاسيس؟ وإلى أي حدٍّ ستتعمق؟ إلى أي مدًى يعتبر بذل هذه المشاعر ممارسة تحقق التوازن للعلاقة الزوجية وتُبقي عليها؟ سألتها عما إذا كانت قد وقعت في الحب من قبلُ مع أي شخص آخر غيره، فقالت إنها حسبت أنها وقعت ذات مرة في حب شاب الْتَقت به على الشاطئ، لكن الأمر كله كان هراءً، وتلاشت مشاعرها نحوه. وخلال السنوات الأخيرة، ظن رجل أنه وقع في حبها، لكن هذه العلاقة كانت هراءً أيضًا ولم يتمخض عنها شيء. قلت لها إن للوحدة وجهًا قبيحًا، ولا شك أنني نصحتها بإعادة النظر. أحسب نفسي أكثر من جولي شجاعة لأنني أقدمت على المخاطرة، بل في الواقع أقدمت على أكثر من مخاطرة.

•••

تناولت أنا وجولي ودوجلاس ريدر الغداء في مطعم يقع في بناية خشبية بيضاء عتيقة تطل على بحيرة صغيرة؛ تمثِّل واحدةً من سلسلةٍ من البحيرات. وقتئذٍ، قبل أن يتم إنشاء الطريق، كان ثَمَّةَ مَرسًى ترسو عليه قوارب البحيرة؛ إذ كانت القوارب تجلب الزوار الساعين لتمضية الإجازة آنذاك — وكذلك الإمدادات — إلى الشاطئ. كانت الأشجار تغطي الشاطئ وتحيط بجانبَي البناية، وغلب عليها شجر البتولا والحور. ولم تكن أوراق الأشجار قد نمت أعلاها بعد، مع أننا كنا في شهر مايو، بل كادت كل الفروع تكون عارية إلا من نفحة من الخَضار، وكأن الأخضر هو لون الهواء. وتحت الأشجار كانت هناك مئات الزهرات الثلاثية البيضاء. وكان اليوم غائمًا رغم محاولات أشعة الشمس النفاذ من بين السحب، وبدا ماء البحيرة متلألئًا وباردًا.

جلسنا في شرفة طويلة محاطة بألواح من الزجاج على مقاعد عتيقة الطراز، مختلفة لا يشبه أحدها الآخر، ومطلية بألوان زاهية تشبه كراسي المطبخ. وكنا الرواد الوحيدين هناك. وكان الوقت متأخرًا إلى حدٍّ ما لتناوُل الغداء، لكننا تناولنا دجاجًا مشويًّا.

قلت: «وكأننا نتناول عشاء الأحد حقًّا؛ عشاء يوم الأحد بعد زيارة الكنيسة.»

قالت جولي: «إنه لَمكان جميل.» وسألت دوجلاس كيف تعرَّف على هذا المطعم.

قال دوجلاس إن الفرصة سنحت له للتعرف على الأماكن كلها؛ فقد أمضى فترة طويلة جدًّا في الترحال والتنقل بين أرجاء المقاطعة، حيث إنه مسئول عن جمع المواد لدار المحفوظات المحلية وشرائها، من مذكرات ورسائل وتسجيلات قديمة بأنواعها المختلفة، والتي عادةً ما تُهمَل وتضيع أو تباع إلى غيره من القائمين على جمع المواد من خارج المقاطعة أو البلد كله. وفي عمله، كان دوجلاس يتتبع العديد من الأدلة ويعتمد على حدْسه، وعندما تقع يداه على كنزٍ ما، فإن حيازته لا تئُول إليه مباشرة؛ فعادةً ما يتعين عليه إقناع مُلَّاك هذه المواد القيِّمة ببيعها — سواء المتحفظون أو المتشككون أو الطماعون — والتفوق على التجار الخصوصيين.

فقلت لجولي: «إنه قرصان من نوعٍ ما فعلًا.»

تكلم عن التجار الخصوصيين وسرد قصصًا عن منافسيه. فأحيانًا كانوا يستحوذون على مادة قَيِّمَة، ثم يحاولون بيعها له بمنتهى الصفاقة مرة أخرى، أو يحاولون بيعها لأعلى المزايدين عليها من خارج البلد؛ وهي الكارثة التي أقسم على الحيلولة دون وقوعها.

كان دوجلاس طويل القامة، وكان أكثر الناس يحسبونه هزيلًا بغض النظر عن بطنه البارز الذي جدَّ عليه حديثًا ولا يتناسب مع قوامه، وربما كان مؤقتًا وسرعان ما سيتلاشى. أما شعره، فكان رمادي اللون قصيرًا، ربما كي يطمئن له أصحاب المذكرات العُجُزُ والمتحفظون. وبالنسبة لي، بدا دوجلاس صبياني الهيئة. لا أقصد أن أوحي بذلك بأنه رجل ذو وجه بريء متورد وخجول، بل ما خطر على بالي كان فورة الشباب الحادة والملامح المتجهمة الواثقة في نفسها، التي عادةً ما نراها في صور المجندين في الحرب العالمية الثانية. كان دوجلاس واحدًا من هؤلاء، وهو غضٌّ لم ينضج بعد. يا للتواضع والرِّضَى المرسومين على تلك الوجوه المقفلة على أسرارها! الوقوع في الحب بالنسبة لهؤلاء الرجال سريع وخاص ومدهش، وكذا استعادة أنفسهم بعد حالة حب. شاهدته إذ قص على جولي قصص الذين يتاجرون في الكتب والصحف القديمة، وكيف أنهم ليسوا رجعيِّي التفكير وكتومين، كما أُشِيع عنهم في مخيلة العامة، وليسوا عُجُزًا ثرثارين غامضين، بل هم محتالون يتمتعون بالجرأة وصفات المقامرين وثقة الرجال. وفي هذه الحالة، وكذلك في أية حالة أخرى تتجلى فيها احتمالات كسب المال، يكثر الخداع والكذب والتحايل والتنمُّر.

قالت جولي: «هذه هي فكرة الناس حيال أي شيء يتعلق بالكتب. وهي الفكرة نفسها التي لديهم حيال أمينات المكتبات. فلتفكرا مثلًا في عدد المرات التي نسمع فيها الناس يقولون إن فلانة ليست أمينة مكتبة عادية؛ ألم تجدي في نفسك رغبة في وصف نفسك بهذه الصفة؟»

كانت جولي سعيدة وهي تحتسي خمرها، وكنت أحسب أن شعورها هذا يرجع إلى البراعة التي أبدتها في المؤتمر؛ فهي تتمتع بموهبة في المؤتمرات، ولا تمانع من أن تمد يد العون للآخرين. إن لديها القدرة على التحدث على الملأ في الاجتماعات العامة دون أن يجف حلقها أو ترتعش ركبتاها؛ فهي تعرف متى تكون نقطة النظام مطلوبة في الجلسات والاجتماعات. وتفضل نوعًا ما الاجتماعات واللجان والرسائل الإخبارية. لقد عملت لدى رابطة الآباء والمعلمين والحزب الديمقراطي الجديد والكنيسة الوحدوية وجمعيات المستأجرين، ونوادي جريت بوكس (أمهات الكتب). كما وهبت جزءًا كبيرًا من حياتها للمؤسسات؛ فقالت إن حبها للمؤسسات ربما كان إدمانًا، لكنها عندما تكون في الاجتماعات، يترسخ لديها أكثر أن الاجتماعات لها تأثيرات رائعة على الناس؛ فهي تجعلهم يشعرون بأن الأمور ليست كلها عويصة وملغزة كما تبدو.

والآن، في هذا اللقاء، تساءلت جولي مَن هم أمناء المكتبات العاديون؟ أين يمكننا العثور عليهم؟ في الواقع ربما يعتقد أحدنا أننا بذلنا جهدًا خرافيًّا لمنع انتشار هذه الصورة في عقول الناس.

إذ قالت: «لكن الأسلوب الذي اتبعناه لفعل ذلك ليس محكمًا؛ فهي مهنة يشغلها الباحثون عن ملاذ.» وهذا لا يعني — بحسب كلام جولي — أن كل الذين يشغلون هذه المهنة يشعرون بالذعر وتعوزهم الحيوية والنشاط. على العكس تمامًا، فهي مهنة حافلة بالغرائب والعجائب، وشغلها الكثير من الأشخاص الاجتماعيين الواثقين في أنفسهم والذين يحبون جذب الانتباه إليهم.

قال دوجلاس: «والعوانس غريبات الأطوار.»

قالت جولي: «ومع ذلك، لا تزال تلك الصورة سائدة. لقد جاء مدير مركز المؤتمرات وتحدث مع رئيسة المؤتمر صباح هذا اليوم، وسألها إن كانت تريد قائمة بالذين غادروا غرفهم ليلًا. هل تتخيلين أنهم يظنون أننا نريد أن نعرف ذلك؟»

قلت: «أليس من المفترض أن نعرف ذلك؟»

«أعني رسميًّا. كيف يحصلون على هذه المعلومات عن الناس على أية حال؟»

قال دوجلاس: «عن طريق الجواسيس. حراس الأخلاق العامة الهواة التابعون لمؤسسة إيه جي بي إم. أنا شخصيًّا عضو فيها. الأمر أشبه بالعمل كمسئول عن إخلاء الأماكن وقت نشوب الحرائق.»

لم تفهم جولي حديثه، بل قالت عابسةً: «أعتقد أنهم الشباب الأصغر سنًّا.»

قال دوجلاس وهو يهز رأسه نافيًا: «حسدًا منهم على الثورة الجنسية.» ثم أضاف ناظرًا باتجاهي: «على أية حال، ظننت أن الأمر انتهى. ألم ينتهِ بعد؟»

قلت: «على حد علمي.»

قالت جولي: «هذا ليس إنصافًا؛ فهو لم يحدث من الأساس. لا، حقًّا. ليتني كنت أصغر سنًّا. أعني وُلدت في حقبة زمنية لاحقة. لماذا لا نكون صرحاء بشأن الموضوع؟» شعرت أن هناك شيئًا من العناد والإغراء في حديثها — إغراء طفولي الطابع — لكنه مع ذلك لم يبدُ عبثًا، فقد بدا في هذه اللحظة ضروريًّا. وردُّ فعلها جعلني أشعر بالتوتر خوفًا عليها. كنا نحتسي زجاجة النبيذ الثانية، وكانت قد شربت كمية تفوق ما شربته أنا أو دوجلاس.

قالت: «حسنًا، أعرف أن الأمر غريب؛ فلقد أُتيحت لي الفرصة مرَّتين في حياتي، لكن في الحالتين انتهى الأمر نهاية غير طبيعية. أعني غريبة جدًّا؛ لذا، أعتقد أن كلتيهما ليستا مقدَّرتين لي. لا، لا أعني إرادة الرب.»

قلت: «أوه يا جولي.»

قالت: «أنتما لا تعرفان القصة كاملة.»

ظننت أنها شربت حتى الثُّمالة فعلًا، وأنني ينبغي عليَّ فعل ما في استطاعتي للحفاظ على الطابع المرح للحوار، فقلت: «بلى أعرف. قابلت طالبًا في قسم الطب النفسي بينما كنت تلقين بالكعك في البحر.»

شعرت بالسعادة عندما ضحك دوجلاس.

فسألها دوجلاس: «أحقًّا فعلت؟ هل كنت تلقين بكعكك في البحر؟ هل كان بشعًا إلى هذا الحد؟»

أجابت جولي بأسلوبها المصطنع الساخر اللاذع: «كان لذيذًا جدًّا، ومزخرفًا جدًّا. كعك سانت أونر. ذلك الكعك العملاق. كان مغطًّى بكريمة وكستارد وزبدة اسكتلندية. لا، السبب الذي كان يدعوني لإلقائه في البحر …» وبادرتني بالحديث قائلة: «وأعتقد أنني قلت لك ذلك من قبلُ، هو أنني كنت أعاني من مشكلة سرية آنذاك. كانت لديَّ مشكلة خاصة بالطعام. كنت حديثة الزواج، وكنا نعيش في فانكوفر بالقرب من شاطئ كيتسيلانو. وكنت من الذين يأكلون بنهم ثم يصابون بإسهال شديد. وقد كنت معتادة وقتئذٍ على أن أعد فطائر الكريمة وأتناولها الواحدة تلو الأخرى، أو أصنع حلوى الفدج وألتهم مقدار مقلاة كاملة منها، ثم أتناول المستردة وأحتسي الماء كي أتقيأ، أو جرعات مهولة من الملح الإنجليزي لتقيؤ الحلوى. كان أمرًا بشعًا؛ ذلك الشعور بالذنب. كنت أشعر بأنني مُسَيَّرَة. لا بد أن هذه الحالة كانت لها علاقة بالجنس. يزعمون الآن أن ثَمَّةَ علاقة بينهما، أليس كذلك؟

حسنًا، ذات يوم صنعت كعكة بشعة، وتظاهرت بأنني أصنعها لأجل ليزلي، ولكن لحظة أن انتهيت من صنعها، أدركت أنني أصنعها لنفسي، كنت سأتناولها كلها في نهاية المطاف، وذهبت لكي ألقيَ بها في سلة القمامة، لكنني كنت أعلم أنني سأعود لأستخرجها مرة أخرى. أليس ذلك مقززًا؟ ولذلك، فقد وضعت الكعكة كلها في كيس ورقي بُنِّي، وانطلقت إلى الحافة الصخرية للشاطئ، وأطحت بها في البحر. لكن هذا الشاب رآني، فرمقني بنظرة ذات مغزًى، فعلمت ما كان يدور بخلده. ما أول فكرة تخطر على البال بطبيعة الحال عندما ترى فتاة تلقي بكيس من الورق البني اللون في البحر؟ اضطُرِرْت أن أقول له إنها مجرد كعكة. قلت إنني أخطأت في مكوناتها، وشعرت بالخزي لأنني أفسدتها هكذا. وبعد ربع ساعة من الحوار معه، وجدت نفسي أصرح له بالحقيقة التي لم أتخيل أنني سأفصح بها لأحد قط. قال لي إنه طالب علم نفس بجامعة كولومبيا البريطانية، لكنه تخلف عن الحضور لأنهم مؤمنون بالمدرسة السلوكية هناك. ولم أكن أعلم، لم أكن أعلم من هم أنصار المدرسة السلوكية.»

أضافت جولي باستسلام وتعجب: «وبعدها صار صديقي. لمدة ستة أسابيع تقريبًا. طلب إليَّ أن أقرأ ليونج. وكان هذا الشاب شعره أجعد جدًّا يميل لونه للون جلد الفئران. وكنا نستلقي وراء الصخور ونتعانق بشدة. وكانت تلك الفترة توافق شهر فبراير أو مارس، ولم يزل الجو باردًا. لم يكن يستطيع مقابلتي سوى يوم واحد في الأسبوع، وكان اليوم نفسه كل مرة. لم تتطور علاقتنا كثيرًا. ذروتها، حسنًا، ذروتها كانت عندما اكتشفت أنه نزيل في مستشفًى للأمراض العقلية، وأن هذا هو اليوم الذي يخرج فيه للتنزه. لا أعرف ما إذا كنت قد اكتشفت هذه الحقيقة أولًا، أم الندوب التي شوهت رقبته هي التي جعلتني أكتشفها. هل قلت إنه كان بلحية؟ كانت اللحية شيئًا غير تقليدي بالمرة آنذاك. وكان ليزلي يمقتها. لكنه هو نفسه له لحية الآن. لقد حاول أن يقطع رقبته. لا أعني ليزلي، بل ذلك الشاب.»

قلت متأثرة: «أوه يا جولي!» مع أنني سمعت هذه القصة من قبل. إن ذكر الانتحار يشبه في نظري تلك الأحشاء التي تندفع من جرح في جسد الإنسان؛ يتعين عليك أن تعيدها إلى مكانها وتضع بعض الضمادات على الجرح بسرعة.

قالت: «لم تكن التجربة سيئة لهذه الدرجة؛ فقد كان يتعافى. وأنا متأكدة أنه تعافى. كان فتًى متدفق المشاعر يعاني من أزمةٍ ما. لكنني كنت مرتعبة جدًّا لأنني أحسست أنني لست ببعيدة عن الجنون أنا أيضًا، خاصة في ظل شراهتي وتقيؤ الطعام وما إلى ذلك. وفي الوقت نفسه، اعترف لي بأنه في السابعة عشرة من عمره وحسب. كان قد خدعني بشأن عمره الحقيقي. وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فكرة أنني أتسكع مع صبي أصغر مني بثلاث سنوات. انتابني شعور بالخزي. خدعته أنا أيضًا إذ قلت له إنني متفهمة وإن مسألة العمر لا تهمني، وإنني سألتقي به الأسبوع التالي. وعدت إلى البيت وقلت لليزلي إنني لم أعد أقوى على العيش في شقة في الطابق السفلي، وإننا يجب أن ننتقل إلى بيت آخر. وأجهشت بالبكاء. بعدها عثرتُ لنا على مكان على الشاطئ الشمالي في غضون أسبوع. لم أكن لأذهب إلى شاطئ كيتس بيتش أبدًا. فعندما كان أبنائي صغارًا، وكنا نصحبهم إلى الشاطئ، كنت أصر دومًا على الذهاب إلى شواطئ سبانيش بانكس أو شاطئ أمبلسايد. تُرَى ماذا حل به؟»

قلت: «لعله بخير؛ لعله أمسى عالمًا نفسانيًّا مشهورًا يمشي على خطى يونج.»

قال دوجلاس: «أو عالمًا نفسانيًّا مشهورًا متبعًا للمدرسة السلوكية، أو معلقًا رياضيًّا. ولكن لا يبدو عليكِ الآن أنكِ تناولت كميات مبالغًا فيها من فطائر الكريمة.»

قالت: «لقد تغلبت على شراهتي. أعتقد عندما حبلت. الحياة عجيبة جدًّا.»

صب دوجلاس بقية النبيذ بأسلوب رسمي.

قال لجولي: «قلتِ مرَّتين، هلَّا تخبريننا بالمرة الثانية؟»

جال في خاطري أن الأمور تسير على ما يرام؛ فهو لم ينفر منها، ولم يتسلل إليه الشعور بالسأم، بل راقت له. كنت أراقب ردود أفعاله وهي تتكلم، وأتعجب: ما السبب وراء هذا الشعور بالتوتر كلما عرَّفنا رجلًا بصديقة لنا؟ لمَ هذا التوتر حيال ما إذا كان الرجل سيشعر بالضجر أو التأفف منها؟

قالت جولي: «المرة الثانية كانت أكثر غرابة. على الأقل لم أفهمها بالقدر الكافي. لا يجب أن أعبأ بسرد تلك القصص السخيفة، لكن أما وقد أخبرتكم عنها، أعتقد أنني سأمضي قدمًا. حسنًا، هذه القصة حيرتني تمامًا. وقعت أحداثها في فانكوفر أيضًا، ولكن بعد الأولى بسنوات. كنت قد انضممت إلى ما عُرِفَ باسم مجموعة علاج جماعي. كانت نوعًا من العلاج الجماعي للتعساء الحيارى الذين يعيشون حياة طبيعية. كانت هذه المجموعات موضة رائجة آنذاك، وكان مقرها على الساحل الغربي. وخلال هذه الجلسات، كانت تُجرى حوارات عديدة حول التخلص من الأقنعة التي يتخفى وراءها الناس، وتقارُب بعضنا من بعض؛ الأمر الذي يُستخف به، لكني أظن أن نفعه كان أكثر من ضرره. كانت التجربة جديدة نوعًا ما. لا بد أنني أبدو في نظريكما وكأنني أحاول أن أبرر انضمامي إليهم. وكأنني أزعم أنني كنت أصنع مشغولات المكرمية اليدوية منذ ١٥ عامًا، قبل أن تُمسيَ موضة رائجة، بينما في الواقع لم يكن ثَمَّةَ ضرورة لأن يصنع أحد هذه المشغولات في أي وقت من الأصل.»

قال دوجلاس: «لا أعرف ما المكرمية من الأساس.»

قلت: «هذا أفضل ما في الموضوع.»

«كان رجلًا يُدعى ستانلي من كاليفورنيا، وكان يدير العديد من هذه المجموعات. لم يكن ليعترف بأنه يديرها. كان لا يحب أن يلفت الانتباه، لكنه كان يحصل على مقابل مادي. كنا ندفع له لقاء خدماته. كان طبيبًا نفسانيًّا. وكان شعره أسود طويلًا ومجعدًا وجميلًا، وبالطبع كانت له لحية أيضًا. لكن اللحى لم تكن رائجة آنذاك. كان يقتحم المكان بطريقة خرقاء تلقائية. وكان يقول: «حسنًا، سيبدو الأمر جنونيًّا بعض الشيء، لكنني أتساءل …» كان لديه أسلوب يوحي للآخرين بأنهم أذكى منه. كان صادقًا جدًّا. كان يقول: «إنك لا تدركين كم أنت جميلة!» لا، لا أستطيع أن أجعله يبدو صادقًا. لا بد أن كلماته كانت أكثر تعقيدًا من ذلك. على أية حال، سرعان ما أرسل لي خطابًا. أقصد ستانلي. كان تقديرًا لسماتي العقلية والجسدية والروحانية، واعترف أنه وقع في حبي.

تعاملت مع الموقف بنضج شديد. أرسلت إليه ردًّا قلت فيه إنه بالكاد يعرفني. فجاءني رده أنه يعرفني حق المعرفة. وبعدها اتصل بي هاتفيًّا واعتذر عن إزعاجه لي. قال إنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الاعتراف بحبه لي. وسألني إن كان بالإمكان أن نحتسيَ قدحًا من القهوة معًا. لا بأس. احتسينا القهوة معًا أكثر من مرة. كنت أتحدث بأسلوب مرح، بينما كان هو يقاطعني بين الفينة والأخرى ليتغزل في جمال حاجبيَّ. وذات مرة، تساءل كيف تبدو حلمتاي. لديَّ حاجبان عاديان جدًّا. توقفت عن احتساء القهوة معه، فبات مولعًا بالتربص بالقرب من بيتي في شاحنته القديمة. حقًّا أقول. كنت إذا خرجت للتسوق في السوق المركزية، فإذا به إلى جواري يرمق منتجات الألبان التي اشتريتها بتعبير وجهه الكئيب. أحيانًا ما كانت تصلني منه ثلاث رسائل يوميًّا: قصائد شعرية عني وعن أهميتي بالنسبة له، واعترافات بانعدام ثقته في نفسه، وكيف أنه لم يكن يود أن يمسيَ معلِّمًا نفسيًّا، وكم أنني مناسبة له لأنني متحفظة وسديدة الرأي. يا للعبث! كنت أعلم أن الأمر كله سخيف، لكنني لن أنكر أنني أدمنته بشكل أو بآخر. كنت أعلم التوقيت الذي يأتي فيه ساعي البريد بالضبط. وقررت أنني لست عجوزًا لدرجة تمنعني من التحرر بعض الشيء.

بعد حوالي نصف العام على بدء تودُّده إليَّ، اتصلتْ بي هاتفيًّا امرأة أخرى تنتمي إلى مجموعتنا. وأخبرتني أن الأمور اتخذت منحنًى كارثيًّا؛ فقد اعترفت امرأة أخرى في واحدة من المجموعات العلاجية لزوجها بأنها على علاقة حميمية بستانلي. فثارت ثائرة الزوج الذي لم يكن عضوًا في المجموعة، وتسربت القصة، ثم كشفت أكثر من امرأة أخرى القصة نفسها، واعترفن بأنهن كن على علاقة حميمية بستانلي، وسرعان ما اختفى شعورهن بتأنيب الضمير، وكأنهن كن ضحايا للشعوذة. واتضح أنه كان منظمًا جدًّا في علاقاته؛ فكان يختار امرأة واحدة من كل مجموعة. وكانت لديه عشيقة من مجموعتي؛ ولذا من المفترض أنني كنت خارج حساباته. وكن دومًا زوجات، فقد كان يتفادى العزباوات اللائي قد يسببن له الإزعاج. كان لديه تسع عشيقات. حقًّا، تسع عشيقات.»

قال دوجلاس: «رجل حياته حافلة!»

قالت جولي: «هكذا كانت ردة فعل كل الرجال. كلهم ضحكوا سرًّا. عدا الأزواج طبعًا. عُقد اجتماع رسمي نوعًا ما لمجموعة من الأشخاص في بيت إحدى السيدات. وكان لديها مطبخ رائع تتوسطه منضدة لتقطيع الطعام، وأذكر أنني تساءلت في نفسي إن كان قد طارحها الغرام عليها. كان الجميع أهدأ من أن يعترفن بصدمتهن حيال جريمة الزِّنَى أو ما شابه ذلك؛ ولذا قلنا إننا مستاءات جدًّا من خيانة ستانلي لثقتنا. والواقع أنني أعتقد أن بعض النساء شعرن بالاستياء لأن اختياره لم يقع عليهن. قلت ذلك على سبيل المزاح. ولم أنبس ببنت شفة لأحد عن الطريقة التي كان ستانلي يتصرف بها معي. وإذا كانت هناك أية امرأة أخرى تحظى بالمعاملة نفسها التي عاملني بها ستانلي، فهي لم تعترف أيضًا. بعض النساء اللائي وقع اختياره عليهن أجهشن بالبكاء. وبعدها أخذن يواسين بعضهن البعض ويقارنَّ علاقته بهن. يا له من مشهد! كلما أذكره أتعجب. وكنت حائرة جدًّا. لم أستطع أن أتخيل ما حدث. كيف يمكن لأحد أن يتخيله؟ فكرت في زوجة ستانلي. كانت فتاة جميلة طويلة الساقين، وعصبية نوعًا ما. التقيت بها بضع مرات وحدَّثت نفسي: ليتك تعرفين ما يلقيه زوجك على مسامعي! والنساء الأخريات أيضًا التقين بها وحدَّثن أنفسهن بما حدَّثت به نفسي. ولعلها كانت تعرف بأمرهن جميعًا، تعرف بأمرنا جميعًا. ولعلها كانت تحدِّث نفسها قائلة: ليتك تعرفين أن هناك الكثير سواك. هل هذا ممكن؟ قلت له ذات مرة إن الأمر كله عبث، فقال: لا تقولي ذلك، لا تقولي ذلك لي! حسبته سيبكي. ما تفسيركما للموقف إذنْ؟ الحماس الذي يتقد به. لا أعني الجزء المتعلق بالعلاقة الحميمية. فهذا أقل ما يعنيني بشكل أو بآخر.»

تساءل دوجلاس: «هل نال منه الأزواج؟»

«واجهه وفد منهم. ولم ينكر شيئًا. قال إنه تصرف بحسن نية وبدوافع خيرية، وإن حبهم للتملك والغَيرة هما المشكلة. لكنه اضطُر أن يغادر المدينة بعد أن تداعت مجموعاته الواحدة تلو الأخرى. رحل هو وزوجته وأطفاله الصغار عن المدينة في شاحنته، لكنه أرسل إلينا فواتير. الجميع استلموا فواتيره. النساء اللائي كن على علاقة حميمية به ومن سواهن. حصلت على فاتورتي الخاصة. وكف عن إرسال الخطابات، واكتفى بالفواتير. دفعت له. وأعتقد أن أغلبهن دفع. لم يسعني إلا التفكير في زوجته وأطفاله.

حسنًا، كما ترون. إنني لا أجذب سوى غريبي الأطوار. وهذه ميزة لأنني كنت متزوجة خلال تلك العلاقات العابرة ولم أتخلَّ عن عفتي بغض النظر عن أي شيء قد أكون قلته. لا بد أن نحتسيَ قهوة الآن.»

•••

سلكنا بسيارتنا الدروب الخلفية في الريف الرملي البائس جنوبي بحيرة سيمكو. كانت الرياح تهب فتطيح بالحشائش على الكثبان الرملية. لم نرَ سيارة أخرى تقريبًا على الطريق. أبرزنا خارطة الطريق لنرى موقعنا عليها، وسلك دوجلاس دربًا جانبيًّا ليقودنا عبر قرية حيث كاد يعثر على مذكرات قَيِّمَة جدًّا. أرانا البيت الذي كان يحوي المذكرات. ثَمَّةَ عجوز أضرمت النيران في المذكرات — أو هكذا زعمت — لأن أجزاءً منها كانت فاضحة.

قال دوجلاس: «إنهم يخشَوْن أن يفضحهم الجيل الثالث والرابع.»

قالت جولي: «على عكسي تمامًا. أنا لا أعبأ بفضح علاقاتي الغرامية السخيفة غير المكتملة.»

فأنشد دوجلاس: «الظهر والجانب عاريان، عاريان، والقدم والذراع باردتان …»

قلت: «أستطيع أن أكشف عن أسراري؛ فهي ليست مسلية على أية حال.»

قال دوجلاس: «هل سنجازف بالاستماع إليها؟»

قلت: «ولكنها مثيرة. كنت أفكر عندما كنا في المطعم في زيارة قمت بها بصحبة رجل كنت أحبه. كان هذا قبل وصولكِ إلى تورونتو يا جولي. كنا بصدد زيارة بعض أصدقائه الذين يملكون بيتًا على التلال الواقعة على جانب مقاطعة كيبك من نهر أوتاوا. لم أرَ قط بيتًا مثله. كان أشبه بسلسلة من المكعبات الزجاجية التي تربطها سلالم منحدرة ومصاطب. وكان صديقاه هما كيث وكارولاين؛ زوجين ولهما أطفال لكننا لم نرَهم. لم يكن الرجل الذي كنت برفقته متزوجًا، بل لم يكن متزوجًا منذ فترة طويلة. وفي طريقنا إليهما، سألته عن حال كيث وكارولاين، فقال إنهما ثريان. قلت له إن هذا ليس بوصف شافٍ. فقال إن المال مال كارولاين ورثته عن أبيها الذي كان يملك مصنعًا للجعة. وأشار إلى المصنع. ثَمَّةَ شيء غامض في الطريقة التي نطق بها كلمة «أبيها» جعلني أتخيل أمارات الثراء عليها، كما تخيلها هو، كالرموش الطويلة أو الصدر الناهد، جعلني أتخيله وكأنه شيء مادي يشي بالرفاهية. فالمال المتوارث يمكن أن يجعل المرأة تبدو غنيمة وكنزًا يُرام، على خلاف المال الذي تجنيه بنفسها الذي يبدو مبتذلًا وعاديًّا. لكنه قال إنها عصبية جدًّا. سافلة. أما كيث فمسكين ومخلص يعمل لصالح الحكومة في منصب يعاون فيه مساعدي الوزير، ولكنني لم أكن أعرف شيئًا عن هذا المنصب.»

فقالت جولي: «مساعد وكيل وزارة.»

وأردف دوجلاس: «حتى القطط والأطفال يعرفون هذا المنصب.»

قالت جولي: «أشكرك.»

كنت أجلس في وسطهما، ناظرةً إلى جولي معظم الوقت كلما تحدثتُ.

«قال إنه يروق لهما استضافة بعض الأصدقاء خارج دائرة الأثرياء والعاملين بالحكومة؛ أناس يريانهم غريبِي الأطوار أو مستقلِّين أو ذوِي نزعة فنية، وأحيانًا ما كانا يدعوان فنانًا معدمًا ليمسيَ لعبة في يد كارولاين تثير غضبته وتتباهى وتتفاخر بجودها وسخائها معه.»

قالت جولي: «من الواضح أنه لم يكن يحب صديقيه كثيرًا.»

«لا أستطيع أن أجزم بما إذا كان يفكر في الأمر بهذه الطريقة. أعنى مسألة الحب أو الكره. توقعت أن يكون لمظهرهما هيبة، أو على الأقل هكذا توقعت أن أرى الزوجة، لكنهما كانا صغيرَي الحجم. وكان كيث دقيقًا ومضيافًا جدًّا، وكان النمش يغطي يديه؛ أذكر يديه لأنه دائمًا كان يقدم لنا الشراب أو الطعام أو وسادة لنتكئ عليها بنفسه. أما كارولاين، فكانت صغيرة البنية للغاية، ذات شعر طويل ناعم، وجبهة بيضاء بارزة، وكانت ترتدي ثوبًا قطنيًّا رمادي اللون له قلنسوة خاصة به. ولم تضع على وجهها زينة بالمرة. شعرت بضخامتي وصراخة هيئتي إلى جوارها. وبينما تبادل الرجلان أطراف الحديث عن البيت، وقفت هي وحنت رأسها ولم تكد يداها تظهران من كُمَّيْ ثوبها. كان البيت جديدًا. وبعدها قالت بنبرة صوتها الواهن كم كانت تحب الشتاء حيث يتجمع الجليد بالخارج، ويفرش سجادًا أبيض على الأرض وتكتسي قطع الأثاث بالبياض. بدا لي أن كيث شعر بالإحراج منها، وقال إن ما تصفه أشبه بملعب سكواش، وإن كلامها يفتقر إلى الإدراك السليم. انتابني شعور بالشفقة عليها لأنها كانت على وشك أن تجعل من نفسها أضحوكة. بدت وكأنها تتوسل للآخرين أن يشعروها بالطمأنينة، ومع ذلك بدا أن طمأنة الآخرين لها تنطوي على شيء من الزيف والنفاق. هكذا كانت طبيعتها؛ حالة من التوتر الشديد تكتنفها. وبدا أن كل موضوع يُطرح على مائدة الحوار يقع في حبائل سخائها العاطفي ونفاقها. حتى إن الرجل الذي كنت بصحبته أصبح فظًّا جدًّا معها، واعتبرتُ سلوكه دنيئًا. حدَّثت نفسي أنها حتى لو كانت مدعية، فهذا دليل على أنها تفتقر لشعورٍ ما، أليس كذلك؟ ألا يفترض أن يمد لها المحترمون يد المساعدة؟ كل ما في الأمر أنها لا تعرف فيما يبدو كيف تلتمس مساعدة الآخرين.

جلسنا خارج البيت على مصطبة نحتسي الشراب، وحينها ظهر الرجل الذي استضافاه في منزلهما. كان فتًى يُدعى مارتن في أوائل العقد الثالث من عمره، أو لعله أكبر سنًّا. كان يتحلى بأسلوب راقٍ جدًّا. طلبت منه كارولاين بطريقة متذللة جدًّا إن كان بإمكانه أن يجلب بعض البطانيات — إذ كان البرد قارصًا على المصطبة — ولمَّا ذهب قالت إنه كاتب مسرحي. قالت إنه كاتب مسرحي بارع بحق، لكن مسرحياته غلب عليها الطابع الأوروبي أكثر من اللازم فلم تلقَ نجاحًا هنا. كانت مسرحياته كثيرة جدًّا ولاذعة للغاية. كثيرة ولاذعة. وبعدها قالت: وا أسفاه على حال المسرح والحال التي وصل إليها الأدب في بلدنا! ألسنا في حال يرثى لها؟ إنه زمن التوافه. فحدَّثت نفسي بأنها يجب ألا تعرف أنني من المساهمين في هذة الحال المؤسفة، لأنني كنت أعمل آنذاك محررة مساعدة بمجلة صغيرة؛ مجلة ثاوزاند أيلاندز، وكنت قد نشرت قصيدة أو اثنتين. لكنها سألتني حينئذٍ إن كان بالإمكان أن أعرِّف مارتن على بعض الأشخاص البارزين الذين تعرفتُ عليهم من خلال عملي في المجلة. يا له من تحوُّل سريع في نبرة هذا الصوت الخفيض الحسَّاس البائس من الإهانة إلى طلب معروف! بدأت أظنها سافلة فعلًا؛ عندما رجع مارتن والبطانيات معه، غمرتها حالة شديدة من الارتعاش كانت متكلَّفة، وشكرتْ له كثيرًا وكأنها على شفير البكاء. ألقى ببطانية عليها، وبهذه الطريقة علمت أنهما عاشقان. أخبرني الرجل الذي كنت برفقته أن لها عشاقًا. وعلى حد تعبيره تحديدًا، كانت كارولاين شرهة جنسيًّا. سألته إن كان طارحها الغرام من قبل، فقال نعم منذ فترة طويلة. أردت أن أسأله عن كرهه لها، وإذا كان هذا الكره قد شكل عائقًا أمام علاقتهما الحميمية، لكنني أدركت أنه سؤال ساذج جدًّا.

طلب مني مارتن أن أتمشى معه. نزلنا عددًا كبيرًا من درجات السلم، وجلسنا على مصطبة بجوار المياه، واتضح لي أنه شخص خبيث. كان يحقد على بعض الناس الذين زعم أنه يعرفهم في المسرح في مونتريال. وقال إن كارولاين كانت بدينة، وبعد أن فقدت وزنها، لزم الأمر أن تخضع لعملية تجميل لبطنها لأن الجلد ترهل بشدة. فاحت من مارتن رائحة خانقة؛ كان يدخن تلك السجائر الصغيرة. بدأ الشعور بالأسى على كارولاين يطغى عليَّ مرة أخرى. هذا ما يتعين على المرء أن يتحمله لقاء نزواته ورغباته. إذا لزم الأمر أن تتخذي عشيقًا من عباقرة عالم الأدب، فهذا الرجل مثال على مَن ينتهي بكِ الأمر إلى معاشرتهم. وإذا كنتِ مزيفة، فالأرجح أن تقعي في شَرَك مَن هم أكثر منكِ زيفًا. هذه هي الأفكار التي كانت تجول برأسي.

حسنًا، لننتقل إلى العشاء. احتسينا الكثير من النبيذ الذي تبعه البراندي. لم يكفَّ كيث عن ضيافتنا، لكن لم يشعر أحدنا بالاسترخاء؛ إذ كان مارتن ساخرًا بطريقة لاذعة وواضحة، محاولًا الانتصار على الجميع في النقاشات المطروحة، ولكن كارولاين كانت حادة بطريقة مهذبة جدًّا؛ فكانت تتناول كل موضوع وتحرِّف مسار الحديث ليبدوَ مَن تحادثه غبيًّا. وفي نهاية المطاف، اشتبك مارتن والرجل الذي كنت برفقته في جدال حادٍّ وبذيء جدًّا لدرجة أن كارولاين طفقت تتململ وتئن. نهض الرجل الذي كنت برفقته، وقال إنه سيخلد إلى النوم، وسكت مارتن عن الحديث عابسًا، أما كارولاين فبدأت تتعامل على حين غرة بود مع كيث حيث شاركته احتساء البراندي متجاهلة مارتن بالمرة.

ذهبت إلى غرفتي، فوجدت الرجل الذي أتيت برفقته في فراشي، رغم أن كلًّا منا كانت له غرفته الخاصة؛ إذ كانت كارولاين شديدة الاهتمام بالسلوكيات الاجتماعية السديدة رغم كل شيء. بات ليلته معي، وكان غاضبًا جدًّا. وقبل أن أطارحه الغرام وأثناءه وبعده، لم يكفَّ عن الكلام عن مارتن وكم كان مخادعًا وغير أمين، ووافقته الرأي. وقلت إن مارتن مشكلتهما هما. فقال: فليهنآ به، هو وأسلوبه الاستعراضي المتكلَّف، وأخيرًا خلد إلى النوم وكذلك فعلت أنا، لكنني استيقظت في منتصف الليل. استيقظتُ ولديَّ شعور مؤكد بشيءٍ ما. أحيانًا ما نستيقظ ولدينا هذا الشعور تجاه شيءٍ ما. أعدت ترتيب أفكاري وركزت في حديثه، وبادرني الظن … إنه على علاقة بكارولاين. كنت أعرف ذلك. كنت أعرف. كنت أحاول إخفاء إحساسي بعلمي بالأمر؛ ليس فقط لأن معرفتي به لن تساعد في شيء، بل أيضًا لأنه لم يبدُ لائقًا أن أعرف. لكن فور أن يجزم المرء بشيء كهذا، لا يسعه كتمان إحساسه حقًّا. بدا كل شيء واضحًا لي. مارتن مثلًا، كان وجوده من ترتيبها؛ فقد حرَصَت على وجود العاشقَين القديم والجديد معًا لتحريك مشاعرها. ثَمَّةَ شيء فج حيال الموقف كله، لكن هذا لا يعني أن فجاجته لن تؤتيَ ثمارها. ثَمَّةَ شيء فج حيالها هي شخصيًّا. كل هذا الهراء الشعري والعبث العاطفي كان يحدث بفجاجة؛ لم تكن بارعة في زيفها وادِّعائها، لكن هذا لم يكن مهمًّا. ما يهم هو رغبتها في الاستمرار في الادِّعاء بالقدر الكافي. ما يهم هو أن تكون لديها الرغبة في الإرباك وإشاعة البلبلة. لكي تمارس المرأة فتنتها لا يتعين عليها أن تكون مثيرة ومغرية وبارعة الجمال، كل ما في الأمر أن تكون لديها الإرادة على الإرباك.

وتساءلت في قرارة نفسي: لمَ تفاجأتِ؟ أليس هذا ما تسمعينه دائمًا؟ كيف لا يتبع الحب المنطق، أو لا يخدم مصلحة المرء، وكيف لا يَمُت بصلة للتفضيلات العادية؟»

سأل دوجلاس: «أين تسمعين هذا الكلام دائمًا؟»

«هذا أمر عادي، غير استثنائي. هناك الحب الذكي الذي يعتمد على الاختيار الذكي؛ وهذا هو النوع الذي يجب أن يعتمد عليه المرء حين يقرر الزواج. وهناك الحب الذي لا يَمُت للذكاء بصلة، وهو أشبه بالهوس؛ وهذا هو الحب الذي يقيم له الجميع وزنًا بحق، وهذا هو الحب الذي لا يود أحد أن يضيعه.»

قال دوجلاس: «عادي.»

«تعرف ما أعنيه. وتعرف أنه صحيح؛ فكل الأفكار المبتذلة صحيحة.»

قال: «مبتذلة. هذه كلمة نادرًا ما تتناهى إلى مسامعي.»

قالت جولي: «هذه قصة بائسة.»

قلت: «قصصك أيضًا كانت بائسة.»

قالت: «قصصي كانت مثيرة للضحك نوعًا ما. هل سألتِه إن كان متيمًا بها أم لا؟»

قلت: «لم يكن سؤالي ليُفيدَني. كان سيجعلني في مواجهة معها. كنت خياره المنطقي. كنت أنا المرأة التي أحبها. لم أكن أطيق الفكرة. لم أكن أتحملها. كانت فكرة مهينة جدًّا. أمسيت حساسة ومكتئبة جدًّا. قلت له إنه لا يحبني حقًّا. كان هذا كافيًا. لم يكن يحتمل أن يواجهه أحد بشيء عن نفسه.»

•••

توقفنا عند كنيسة ريفية تجلت لنا في الأفق من الطريق السريع.

قال دوجلاس: «شيء يخفف من آلام الروح بعد قصص الحظ العاثر هذه، وقبل أن نعلق في الازدحام المروري المعتاد ليوم الأحد.»

تجولنا حول المدافن أولًا ناظرين إلى أقدم شواهد القبور، وأخذنا نقرأ الأسماء والتواريخ بصوت عالٍ.

قرأت بيت شعر عثرت عليه منقوشًا على أحد الشواهد بصوت عالٍ:

ازدادت البلايا وطالما تحمَلَتْها،
ولم يجد الأطباء لها نفعًا،
حتى أذن الرب بأن يخفف من وطأتها،
فساقها بعيدًا عن آلامها.

قلت: «ساقها. يا لها من كلمة جميلة!»

بعدها شعرت بشيء يجثم عليَّ؛ شبح أحد الموتى أو عقاب. سمعت الوقع السخيف لصوتي يرجع صداه إليَّ بعد أن اصطدم بحقيقة الأجساد المزجاة هنا، الأجساد المكدسة وكأنها طبقات من نسيج متعفن أو أوراق شجر متحللة. شعرت بالألم والحرمان القديمين. كم ستجدنا تلك الأجساد غرباء ساعين نحو نزواتنا ومذنبين؛ ثلاثة أشخاص في منتصف العمر ما زال الحب أو الجنس يثيرهم.

كان باب الكنيسة مفتوحًا. وقالت جولي إن القائمين على الكنيسة يتحلَّوْن بثقة شديدة في الناس، فحتى الكنائس الأنجليكانية التي كان من المفترض أن تفتح أبوابها على مصارعها طوال الوقت عادةً ما تكون مغلقة في أيامنا هذه بسبب المخربين. وقالت إنها فوجئت أن الأبرشية سمحت لهم بإبقائها مفتوحة.

سأل دوجلاس: «كيف تعرفين معلومات عن الأبرشيات؟»

«كان أبي كاهنًا. ألم تستطع أن تخمن؟»

كان الجو أبرد داخل الكنيسة عن خارجها. مشت جولي بخطًى ثابتة إلى الأمام ناظرة إلى لوحة الشرف، واللوحات التذكارية المعلقة على الجدران. نظرت إلى ما وراء آخر مقعد خشبي على صف من مساند القدمين؛ حيث كان الناس يجثون للدعاء والابتهال. كان كل مسند مطرزًا بتصميم مختلف.

وضع دوجلاس يده على كتفي، لم يطوق كتفي بذراعه، ولو الْتَفتت جولي ما كانت لتلاحظ. مر بيده سريعًا على ظهري حتى استقرت عند خصري، وضغط ضغطة خفيفة على أضلعي قبل أن يمر من ورائي ويمشي باتجاه الممشى الخارجي، متأهبًا لأن يشرح شيئًا ما لجولي، التي كانت تحاول أن تقرأ عبارة لاتينية على نافذة من الزجاج الملون.

كان مطرزًا على أحد مساند القدمين صليب القديس جورج، وعلى آخَر صليب القديس أندراوس.

لم أكن أتوقع أن يعلن دوجلاس عن أي مشاعر نحوي قط، سواء خلال سردي للقصة أو بعد الانتهاء منها. ولم أعتقد أنه سيقول لي إنني على حق أو إن الصواب جانبني. سمعته يترجم، وجولي تضحك، لكنني لم أستطع أن أشاركهما الموقف. شعرت أن ثَمَّةَ حقيقة عن نفسي غمرتني أو أربكتني، أو على الأقل حقيقة لم أعرف كيف أتصرف حيالها. ضغطة اليد التي لا تَعِد بشيء يمكن أن تكون عتابًا أو تخفيفًا. شيء معلق قد يُمسي أبديًّا. يمكن أن أكون مصرة دومًا على معرفة ما يمثل أهمية بالنسبة له وما لا يمثل، لكنني أكون دومًا مغيبة فلا أعرفهما.

على مسند قدمين آخر، كان مطرزًا رسم لحمامة جاثية على أرضية زرقاء وفي فمها فرع من الزيتون، وعلى مسند آخر مصباح تخرج منه خطوط مستقيمة من تقطيب ذهبي لإبراز أشعته الكثيرة المتشعبة، وعلى مسند آخر زنبقة بيضاء، لا، بل كانت زهرة ثلاثية. عندما توصلت إلى هذا الاكتشاف، ناديت دوجلاس وجولي ليشاهداه. سعدت بهذه الصورة البسيطة للزهرة والتي تجلت فيما بين الصور الأقدم والأغرب. أعتقد أنني صرت مفعمة بالحياة منذ تلك اللحظة. الواقع أننا صرنا جميعًا مفعمين بالحياة، وكأن كلًّا منا — في قرارة نفسه — عثر على ينبوع مجهول يفيض أملًا. وعندما توقفنا للتزوُّد بالوقود، تعجبت أنا وجولي لمَّا شاهدنا البطاقات الائتمانية التي يحملها دوجلاس، وقلنا إننا لا نود العودة إلى تورونتو. وتحدثنا عن كيف يمكننا جميعًا الفرار إلى نوفا سكوتشا، والعيش اعتمادًا على رصيد بطاقاته الائتمانية، وعندما تأتي السلطات للبحث عنا، سنختبئ ونبدل أسماءنا، ونعمل في وظائف متواضعة: أنا وجولي ساقيتان في حانة، ودوجلاس ينصب شراكًا لسرطانات البحر، وحينئذٍ نحيا جميعًا حياة هانئة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠