آل تشادلي وآل فليمينج (٢)

حجر في الحقل

لم تكن أمي تقضي جُلَّ وقتها في تزيين حواف الأكواب وإيهام نفسها بأنها تنحدر من أصول أرستقراطية؛ فقد كانت سيدة أعمال في واقع الأمر؛ تاجرة وبائعة. كان منزلنا مكتظًّا بأشياء لم تدفع ثمنها بالمال، وإنما أخذتها في نوع معقد من المقايضة، وقد لا نستطيع الاحتفاظ بها. ولبعض الوقت استطعنا أن نعزف على البيانو، وأن نستعين بالموسوعة البريطانية، وأن نأكل طعامنا فوق مائدة من خشب البلوط. ولكن في أحد الأيام كنت أعود إلى البيت من المدرسة لأجد أن كلًّا من هذه الأشياء قد ذهب لشخص آخر؛ فمرآة حائطية يمكن أن تذهب بسهولة، أو حامل للأباريق الزجاجية، أو مقعد مزدوج كان قد حل سابقًا محل أريكة كانت قد حلت محل أريكة سريرية من قبل. باختصار: كنا نعيش في مخزن.

كانت أمي تعمل لصالح — أو مع — رجل يدعى بوبي كالندر، وكان يتاجر في التحف، ولم يكن لديه متجر: هو أيضًا كان يملك بيتًا مزدحمًا بالأثاث، وما كان في بيتنا هو مجرد الفائض لديه. كان يملك خزانات أطباق تواجه ظهورها ظهور بعضٍ وحواشيَ فراش زنبركية مسندة إلى الحائط. كان يشتري الأشياء — أثاثًا وأطباقًا ومُلاءات سرير ومقابض أبواب وأذرع للطلمبات ومماخض لبن ومكاويَ غير كهربائية وأي شيء — من أشخاص يعيشون في المزارع أو في قرًى صغيرةٍ بالريف، ثم يبيع ما اشتراه إلى معارض التحف في تورونتو. لم تكن ذروة موسم التحف قد بدأت بعد، فقد كان ذلك الوقت الذي يغطي فيه الناس الأشغال الخشبية القديمة بالطلاء الأبيض أو عجينة الباستيل بأقصى سرعة يستطيعونها، متخلِّصين من الأسِرَّة ذات الأعمدة الخشبية، ليحل محلها أثاث غرفة النوم من خشب القيقب الأصفر، ويغطون الألحفة المرقعة بمُلاءات من قماش الشنيل. لم يكن شراء الأشياء صعبًا؛ فقد كان ثمنها بخسًا، ولكن كان بيعها تجارة بطيئة، وهو ما يفسر سبب تحولها إلى جزء من حياتنا طيلة موسم كامل. وبالمثل، كان بوبي وأمي على المسار الصحيح. ولو كانا استمرَّا، ربما كانا سيصبحان أثرياء ويحصلان على تصريح بالعمل. ولكن بطبيعة الحال، كان بوبي يتجنب الخسارة والمغامرة بينما عجزت أمي عن جمع الكثير من المال؛ فاعتقد الجميع أنهما مخبولان.

لم يستمرَّا في هذا العمل؛ فأمي أصابها المرض، بينما دخل بوبي السجن بتهمة التحرش في أحد القطارات.

كانت هناك بيوت في المزرعة لم يكن بوبي محل ترحاب فيها. وكان الأطفال يسخرون منه بينما تغلق الزوجات الأبواب في وجهه لدى رؤيته مارًّا عبر أفْنِيَتهنَّ في ثيابه السوداء المتشحمة، وهو يدير عينيه بطريقة شهوانية أو سخيفة جنونية، مناديًا بصوت ناعم ويناشد: «هل من أحد هنا؟» وفوق هذا كان ألثغَ ومتلعثمًا. وكان أبي يُقلِّده بشكل جيد. وكانت هناك بيوت تغلق الأبواب في وجه بوبي، وبيوت أخرى — عادةً لأناس ذوي سمعة سيئة — يقابَل فيها بالترحاب والتحيات وواجب الضيافة، كما لو كان طائرًا غريبًا غير مؤذٍ سقط من السماء ووجد من يقدِّر أهميته لغرابته الشديدة. وحيثما لا يجد ترحابًا لا يعود، وبدلًا من ذلك كان يرسل أمي. لا بد وأنه قد كوَّن في رأسه خريطة للمناطق الريفية المحيطة بكل بيت فيها، ومثلما تحتوي كل خريطة على نقاط لتبين مواضع الموارد المعدنية أو الأماكن ذات الأهمية التاريخية، كانت خريطة بوبي تحدد موضع كل ما هو معروف ومحتمل من كراسيَّ هزازةٍ أو بوفيهات من خشب الصنوبر أو أكواب لبن أو أكواب مصممة لحماية الشوارب من الاتساخ بالشراب. كنت أسمعه يقول لأمي وهما مجتمعان في غرفة الطعام وينظران إلى شيء وكأنه علامة تجارية على إناء مخللات قديم: «لماذا لا تذهبين وتلقين نظرة عليه؟» لم يكن يتلعثم وهو يتحدث إليها، وهو يتحدث في أمور العمل. ورغم أن صوته كان ناعمًا فإنه لم يعكس انكسارًا، بل كان يوحي بأنه يعوِّض خسارته، وربما يحقق انتقامه. ولو جاءت معي صديقة من المدرسة إلى البيت، كانت تسألني متعجبة: «هل هذا بوبي كالندر؟» كانت تندهش وهي تسمعه يتحدث كشخص عادي، وتندهش لرؤيته داخل بيت أحد. كنت أمقت كثيرًا ارتباطه بنا لدرجة أنني كنت أود أن أرد بالنفي.

لم يسبب بوبي — حقًّا — الكثير من المشاكل بميوله الجنسية. وربما يكون الناس قد تصوروا أنه ليست لديه أيٌّ منها. فعندما قالوا: إنه غريب الأطوار. لم يقصدوا أكثر من هذا: غريب، ومتقلب، ومزعج؛ فتلعثمه وعيناه العاجزتان عن التركيز ومؤخرته السمينة ومنزله المكتظ بالأشياء التي تخلصت الناس منها؛ كل ذلك اجتمع تحت هذه الصفة. لا أعلم ما إذا كانت شجاعة بالغة منه أن يحاول كسب قوت يومه في مكان مثل داجليش حيث كان كل ما يحصل عليه هو الإهانات العشوائية والشفقة غير المستحقة، أو ما إذا كان مجرد شخص يفتقر كثيرًا إلى الواقعية. بالتأكيد لم يكن من الواقعية أن تبدر منه إيحاءات لاثنين من لاعبي البيسبول في قطار ستراتفورد.

لم أعرف أبدًا كيف تعاملت أمي مع سوء حظه الأخير، أو ما الذي كانت تعلمه عنه. بعد سنوات قرأت في الجريدة أن معلمًا في الكلية التي كنت أرتادها قد تم القبض عليه نتيجة شجار في إحدى الحانات من أجل رفيق. سألتني أمي ما إذا كانوا يقصدون أنه كان يدافع عن صديق، ولو كان الأمر كذلك فلماذا لم يقولوا هذا؟ لماذا قالوا: «رفيق»؟

ثم قالت: «مسكين يا بوبي، هناك دائمًا من يحاولون النَّيل منه. لقد كان ذكيًّا للغاية بطريقته الخاصة. البعض لا يمكنهم العيش في مكان كهذا؛ هذا غير مسموح، لا.»

•••

كان مسموحًا لأمي استخدام سيارة بوبي، من أجل رحلات العمل، وأحيانًا في عطلة نهاية الأسبوع، عندما يذهب إلى تورونتو. وإذا لم يكن ينوي تحميل الكثير من الأشياء، فإنه كان يسافر — لسوء الحظ، كما قلت — بالقطار. كانت سيارتنا معطلة بما لا يسمح بتصليحها مطلقًا، لدرجة أننا لم نكن نستطيع الخروج بها من المدينة. فقط كنا نذهب بها إلى داجليش ونعود، وليس أكثر من هذا. كان والداي مثل الكثير من الأشخاص الآخرين الذين شهدوا الأزمة الاقتصادية الكبرى (الكساد الكبير) وهم أصحاب أملاك، مثل سيارة أو فرن، والتي سرعان ما توقفت عن العمل بصورة تدريجية ولم يعد بالإمكان تصليحها أو استبدالها. فعندما نتمكن من السفر بها على الطرق، كنا نذهب إلى جودريتش مرة أو مرتين خلال الصيف، حيث البحيرة. وفي بعض الأحيان كنا نزور عماتي اللاتي كن يعشن خارج المدينة.

لطالما قالت أمي إن أبي ينتمي إلى عائلة غريبة. وقد كانت غريبة لأنها ضمت سبع بنات وولدًا واحدًا. كانت غريبة لأن ستَّ بنات من هؤلاء الأبناء الثمانية ما زلن يعِشن معًا، في نفس البيت الذي وُلدوا فيه؛ إذ كانت إحدى شقيقات أبي قد ماتت في سن مبكرة بسبب حُمَّى التيفود، بينما رحل أبي من البيت. كانت هؤلاء الشقيقات الست أنفسهن شديدات الغرابة، على الأقل في نظر الكثيرين، في الوقت الذي عشن فيه. كن بقايا زمن بائد، حقًّا. هذا ما قالته أمي. كن ينتمين إلى جيل آخر.

لا أذكر أنهن جئن لزيارتنا يومًا. لم يرغبن في المجيء إلى مدينة بكبر حجم داجليش، أو في المخاطرة بالابتعاد عن موطنهن. كانت المسافة بيننا وبينهن أربعة عشر أو خمسة عشر ميلًا بالسيارة، وهن لم يمتلكن واحدة. كن يركبن عربة يجرها حصان، أو مزلجة يقودها حصان في الشتاء، رغم توقف الجميع عن استخدامها منذ سنوات طويلة. وبالتأكيد كانت هناك مواقف تضطرهن للتوجه إلى المدينة، لأني رأيت إحداهن ذات مرة في العربة التي يجرها الحصان بأحد شوارع المدينة. كان للعربة سقف عالٍ بديع، وكأنه قلنسوة سوداء، وأيًّا كانت العمة التي رأيتها فقد كانت تجلس بانحراف على الكرسي، ونادرًا ما كانت تنظر إلى أعلى بقدر ما يلزمها لتوجيه الحصان. ويبدو أن نظرات الناس الفاحصة كانت تسبب لها الكثير من الألم، ولكنها كانت عنيدة. فجلست في مكانها على المقعد، منكمشة وعنيدة، وكان منظرها غريبًا بطريقتها الخاصة، مثلما كان بوبي كالندر غريبًا بطريقته الخاصة. لم أستطِع حقًّا تخيُّل أنها عمتي؛ فالرابطة بيننا بدت مستحيلة. ومع هذا كان بإمكاني تذكُّر وقت سابق ذهبتُ فيه إلى المزرعة — ربما أكثر من مرة؛ إذ كنت صغيرة جدًّا بما لا يتيح لي التذكر — ولم أشعر بهذه الاستحالة ولم أفهم سبب غرابة هؤلاء القريبات. كانت تلك المرة حينما كان جدي مريضًا وملازمًا الفراش، يُحتضَر حسب اعتقادي، وفوقه مروحة ورقية ضخمة بُنِّية اللون تعمل بواسطة نظام من الأحبال كان مسموحًا لي بشدها. كانت إحدى عماتي توضح لي طريقة تشغيلها في اللحظة التي نادتني فيها أمي في الطابق السفلي؛ فنظرت أنا وعمتي إحدانا إلى الأخرى تمامًا كما ينظر طفلان أحدهما إلى الآخر حين يناديهما أحد الكبار. لا بد وأنني قد شعرت بشيء غريب في هذا الأمر، أو بغياب شيء كان متوقعًا، بل وحتى ضروريًّا، في طريقة الاتزان، أو الحدود بيننا، وإلا ما كنت تذكرت الموقف.

كانت هناك واقعة أخرى لي مع إحدى عماتي، وأعتقد أنها كانت نفس العمة، ولكن ربما كانت عمة أخرى، كانت جالسة معي على السلالم الخلفية لبيت المزرعة، بينما توجد على درجة السلم بجوارنا سلة سعتها ستة كوارتات وتحتوي على مشابك الغسيل. كانت تصنع لي عرائس ومانيكانات من المشابك مستديرة الرأس، وكانت تستخدم قلم شمع أسود وآخر أحمر لترسم أفواهها وعيونها، ثم أخرجت بعض الغزل من جيب مئزرها لتلفه حولها وتصنع الشعر والملابس. وكانت تتحدث معي؛ أنا متأكدة أنها كانت تتحدث.

«هذه سيدة. لقد ذهبت إلى الكنيسة مرتدية شعرها المستعار، هل ترينها؟ كانت فخورة بنفسها. ماذا سيحدث لو هبت الريح؟ ستطيِّر شعرها المستعار. أترين؟ انفخي أنت مقلدةً الريح.»

«هذا جندي. هل ترين أنه يملك ساقًا واحدة؟ لقد فقد ساقه الأخرى بسبب قذيفة مدفع في معركة ووترلو. هل تعرفين معنى قذيفة مدفع؟ تلك التي تخرج من المدفع الضخم عندما تكون هناك معركة: بووووم!»

•••

والآن سنخرج متجهين إلى المزرعة — في سيارة بوبي — لزيارة عماتي. رفض أبي أن يقود سيارة شخص آخر — قاصدًا بذلك أنه لن يقود سيارة بوبي، ولن يجلس مكانه — ولذلك قادت أمي بدلًا منه؛ مما جعل الرحلة كلها مشكوكًا فيها بسبب سوء توزيع الأدوار. كان ذلك في يوم حار من أيام الآحاد في نهاية الصيف.

لم تكن أمي متأكدة من الطريق، بينما انتظر أبي حتى اللحظة الأخيرة ليطمئنها. كنا نعلم أنه يغيظها، ومع هذا لم يمر الأمر دون تحفظات أو توبيخ:

«هل ننعطف هنا؟ أم المنعطف التالي؟ سأعرف حين أرى الجسر.»

كان الطريق معقدًا. في داجليش كانت معظم الطرق مستقيمة، ولكن هنا كانت الطرق تنحرف حول التلال أو تتوارى في المستنقعات، وبعضها يضيق وينقسم إلى طريقين يفصلهما صف من نبات لسان الحمل والهندباء البرية. وفي بعض الأماكن كانت أشجار العليق تلقي فروعها المعترشة على الطريق؛ ذكرتني هذه الأشجار المرتفعة الكثيفة المليئة بالأشواك، ذات الأوراق لامعة الخضرة التي بدت أقرب إلى السواد، بأمواج البحر الذي انشق من أجل موسى.

ثم ظهر الجسر، وبدا كعربتيْ قطار متحدتين تم تجريدهما من هيكلهما الخارجي، وكان في اتساع حارة واحدة. كما كانت هناك لافتة تقول: إن الطريق غير آمن لعربات النقل.

«لن ننجو.» هكذا قال أبي ونحن نتخبط في أرض الجسر. «ها هو ميتلاند العتيق.»

سألت شقيقتي: «أين؟ من؟ أين هو؟»

قالت أمي: «نهر ميتلاند.»

نظرنا إلى الأسفل، حيث الدرابزين المنهار على جانبي الجسر، ورأينا المياه الصافية بُنِّية اللون تتدفق فوق أحجار ضخمة ومظلمة، بين ضفتين نمت عليهما أشجار الأَرْز، ثم تنكسر في صورة تموجات مبهجة بعد ذلك. كان جسدي يشتاق إليها.

سألت: «هل يذهبن للسباحة؟» كنت أقصد عماتي. فكرت في أنهن لو كن يذهبن للسباحة، فربما يأخذنني معهن.

قالت أمي: «السباحة؟ لا أستطيع تخيلهن. هل يفعلن هذا؟» وجهت السؤال لأبي.

«ولا أنا أيضًا أستطيع تخيلهن يسبحن.»

كان الطريق يصعد بنا لأعلى التل، بعيدًا عن شجيرات الأَرْز الكئيبة على ضفاف النهر. بدأت أقول أسماء عماتي:

«سوزان. كلارا. ليزي. ماجي. جينيت هي من ماتت.»

قال أبي: «وآني، لا تنسَيْ آني.»

«آني. ليزي. قلت اسمها قبلًا. من فاتني اسمها؟»

ردت أمي وهي تنقل سرعة السيارة بدفعة صغيرة غاضبة: «دوروثي.» وصلنا إلى قمة التل، تاركين وراءنا المنطقة الغائرة التي تضم الشجيرات داكنة اللون. وعلى القمة هنا كانت توجد تلال عشبية مغطاة بحشيشة اللبن المزهرة ذات اللون الأرجواني، وأزهار البازلاء البرية المتفتحة، وأزهار السوزان ذات العيون السوداء. نادرًا ما وُجدت الأشجار هنا، ولكن ثَمَّة الكثير من شجيرات البلسان التي تنمو بطول الطريق. بدت كما لو أنها رُشت بالثلج. وكان هناك تل مكشوف يعلو غيره من التلال.

قال أبي: «قمة هيبرون. هذه أعلى نقطة فوق الأرض في مقاطعة هورون. أو هكذا كانوا يخبرونني دائمًا.»

قالت أمي: «الآن أعرف أين أنا. سنراه بعد لحظات، أليس كذلك؟»

ثم ظهر بيت خشبي ضخم لا تدنو منه الأشجار، وتقع خلفه الحظيرة والتلال البُنِّية المزهرة. كان مخزن العربات التي تجرها الخيول هو الحظيرة الأصلية، وكانت مبنية من الخشب. لم يكن طلاء البيت أبيض اللون كما كنت أظن على نحوٍ قاطع، بل كان أصفر، ومعظمه قد تساقط.

وأمام البيت — وسط مساحة ضيقة ظليلة نظرًا لانحسار الظل في هذا الوقت من اليوم — جلس عدة أشخاص على كراسيَّ مستقيمة الظهر. وعلى حائط المنزل خلفها عُلقت سطول اللبن المصقولة وأجزاء من فرازة القشدة.

لم يتوقعن مجيئنا؛ إذ لم يكن لديهن هاتف؛ وبالتالي لم نتمكن من إخبارهن بقدومنا. كن يجلسن فقط هناك في الظل، يتطلعْنَ إلى الطريق الذي نادرًا ما تمر عليه سيارة طيلة فترة ما بعد الظهيرة.

نهضت إحداهن وهرولت نحو جانب البيت.

فقال أبي: «هذه سوزان. إنها تخشى الناس.»

قالت أمي: «ستعود عندما تدرك من نحن؛ فهي لا تميز السيارة الغريبة.»

«ربما. لا أعتمد على هذا.»

وقفت الأخريات، وعلى نحوٍ رسمي للغاية جهزن أنفسهن، وأيديهن مشبكة أمام مآزرهن. وعندما خرجنا من السيارة وتعرفن علينا، خطت واحدة أو اثنتان منهن بضع خطوات تجاهنا، ثم توقفتا، وانتظرتا اقترابنا منهن.

قال أبي: «هلموا.» ثم قادنا إلى كل واحدة منهن بالدور، قائلًا فقط أسماءهن للتعارف، بلا أحضان، ولا مصافحات، ولا قبلات:

«ليزي. دوروثي. كلارا.»

لم يكن الأمر مجديًا؛ فلن أستطيع مطلقًا التمييز بينهن. لقد بَدَوْنَ جميعًا متشابهات. لا بد وأن الفارق في العمر بينهن كان اثني عشر أو خمسة عشر عامًا، ولكن بالنسبة إليَّ بَدَوْنَ جميعًا في الخمسين من العمر تقريبًا، أكبر من والديَّ، ولكنهن لسن طاعنات فعلًا في السن. كن جميعًا نحيلات وممشوقات القوام، وربما كن في وقت من الأوقات طويلات القامة إلى حدٍّ ما، ولكنهن الآن محدبات الظهر، بسبب العمل الشاق والإذعان. كان شعر بعضهن مقصوصًا فبدت التسريحة طفولية بسيطة، وبعضهن ضفرنه ولففنه فوق رءوسهن. لم يكن شعر إحداهن أسود بالكامل أو رماديًّا بالكامل. كانت وجوههن شاحبة، وحواجبهن سميكة وكثيفة الشعر، وعيونهن غائرة ولامعة، رمادية زرقاء أو رمادية خضراء أو رمادية فحسب. وكن يشبهن أبي كثيرًا وإن كان ظهره غير محدب مثلهن، كما كان وجهه متهللًا، بعكسهن، فبدا رجلًا وسيمًا.

كن يشبهنني كثيرًا. لم أدرك ذلك وقتها ولم أكن لأرغب في ذلك. ولكن ماذا لو افترضت أنني توقفت عن الاهتمام بشعري، الآن، وأنني توقفت عن وضع مساحيق الزينة وتشذيب حاجبيَّ، وارتديت فستانًا دميمًا مطبوعًا عليه إحدى الصور ومئزرًا، ووقفت مطأطئة الرأس أحتضن مرفقيَّ؟ أجل. وبالتالي عندما ألقت أمي وقريباتها نظرةً عليَّ، ووجهنني بقلق نحو الضوء، يسألن: «هل تنتمي إلى آل تشادلي؟ ما رأيكن؟» لقد كن يتطلعن إلى وجه ينتمي إلى آل فليمينج، ولأكون صادقة، كان وجهًا أجمل من وجوههن. (ليس الأمر أنهن كن يدَّعين الجمال، ولكن كان مجرد انتمائهن إلى آل تشادلي كافيًا.)

كانت يدا إحدى عماتي حمراوين كلون أرنب مسلوخ. ولاحقًا في المطبخ جلست تلك العمة على كرسي يستند إلى صندوق الحطب، شبه متوارية خلف الموقد، ورأيت كيف ظلت تفرك هاتين اليدين وتلويهما في مئزرتها. أذكر أنني رأيت هاتين اليدين قبلًا، في واحدة من الزيارات القديمة، منذ أمد بعيد، وقد أخبرتني أمي أن السبب هو أن هذه العمة — هل كانت دائمًا نفس العمة؟ — كانت تنظف الأرضيات والمناضد والكراسي بغسول القِلى لتبقى بيضاء. وهذا ما فعله الغسول بيديها. وبعد هذه الزيارة أيضًا، في طريقنا إلى البيت قالت أمي بنبرة اتهام عام، مليئة بالأسى والاشمئزاز: «هل رأيتم هاتين اليدين؟ لا بد وأن العمة حصلت على استثناء كنسي حتى تنظف في أيام الآحاد.»

كانت الأرضية من خشب الصنوبر، وكانت بيضاء، ولامعة، ولكنها كانت في نفس الوقت ناعمة مثل المخمل. وكذلك الكراسي والمناضد. جلسنا جميعًا في أرجاء المطبخ، الذي كان أشبه ببيت صغير متصل بالبيت الرئيسي، حيث البابان الأمامي والخلفي مواجهان أحدهما للآخر، والنوافذ موجودة في ثلاثة اتجاهات. كان الموقد الأسود البارد يلمع أيضًا بدهان التلميع، وكانت حوافه مثل المرايا. كان مطبخهن أكثر نظافة وخلوًّا من الأثاث مقارنةً بأي مطبخ رأيته من قبل. لم يكن هناك أثر للعبث، ما من إشارة على أن النساء اللاتي يعِشن هنا سعين قط إلى الترفيه. فلا يوجد راديو، ولا صحف ولا مجلات، وبالتأكيد ولا كتب أيضًا. لا بد وأنه كان هناك إنجيل في البيت، وبالتأكيد هناك نتيجة للتقويم، ولكننا لم نرَهما. كان من الصعب الآن حتى أن نصدق بوجود عرائس تم تشكيلها من مشابك الغسيل وأقلام الألوان والغزل. أردت أن أسأل أيهن صنعت لي العرائس، وهل كان هناك فعلًا سيدة بشعر مستعار وجندي بساق واحدة؟ ولكن رغم أن الخجل لم يكن في العادة إحدى صفاتي، فقد انتابني شلل غريب في هذه الغرفة، كما لو أنني قد أدركت للمرة الأولى أن أي سؤال سأطرحه قد يكون وقحًا، وأن أي رأي سأعرضه قد يكون خطيرًا.

العمل هو ما كان يملأ حياتهن، وليس الحوار. العمل هو ما كان يُضفي على يومهن معنًى. أعلم هذا الآن؛ فحلب الأبقار من ضروعها الخشنة، وجر المكواة للأمام والخلف على لوح الكَيِّ الذي تصدر منه رائحة الشياط، وإلقاء ماء المسح المحتوي على مواد التبييض على الأرضية المصنوعة من خشب الصنوبر؛ كل هذا كفيل بتحويلهن إلى بُكم، وربما كن راضيات بهذا. لا يتم العمل هنا كما كان يتم في بيتنا، حيث كانت الفكرة السائدة هي سرعة إنجاز العمل. بل العمل هنا يمكن — بل لا بد — أن يستمر إلى الأبد.

ما الذي يمكن أن يُقال في هذا السياق؟ عماتي — كمن ينخرطون في دردشة مع أسرة ملكية — لا يبادرن بأي تعليقات من تلقاء أنفسهن على الإطلاق، ولكنهن يكتفين بالإجابة عن الأسئلة. كما لم يَعرضن تقديم واجب الضيافة. وكان من الواضح أنهن يبذلن مجهودًا كبيرًا ليمنعن أنفسهن من الفرار والاختباء، مثل عمتي سوزان، التي لم تعاود الظهور طيلة الوقت الذي قضيناه هناك. ما يمكن الإحساس به في تلك الغرفة هو ألم التواصل الإنساني. كنت مبهورة به. الألم المذهل، والاحتياج المهين.

كان أبي يعلم كيف يبدأ الحديث، فبدأ بالطقس: عن الحاجة إلى المطر، والأمطار التي هطلت في يوليو وأفسدت التبن، والربيع الرطب في العام الماضي، والفيضانات التي كانت تحدث في الماضي السحيق، واحتمالات أو عدم احتمال أن يكون الخريف ممطرًا. أعاد إليهم هذا الحديث الهدوء. ثم سأل عن الأبقار، وحصان العربة الذي كان اسمه نيلي، وحصانَي العمل: برينس وكوين، والحديقة، هل أصابت الآفات الطماطم؟

«كلا، لم تصبها.»

«كم كوارتًا جمعتن؟»

«سبعة وعشرين.»

«هل صنعتن أي صلصة حارة؟ هل أعددتن بعض العصير؟»

«أجل، عصير وصلصة حارة.»

«إذن لن تتضورْن جوعًا خلال الشتاء القادم. ستزددن سمنة المرة القادمة.»

صدرت قهقهات من اثنتين منهما وتشجع أبي وواصل إغاظتهن. سألهن ما إذا كُنَّ يرقصن كثيرًا هذه الأيام. وهز رأسه وهو يتظاهر بأنه يتذكر ما كان معروفًا عنهن بملاحقتهن للحفلات الراقصة في أرجاء البلد، والتدخين والمرح. قال: إنهن كن يُسِئن التصرف، وإنهن رفضن الزواج لأنهن كن يفضلن المغازلة، وإنه لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه لأنهن كن مصدر خزي له.

تدخلت أمي عندئذٍ. لا بد وأنها كانت تريد إنقاذهن، متصورة أنه من القسوة إغاظتهن بهذه الطريقة، والإسهاب في الحديث عما لم يمتلكنه أو يفعلنه يومًا.

قالت: «هذه قطعة أثاث بديعة؛ أقصد هذا البوفيه، لطالما أعجبني!»

أكمل أبي بأنهن لم يراعين الأعراف، هكذا كن، في ذروة شبابهن.

ذهبت أمي لتُلقيَ نظرة على خزانة المطبخ المصنوعة من خشب البلوط، والتي كانت ثقيلة للغاية وعالية. لم تكن مقابض جميع الأبواب والأدراج مستديرة تمامًا، بل كانت غير منتظمة الشكل إلى حدٍّ ما، إما بسبب سوء التصنيع أو بسبب كثرة استخدامها.

قالت أمي: «يمكنكن إحضار تاجر تحف إلى هنا وسيعرض عليكن مائة دولار مقابل شراء هذه الخزانة. ولو حدث هذا، لا تقبلن. وكذلك المناضد والكراسي. لا تسمحن لأي أحد أن يقنعكن ببيعها قبل أن تعرفن قيمتها الحقيقية. أعلم ما أقوله لكن.» ودون أن تطلب الإذن تفحصت الخزانة، وتحسست المقابض، وألقت نظرة على الظهر. ثم قالت وهي تقرع خشب الصنوبر بتروٍّ: «لا أستطيع أنا أن أخبركن بقيمتها، ولكن لو قررتن بيعها فسأجلب أفضل شخص يمكنني إيجاده ليقوم بتثمينها. وهذا ليس كل شيء؛ لديكن أثاث يساوي ثروة في هذا البيت، ولكنكن تحتفظن به. فلديكن الأثاث القديم الذي تم تصنيعه هنا، ولم يعد هناك مثيل له. فالناس تخلصت منه، في بداية القرن، واشتروا أثاثًا من الطراز الفيكتوري بعد أن ازدهرت أحوالهم. الأثاث الذي لم يتم التخلص منه يساوي ثروة، وستظل قيمته في صعود. صدِّقْنني.»

كانت صادقة، ولكنهن لم يصدقنها. ما عدن يستطعن فهمها أفضل مما لو كانت تهذي. ربما لم تكن كلمة تحف معروفة بالنسبة إليهن. كانت تتحدث عن خزانة مطبخهن، ولكن من منظور لم يفهمنه: لو جاء تاجر إلى بيتهن وعرض عليهن مالًا؟ ما من أحد يأتي إلى بيتهن. وربما كان بيع الخزانة أمرًا يصعب عليهن تخيله مثلما هو صعب عليهن تخيل بيع حائط المطبخ؛ فقد كن ينظرن تحت أقدامهنَّ فحسب.

قال أبي ليلطِّف الأجواء: «إذن أعتقد أن ذلك كان من حسن حظ أولئك الذين لم تزدهر أحوالهم.» ولكنهن لم يجبن عليه هو أيضًا. كن يعرفن معنى كلمة مزدهر، ولكنهن لم يستخدمنها قط، ولم يحركن ألسنتهن بها من قبل، ولم تفكر عقولهن بفكرة ازدهارهنَّ. كن يلاحظن أن بعض الناس — حتى جيرانهن — ينفقون المال في شراء الجرارات وماكينات الحصد وماكينات الحلب، وكذلك السيارات والمنازل، وأعتقد أن هذا بدا لهن شيئًا مفزعًا غير مرغوب فيه على الإطلاق؛ نوع من تضييع الأملاك وعدم القدرة على السيطرة على الذات. كن يشفقن على الناس الذين يفعلون هذا، بشكل من الأشكال، بنفس الطريقة التي قد يشفقن بها على الفتيات اللاتي كن يهرولن فعلًا إلى الحفلات الراقصة، ويدخنَّ ويغازلن ويتزوجن. ربما يشفقن على أمي أيضًا. كانت أمي تنظر إلى حياتهن وتفكر في أنهن يجب أن يبتهجن ويتفتَّحن. لنفترض أنهن بِعْنَ بعض الأثاث ووصَّلن المياه الجارية إلى البيت، واشترين غسالة، ووضعن مشمعًا على الأرضية، وابتعن سيارة وتعلمن قيادتها. ولمَ لا؟ كانت أمي تسألهن وهي تنظر إلى الحياة في ضوء التغيير والاحتمالات. تخيلت أمي أنهن قد يَتُقْنَ لبعض الأشياء، ليس فقط أشياء مادية، ولكن لظروف وقدرات، لم يزعجن حتى أنفسهن بالندم على افتقارهن لها، ولم يفكرن في رفضها، بما أنهن مقيدات بما يملكنه وبما كُنَّ عليه، ولا يمكنهن تخيل أنفسهن في وضع مختلف.

•••

عندما أُودِع أبي في المستشفى في آخر مرة، أصبح خفيف الظل كثيرًا ومهذارًا تحت تأثير الحبوب التي كانوا يقدمونها له، وقد تحدث إليَّ بشأن حياته وعائلته. أخبرني كيف ترك بيته. في الواقع لقد تركه مرتين؛ المرة الأولى وقعت خلال الصيف الذي بلغ فيه الرابعة عشرة من العمر. كان أبوه قد أرسله لشق بعض جذوع الأشجار. فكسر يد الفأس، وشتمه أبوه، وجرى وراءه بمذراة. وكان معروفًا عن أبيه مزاجه الحاد واجتهاده في العمل. صرخت الشقيقات، بينما ركض أبي — وهو صبي في الرابعة عشرة من العمر — عبر الزقاق بأقصى سرعة لديه.

«هل كن يستطعن الصراخ؟»

«ماذا؟ أجل، آنذاك. نعم كُنَّ يستطعن ذلك.»

كانت نية أبي هي أن يجريَ فقط بعيدًا بطول الطريق، ويتسكَّع قليلًا، ثم يعود عندما تخبره شقيقاته بأن الطريق آمن. ولكنه لم يتوقَّف عن الركض حتى قطع نصف المسافة إلى جودريتش، ثم فكَّر أن يقطع المسافة المتبقية. عمل على قارب في البحيرة، وقضى بقية الموسم يعمل عليه، ثم خلال الشهر الذي سبق الكريسماس، بعد انقضاء موسم الملاحة، عمل في طاحونة دقيق. كان يستطيع العمل هناك، ولكنه كان قاصرًا، وخشي أصحاب الطاحونة من المفتش؛ ولذلك سرَّحوه. كان يريد العودة إلى موطنه على أية حال لقضاء الكريسماس. كان مشتاقًا إلى وطنه. فاشترى هدايا لأبيه وشقيقاته. كانت هدية أبيه ساعة. غير أن هذه الساعة وثمن التذكرة بدَّدا كل مليم كان معه.

وبعد الكريسماس ببضعة أيام كان في الحظيرة يضع القش، وجاء أبوه باحثًا عنه.

«هل معك أي أموال؟»

فرد أبي بالنفي.

«حسنًا، هل تعتقد إذن أنني وشقيقاتك قضينا الصيف والخريف بطولهما نتأمل مؤخرات الأبقار، لتعود أنت إلى البيت ونعولك في الشتاء؟»

كانت هذه هي المرة الثانية التي يفارق فيها أبي البيت.

ارتجَّ جسده على سرير المستشفى من الضحك، وهو يخبرني بذلك.

«نتأمل مؤخرات الأبقار!»

ثم قال لي: إن الشيء الغريب أن أباه نفسه قد هرب من بيته في طفولته، بعد شجار مع أبيه نفسه. فقد عنَّفه أبوه وضربه لاستخدامه العربة اليدوية.

«كان الأمر يتم بهذه الطريقة: كانوا دائمًا يحصلون على العلف لتقديمه إلى الخيول، دلوًا دلوًا. ولكن في الشتاء تكون الخيول داخل الإسطبل. ولهذا فكر أبي في حمل العلف إليها في العربة اليدوية. بالطبع كان هذا أسرع. ولكنه تعرَّض للضرب بسبب تكاسله. هكذا كان الوضع لديهم؛ أي تغيير من أي نوع كان مرفوضًا، والكفاءة كانت كسلًا بالنسبة إليهم؛ هذا هو تفكير الفلاحين.»

قلت له: «ربما يتفق معهم تولستوي في هذا، وغاندي كذلك.»

«تبًا لتولستوي وغاندي! فكلاهما لم يعمل وهو صغير.»

«ربما لا.»

«ولكن العجيب أن هؤلاء القوم تمتعوا يومًا بالشجاعة الكافية ليأتوا إلى هنا. لقد تركوا كل شيء، وأداروا ظهورهم لكل شيء عرفوه وجاءوا إلى هنا. كانت مواجهة شمال الأطلسي شيئًا مخيفًا في حد ذاتها، ثم مواجهة هذا البلد الذي كان بريًّا. وكذلك الأعمال التي مارسوها، والتجارب التي مروا بها. وعندما وصل جدك الأكبر إلى أراضي هورون كان معه أخوه، وزوجته وأمها، وولداه الصغيران. وبعد وصولهم مباشرة سقطت شجرة على أخيه فأودت بحياته. وفي الصيف التالي أصيبت زوجته وأمها والولدان الصغيران بالكوليرا، وماتت الجدة والطفلان؛ فعاش وزوجته وحيدين، ومضيا ينظِّفان مزرعتهما ويؤسِّسان عائلة جديدة. أعتقد أنهما قد استنفدا كل ما لديهما من شجاعة. وأنهكتهما طريقة تنشئتهما ودينهما، والتزامهما الشديد بالتصرف وفقًا لما هو مقبول، وكذلك كبرياؤهما. كانت الكبرياء هي ما بقي لهما بعد أن استهلكا ما لديهما من روح المبادرة.»

قلت له: «لكن ليس أنت؛ أنت هربت.»

«لم أهرب بعيدًا.»

•••

بعد أن كبرت عماتي في السن قمن بتأجير المزرعة، ولكنهن واصلن حياتهن بها. إحداهن أصيبت عيناها بالمياه البيضاء، وأخرى أصيبت بالتهاب المفاصل، ولكنهن استمرَرْنَ على حالهنَّ واعتنين بعضهن ببعض، ومُتْنَ هناك، كلهن باستثناء آخرهن، عمتي ليزي، التي اضطُرت إلى الذهاب لدار المسنين الحكومية التابعة للمقاطعة. لقد عشن سنوات طويلة، ورغم كل شيء، كنَّ عائلة ذات قدرة كبيرة على الاحتمال، مقارنةً بآل تشادلي، الذين لم يصل أحدهم إلى سن السبعين. (ماتت قريبتنا أيريس بعد ستة أشهر من زيارتها ألاسكا.) اعتدت أن أرسل إليهن بطاقة معايدة في عيد الميلاد، وكنت أكتب عليها: «إلى جميع عماتي، مع حبي، وعيد سعيد.» كنت أفعل هذا لأني لم أستطع تذكُّر أيهن ماتت وأيهن لم تزل على قيد الحياة. كنت قد رأيت شاهد قبرهن عندما دُفنت أمي. كان نصبًا تذكاريًّا متواضعًا ومحفورًا عليه جميع أسمائهن وتواريخ ميلادهن، بالإضافة إلى تاريخ وفاة اثنتين منهن (جينيت — طبعًا — وربما سوزان)، أما مكان باقي التواريخ ففارغ. ربما يكون الآن قد امتلأ بالتواريخ.

كن يرسلن إليَّ بطاقة معايدة أيضًا، عليها إكليل أو شمعة، ومعلومات عنهن في بضع جمل:

«الشتاء لطيف حتى الآن، والجليد لم يتساقط كثيرًا. كلنا بخير باستثناء أن عين كلارا لم تتحسن. أجمل تمنياتنا.»

فكرت فيهن وهن مضطرَّات إلى الخروج لشراء بطاقة المعايدة، ثم الذهاب إلى مكتب البريد وشراء الطوابع. كان تصرفهن ينم عن الوفاء، أقصد أن يكتبن ويرسلن تلك الجمل إلى مكان لا يمكنهن تخيله مثل فانكوفر، إلى شخص من دمهنَّ يعيش حياة غريبة تمامًا بالنسبة إليهن، شخص سيقرأ البطاقة وكله إحساس بالذهول والذنب غير المبرر. لقد شعرت فعلًا بالذنب والذهول وأنا أفكر أنهن ما زلن يعشن هناك، وما زلن متعلقات بي. ولكن أي رسالة من موطني — في تلك الأيام — كانت تشعرني بأنني خائنة.

في المستشفى، سألت أبي ما إذا كان لأيٍّ من شقيقاته حبيب.

«لا يمكن أن تسميه حبيبًا. لا. كانت هناك دعابة حول السيد بلاك. كان يقال إنه بنى كوخه هناك لأنه معجب بسوزان، ولكني لا أعتقد هذا. كان رجلًا بساق واحدة بنى كوخه في جانب من الحقل في الناحية الأخرى من الطريق، ومات هناك. كل ذلك قبل أن أُولد؛ فقد كانت سوزان هي أكبرنا — كما تعلمين — وكانت في العشرين أو الحادية والعشرين عندما وُلدتُ.»

«إذن أنت لا تعتقد أنها مرت بقصة حب؟»

«لا أعتقد هذا. كانت مجرد دعابة. كان الرجل نمساويًّا أو شيئًا من هذا القبيل. وكان بلاك هو الاسم الذي أُطلق عليه، أو ربما ما أطلقه هو على نفسه. ما كنا لنسمح لها بالاقتراب منه. وقد دُفن هناك تحت جلمود كبير. ثم هدم أبي الكوخ واستخدم الأخشاب ليبنيَ عشة الفراخ.»

أتذكَّر هذا. أتذكَّر هذا الجلمود. أتذكر جلوسي على الأرض وأنا أراقب أبي وهو يصلح أعمدة السور. سألته ما إذا كانت هذه ذكرى حقيقية.

«أجل، ربما. لقد كنت معتادًا على الخروج وإصلاح الأسوار عندما مرض والدي ولازم الفراش. لم تكوني كبيرة جدًّا وقتها.»

«كنت جالسة أراقبك، وقد قلتَ لي: هل تعلمين ما هذا الحجر الكبير؟ إنه شاهد قبر. لا أذكر أنني سألتك لمن هذا الشاهد؛ ربما اعتقدت أنك تمزح.»

«لم أكن أمزح. كان بالفعل شاهد القبر. كان السيد بلاك مدفونًا تحتها. هذا يذكِّرني بشيء آخر. ألم أخبرْكِ بكيفية موت الجدة والولدين الصغيرين؟ كانت الجثث الثلاث موجودة في البيت في نفس الوقت، ولم يكن لديهم ما يصنعون به الأكفان باستثناء ستائر الدانتيلا التي جاءوا بها من موطنهم القديم. أعتقد أنه كان يجب التصرف سريعًا عندما تكون الوفاة بسبب الكوليرا، خصوصًا في الصيف؛ وبالتالي كان هذا ما دفنوهم فيه.»

«ستائر الدانتيلا!»

بدا أبي خجلًا، كما لو أنه قد أعطاني هدية، وقال بفجاجة: «حسنًا، أعتقد أن هذا النوع من التفاصيل هو ما قد يكون مشوقًا بالنسبة إليك.»

•••

في وقتٍ ما بعد موت والدي، كنت أقرأ صحيفة قديمة على قارئ ميكروفيلم في مكتبة تورونتو، وكان الأمر مرتبطًا بنص وثائقي أعمل عليه من أجل التليفزيون. استرعى اسم داجليش بصري، ثم اسم فليمينج، الذي عشت من دونه فترة طويلة:

وفاة شخص وحيد قرب داجليش

أُذيع أن السيد بلاك — وهو رجل في الخامسة والأربعين من العمر — واسمه الأول غير معروف، قد مات في مزرعة السيد توماس فليمينج، حيث كان يعيش على مدار السنوات الثلاث الماضية في كوخ سمح له السيد فليمينج ببنائه في جانبٍ من الحقل. كان يزرع البطاطس، ويعيش بشكل أساسي عليها وعلى الأسماك والطرائد الصغيرة. ويُعتقد أنه جاء من بلد أوروبي ما، ولكن أُطلق عليه اسم بلاك، ولم يكشف عن تاريخه. وفي مرحلة ما من حياته، فَقَدَ إحدى ساقيه؛ مما دفع البعض إلى تصور أنه ربما كان جنديًّا. وكان هناك من يسمعه وهو يتحدث إلى نفسه بلغة أجنبية.

منذ ثلاثة أسابيع تقريبًا، تقصَّى السيد فليمينج عن أحوال الرجل بعد أن توقف الدخان عن الانبعاث من كوخه، فوجده طريح الفراش. كان يعاني من سرطان في اللسان. أراد السيد فليمينج نقله إلى منزله الخاص ليعتنيَ به ولكن السيد بلاك رفض، رغم أنه وافق في النهاية على نقله إلى حظيرة السيد فليمينج، حيث ظل هناك، في طقس معتدل، تعتني به بنات السيد فليمينج الصغيرات اللاتي يسكنَّ في المنزل. وهناك مات، ودُفن بِناءً على طلبه بجوار كوخه، حاملًا لغز حياته معه.

بدأت أفكر في رغبتي في رؤية الحجر، ورؤية ما إذا كان لم يزل هناك. لم يعد أحد من أقاربي يعيش في هذا البلد بعد الآن. قدت سيارتي في يوم أحد من شهر يونيو، واستطعت أن أتجنب داجليش تمامًا بعد أن تغير الطريق السريع. توقعت أن أواجه بعض الصعوبة في إيجاد المزرعة، ولكني بلغتها قبل أن أصدق أن هذا ممكن. لم تعد مكانًا نائيًا. فقد استقامت الطرق الخلفية، وشُيد جسر خرساني جديد ومتين من حارتين. واقتُطع نصف قمة هيبرون من أجل إنشاء طريق مغطًّى بالحصى، بينما زُرعت الحقول العشبية البرية بالذرة.

كان مخزن العربات التي تجرها الخيول — المبني بالخشب — قد اختفى من المشهد الجديد، واكتسى البيت من الخارج بألواح من الألومنيوم ذات لون أخضر فاتح. وكانت هناك عدة نوافذ واسعة جديدة. كما تحوَّل الرصيف الإسمنتي الذي كان يوجد في الواجهة، حيث اعتادت عماتي الجلوس على كراسيهن مستقيمة الظهر لمشاهدة الطريق، إلى فناء مرصوف يضم أحواضًا لنباتات القويضة وإبرة الراعي، ومنضدة معدنية فوقها مظلة، بالإضافة إلى الأثاث المعتاد القابل للطي ذي الشرائط البلاستيكية اللامعة المُستخدمة في تنجيد الكراسي والأرائك.

كل هذا جعلني أرتاب في الأمر، ولكني طرقت الباب على أية حال. أجابتني امرأة شابة حامل، ودعتني للدخول إلى المطبخ، الذي كان عبارة عن غرفة مبهجة، يفترشه مشمع الأرضية الذي بدا كالطوب الأحمر والبُنِّي، ويحوي دواليب مبنية في الجدار بدا خشبها أشبه كثيرًا بخشب القيقب. كان هناك طفلان يشاهدان فيلمًا تليفزيونيًّا بدت ألوانه متلاشية بسبب سطوع ضوء النهار، وزوجٌ شابٌّ يبدو جادًّا ويعمل على آلة حاسبة، وكان من الواضح أنه غير منزعج بالضوضاء التي يصدرها التليفزيون مثلما لم ينزعج طفلاه بضوء الشمس. خطت المرأة الشابة فوق كلب ضخم لتغلق صنبور الحوض.

لم ينفد صبرهما وهما يسمعان قصتي، على عكس ما حسبت. في الحقيقة كانا مهتمين بالأمر ومتعاونين، وكانا يعلمان بعض الشيء عن الحجر الذي أبحث عنه. قال الزوج إن قطعة الأرض الموجودة على الجانب الآخر من الطريق لم تُبَعْ لأبيه، الذي اشترى هذه المزرعة من عماتي؛ إذ كانت قد بيعت من قبل. كان يعتقد أن الحجر موجود هناك، وقال إن والده أخبره بأن ثَمَّةَ رجلًا مدفونًا هناك، تحت صخرة كبيرة، حتى إنهما قد ذهبا للتمشية ذات مرة ليلقيا نظرة عليها، ولكنه لم يتذكر أمرها لسنوات. وقال إنه سيذهب ليبحث عنها الآن.

اعتقدتُ أننا سنتوجه إليها مشيًا، ولكننا عبرنا الطريق بسيارته. ترجَّلنا منها وخطونا بحذر داخل حقل الذرة. بلغت الذرة ركبتي تقريبًا؛ ما يعني أن الحجر واضح بالضرورة على مرأى العين. سألت إن كان الرجل الذي يملك هذا الحقل سيمانع وجودنا، فرد مالك المزرعة بالنفي، فالرجل لم يقترب من الحقل قط، ويؤجر شخصًا آخر ليعمل فيه بدلًا منه.

«إنه رجل يملك ألف فدان ذرة في مقاطعة هورون وحدها.»

قلت له: إن أصحاب المزارع أصبحوا أشبه برجال الأعمال اليوم، أليس كذلك؟ بدا الرجل سعيدًا بقولي هذا، وبدأ يشرح لي السبب. ثَمَّةَ مخاطر يجب تقبُّلها، والنفقات تبلغ عنان السماء. سألته ما إذا كان يملك واحدًا من تلك الجرارات ذات الكابينات المكيفة فرد بالإيجاب. وتابع: لو أحسن المرء إدارة أموره، فستكون المكاسب — وأقصد المكاسب المادية — ضخمة، ولكنْ هناك محن ومصائب لا يعرف معظم الناس عنها شيئًا. في الربيع القادم، لو سارت الأمور على ما يرام، فسيذهب هو وزوجته لقضاء أول عطلة لهما. سيتَّجهان إلى إسبانيا. لكن الطفلين يريدانهما أن يتغاضيا عن إجازتهما ويبنيا حوض سباحة، ولكنه كان يريد السفر. إنه يملك مزرعتين الآن، وكان يفكر في شراء مزرعة ثالثة. وفي اللحظة التي طرقت فيها بابه كان يحسب حسبته. من ناحية لم يكن يستطيع شراءها، ومن ناحية أخرى لم يكن يستطيع ألا يمتلكها.

في أثناء حوارنا هذا كنا نسير ذهابًا وإيابًا عبر صفوف الذرة باحثين عن الحجر. بحثنا في أرجاء الحقل ولم يكن موجودًا. قال: إن جانب الحقل بالطبع آنذاك ليس بالضرورة هو نفس جانب الحقل اليوم. لكن الحقيقة أنه ربما خلال زراعة الحقل بالذرة كان الحجر يقف في الطريق، فقرروا جره إلى مكان آخر. قال: إن بوسعنا الذهاب إلى كومة الأحجار الموجودة بالقرب من الطريق لنرى ما إذا كنا سنتعرف عليه.

فقلت له: إننا يجب ألا نزعج أنفسنا بهذا؛ فأنا لست متأكدة من أنني سأتعرف عليه وسط أكوام من الحجارة.

فرد: «ولا أنا.» وكان صوته يحمل نبرة إحباط. سألت نفسي ما الذي كان يتوقع رؤيته، أو الإحساس به.

تساءلت عما أتوقع أنا نفسي أن أراه أو أُحس به.

لو كنت أصغر سنًّا، لتصورت قصة ما: كنت سأصرُّ أن السيد بلاك وقع في غرام إحدى عماتي، وأن إحدى عماتي — ليست بالضرورة من يحبها — تحبه. كنت سأتمنى أن يأتمنهن — أو يأتمن إحداهن — على أسراره، وعلى سبب قضاء حياته في كوخ بمقاطعة هورون، بعيدًا عن موطنه. ولاحقًا، كان يمكن أن أصدق أنه أراد ذلك، ولكنه لم يُسِرَّ لهن بهذا ولا بحبِّه. كنت سأعقد رابطة منطقية ومرعبة بين صمته وطريقة موته. الآن ما عدت أصدق أن أسرار الناس واضحة ويمكن تناقلها، ولا أن مشاعرهم متفتحة ويسهل اكتشافها؛ لا أصدق هذا. الآن أستطيع فقط أن أقول إن عماتي كُنَّ يفركن الأرضية بغسول القِلى، ويجمعن الشوفان، ويحلبن الأبقار بأيديهن. ولا بد أنهن قد أخذن لحافًا إلى الحظيرة ليموت عليه الرجل، ولا بد أنهن قد تركن الماء يقطر من الكوب الصفيح على فمه المعذَّب. هذه كانت حياتهن. قريبات أمي كن يتصرفن بشكل مختلف؛ كنَّ يتأنَّقْنَ، ويلتقطنَ الصور بعضهن لبعض، وينطلقن في رحلات. وكيفما كانت طريقة تصرفهن، فقد مُتْنَ جميعًا. أحمل شيئًا منهن داخلي في كل مكان أذهب إليه. لكن الجلمود قد اختفى، وقمة هيبرون اقتُطعت من أجل الحصى، والحياة التي دُفنت هنا هي حياة يجب أن تفكر مليًّا قبل أن تندم عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠