موسم الحَبَش

مهداة إلى جو رادفورد

عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، حصلت على وظيفة بحظيرة ديوك الحبش خلال موسم عيد الميلاد. كنت لا أزال صغيرة للغاية على العمل في متجر أو كنادلةٍ بدوام جزئي، وكنت أيضًا شديدة العصبية.

كنت مسئولة عن استخراج أحشاء ديوك الحبش، ولم أكن بمفردي؛ إذ كان من بين العمال الآخرين ليلي ومارجوري وجلاديس اللاتي كُنَّ يعملن أيضًا على استخراج الأحشاء، وأيرين وهنري المسئولان عن نتف ريش الدجاج، وهيرب آبوت كبير العمال الذي يشرف على العملية كلها ويتدخل في العمل كلما ظهرت الحاجة إليه. وكان مورجان إيليوت هو مالك الحظيرة وزعيمها، وكان مسئولًا مع ابنه مورجي عن عملية الذبح.

كنت أعرف مورجي منذ أيام المدرسة، وكنت أراه ساذجًا ومحط ازدراء، ولم أكن أرتاح لفكرة النظر إليه في هيئة جديدة وربما أعلى مقامًا، باعتباره ابن مالك الحظيرة. لكن أباه كان يعامله بقسوة شديدة؛ فكان يصرخ فيه ويسبَّه، لدرجة أنه لم يكن أفضل حالًا من أدنى عامل بالحظيرة. أما الشخص الآخر الذي يمت بصلة قرابة لمورجان، فكانت جلاديس شقيقته. كان هناك بعض الامتيازات المتعلقة بوضعها فيما يبدو؛ إذ كانت بطيئة في العمل ومسموحًا لها بالعودة إلى البيت لنَيْل قسط من الراحة في حالة شعورها بالتعب. لم تكن جلاديس تعامل ليلي ومارجوري معاملة ودودة، رغم أنها كانت تعاملني معاملة طيبة بعض الشيء. كانت وقتئذٍ قد عادت لتعيش مع مورجان وعائلته بعد عملها سنوات عديدة بأحد البنوك في تورونتو، بَيْدَ أن عملها في الحظيرة لم يكن من نوع العمل الذي اعتادت عليه. وذكرت ليلي ومارجوري — وهما تتحدثان عنها في غيابها — أنها قد أصيبت بانهيار عصبي، وأن مورجان أجبرها على العمل في حظيرة الحبش مقابل تعهده برعايتها. قالتا أيضًا — دون أن تكترثا بالتناقض في كلامهما — إنها قد قبلت العمل لأنها كانت تسعى وراء أحد الرجال، وهو هيرب آبوت.

كل ما كنت أستطيع رؤيته عندما أغمض عينيَّ — خلال الليالي القليلة الأولى من عملي في الحظيرة — هو ديوك الحبش. كنت أراها معلقة من أرجلها، منتوفة الريش، متيبسة شاحبة باردة، برءوسها ورقابها المرتخية وعيونها ومناخرها التي يملؤها الدم الأسود المتجلط. وبدا التخلص من بقايا الريش — السوداء والملطخة بالدماء أيضًا — وكأنه أهم المراحل على الإطلاق؛ لم أكن أنظر إليها باشمئزاز، بل يراودني شعور بأنه عمل لا نهاية له ولا بد من إتمامه.

علَّمني هيرب آبوت مهام وظيفتي في الحظيرة؛ عليكِ أن تضعي الديك على المنضدة وتقطعي رأسه بالساطور، ثم تأخذي الجلد الرخو المحيط بالرقبة وتنزعيه باتجاه الخلف لتظهر الحوصلة الموجودة في الشق بين المريء والقصبة الهوائية.

قال هيرب مشجعًا: «تحسسي الحصوات.» وجعلني أضم أصابعي حول الحوصلة، ثم علَّمني كيف أحرك يدي إلى الأسفل خلفها لأنتزعها، وكذلك المريء والقصبة الهوائية. كان يستخدم مقصًّا لقطع الفقرات.

قال بنبرة تبعث على تهدئتي: «اضغطي، اضغطي. الآن أدخِلي يدك.»

فعلت ما قال، وكان الجزء الداخلي المعتم باردًا للغاية.

«احذري من شظايا العظام.»

كنت أعمل بحذر لا أرى شيئًا، وكان عليَّ تفكيك الأنسجة الضامة.

«هيا.» قلَب هيرب الطائر ولوى كل ساق. «والآن حان وقت الاحتفال.» أخذ سكينًا ثقيلًا ونزل به مباشرة على الوصلات المفصلية لركبة الديك وقطع رجله.

«ألقِ نظرة على تلك الديدان.»

تدلَّت من الرِّجْل خيوط شديدة البياض تتلوى كأنها ديدان.

«ليس هذا سوى انكماش الأوتار. والآن ستبدأ الإثارة!»

شق الطائر عند نهاية مؤخرته، وخرجت رائحة عفنة.

«هل أنتِ متعلمة؟»

لم أعلم بمَ أردُّ.

«ما هذه الرائحة؟»

«كبريتيد الهيدروجين.»

قال هيرب متنهدًا: «متعلمة. حسنًا. استخدمي أصابعك وافصلي الأحشاء. على مهل. على مهل. ضمي أصابعك معًا، وحافظي على راحة اليد للداخل. تشعرين بالضلوع على ظهر يدك. تشعرين بالأحشاء في راحة يدك. هل تشعرين بها؟ استمري. قطِّعي ما تستطيعين من الأوتار. استمري. هل تشعرين بكتلة صُلبة؟ إنها القانصة. هل تشعرين بكتلة رخوة؟ إنه القلب. حسنًا؟ حسنًا. ضُمِّي أصابعك حول القانصة. على مهل. ابدئي الشد. حسنًا. أخرجيها.»

لم يكن الأمر سهلًا على الإطلاق، بل لم أكن متأكدة أن ما أمسكه هو القانصة. كانت يدي ممتلئة بكتلة رخوة باردة.

قال لي: «اسحبي.» واستخرجت كتلة لامعة تشبه الكبد.

«ها قد حصلتِ عليها. إنهما الرئتان. ها هو القلب. وها هي القانصة. وها هي المرارة. الآن، لا تفتحي هذه المرارة أبدًا داخل الديك وإلا أفسدتِ مذاقه كله.» استخرَج ببراعةٍ من الديك ما فاتني استخراجه، بما في ذلك الخصيتان، اللتان كانتا أشبه بعنقودَين من العنب الأبيض.

قال هيرب: «قرطٌ بديع.»

كان هيرب آبوت طويل القامة ممتلئ الجسد قويًّا. وكان شعره داكنًا خفيفًا، ومشدودًا للوراء بدايةً من بروز شعره وسط جبهته على شكل رقم ٧، وبدت عيناه مسحوبتين بعض الشيء، فكان أشبه بصيني شاحب الوجه أو أشبه بإحدى صور الشيطان، لكنه كان أملس الوجه لطيفًا. وأيًّا كانت وظيفته في حظيرة الحبش — سواء استخراج الأحشاء كما يفعل الآن، أو تعبئة عربة النقل، أو تعليق الذبائح — فقد كان يؤديها بكفاءة وسرعة وخفَّة. قالت مارجوري: «ستلاحظين في هيرب أنه دائمًا يمشي وكأن قاربًا يتحرك أسفله.» وكانت محقة. كان هيرب يعمل طاهيًا على قوارب البحيرة خلال الموسم، ثم يعمل لدى مورجان حتى بعد عيد الميلاد. وخلال باقي الوقت كان يساعد في صالة البلياردو، فيعد الهمبورجر، وينظِّف المكان، ويَحُول دون وقوع النزاعات قبل أن تبدأ، وكان يعيش في هذا المكان، حيث يملك غرفة فوق صالة البلياردو تطل على الشارع الرئيسي.

في جميع العمليات التي تتم في حظيرة الحبش، بدا هيرب الوحيد الذي يلقي بالًا للكفاءة وشرف المهنة دائمًا. وكان هو الذي يسيطر على مجريات جميع الأمور. عندما تراه في الفناء يتحدث مع مورجان — الذي كان قصير القامة سمينًا متورد الوجه متنمِّرًا على نحوٍ يصعب توقُّعه — تتيقَّن أن هيرب هو السيد ومورجان المساعد المأجور، لكن لم يكن الوضع كذلك.

لو لم يعلمني هيرب بنفسه، أظن أنني لم أكن لأتعلم استخراج أحشاء الحبش على الإطلاق. لم أكن أتقن استخدام يديَّ بصفة عامة، وشعرت بالخزي مرات كثيرة بسبب ذلك، حتى إن أقل أمارات نفاد الصبر من جانب الشخص الذي يعلمني كانت يمكن أن تسبب لي شللًا ارتجافيًّا؛ ولذا لم أكن أُطيق أن يراقبني أحد سوى هيرب. وبصفة خاصة، لم أكن أطيق أن تراقبني ليلي ومارجوري، الشقيقتان اللتان بلغتا منتصف العمر، واللتان كانتا سريعتين للغاية وتتنافسان في استخراج الأحشاء بدقة. كانتا تغنِّيان أثناء العمل، وتتفوَّهان بعبارات بذيئة حميمية إلى ذبائح الحبش.

«لا تجرحني أيها الشاذُّ!»

«ألم تكن مستودعًا للغائط فيما مضى؟!»

لم أكن قد سمعت قط امرأة تتحدث هكذا.

لم تكن جلاديس سريعة في استخراج الأحشاء، لكنها كانت دقيقة حتمًا، وإلا لتغيرت طريقة هيرب في الحديث معها. لم تغنِّ قط، وبالتأكيد لم تكن تتفوه بكلام بذيء. فكرت في أنها متقدمة في العمر، لكن ليس كليلي ومارجوري. لا بد وأنها تخطت الثلاثين. بدت مستاءة من كل ما يحدث، وكانت تحتفظ بالكثير من أحكامها المريرة لنفسها. لم أحاول قط التحدث إليها، لكنها تحدثت معي ذات يوم في المرحاض الصغير البارد خارج الحظيرة. كانت تُكثر من مساحيق الزينة على وجهها، وكان لون مساحيق الزينة مختلفًا جدًّا عن لون بشرتها، حتى بدت وكأنها قذفت طلاءً برتقاليًّا فوق جدار مليء بالنتوءات مدهون بطلاء أبيض.

سألتني ما إذا كان شعري مجعدًا بطبيعته.

قلت نعم.

«ألا تستخدمين مثبِّتًا؟»

«لا.»

«أنتِ محظوظة؛ فأنا أُضطَر إلى تصفيف شعري كل ليلة؛ فالمواد الكيميائية في جسمي لا تتيح لي استخدام مثبِّتٍ للشعر.»

ثَمَّةَ طرق مختلفة تتحدث بها النساء عن مظهرهنَّ. البعض يقلن إنهن يعتنين بأنفسهن من أجل الرجال. وأخريات — مثل جلاديس — يعتبرن ذلك جزءًا من مهام البيت التي يفتخرن بصعوبة أدائها. كانت جلاديس أنيقة. أستطيع تخيلها في البنك في ثوب أزرق ذي ياقة بيضاء قابلة للخلع لغسلها ليلًا. أتخيلها أيضًا غاضبة ولكن فيما يتفق مع الآداب العامة.

في يوم آخر، تحدثت معي عن دورتها الشهرية التي كانت غزيرة ومؤلمة، وسألتني عن دورتي. تبدَّت على وجهها تعبيرات عدم الارتياح، والحرج، والاضطراب. أنقذتني أيرين التي تصادف وجودها في دورة المياة حينها، وصاحت: «افعلي مثلي، وستتخلصين من كل مشاكلك فترةً من الوقت.» كانت أيرين تكبرني ببضعة أعوام، لكنها تزوجت مؤخرًا — وفي سن متأخرة — وكانت في الأشهر الأخيرة من حملها.

تجاهلتها جلاديس، وتركت الماء البارد ينساب على يديها. كانت أيادينا جميعًا حمراء ملتهبة من العمل. قالت جلاديس: «لا أستطيع استخدام هذا الصابون. لو استخدمته، فسيصيبني بالطفح الجلدي. ولو أحضرت الصابون الخاص بي هنا، فلن أتحمل تكلفة استخدام الآخرين له؛ لأنني أدفع ثمنًا باهظًا في شرائه؛ إنه صابون خاص مضاد للحساسية.»

أعتقد أن الفكرة التي طرحتها ليلي ومارجوري — بخصوص سعي جلاديس وراء هيرب آبوت — نبعت من اعتقادهما بأنه لا بد من مضايقة العزباوات وإحراجهن كلما أمكن ذلك، وأيضًا من اهتمامهما بهيرب، الذي دفعهما إلى الشعور بأنه لا بد وأن يكون مطارَدًا من قِبل إحدى النساء. كانتا تسألان عنه، ومن بين أسئلتهما: كيف يمكن لرجل أن يكون زاهدًا هكذا؟ لا زوجة، ولا عائلة، ولا بيت. كانت تفاصيل حياته اليومية وأدق تفضيلاته محط اهتمامهما. أين ترعرع؟ إلى أي مرحلة وصل في تعليمه؟ أين حبيبته؟ هل سيشرب القهوة أم الشاي لو خُيِّر بينهما؟

عندما كانتا تتحدثان عن سعي جلاديس خلفه، لا بد وأنهما كانتا تريدان حقًّا التحدث عن الجنس — ما يريده وما لديه ليعطيه. لا بد وأنهما شعرتا بفضول شهواني تجاهه، مثلما حدث معي. لقد أثار لدينا هذا الإحساس بسبب تحفظه، وعدم المزاح كغيره من الرجال، وفي نفس الوقت بسبب عدم إفراطه في الاحتشام أو التأدب. بعض الرجال — أثناء استخراج الخصيتين من ديك الحبش أمامي — إما أن يتصرَّفوا كما لو كان وجود الخصيتين مزحة سخيفة بعض الشيء يمارسونها عليَّ، أو شيئًا يوفر سببًا للسخرية من فتاة مثلي؛ بينما هناك نوع آخر من الرجال ربما يشعر بالحرج وبضرورة رفع الحرج عني؛ ولذا فإن رجلًا لا ينتمي لهذا النوع أو ذاك كان مثيرًا للفضول في نظري، وربما في نظر النساء الأكبر مني سنًّا. لكن الأمر الذي كان محل ترحيب كبير لديَّ كان في الوقت نفسه مزعجًا لزميلتيَّ. لقد أرادتا أن تحفزاه؛ بل وأن تحفزه جلاديس إن استطاعت.

لم تكن هناك أية فكرة وقتئذٍ — على الأقل في لوجان بأونتاريو في نهاية الأربعينيات — بوجود الجنسية المثلية إلا في أضيق الحدود. كانت النساء يعتقدن في ندرتها واقتصارها على نطاقات معينة. كان هناك شواذ نعرفهم في المدينة، شخص أنيق أجعد الشعر هادئ الصوت يعمل في تركيب أوراق الحائط ويسمي نفسه مصمم ديكور داخلي؛ والابن الوحيد المدلل والسمين لأرملة القس، الذي وصل به الأمر إلى حد الاشتراك في مسابقات الخَبز، فضلًا عن حياكته مفرش مائدة باستخدام الكروشيه؛ وعازف الأرغن بالكنيسة المصاب بالوسواس المرضي الذي يعمل مدرس موسيقى، والذي كان يجعل أفراد الجوقة الموسيقية وتلاميذه يتبعونه في نوبات غضب يغلب عليها الصراخ. ما إن يُشتَهر أحد باللقب حتى ينال قدرًا كبيرًا من التساهل من جانب الآخرين، وتصبح موهبته سواء في التصميم أو الكروشيه أو الموسيقى محط تقدير، خصوصًا من جانب النساء اللائي يقلن: «المسكين. إنه لا يؤذي أحدًا.» على ما يبدو كان الناس يعتقدون — أو هكذا كانت النساء — أن الولع بالخَبز أو الموسيقى هو العامل المحدد لأن يكون المرء شاذًّا، وأن هذا النشاط هو ما يجعله كذلك، وليس أي منعطفات أخرى قد يسلكها أو يتمنى أن يسلكها. كانت الرغبة في عزف الكمان تؤخذ دليلًا على الانحراف عن السلوك الرجولي لا كرغبة في اجتناب النساء. والحقيقة أن الفكرة السائدة كانت أن أي رجل يتمتع بالرجولة يجتنب النساء، لكن اكتُشِف أمر معظمهم وإلى الأبد.

لا أريد أن أخوض في مسألة ما إذا كان هيرب شاذًّا أم لا؛ لأن تحديد ذلك أمر لا يهمني. أعتقد أنه ربما كان كذلك، لكن قد لا يكون. (لن أغير اعتقادي هذا حتى بالنظر إلى ما حدث لاحقًا.) هيرب ليس باللغز الذي يُحَلُّ اعتباطيًّا.

•••

كان العامل الآخر — الذي يعمل مع أيرين في نتف الريش — أحد جيراننا ويُدعى هنري ستريتس. لم يكن هناك ما يميِّزه باستثناء أنه في السادسة والثمانين من العمر ولا يزال شعلة نشاط في عمله — حسب وصفه لنفسه. كان يضع الويسكي في الوعاء الحافظ للبرودة، ويحتسي منه من وقت إلى آخر على مدار اليوم. هنري هو من قال لي في مطبخنا: «يمكنك الحصول على وظيفة في حظيرة الحبش؛ فهم يريدون شخصًا آخر يقوم على استخراج الأحشاء.» قال أبي فورًا: «دعك منها يا هنري، فأصابعها كلها قصيرة.» وقال هنري إنه كان يمزح؛ إذ كان يراه عملًا مقزِّزًا. لكنني كنت قد قررت بالفعل خوض التجربة؛ إذ كنت في أمسِّ الحاجة للنجاح في عمل كهذا. كدت أشعر في ذلك الحين بنفس شعور شخص يافع يخجل من أنه لم يتعلم القراءة؛ هكذا كان شعوري حيال عجزي عن إتقان الأعمال اليدوية. وكان العمل — بالنسبة إلى جميع من أعرفهم — يعني أداء المهام التي لم أكن أُجيدها، وكان العمل هو ما يفتخر به الناس ويقيِّم بعضهم بعضًا عليه. (من المنطقي أن تكون الأعمال التي أجيدها — مثل واجبات المدرسة — محل ظنون، أو يُنظر إليها بازدراء تام.) لذا كان مفاجأةً وانتصارًا لي فيما بعد ألا أُفصل من العمل، وأن أستطيع تنظيف الديوك نظافة لا بأس بها. لا أعلم ما إذا كنت أدرك تمامًا مدى مسئولية هيرب آبوت عن هذا، لكنه كان يقول أحيانًا: «أحسنتِ.» أو يربت على خصري ويقول: «أنتِ تُبلين بلاءً حسنًا في هذا العمل.» وعندما أشعر بلمسته الرقيقة والسريعة فوق سترتي الثقيلة وثوبي الملطخ بالدماء، كانت وجنتاي تتوردان وأود أن أميل نحوه وهو يقف ورائي. أردت أن أريح رأسي على كتفه الممتلئة العريضة. وعندما أخلد للفراش في المساء، وأرقد على جانبي، كنت أحرك وجنتي على الوسادة وأتخيلها كتف هيرب.

كنت مهتمة بطريقة حديثه مع جلاديس، والطريقة التي ينظر بها إليها. لم يكن اهتمامي بدافع الغَيرة. أعتقد أنني أردت أن يحدث شيء بينهما. كنت أرتعد في ترقب فضولي، مثلما كانت ليلي ومارجوري تفعلان. كلنا أردنا رؤية بصيص الشَبَق في عينيه، وسماعها في صوته، ليس من منطلق ظننا أن هذا سيجعله يبدو كغيره من الرجال، لكن لأننا كنا نعرف أن الأمر معه سيكون مختلفًا تمامًا؛ فقد كان أكثر عطفًا وصبرًا من معظم النساء، وفي الوقت نفسه جادًّا وانعزاليًّا — في بعض النواحي — كأي رجل. أردنا أن نرى كيف يكون تحريك مشاعره.

لم تُبْدِ جلاديس أي أمارة على أنها تريد ذلك هي الأخرى، حتى وإن كانت هذه هي حالها. من المستحيل أن أقول عن النساء مثلها إن كنَّ متبلدات الإحساس فاترات العاطفة كما يبدو عليهن، لا يردن شيئًا سوى مناسبة تثير غضبهن وتُشعرهن بالامتهان، أو كنَّ يكتوين بنيران الكآبة والولع الذي لا طائل منه.

تحدثت مارجوري وليلي عن الزواج. لم يكن لديهما الكثير لتقولاه بهذا الشأن، رغم إحساسهما بأنه حالة لا يجب السماح لأي أحد بالابتعاد عنها. قالت مارجوري إنه بعد زواجها بفترة قصيرة ذهبت إلى كوخ تخزين الحطب بنيَّة تناول مركب «أخضر باريس» السام.

قالت: «كنت سأفعلها، لكن جاء البائع بسيارة الخضراوات والفاكهة، وكان عليَّ الخروج لأبتاع منه. حدث هذا عندما كنا نعيش في المزرعة.»

كان زوجها يعاملها بقسوة في تلك الأيام، لكنه تعرض لحادث فيما بعد — حيث انقلب به الجرار وأصيب إصابة بالغة أعجزته طيلة حياته. انتقلا إلى المدينة، وأصبحت مارجوري عائل البيت.

«في إحدى الليالي مؤخرًا، قطَّب جبينه وقال إنه لا يريد تناول العشاء. رفعت رسغ يده وأحكمت قبضتي عليها. كان مذعورًا من أنني سألوي ذراعه. كان يعرف أني قد أفعل ذلك. لهذا قلت: «ما رأيك؟» فردَّ: «سآكله».»

تحدثتا أيضًا عن أبيهما. كان رجلًا تقليديًّا. كانت لديه مشنقة في كوخ الحطب (ليس الكوخ الذي يحتوي على مركب «أخضر باريس»، بل كوخ آخر في مزرعة أخرى فيما مضى)، وعندما كانتا تثيران غضبه، كان يوقفهما صفًّا ويهدد بشنقهما. كانت ليلي — أصغرهما — ترتعد خوفًا إلى أن تقع أرضًا. ذلك الأب خطَّط لتزويج مارجوري لأحد أصدقائه المقربين وهي في السادسة عشرة فقط من عمرها، وهو نفس الزوج الذي دفعها إلى محاولة الانتحار بتناول السم. فعل أبوها ذلك لأنه أراد أن يطمئن إلى أنها لن تتورط في المتاعب.

قالت ليلي: «كان سريع الغضب.»

أحسستُ بالذعر، وسألتُ: «لماذا لم تهربي؟»

فردت مارجوري: «كان كلمته سيف.»

قالتا إن الآية قد انقلبت هذه الأيام والأبناء هم المسيطرون على مجرى الأمور. يجب أن تكون كلمة الأب سيفًا. لقد ربَّتا أبناءهما تربية صارمة، ولم يسلك أحدهم سلوكًا مشينًا إلى الآن؛ فعندما يبلل ابن مارجوري الفراش، كانت تهدده بقطع خصيتيه بسكين الجزار، وهو ما كان كفيلًا بعلاجه.

قالتا إن تسعين بالمائة من الفتيات الصغيرات هذه الأيام يحتسين الكحول، ويقلن كلامًا بذيئًا، ويرضين بالمهانة. لو كانتا قد أنجبتا بنات وضَبَطتاهنَّ يفعلن شيئًا مماثلًا، لضربتاهن ضربًا مبرحًا. قالتا إن أيرين اعتادت الذهاب إلى مباريات الهوكي مرتدية سروال تزلج مقطوعًا دون ارتداء ملابس تحتية، ليناسبها في التزلج فيما بعد. يا للهول!

أردت أن ألفت نظريهما إلى بعض التناقضات؛ فمارجوري وليلي نفساهما تحتسيان الكحول وتتلفظان ببذيء الكلام، ثم ما الرائع في الإرادة الحديدية لأب يورطك في حياة ملؤها الشقاء؟ (ما لم أرَه هو أن مارجوري وليلي لم تكونا تعيستين بالمرة — لا يمكنهما ذلك؛ بسبب إحساسهما بالأهمية، وبسبب كبريائهما وأناقتهما.) كان يمكن أن أشتاط غضبًا وقتئذٍ من غياب المنطق في حديث معظم البالغين؛ في طريقة تشبُّثهم برأيهم مهما كان الدليل الذي يُقدَّم لهم. كيف يمكن أن تكون المرأتان على هذا القدر من الموهبة، وهذا المستوى العالي من الدقة والبراعة — حيث عرفت أنهما كان بإمكانهما إتقان عشرات الأعمال الأخرى بقدر إجادتهما استخراج الأحشاء؛ ومن بينها صنع الألحفة، ورفء الملابس، والطلاء، وتعليق أوراق الحائط، والعجن، وغرس الشتلات — ويكون تفكيرهما عشوائيًّا وأخرق ومثيرًا للغضب هكذا؟!

قالت ليلي إنها لا تترك زوجها يقترب منها مطلقًا لو كان مخمورًا. وقالت مارجوري إنه منذ المرة التي كادت تموت فيها بسبب النزيف لم تسمح لزوجها بالاقتراب منها قط. وسرعان ما قالت ليلي إن زوجها لا يُقدم على ذلك إلا عندما يكون مخمورًا. استشففت أنها مسألة كبرياء ألا تسمح المرأة لزوجها بالاقتراب منها، لكني لم أتيقن من أن «الاقتراب» يعني «ممارسة العلاقة الحميمية». بدت لي فكرة السعي وراء مارجوري وليلي من أجل سبب كهذا فكرة منفِّرة؛ فأسنانهما كريهة المنظر، وبطناهما مترهلان، ووجهاهما باهتان مليئان بالبقع. قررت أن آخذ «الاقتراب» بمعناه الحرفي.

•••

يتسم الأسبوعان اللذان يسبقان عيد الميلاد بسرعة الإيقاع في حظيرة الحبش. بدأت أذهب إلى الحظيرة مدة ساعة قبل المدرسة، وكذلك بعد المدرسة، وخلال عطلات نهاية الأسبوع. في الصباح، عندما كنت أسير متجهة إلى العمل، كنت أجد أضواء الشارع لا تزال مضاءة والنجوم ساطعة في السماء. كانت حظيرة الحبش تقع على حدود أحد الحقول، وخلفها صف من أشجار الصنوبر الضخمة، ودائمًا — مهما كان الجو باردًا وخاليًا من الرياح — كانت هذه الأشجار سامقة تمد فروعها ويُسمع حفيفها. وبينما أنا في طريقي إلى الحظيرة لأقضيَ ساعة في استخراج أحشاء الديوك، كان مستبعدًا أن يساورني الأمل في الغد أو ينتابني الشعور بغموض الكون التام الذي لا سبيل إلى فهمه، لكني أحسست بهما. وكان لهيرب علاقة بهذا، وكذلك موجة الطقس البارد — تلك السلسلة من الصباحات الصافية القاسية. الحقيقة أنه لم يكن من الصعب استحضار تلك المشاعر وقتذاك. كنت أستطيع الشعور بها، لكني لم أكن أعرف كيف يمكن ربطها بأي شيء في عالم الواقع.

ذات صباح في حظيرة الحبش، جاءنا عامل جديد للعمل في استخراج الأحشاء. كان فتًى في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من العمر، وكان غريبًا عن المكان واسمه براين. بدا على صلة قرابة — أو ربما علاقة صداقة — مع هيرب آبوت؛ إذ كان يقيم معه. كان يعمل على متن قارب في البحيرة الصيف الماضي، لكنه قال إنه ملَّ هذا العمل وتركه.

قال: «تلك القوارب اللعينة! لقد سئمتها.»

كانت اللغة المستخدمة في حظيرة الحبش فظَّة متحررة، لكننا لم نكن قد سمعنا بالصفة التي استخدمها براين قط. ولم يبدُ استخدام براين لها من باب الإهمال بل التباهي ومزج السباب بالإثارة. ربما كان مظهره العام هو ما جعلها تبدو هكذا. كان يتمتع بمظهر جذاب: شعر ناعم، وعينان زرقاوان فاتحتان، وبشرة متورِّدة، وجسد متناسق القوام — ذلك النوع من الوسامة الذي لا يختلف عليه اثنان. لكن استحوذ عليه انطباع لا سبيل إلى ترويضه جعله لا يستطيع منع نفسه من تحول جميع مميزاته لتكون محطَّ سخرية؛ إذ بدا فمه وكأنه مبلل، وكاد يكون مفتوحًا معظم الوقت، وكانت عيناه شبه مغلقتين، وتعبيرات وجهه تحمل نظرة شبق مشجعة، وحركاته متثاقلة ومبالغ فيها ومغرية. ربما لو وقف على مسرح أمام ميكروفون وجيتار، وأُعطيَ الفرصة لينخر ويصرخ ويتلوى ويثور، لبدا كمقدمي الحفلات. لكن في ظل غياب المسرح، لم يكن براين مقنعًا. بعد فترة بدا كما لو كان مصابًا بحالة مستعصية من الفواق جعلت شبقه الملحَّ رتيبًا وعديم المعنى.

لو خفف شبقه قليلًا، ربما استمتعت مارجوري وليلي به. كان بوسعهما أن يستمرَّا في لَهْوِهِما بإخباره أن يغلق فمه القذر وأن يُبعِد يديه، لكن ما حدث أنهما قالتا إنهما قد سئمتا منه، وكانتا جادَّتين. ذات مرة سحبت مارجوري السكين الذي تستخدمه في استخراج الأحشاء، وقالت: «ابقَ بعيدًا … عني وعن شقيقتي وعن تلك الفتاة.»

لم تطلب منه أن يبقى بعيدًا عن جلاديس؛ لأن جلاديس لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وربما لم تكن مارجوري تشعر بالرغبة في حمايتها على أية حال. كان براين يخصُّ جلاديس بأكبر قدر من المضايقة. كانت تُلقي سكينها، وتدخل إلى دورة المياه، وتبقى هناك عشر دقائق ثم تخرج بوجه خالٍ من المشاعر. لم تَعُدْ تقول إنها سئمت وتعود إلى منزلها، مثلما اعتادت أن تفعل. وقالت مارجوري إن مورجان قد استشاط غضبًا من جلاديس لكونها عالة، وأنها لم تَعُدْ تتحمل تبعات ذلك.

أخبرتني جلاديس: «لا أستطيع تحمُّل ما يحدث. لا أطيق حديث الناس عن هذا الأمر وذلك النوع من الإيحاءات. هذا يثير اشمئزازي.»

صدَّقتها. بدت شاحبة للغاية. لكن لماذا لم تشْكُ لمورجان؟ ربما لم تكن العلاقات بينهما على ما يُرام، وربما لم تستطع حمل نفسها على تكرار أو وصف مثل هذه الأمور. لماذا لم تشكُ إحدانا لهيرب على الأقل إن لم يكن لمورجان؟ لم أفكر في ذلك قط. بدا براين عبئًا يمكن تحمُّله، مثل البرودة القارصة داخل الحظيرة ورائحة الدم والفضلات. وعندما هددت مارجوري وليلي بالشكوى، كان تهديدهما متعلقًا بكسل براين.

لم يكن براين ماهرًا في عمله. قال إن يديه كبيرتان على استخراج الأحشاء، فأوكل له هيرب مهام الكنس والتنظيف، وتعبئة قلوب الديوك وأكبادها، والمساعدة في تحميل الشاحنة. معنى ذلك أنه لم يكن مضطرًّا إلى البقاء في مكان بعينه أو أداء عمل معين في وقت محدد؛ ومن ثم فإنه لم يكن يفعل شيئًا معظم الوقت. كان يبدأ بالكنس، ثم ينتقل إلى مسح المناضد، ثم يدخِّن سيجارة، ويتسكع حول المنضدة يضايقنا إلى أن يناديه هيرب ليساعده في تحميل الشاحنة. كان هيرب مشغولًا جدًّا في مثل هذه الفترة يقضي الكثير من الوقت في توصيل الطلبات؛ ومن ثَمَّ كان واردًا ألا يعلم شيئًا عن تراخي براين في العمل.

قالت مارجوري: «لا أعلم لماذا لا يطردك هيرب. أظن أنه لا يريدك أن تصبح عالة عليه، بلا مكان يأويك.»

قال براين: «أعرف مكانًا يأويني.»

قالت مارجوري: «أغلق فمك القذر. أشفق على هيرب لأنه يتحمل عبئك.»

•••

في آخر أيام الدراسة قبل عيد الميلاد، خرجنا مبكرًا في الظهيرة. عدت للمنزل وبدَّلت ثيابي، واتجهت للعمل نحو الساعة الثالثة. لم أجد أحدًا يعمل. كان الجميع داخل سقيفة استخراج الأحشاء، حيث كان مورجان إيليوت يلوِّح بساطور فوق المنضدة ويصيح. لم أستطع تمييز سبب صياحه، وظننت أن أحدًا قد ارتكب خطأً فادحًا في عمله. ربما كنت أنا المخطئة. بعدها رأيت براين على الجانب الآخر من المنضدة، يبدو شديد التجهم والدُنُوِّ، وكان يقف بعيدًا. لم تكن نظرة الشبق قد فارقت وجهه تمامًا، لكنها خفت حدتها وامتزجت بانفعال مشوب بالعجز وبشيء من الخوف. ظننت أن اللحظة قد حانت؛ سيُطرد براين بسبب وضاعته وتكاسله. ما زلت أفكر أن هذا ما سيحدث حتى وأنا أميِّز كلمات مورجان: «منحرف» و«دنس» و«مخبول». كانت مارجوري وليلي، وحتى أيرين صفيقة الوجه، يقفن وقد ارتسمت على وجوههن نظرة بؤس، كالتي ترتسم على وجوه الأطفال عندما يتعرَّض أحدهم لتوبيخ قاسٍ في المدرسة. وحده هنري العجوز هو من بدا قادرًا على إبداء ابتسامة عريضة حذرة على وجهه. لم أرَ جلاديس في المكان. كان هيرب يقف قريبًا من مورجان أكثر من أي شخص آخر. لم يتدخل، لكنه كان يحدق إلى الساطور. كان مورجي ينتحب، رغم أنه لم يبدُ معرَّضًا لأي خطر مباشر.

كان مورجان يصرخ في براين كي يخرج. صاح: «اخرج من هذه المدينة، أنا جاد فيما أقول، إياك أن تنتظر حتى الغد إذا كنت تخشى على نفسك! اخرج!» ثم لوَّح بالساطور في حركات درامية باتجاه الباب. تحرك براين، لكنه — عن قصد أو غير قصد — حرك مؤخرته في خيلاء واستهزاء، وهو ما جعل مورجان يستشيط غضبًا وينطلق في إثره ملوحًا بالساطور على نحوٍ متكلف. انطلق براين، وانطلق مورجان وراءه، بينما صرخت أيرين ووضعت يدها على بطنها. كان مورجان بدينًا لا يقوى على الجري، ولا على رمي الساطور لمسافة بعيدة. راقب هيرب ما يحدث من مكانه عند مدخل الباب، وسرعان ما عاد مورجان وهوى بالساطور على المنضدة.

صاح مورجان: «ليعد الجميع إلى العمل! كفوا عن هذه النظرات الحمقاء! أنتم لا تقبضون رواتبكم لتنظروا هكذا! ما الذي تنوون فعله؟» ورمق أيرين بنظرة غاضبة.

قالت أيرين بنبرة مهادنة: «لا شيء.»

«إذا كنتِ تنوين فعل شيء، فاخرجي من هنا.»

«لا أنوي شيئًا.»

«حسنًا!»

عدنا إلى العمل. خلع هيرب ثوبه الملطخ بالدماء وارتدى سترته ورحل، ربما ليتأكد من استعداد براين للرحيل في حافلة المساء. لم ينبس ببنت شفة. خرج مورجان وابنه إلى الفناء، وعاد هنري وأيرين إلى السقيفة المجاورة، حيث عملا على نتف الريش الذي وصل حتى ركبتيهما والذي كان من المفترض أن يتخلَّص منه براين.

قلت بنبرة هادئة: «أين جلاديس؟»

قالت مارجوري: «تسترد عافيتها.» تحدثت هي الأخرى بصوت خافت أكثر من المعتاد، ولم تكن عبارة «تسترد عافيتها» من الكلمات التي تستخدمها هي وليلي في العادة. استُخدمت العبارة لوصف حال جلاديس بنية الاستهزاء منها.

لم تريدا التحدث حول ما حدث؛ لأنهما كانتا تخشيان مجيء مورجان وضبطهما؛ مما سيتسبب في طردهما. كانتا تخشيان ذلك، رغم براعتهما في أداء العمل. فضلًا عن ذلك، فهما لم تشاهدا شيئًا. ولا بد أنهما منزعجتان لعدم مشاهدتهما ما حدث. كل ما علمته هو أن براين إما فعل لجلاديس شيئًا أو أراها شيئًا لدى خروجها من دورة المياه، فبدأت تصرخ ودخلت في نوبة هيستيرية.

قالتا إنها ربما تعاني الآن من انهيار عصبي آخر، وهو في طريقه للخروج من المدينة. أعربتا عن سعادتهما للتخلص من الاثنين.

•••

لديَّ صورة التُقطت لطاقم العمل بالحظيرة عشية عيد الميلاد. التُقطت الصورة باستخدام آلة تصوير وميضية كانت أحد مظاهر بذخ أحدهم في عيد الميلاد. أعتقد أنها كانت ملكًا لأيرين. لا بد أن هيرب آبوت هو من التقط الصورة؛ فهو الشخص الذي يمكن الوثوق به في معرفة أو تعلُّم كيفية تشغيل أي جهاز جديد فورًا، وآلات التصوير الوميضية كانت حديثة إلى حدٍّ ما في ذلك الوقت. التُقطت الصورة نحو الساعة العاشرة عشية عيد الميلاد، بعد أن عاد هيرب ومورجي من توصيل آخر طلب، وكنا قد نظفنا منضدة استخراج الأحشاء وكنسنا ومسحنا الأرضية الإسمنتية. خلعنا أثوابنا الملطَّخة بالدماء وستراتنا الثقيلة ودخلنا الغرفة الصغيرة المسماة بغرفة الغداء، حيث كان بها منضدة ومدفأة. كنا لا نزال نرتدي ثياب العمل: الأردية السروالية والقمصان. ارتدى الرجال قبعات والنساء أوشحة مربوطة على النحو نفسه الذي تُرتدى به وقت الحرب. أبدو في الصورة ممتلئة بعض الشيء ومبتهجة واجتماعية، وكأني تحولت إلى شخصية لا أذكر أنني كنت عليها أو أنني تظاهرت بها. أبدو أكبر سنًّا بكثير من الرابعة عشرة. أيرين الوحيدة التي خلعت وشاحها، لينسدل شعرها الأحمر الطويل. تظهر في الصورة بمظهر مغرٍ داعر مهادن، وهو ما قد يتناسب مع سمعتها، وإن كان لا يشبه أي مظهر أذكره لها. لا بد أن آلة التصوير كانت تخصها؛ فقد تعمدت اتخاذ وضعية خاصة من أجل الصورة أكثر من أي شخص آخر. كانت مارجوري وليلي تبتسمان، كعادتهما، لكن كانت ابتسامتهما باهتة. بَدَتَا — بشعرهما المستتر وجسديهما المتدثرين — أشبه بعاملَين صارمَين مرحَين، لكن سريعَا الغضب. لم يكن وشاحاهما مناسبين؛ ربما كانت القبعات مناسبة لهما أكثر. يبدو هنري منشرح الصدر، سعيدًا لكونه جزءًا من فريق العمل، يبتسم ابتسامة عريضة ويبدو أصغر من سنه بعشرين عامًا. وهذا مورجي، يطل من الصورة بنظرة بؤس، غير مؤمن بسخاء تلك المناسبة، بينما مورجان متورد الوجه تبدو عليه أمارات السيطرة والشعور بالرِّضَى. كان قد كافأ كلًّا منَّا للتوِّ بديك حبش. كانت جميع الديوك تفتقر إلى ساق أو جناح، أو كانت مشوهة بشكل من الأشكال؛ ومن ثَمَّ لم يكن يستطيع بيعها بالسعر المتعارف عليه. لكن مورجان حاول جاهدًا إقناعنا بأننا نحصل غالبًا على أفضل اللحم من الديوك المشوهة، وأرانا أنه أخذ واحدًا منها إلى بيته.

جميعنا نُمسك أكوابًا أو فناجين خزفية كبيرة، لا تحتوي على الشاي كالعادة، بل على ويسكي الجاودار. كان مورجان وهنري يحتسيان الويسكي منذ العشاء. قالت مارجوري وليلي إنهما لا تريدان سوى القليل، وإنهما تحتسيانه فقط لأن اليوم هو عشية عيد الميلاد، وإنهما متعبتان للغاية. قالت أيرين إنها متعبة أيضًا، ولكن هذا لا يعني أنها تريد القليل. لم يصُبَّ هيرب بسخاء لها فقط، بل لمارجوري وليلي كذلك، ولم تعترضا. صب الويسكي في كوبي وكوب مورجي في نفس الوقت بشُحٍّ شديد، وأضاف إليهما الكوكاكولا. كان هذا أول شراب أحتسيه في حياتي، ولذلك سأعتقد لسنوات أن الجاودار والكوكاكولا هو المشروب التقليدي الذي سوف أطلبه دومًا، إلى أن ألاحظ أن قلة من الأشخاص هم الذين يحتسونه، وأنه يُشعرني بالغثيان، مع أني لم أشعر بالغثيان في تلك الليلة؛ إذ لم يعطني هيرب الكثير. وباستثناء المذاق الغريب، وشعوري الخاص بما سيلي من تبعات، كان الأمر أشبه بشرب الكوكاكولا.

لا أحتاج إلى ظهور هيرب في الصورة كي أتذكر شكله، أقصد أنه لم يتغير شكله عما كان عليه طوال الوقت في الحظيرة وفي المرات القليلة التي رأيته فيها في الشارع، باستثناء مرة واحدة.

المرة الوحيدة التي بدا فيها مختلفًا إلى حدٍّ ما عما كان عليه عندما كان مورجان يكيل السباب لبراين، وعندما فرَّ براين على الطريق لاحقًا. كيف بدت تلك النظرة المختلفة؟ حاولت أن أتذكر لأني تأملتها بإمعان في ذلك الوقت. لم يكن مظهره مختلفًا كثيرًا؛ إذ بدا وجهه آنذاك أكثر تأثرًا وعبوسًا، ولو كان عليَّ وصف التعبير المرتسم عليه فسأقول إنه تعبير الخزي. لكن ما الذي يمكن أن يُشعره بالخزي؟ أيشعر بالخزي من براين بسبب تصرفاته؟ بالتأكيد كان الأوان قد تأخر على حدوث ذلك؛ فمنذ متى وبراين يتصرف على نحوٍ مختلف؟ أيشعر بالخزي من مورجان لانفعاله بحدة وتكلف هكذا؟ أم يشعر بالخزي من نفسه لأنه كان معروفًا بقدرته على حل النزاعات والمشاجرات من هذا النوع في مهدها ولم يستطع فعل ذلك هنا؟ هل يشعر بالخزي لأنه لم يدافع عن براين؟ هل توقع من نفسه فعل هذا؛ أعني الدفاع عن براين؟

هذا ما فكرت فيه آنذاك. فيما بعد، عندما عرفت أكثر — على الأقل عن الجنس — فكرت في أن براين كان عشيق هيرب، وأن جلاديس كانت تحاول فعلًا جذب انتباه هيرب، ولهذا السبب أهانها براين؛ سواء بتشجيع هيرب وموافقته أو دونهما. أليس صحيحًا أن الأشخاص المتحفظين الذين يبدو عليهم الوقار والهيبة — أمثال هيرب — يختارون دومًا شخصًا مثل براين، ويهدرون حبهم البائس على شخص أبله وفاسد أخلاقيًّا لا يتصف حتى بالشر أو الوحشية، لكنه مجرد مصدر إزعاج دائم؟ فكرت في أن هيرب، بكل رقته وحذره، كان ينتقم لنفسه منا جميعًا — ليس فقط من جلاديس ولكن منا جميعًا — عن طريق براين، وأن ما كان يشعر به عندما تأملت وجهه لا بد وأنه كان ازدراءً فظًّا مشوبًا بالنشوة. كان شعورًا بالحرج أيضًا؛ الحرج لبراين ولنفسه ولجلاديس، ولنا جميعًا إلى حدٍّ ما؛ إحساس بالخزي لنا جميعًا؛ هذا ما فكرت فيه وقتذاك.

رغم هذا، تراجعت عن هذا التفسير فيما بعد. لقد وصلت إلى مرحلة من التراجع عن الأشياء التي لم أستطع معرفة حقيقتها. يكفيني الآن أن أفكر في وجه هيرب بهذا المظهر الغريب المغموم، وأن أفكر في عبث براين في ظل الوقار الذي كان يميز هيرب، وأن أفكر في تركيزي الذي يشوبه الغموض على هيرب، واحتياجي إلى الإمساك به متلبِّسًا لو أُتيحت لي الفرصة، ثم التسلل إليه والبقاء قريبة منه. كم هي جذابة ومبهجة فكرة الارتباط الحميمي بشخص لن يُقبِل أبدًا على عرضها! ما زلت أستطيع الإحساس بجاذبية رجل كهذا، بجاذبية وعده بالمستقبل السعيد ورفضه لي. ما زلت أرغب في فهم الأمور دون اكتراث بالحقائق ولا بالنظريات.

عندما أنهيت شرابي أردت أن أقول شيئًا لهيرب. وقفت إلى جواره وانتظرت لحظة لا ينصت فيها هيرب لأحد أو يتحدث مع أحد، ويكون فيها حديث الآخرين على درجة من الصخب لا يُسمع معه ما سأقول.

«آسفة لاضطرار صديقك إلى الرحيل.»

«لا بأس.»

تحدث هيرب بنبرة ودودة لاهية؛ وهكذا لم يعطِني أي فرصة للاهتمام بحياته أو الحديث عنها. كان يعلم ما أفكر فيه. لا بد وأنه اختبر ذلك مسبقًا مع كثير من النساء. كان يعرف كيف يتعامل مع الأمر.

صبَّت ليلي لنفسها المزيد من الويسكي، وأخبرتنا كيف تنكرت هي وأعز صديقاتها (التي ماتت الآن بسبب مرض في الكبد) في زي رجال ذات مرة ودخلتا الركن المخصص للرجال في الحانة؛ ذلك الركن المكتوب فوقه «للرجال فقط» لأنهما أرادتا معرفة ما يحدث هناك. جلستا في أحد الأركان تحتسيان البيرة بأعين وآذان منتبهة، دون أن يشك أحد في أمرهما، لكن سرعان ما ظهرت مشكلة.

«إلى أين سنذهب؟ لو ذهبنا إلى الركن الآخر الخاص بالسيدات، ورآنا أي أحد ونحن نتجه إلى هناك، فسيصرخ فينا. ولو ظللنا في ركن الرجال فسيلاحظ أحدهم أننا لا نتصرف كالرجال. وفي نفس الوقت كان مفعول البيرة اللعينة يسري فينا!»

قالت مارجوري: «وهو ما لا تفعلينه في شبابك!»

قدَّم لي كثيرون النصح أنا ومورجي. نصحونا أن نستمتع بحياتنا ما دمنا نستطيع ذلك، وأن نبقى بعيدًا عن المشاكل. قالوا إنهم جميًعا مروا بمرحلة الشباب ويعرفونها جيدًا. وقال هيرب إننا طاقم عمل ماهر وإننا نقوم بمهامنا على أكمل وجه، وأضاف أنه لم يُرِدْ أن يقع في أي مشكلة مع أزواج أيٍّ من السيدات اللاتي يعملن في الحظيرة بسبب سهرهنَّ هنا حتى وقت متأخر. أعربت مارجوري وليلي عن لامبالاتهما تجاه زوجيهما، بينما قالت أيرين إنها تحب زوجها وأنكرت أنه جيء به من ديترويت رغمًا عنه ليتزوَّجها، بغض النظر عما كان يقوله الناس. قال هنري إن الحياة تكون هنيئة ما لم نضعف أمامها، وتمنَّى لنا مورجان عيد ميلاد سعيدًا.

عندما خرجنا من الحظيرة، كانت الثلوج تتساقط من السماء. قالت ليلي إن هذا الطقس أشبه ببطاقة معايدة، وقد كان حقًّا؛ فالثلوج تدور حول أضواء أعمدة الإنارة في المدينة، وحول المصابيح الملونة التي وضعها الناس خارج مداخل بيوتهم. أقلَّ مورجان كلًّا من هنري وأيرين إلى بيتهما بشاحنته بسبب تقدم سن هنري وحمل أيرين، واحتفالًا بعيد الميلاد. واتخذ مورجي طريقًا مختصرًا عبر الحقل، بينما رحل هيرب وحده مطأطئ الرأس ويداه في جيبيه، يتمايل قليلًا وكأنه على متن قارب. وعقدت مارجوري وليلي ذراعيهما بذراعي وكأننا أصدقاء قدامى.

قالت ليلي: «هيا نُغنِّ. ماذا تقترحان؟»

قالت مارجوري: ««نحن الملوك الثلاثة»؟ «نحن مستخرجات أحشاء الحبش الثلاثة»؟»

«ما رأيكن في أغنية «أحلم بعيد ميلاد ثلجي»؟»

«ولماذا تحلمين؟ ها قد تحقق!»

وهكذا غنَّينا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠