حافلة باردون

١

أتخيل نفسي فتاة عانسًا من جيل آخر. كانت عائلتي تحفل بالعوانس. فأنا أنتمي إلى عائلة يتسم أفرادها بالتحفظ والسرية الشديدة والعناد والحرص؛ وشأني شأنهم، كنت أستطيع أن أتدبر أمري بالقليل لفترة طويلة. هنا قطعة من الحرير الصيني مطوية في درج قد بليت من لمسها بأصابعي في الظلام. أو رسالة واحدة مدسوسة تحت ملابسي عذرية الطابع، لا حاجة قط لأن تُفتح أو تُقرأ؛ لأن كل كلمة تحويها محفوظة عن ظهر قلب، ومجرد لمسها لمسة واحدة ينقل كل ما فيها. وربما حتى لا يوجد شيء ملموس على الإطلاق، لا شيء سوى ذكرى كلمة غامضة، أو نبرة صوت حميمية عابرة، أو نظرة متفحصة يائسة. ذلك كفيل بإبقائي على قيد الحياة. أستطيع أن أتدبر أمري بما لا يزيد على ذلك، عامًا بعد عام بينما عكفت على تنظيف أسطال الحليب، وأسياخ الشوايات، واقتفيت أثر الأبقار بطول الطريق الوعر بين أشجار جار الماء وأزهار السوزان سوداء العين، وبسطت بدلات العمل النظيفة المبتلة لكي تجف على الحاجز، ومناشف الصحون على الشجيرات. تُرَى من سيكون الرجل؟ يمكن أن يكون أي شخص. لعله جندي لقي حتفه في معركة السوم، أو مزارع يعيش على الطريق له زوجة سليطة اللسان وعصبة من الأطفال؛ ربما أنه صبي ذهب إلى ساسكاتشوان ووعد أن يراسلني لكنه لم يفِ بوعده قط، أو لعله الواعظ الذي يوقظني كل أحد بالوعيد والثبور وعظائم الأمور. هويته ليست مهمة. فبإمكاني أن أتعلق بأيٍّ منهم، سرًّا. سر يدوم ما دامت الحياة، حلم يمتد طول العمر. يمكنني أن أنشد في المطبخ وأنا أجلي الفرن وأمسح زجاجات مصابيح الجاز، وأصب ماءً للشاي من سطل الشرب، حيث الرائحة الكريهة بعض الشيء للصفيح المغسول، والخِرَق الرثة المهلهلة لأغراض الفرك والدعك. في الدور العلوي يستقر سريري بمقدمته العالية، وغطائه المشغول يدويًّا، والمُلاءات القطنية القاسية بأريجها المألوف، وقارورة الماء الساخن التي تخفف من الشد العضلي الذي ينتابني أو التي أقبض عليها بإحكام بين ساقيَّ. هنالك أعود مرارًا وتكرارًا إلى قلب عالمي الخيالي، إلى تلك اللحظة التي يطلق الإنسان لنفسه العنان، ويسلم نفسه كليًّا إلى الشعور الجارف الذي لا مراء أنه يقضي على كل ما كنت عليه في السابق: إيمان راسخ لدى العذارى بالكمال المثالي؛ أي زوجة محبطة يمكن أن تؤكد لك أن إيمانك هذا لا مكان له في عالم الواقع.

وإذ أغمس المغرفة في السطل وجنوني البريء يكتنفني، أنشد التراتيل دون أن يتساءل أحد:

هو زنبق الوادي.
نجم الصباح الساطع.
بالنسبة لروحي هو أبهى طلعةً من عشرة آلاف.

٢

صيف هذا العام أقضيه في تورونتو بشقة صديقتي كاي حيث أعكف على استكمال كتاب عن تاريخ واحدة من العائلات، يدفع لي بعض الأثرياء لقاء تأليفه. وفي الربيع الماضي، اضطُرِرْت لتمضية بعض الوقت في أستراليا بسبب هذا الكتاب. وهناك التقيت بعالم أنثروبولوجيا كنت قد تعرفت عليه منذ سنوات في فانكوفر. وحينئذٍ كان متزوجًا من زوجته الأولى (والآن هو متزوج من الثالثة)، وكنت أنا متزوجة من زوجي الأول (والآن أنا مطلقة). وكنا نعيش في فورت كامب التي كانت مساكن الطلبة المتزوجين بالجامعة.

وعكف عالم الأنثروبولوجيا على التحقق من جماعات لغوية تعيش شمالي كوينزلاند. كان يزمع الإقامة لأسابيع قلائل بالمدينة، وتحديدًا في واحدة من الجامعات، قبل أن ينضم إلى زوجته في الهند. وكانت زوجته قد حصلت على منحة لدراسة الموسيقى الهندية في الهند؛ وهي من ذلك الضرب الجديد من الزوجات اللائي لديهنَّ اهتمامات جادة خاصة بهن. أما زوجته الأولى فكانت فتاة عاملة تمد له يد العون في دراسته الجامعية، ثم استقرت بالبيت وأنجبت الأطفال.

التقينا على الغداء يوم السبت، ويوم الأحد انطلقنا في نزهة في قارب نهري يضج بالعائلات الصاخبة باتجاه محمية للحيوانات. وهنالك شاهدنا حيوان الوُمْبَتِّ الأُسْتُرَالِيِّ الذي تقوقع على نفسه فبدا أشبه بالسجق المشوي، وطائر الأمو الأسترالي الغاضب قبيح المنظر، ومشينا مستظلَّين بتعريشة من أزهار غير مألوفة والتقطنا صورنا مع دببة الكوالا، وأخبر كلٌّ منا الآخر بما استجد على حياته، ولم يخلُ حوارنا من المزح والجد والتعاطف الجذل. وفي طريق العودة، احتسينا الخمر من البار الموجود في القارب، وتبادلنا القُبَل، وجعلنا من أنفسنا أضحوكة. كان من المستحيل تقريبًا تبادل أطراف الحديث بسبب ضوضاء المحركات وصراخ الأطفال الرضع وصياح الأطفال الذين يطاردون بعضهم بعضًا، لكنه قال: «رجاءً، تعالَيْ وألقِ نظرة على بيتي. فقد اتخذت بيتًا بصورة مؤقتة، وسيروق لك كثيرًا. رجاءً، لا أستطيع إلا أن أطلب إليكِ أن تنتقلي للعيش معي في بيتي.»

«أينبغي عليَّ؟»

قال وأردف قوله بالفعل: «سأجثو على ركبتيَّ.»

قلت له: «انهض، وكفى! إننا في بلد أجنبي.»

«هذا يعني أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا.»

كف بعض الأطفال عن اللعب ليرمقونا بنظراتهم. وخيَّم الصمت عليهم وبدَوْا مدهوشين.

٣

أطلق عليه «إكس» كما لو كان شخصية في رواية عتيقة تتظاهر بأنها حقيقية. وإكس حرف في اسمه، لكنني اخترته لأنه يليق به في الظاهر. يبدو الحرف إكس بالنسبة لي واسع الدلالة وسريَّ الطابع. واستخدام الحرف وحده دون الاسم يتسق مع منظومةٍ عادةً ما أتبناها في الوقت الراهن. أحدِّث نفسي قائلةً «حافلة باردون رقم ١٤٤.» وتتراءى لي سلسلة كاملة من المشاهد، أراها مفصلة تفصيلًا شديدًا: الشوارع والبيوت، ولاتروب تيراس وبادينجتون، والمدارس الأشبه فيما يبدو بالأكواخ الشاسعة بديعة المنظر، ومحلات المراهنات، وأشجار فرانجيباني التي تسقط أزهارها الشمعية الهشة ذات الرائحة النفاذة على الأرض. في هذه الحافلة، انطلقنا إلى قلب المدينة أربع أو خمس مرات في المجمل، حاملين حقائبنا الشبكية للتسوق وشراء البقالة من محلات وولورث، واللحم من كولز، وعرق السوس وشيكولاتة الزنجبيل من محل الحلوى. المدينة مقامة في مجملها على الحدود بين الوديان؛ ولذا فقد انتابنا شعور بأننا نهبط عبر قرًى شبه برِّيَّة مكتظة بالسكان إلى قلب المدينة بنهرها الطيني وهيئتها الاستعمارية الرثة ولكن المبهجة في الوقت نفسه. في هذه الفترة الوجيزة، بدا كل شيء مألوفًا جدًّا، لكنه رغم ذلك لم يختلط بأي شيء خبرناه في الماضي. شعرنا أننا نعلم علم اليقين حياة كل ربَّات البيوت اللائي يعتمرن قبعات واقية من الشمس ويركبن معنا الحافلة. أحسسنا أننا نعرف دواخل وتفاصيل البيوت المؤصدة التي تلفحها الشمس والمقامة على أعمدة خشبية أعلى الوديان، ونعرف الشوارع التي لم نستطع رؤيتها. لم تكن هذه الألفة ثقيلة الوطأة على صدورنا، بل كانت ممتعة وغريبة بعض الشيء، وكأننا صادفناها بطريقة لم نفهمها قط. انطلقنا وسط إحساس بالألفة وشعور بالأمان التام، أمان لم نشعر به من قبل — أو هكذا أخبرنا أنفسنا — في أي مكان من تلك الأماكن التي ننتسب إليها أكثر. لقد نعمنا بإجازة تخففت فيها أرواحنا من أعبائها دون أن يتسلل إلينا الشعور بالملل المرتبط عادة بالإجازات. كل يوم كان إكس يذهب إلى الجامعة، وأنطلق أنا إلى مكتبة الأبحاث لتفقد الصحف القديمة على قارئ الميكروفيلم.

ذات يوم، قصدت مدافن توونج بحثًا عن بعض المقابر؛ كانت المدافن أضخم من نظيراتها في كندا وأقل منها جمالًا، لكن النقوش التي خُطَّت على بعض شواهد القبور كانت تتمتع بطابع غير رسمي مذهل: «أمنا الرائعة» و«رفيق عزيز». تساءلت عن مغزى تلك النقوش لدى الأستراليين، ثم تذكرت كيف نتساءل دومًا عن مغزى الأشياء في بلد آخر، وكيف يدور بيني وبين إكس نقاش حول هذه المسألة.

خرج راعي الكنيسة من بيته الصغير ليمد لي يد العون. كان شابًّا يرتدي سروالًا قصيرًا، وعلى صدره وشم لسفينة تمخر عباب البحر. كان اسمها «أستراليا فيليكس». وثَمَّةَ فتاة من الحريم موشومة على الجزء السفلي من ذراعه، ومحارب على الجزء العلوي منها. والذراع الأخرى مزدانة بتنانين وأعلام. وعلى ظهر كف من كفيه خريطة لأستراليا، والصليب الجنوبي على ظهر الكف الأخرى. لم تَرُقْ لى فكرة النظر إلي ساقَيْه، لكن ثَمَّةَ مجموعة من الأحاسيس المعقدة تسللت إليَّ كمجموعة من المشاهد الكوميدية العمودية المتتابعة، وسلسلة من الميداليات المكللة بالزهور، وربما تحتوي على أسماء بعض الفتيات. كنت حريصة كل الحرص على أن أسجل هذه التفاصيل في ذاكرتي لأنني أستمتع أيَّما استمتاع بالعودة إلى البيت وإطلاع إكس عليها.

كان يرجع إلى البيت محملًا هو الآخر بحكاياته الخاصة: حوارات تدور في الحافلة، واشتقاقات كلمات جديدة، وعلاقات جديدة اكتشفها.

لم نكن نهاب استخدام كلمة «حب»؛ فقد كنا نعيش بلا مسئولية، وبلا مستقبل. عشنا في حرية مطلقة، وبسخاء شديد، واحتفال دائم لا تخبو جذوته. لم يحدُنَا شك بأن سعادتنا ستدوم طوال الفترة الوجيزة المنشودة. وجُلُّ ما وبخنا بعضنا بعضًا عليه هو الكسل وحسب؛ وتساءلنا ما إذا كنا سنندم في المستقبل لأننا لم نبادر بزيارة الحدائق النباتية كي نرى زهرة اللوتس وهي تتفتح، ولم نشاهد فيلمًا واحدًا معًا. كنا على يقين بأننا سنفكر في أشياء أكثر كنا نتمنى لو أطلعنا بعضنا بعضًا عليها.

٤

حلمت بأن إكس أرسل لي خطابًا مكتوبًا بطريقة غير متقنة باستخدام أسلوب الطباعة بالقوالب، وأدركت أنه فعل ذلك ليخفيَ ما يمكن أن يشيَ به خط يده، ورأيت مبادرته بارعة وذكية. لكنني عانيت الأمرَّين في قراءته. قال في خطابه إنه يود أن ننطلق في رحلة معًا إلى كوبا، وأنه تلقَّى عرضًا للقيام بهذه الرحلة من كاهنٍ الْتَقى به في حانة؛ وتساءلت عما إذا كان هذا الكاهن جاسوسًا. قال إننا نستطيع أن نذهب لممارسة التزلج على الجليد في فيرمونت، وإنه لا يريد أن يتدخل في حياتي، لكنه يود أن يأويَني. أحببت هذه الكلمة. لكن تعقيدات هذا الحلم تضاعفت. تأخر الخطاب. حاولت أن أتصل به هاتفيًّا، لكنني لم أستطع أن أحمل قرص الهاتف على الدوران. كذلك بدا أنني أتحمل مسئولية طفل رضيع نائم في درج من أدراج منضدة التسريحة. وأمست الأمور أكثر تعقيدًا وكآبة حتى استيقظت. لم تكن كلمة «مأوى» قد فارقت ذهني، واضطُرِرْت لأن أشعر بها وهي تذوي. كنت مستلقية على مرتبة على أرضية شقة كاي التي تقع على ناصية شارعَي كوين وباثوست في الثامنة صباحًا. وكانت النوافذ مفتوحة للتخفيف من قيظ الصيف، والشوارع تعج بالساعين إلى أرزاقهم، والسيارات تتوقف وتنطلق وتطلق عجلاتها صريرًا كلما انحرفت.

كانت الشقة زهيدة التكلفة مبهجة ذات نوافذ عالية وجدران بيضاء وستائر قطنية باهتة، وخشب أرضيات مدهون بلون رمادي لامع. كانت الشقة مكانًا رخيصًا ومؤقتًا منذ مدة طويلة جدًّا حتى إنه لم يفكر أحد في تغييرها؛ ولذلك لم تزل الكسوة الخشبية لأسفل الجدران كما هي على حالها، وكذا الحواجز المثقوبة على أنابيب التدفئة المركزية. كان لدى كاي بعض السجاجيد الصغيرة الجميلة الباهتة، والوسادات والمفارش المعتادة بحيث تبدو المراتب الموجودة على الأرضية أشبه بالأرائك وأقل شبهًا بالمراتب. وثَمَّةَ مجموعة بالية من زنبركات الأسِرَّة مركونة على الجدار، تغطيها شالات وأوشحة ورسوم تخطيطية بالفحم مثبتة بمسامير لعشيق كاي السابق الفنان. لا يقدر أحد أن يفكر في طريقة ناجزة لإبعاد الزنبركات عن الطريق، أو حتى يتخيل كيف وصلت بها الحال إلى هنا من الأساس.

تكسب كاي رزقها من عملها من رسم النباتات؛ حيث تعكف على رسم صور غاية في الدقة لنباتات تُدرَج في الكتب الدراسية والكتيِّبات الحكومية. وتعيش في مزرعة وسط عائلة، فيها الكبار والصغار الذين يروحون ويعودون، وفي يوم من الأيام راحوا بلا رجعة. وتحتفظ كاي بهذا المكان في تورونتو، وكانت تعود إليه ليوم أو بعض يوم كل أسبوعين. يروق لها شارع كوين على امتداده بحاناته ومحلات بيع الأغراض المستعملة وأطلالها. لم يكن هناك أدنى احتمال أن تلتقيَ بمحض الصدفة بزملائها الذين التحقوا معها بمدرسة برانكسوم هول أو الذين رقصوا في حفل زفافها. وعندما تزوجت كاي، ارتدى زوجها تنورة اسكتلندية، وصنع إخوته الضباط قوسًا من السيوف. وكان أبوها ضابطًا برتبة عميد، وكان أول عمل لها في مقر الحاكم العام لكندا. أعتقد أنها لذلك لا تمل ولا تكل من حياة المخاطرة والارتجال، ولا تهاب أصوات الشجارات التي تندلع في وقت متأخر من الليل تحت النوافذ، أو المخمورين الذين يتسكعون على عتبة الباب بالدور السفلي. ولا تشعر بالخطر الذي أُحس به قط، ولا يرد على خيالها الإحساس بالسقوط في هوة عميقة.

لا تملك كاي غلَّاية، بل تغلي الماء في قِدر الطهي. وهي تصغرني بعشر سنوات، وذات فخذين نحيلتين، وشعر طويل ناعم داكن تتخلله خصلات رمادية. وعادةً ما ترتدي قلنسوة مستديرة وملابس قديمة وفاتنة في آنٍ واحد تبتاعها من محلات الأغراض المستعملة. وتمتد معرفتي بها إلى ست أو سبع سنوات، وخلال تلك الفترة كثيرًا ما كانت تقع في الحب. وحالات عشقها تارةً ما تكون جريئة وتارةً غريبة.

على القارب الذي أبحر من جزيرة سنتر، التقت بسجين مُسرَّح سراحًا مشروطًا، وكان رجلًا طويل القامة داكن البشرة يعتمر عقالًا مشغولًا بألوان زاهية، وكان له شعر أسود مائل إلى الشيبة تداعبه الرياح. وكان قد أُرسل إلى السجن بتهمة تدمير منزل زوجته السابقة أو بيت عشيقها؛ وهي جريمة وقعت بدافع العاطفة ذهلت كاي إذ علمت بها، ثم تغاضت عنها. قال هذا الرجل إن له جذورًا هندية، وعندما ينتهي من أعماله في تورونتو سيصطحبها إلى جزيرته التي نشأ وترعرع فيها على ساحل كولومبيا البريطانية حيث كان من المخطط أن يركبوا الخيل على الشاطئ. فشرعت في الالتحاق بدروس لتعليم ركوب الخيل.

وخلال فترة انفصالها عنه، كانت تخشى على حياتها؛ فقد عثرت على رسائل غرام تهديدية مثبتة على قمصان نومها وملابسها الداخلية. فما كان منها إلا أن بدلت أقفال أبوابها، وذهبت إلى الشرطة، لكنها لم تفقد أملها في الحب ولم تتخلَّ عنه البتة. وسرعان ما وقعت في حب فنان لم يدمر بيتًا من قبل قط، لكن تسيطر عليه إشارات من عالم الأرواح. فقد تلقى رسالة من هذا العالم تخصها قبل أن يلقاها، وكان يتنبأ بما ستلفظ به من قول قبل أن يخرج من شفتيها، وكثيرًا ما كان يرى نارًا زرقاء نذير شؤم تحيط عنقها، على شكل طوق أو حلقة. وذات يوم اختفى دون سابق إنذار تاركًا رسومه التخطيطية، وكتابًا مرعبًا عن علم التشريح؛ كان يحتوي على صور لجثث حقيقية مُشَرَّحَة — أحشاؤها وجلدها وشعرها بألوانها الطبيعية — جثث محقونة بصبغات حمراء أو زرقاء تظهر غابة من الأوعية الدموية. وعلى رفوف كاي يستطيع المرء أن يطالع تاريخ علاقاتها الغرامية؛ فهنا كتب تتناول حالات الشغب في السجون، وهناك سير ذاتية لمعتقلين ترجع لفترة عشقها للسجين المُسرَّح سراحًا مشروطًا؛ وهذا الكتاب الذي يتناول علم التشريح وغير ذلك من الظواهر الغامضة ينتمي للفترة التي وقعت فيها في غرام الفنان؛ وثَمَّةَ كتب عن الكهوف وكتب من تأليف ألبرت سبير ترجع لفترة علاقتها بالمستورد الألماني الثري الذي علمها كلمة «أخصائي الكهوف»؛ وثَمَّةَ بعض الكتب عن الثورة التي ترجع إلى فترة غرامها بشخص من جزر الهند الغربية.

تتقبل كاي العشيق وقصته عن طيب خاطر، وتتعلم لغته حرفيًّا أو مجازًا. وفي بداية علاقتها بأي شخص، قد تحاول إخفاء حقيقتها؛ فتتظاهر بالتعقل أو السخرية، قائلةً: «الأسبوع الماضي، صادفت رجلًا ذا شخصية فريدة.» أو «هل أخبرتك أنني تبادلت أطراف حديث شائق ومضحك مع أحدهم في واحدة من الحفلات؟» وتتبع هذه المحاولة رعشة أو ارتباك مفتعل ماكر أو ابتسامة اعتذار وفي الوقت نفسه عناد، وتقول: «في الواقع، أخشى أنني وقعت في حبه، أليس هذا أمرًا مرعبًا؟» وفي المرة التالية التي أراها فيها، أجدها غارقة في حبه، وتتردد على المنجمين وتقحم اسمه في كل جملة تلفظ بها؛ وإذ تنطق باسمه، تميل نبرة صوتها إلى الدفء العاطفي، وتشيح بعينيها لأسفل خجلًا، وتحيط بها هالة من الضعف المرغوب توجل الناظرين. وبعد ذلك، تدخل في مرحلة الاكتئاب، والشكوك والعذاب، وتسقط في هوَّة صراع إما لتحرير نفسها أو لمنعه من تحرير نفسه، فتُترَك الرسائل لدى خدمة الرد على المكالمات. وذات مرة، تنكرت في هيئة امرأة عجوز تعتمر شعرًا مستعارًا رماديًّا وترتدي معطفًا باليًا من الفرو، وطفقت تمشي جيئة وذهابًا في البرد القارص خارج بيت المرأة التي ظنت أنها منافستها التي حلت محلها. بعد ذلك تتحدث بلامبالاة وعقلانية وذكاء عن غلطتها، وتقص أشياء مخزية استشفتها عن عشيقها، ثم تُجري مكالمات هاتفية يائسة بائسة، وتعاقر الخمر وتلتحق بجلسات علاج بالمساج، والسباحة الاستشفائية وألعاب الجمباز.

وهي ليست استثناءً بين بنات جنسها فيما تفعله؛ فهي تفعل ما يفعلنه. لعلها تبالغ بعض الشيء في أفعالها وفي صراحتها بشكل يفتقر إلى الحيطة، ولعلها تغالي في حماسها ودأبها. كما أن قوى الشفاء لديها وإيمانها لا ينضبان أبدًا. وبينما أسخر منها كما يفعل الآخرون جميعًا، فإني أدافع عنها أيضًا قائلةً إنها لم يُقدَّر لها أن تعيش حياة التحفظ والاستسلام، وإنما حياتها هي حياة عدم رِضًى لا ينتهي وقصص بؤس وتردد تسرها في نفسها. فثقتها عمياء، ومآسيها يندى لها الجبين، ومع ذلك فهي تنجو دون أضرار ظاهرة للعيان. كما أنها لا تتيح لنفسها مجالًا للانجراف أو تسمح لحياتها بأن تتعطل، وبالنسبة إليَّ فإن مشهد حياتها ليس محبطًا.

إنها بصدد نسيان عشيق في الوقت الراهن؛ زوج امرأة أخرى في المزرعة يشعر بغربة عن زوجته. اسمه روي، ويعمل عالم أنثروبولوجيا هو الآخر.

تقول كاي: «يا له من انحطاط لمغامراتي أن أغرم بشخص يعيش بالمزرعة! انحطاط شديد بحق؛ فهو شخص أعرف عنه كل شاردة وواردة.»

أخبرت كاي أنني أحاول أن أنسى رجلًا قابلته في أستراليا، وأنني أعتزم نسيانه بالكامل عندما أنتهي من كتابي، وحينئذٍ سأبحث عن عمل جديد، ومكان أعيش فيه.

فردت قائلةً: «لا داعي للعجلة؛ هوني على نفسك.»

عندما أفكر في كلمة «نسيان»، أجد لها وقعًا مشجعًا ومعتادًا ويبعث على الحياة. وتتناغم الكلمة مع مزاج كاي الحالي. عندما يكون الحب نضرًا وأمواجه عالية، تزداد كاي غموضًا وترددًا. وحينما ينحسر الحب، وتتغلب على أقسى فتراته، تمسي مفعمة بالحيوية ومسلية وصريحة ونزَّاعة إلى التحليل.

تقول كاي: «الحب ما هو إلا رغبة في أن يرى الإنسان انعكاس ذاته. الحب دومًا يُختزل في حب الذات. يا للحماقة! إنكِ لا تريدينهم، بل تريدين ما يمكنك الحصول عليه منهم. إنه هوس وخداع للذات. هل سبق أن قرأت مذكرات ابنة فيكتور هوجو؟ أعتقد أنها كانت ابنته.»

«لا.»

«ولا أنا. لكنني قرأت عن تلك المذكرات. الجزء الذي لا ينمحي من ذاكرتي وأذهلني بشدة ذلك الذي قرأت فيه أنها خرجت إلى الشارع بعد سنوات طويلة من الهيام الذي بلغ منها مبلغ الهوس بذاك الرجل، والتقت به. مرت به في الشارع، وإما أنها لم تتعرف عليه أو تعرفت عليه لكنها عجزت عن الربط بين هذا الرجل الماثل أمامها وذاك الذي وقعت في حبه في خيالها. لقد عجزت عن الربط بينهما تمامًا.»

٥

عندما تعرفت على إكس في فانكوفر كان رجلًا مختلفًا. كان طالب دراسات عليا جادًّا لم يزل لوثريًّا، وكان قويًّا، وحازمًا، يراه البعض متشددًا. وكانت زوجته مشتتة الفكر أكثر منه — وهي أخصائية علاج طبيعي تدعى ماري وتعشق الرياضة والرقص. ولعلك لو فكرت في الاثنين لقلت إنها على الأرجح هي مَن قد تفكر في التخلي عنه. وكانت شقراء ذات أسنان كبيرة ولثة ظاهرة. كما أنني شاهدتها وهي تمارس لعبة البيسبول خلال نزهة خلوية. ووقتئذٍ، كان يجب أن أنأى بنفسي بين الشجيرات لإرضاع صغيري. كنت أبلغ من العمر حينها ٢١ عامًا؛ وكنت فتاة بسيطة المظهر، وأُمًّا لطفل رضيع؛ ممتلئة الجسم، قرنفلية البشرة، وأصدر أحكامًا سوداوية على الآخرين، وأتمتع بطموحات متقدة. وحتى ذلك الحين، لم تكن العلاقة الجنسية تخطر لي على بال على الإطلاق.

جاء إكس إلى الأجمة وناولني زجاجة من الجعة.

«ماذا تفعلين هنا؟»

«أرضع صغيري.»

«ولمَ يتحتم عليك إرضاعه هنا؟ لم يكن أحد ليكترث بأمرك على أية حال.»

«لو فعلت لاستشاط زوجي غضبًا.»

«حسنًا، اشربي هذه. من المفترض أن الجعة مفيدة لحليبك، أليس كذلك؟»

كانت هذه هي المرة الوحيدة التي أتحدث فيها معه حسبما أتذكر. وثَمَّةَ شيء غريب في الأسلوب المباشر الذي خاطبني به، ربما التودد على استحياء وإن كان مُصرًّا عليه، ولعله إحساسي البهيج غير المتوقع بالامتنان الذي ارتبط باهتمامه بالنساء لاحقًا، وربما أثره عليهن. أنا متأكدة من أنه دائمًا كان صبورًا ومطمئنًا وناجحًا ومقدرًا للآخرين ومخلصًا لهم.

٦

قابلت دينيس في مكتبة تورونتو للمَراجِع، وطلب إليَّ أن أتناول معه العشاء.

دينيس صديق إكس وقد حضر لزيارتنا في أستراليا، وهو شاب طويل القامة، نحيل القوام، متحفظ ودائم الابتسام. لكنه ليس شابًّا صغير السن؛ لعله في الخامسة والثلاثين من عمره. ويتمتع بأسلوب ودود وتوجيهي.

خرجت للقائه ظنًّا مني أنه يحمل لي رسالةً ما. أليس من الغريب أن يرغب في تناول العشاء مع امرأة أكبر منه سنًّا لم يقابلها سوى مرة واحدة؟ أعتقد أنه سيقول لي ما إذا كان إكس قد عاد إلى كندا. فقد أخبرني إكس أنهما سيرجعان على الأرجح في يوليو، وبعدها سيمضي عامًا كاملًا في تأليف كتابه. وربما يقيمان في نوفا سكوشا خلال ذلك العام، وربما في أونتاريو.

وعندما جاء دينيس لزيارتنا في أستراليا، صنعت له طعامًا مُنَكَّهًا بالكاري. كنت سعيدة بفكرة استضافة ضيف، ومبتهجة لأنه وصل في الوقت المناسب تمامًا ليرى ضوء الليل العابر على الوادي. وكان بيتنا مبنيًّا على قوائم خشبية شأنه شأن غيره من البيوت، ومن النافذة حيث تناولنا الطعام تطلعنا على وادٍ كالصحن البيضاوي، تطوقه بيوت صغيرة، ويحفل بأشجار الجاكاراندا والبونسيانا والفرانجيباني والسرو والنخيل؛ وكانت أوراقها كريش المراوح والسياط وريش الطيور والأطباق؛ منها الأخضر اللامع والباهت والداكن والمغبر والبراق. وهنالك عاش الدجاج الحبشي، وانطلقت أسراب الكوكابورا الصاخب نحو السماء في الغسق. اضطُرِرْنا للاندفاع نزولًا على ضفة طينية منحدرة تحت البيت كي نصل إلى كوخ الغسيل ونعلق الملابس على حبل الغسيل الدوَّار. وهنالك وجدنا نسيج العنكبوت منسدلًا على الكوخ كأنه قماش خيمة، ينطبق عليه تمامًا كما ينطبق الغطاء على القِدر. وكان علينا أن نَحذر ذلك العنكبوت الصغير الذي ينسج شبكة مخروطية ويفرز سمًّا ليس له ترياق.

أرينا دينيس الوادي، وأخبرناه أن هذا بيت نموذجي من بيوت كوينزلاند العتيقة ذات الجدران العالية التي تتداخل جدرانها كالعاشق والمعشوق، وفتحات التهوية أعلى الأبواب التي تتخللها منحوتات رائعة لنباتات معترشة. لم يمحص في أي شيء باهتمام، لكنه تكلم عن الصين التي عاد منها توًّا. وقال إكس لاحقًا إن دينيس يتحدث دومًا عن آخر مكان قام بزيارته، وآخر أناس التقى بهم، ولم يبدُ أنه يلاحظ أي شيء، كما قال إنه على الأرجح سيتكلم عنا ويصف هذا المكان إلى مَن سيتناول معهم العشاء لاحقًا في المدينة التالية. وقال إن دينيس يمضي حياته في الترحال، والتكلم عن السفر، وإنه يعرف عددًا مهولًا من الناس لدرجة أنه كلما نزل في مكان وجد من يدعوه لتناول العشاء.

قال لنا دينيس إنه رأى المعسكر الحربي الذي استُكشف مؤخرًا في مدينة شيان بالصين. ووصف صفوف الجنود المصنوعة بالحجم الطبيعي، وقال إن كلًّا منهم بدا له واقعيًّا ومميزًا جدًّا، وأن بعضهم ما زال يحمل آثار الطلاء الذي كان يغطيهم في فترة من الفترات وميزهم عن غيرهم. وخلفهم على مسافة بعيدة كان هناك جدار ترابي. وبدت تماثيل الجنود المصنوعة من الطين وكأنها تخرج بخطًى ثابتة من الأرض.

قال إن المشهد استدعى إلى ذاكرته نساء إكس؛ وهن مصفوفات صفًّا يلي الآخر، مع وجود امرأة جديدة تلوح دائمًا في نهاية الصف.

قال دينيس: «الجيش يتقدم.»

أجابه إكس: «دينيس، بالله عليك!»

سألتُ دينيس: «ولكن، هل يخرجون حقًّا من الأرض هكذا؟ دون أن يمسهم أذَّى؟»

قال دينيس بابتسامته القاسية: «من الذين لا يمسهم أذًى؟ الجنود أم النساء؟ النساء لا يخرجن سالمات، أو على الأقل ليس لفترة طويلة.» فرد إكس: «هل من الممكن أن نغير الموضوع؟»

قال دينيس ملتفتًا نحوي: «بالتأكيد. ردًّا على سؤالك، نادرًا ما يخرجون بأجسامهم كاملة، أو هذا ما فهمته. فلا بد من تركيب سيقانهم وجذوعهم ورءوسهم بعضها فوق بعض، عادةً. يجب أن تُجمع أجزاء أجسادهم ثم يوضعون في وضعية منتصبة على أقدامهم.»

قال إكس بعد أن تنفس الصُّعَداء: «لا بد أنه عمل شاق.» قلت لدينيس: «لكن الأمر يختلف بالنسبة للنساء.» تحدثت بعذوبة اجتماعية ودودة تكاد تجنح إلى الغزل كعادتي كلما استشعرت خبثًا: «أعتقد أن المقارنة تفتقر إلى الدقة إلى حدٍّ ما. فلا أحد بحاجة إلى التنقيب عن النساء واستخراجهن وإيقافهن على أقدامهن. فما من أحد وضعهن في هذا الموقف من الأساس، بل جئن من تلقاء أنفسهن وبمحض إرادتهن، ويومًا ما سيرحلن. فهن لسن جيشًا دائمًا. ولعل غالبيتهن في طريقهن الآن إلى مكان آخر على أية حال.»

قال إكس: «أحسنتِ.»

بينما كنا نغسل الصحون في وقت متأخر من الليل، قال لي: «لم تمانعي إذ قال دينيس ما قال، أليس كذلك؟ لم يكن لديك مانع من مسايرتي له بعض الشيء، أليس كذلك؟ فهو يحب أن ينسج أساطيره الخاصة.» اتكأت برأسي على ظهره بين عظمتَي كتفيه وقلت: «أيحب ذلك فعلًا؟ لا، لا بأس. بالعكس، فقد كان الأمر مسليًا.»

«أراهن أنك لم تكن تعرف أن أول من وصف الصابون هو المؤرخ بليني، وأن أهل منطقة الغال (غرب أوروبا) كانوا يستخدمونه. أراهن أنك لم تكن تعلم أنهم كانوا يغلون شحم الماعز بمحلول القِلى المستخرج من رماد الخشب.»

«لا، لم أكن أعلم ذلك.»

٧

لم ينبس دينيس ببنت شفة عن إكس أو أستراليا. لو كانت ذكرياتي عنه أفضل، لَمَا وجدت دعوته لي على العشاء غريبة؛ فقد كان يبحث عن صحبة لتبادل أطراف الحديث. ومنذ أن كان في أستراليا، زار أيسلندا وجزر فارو. فطرحت عليه بعض الأسئلة، وأبديت اهتمامي واندهاشي، بل وصدمتي إن استدعى الأمر. كنت حريصة كل الحرص على زينتي، وغسلت شعري. وكنت آمل إن قابل إكس أن يقول إنني كنت رائعة الجمال.

وعلاوةً على أسفاره، كان لدينيس نظرياته عن الفن والأدب والتاريخ والحياة.

«لديَّ نظرية جديدة عن حياة النساء؛ فقد كنت أشعر دائمًا أن من الظلم الشديد ما يتعرضن له من ظروف.»

«أية ظروف؟»

«الطريقة التي لا بد أن يعشن بها مقارنةً بالرجال، خاصةً مع الكبر. انظري إلى حالك. فكري في الطريقة التي كان يمكن أن تسير بها حياتك لو كنتِ رجلًا. فكري في الخيارات التي كانت ستتاح لك؛ أقصد الخيارات الجنسية. أيمكنك البدء من الصفر؟ الرجال يمكنهم ذلك. في الروايات وفي الواقع أيضًا، يقعون في حب نساء أصغر سنًّا، ويرغبون في النساء الأصغر سنًّا ويمكنهم الحصول عليهن؛ وبذلك يملكون الزيجة الجديدة، والأطفال الجدد، والعائلات الجديدة.»

تساءلت إن كان سيطلعني على شيء خاص بزوجة إكس؛ ربما سترزق بطفل.

لكنه أردف بأسلوبه الخبيث المتعاطف: «إن الأمر شبيه بالثورة بالنسبة لهم، أليس كذلك؟ يملكون الزوجة الشابة الجديدة والأبناء الجدد، في الوقت الذي يستقبل فيه غيرهم من الرجال في نفس العمر أحفادهم، فيحسدهم هؤلاء ويحاولون أن يكتشفوا كيف يحذون حذوهم. إنه أسلوب حياة، أليس كذلك؟ لا بد أنه من الصعب أن يقاوم المرء الرغبة في البدء من الصفر، وأن يرى انعكاسه على مرآة الشباب الجميلة إذا سنحت له الفرصة.»

قلت له بابتهاج دون إصرار: «أعتقد أنني كنت سأقاوم؛ فلا أعتقد أنني أريد أن أنجب طفلًا الآن.»

«أرأيتِ؟ رغم أن الفرصة لا تسنح لك! فأنت امرأة والحياة بالنسبة للمرأة تسير في اتجاه واحد. كل ما يتعلق بمسألة العشاق الأصغر سنًّا هراء، أليس كذلك؟ هل تريدين عشيقًا أصغر سنًّا؟»

قلت وأنا أمد يدي إلى طبق الحلوى: «لا أعتقد.» اخترت بودنج غنيًّا بالكريمة ومحلًّى بقطع مهروسة من «أبو فروة» في القاع وتوت العليق الطازج بأعلى. وكنت قد تناولت عشاءً خفيفًا عن عمد تاركة مساحة كبيرة للحلوى. واتبعت هذا الأسلوب كي أجد ما أتطلع إليه وأنا أستمع إلى دينيس.

قال دينيس بإلحاح: «امرأة في عمرك لا يسعها المنافسة؛ لا يمكنك منافسة الفتيات الأصغر منك سنًّا. ودومًا ما ظننت أن هذا موقف مجحف جدًّا.»

«ربما جُبل الرجال بيولوجيًّا على مطاردة النساء الأصغر سنًّا؛ لا فائدة من التأفف والتذمر الآن.»

«ولذلك، فالرجال بهذه الطريقة يجدِّدون أنفسهم، ويعيدون ملء كأس الحيوية، بينما النساء يُستبعدن — إن شئتِ فقولي — من المشهد الحياتي. لطالما رأيت أن هذه الحقيقة مؤسفة، لكن تفكيري الآن تحول ١٨٠ درجة. هل تعرفين رأيي الآن؟ أرى أن النساء هن الأوفر حظًّا! أتعلمين لماذا؟»

«لماذا؟»

«لأنهن يُجبرن على الحياة في عالم الخسران والموت! حسنًا، أعلم أن ثَمَّةَ حلولًا كعمليات شد الوجه. ولكن، كيف تساعدهن حقًّا مثل هذه الحلول؟ فالرحم يجف، وكذلك المهبل.»

شعرت به يراقبني بعينيه، بينما استمررت في تناول البودنج. فأردف قائلًا: «لقد شاهدت بقاعًا كثيرة من العالم، ورأيت العديد من الغرائب والكثير من المعاناة، وتوصلت الآن إلى أنك لن تنعمي بالسعادة قط إذا مارست خدعًا على الحياة؛ فبالزهد في الدنيا وقبول الحرمان فقط نتأهب للموت؛ ومن ثَمَّ نستطيع أن ننعم بأي قدر من السعادة. ربما أفكاري تبدو غريبة بالنسبة إليكِ، أليس كذلك؟»

لم أستطع أن أفكر في أي شيء للرد عليه.

٨

عادةً ما تدور بخلدي أبيات قليلة من الشعر، ولا أعرف ما جعلها تتبادر إلى ذهني. قد تكون قصيدة أو أغنية لم أكن أعلم أنني أعرفها، ولا داعي لأن تكون مطابقة لذوقي ومتماشية معه. وأحيانًا لا أنتبه إليها البتة، ولكن إن انتبهت يسعني عادةً رؤية أن القصيدة — أو الجزء الذي أحكمت قبضتي عليه منها — متصلة بمجريات حياتي الآن، وربما لا يكون ذلك هو ما يحدث فيما يبدو.

على سبيل المثال، في ربيع العام الماضي، وفي الخريف في أستراليا، عندما كنت سعيدة، كان البيت الذي يخطر على بالي في لحظة مرح:

«يا لهذا الزمان الذي يسلبنا الشباب في ثقة …»

لم أستطع أن أكمل القصيدة، رغم أنني أعلم القافية، وأن ثَمَّةَ تتمة للقصيدة تسير على المنوال التالي «وفي القبر المظلم الصامت، يسدل الستار على قصة حياتنا.» كنت أعلم أن القصيدة كتبها سير والتر رالي ليلة إعدامه. ولم تتفق هذه القصيدة مع حالتي المزاجية، ورغم ذلك جالت بخاطري وكأنها شيء جميل وباعث على البهجة. ولم أتمهل للحظة للتساؤل عن سبب ورودها على ذهني من الأساس.

والآن وأنا أحاول أن أنظر إلى الأمور بجدية وعقلانية، عليَّ أن أتذكر حوارنا بعد أن حزمنا أمتعتنا ووقفنا في انتظار سيارة الأجرة. وداخل الحقائب صُنفت ملابسنا — التي تشاطرت الأدراج والخزائن، وتقلبت معًا في الغسالة، وتعلقت معًا على حبال الغسيل حيث حطت طيور الكوكابورا الصاخب — وانفصلت بلا أمل في احتكاك بعضها ببعض بعد الآن.

«أنا سعيدة بشكل أو بآخر أن العلاقة انتهت دون أن يعكر صفوَها شيء؛ فالأمور عادةً ما تفسد عند الانفصال.»

«أعلم ذلك.»

«رغم كل شيء، كانت علاقتنا رائعة.»

قلت ذلك، لكن هذه كانت كذب؛ فقد بكيت ذات مرة، وظننت أنني دميمة، وأنه قد مَلَّ مني.

فقال: «نعم رائعة.»

على متن الطائرة، جالت القصيدة بخاطري مرة أخرى، وكنت لا أزال سعيدة. خلدت إلى النوم وأنا أظن أن إكس مستلقٍ إلى جواري، وعندما أفقت سرعان ما ملأت المساحة التي كان يشغلها بذكريات صوته ونظراته وملامحه ودفئه ومشاهد تجمع بيننا معًا.

كنت أسبح في بحر من الذكريات في البداية، وكانت تلك المشاهد المفصلة المتكررة هي التي تَحُول بيني وبين الغرق. لم أحاول أن أتملص منها، ولم أَتَمَنَّ ذلك. ولاحقًا تمنيت لو فررت منها؛ فقد أمست وباءً يجتاحني، وجُلُّ ما فعلَتْه أن حركتْ بداخلي الرغبة والاشتياق والإحساس بقلة الحيلة؛ ثلاثية تعاني منها القطط البرية البائسة الحبيسة التي تسللت داخلي دون إذْن مني، أو على الأقل دون أن أعيَ إلى متى ستظل على قيد الحياة، وإلى أي مدًى ستكون قاسية. إنَّ صور ولغة المشاهد الإباحية والرومانسية متشابهة؛ رتيبة ومغرية بشكل آلي، فتفضي سريعًا إلى القنوط. ذلك ما كان على عقلي التعاطي معه، وذلك ما يستطيع إلى الآن التعاطي معه. جربت السهر وقراءة الكتب الجادة، لكن قدمي ما زالت تَزِلُّ فأسقط بعمق في مشهدٍ ما قبل أن أدريَ أين أنا.

على السرير امرأةٌ تستلقي في ثوب نوم أصفر لم يكن ممزقًا، لكنه نُزِعَ من على كتفيها ولُفَّ فوق خصرها وحوله، فلم يعد يغطي من جسدها أكثر مما يغطيه وشاح مجعد. وثَمَّةَ رجل عارٍ يميل عليها، يقدم لها كأسًا من الماء. بينما المرأة — التي كادت تفقد وعيها، وساقاها متباعدتان، وذراعاها ملقاتان على امتدادهما، ورأسها ملتوٍ إلى جانبها، وكأن شيئًا أطاح بها أثناء كارثةٍ طبيعيةٍ ما — تحاول أن تستعيد نشاطها وأن تمسك الكأس بيديها المرتعشتين. فتُسقِط قدرًا من الماء على نهديها، وتحتسي بعضه ثم تستلقي مرة أخرى. والرجل أيضًا يداه ترتعشان؛ يشرب من الكأس نفسها، وينظر إليها ويضحك ضحكة حزينة واعتذارية وحنونة، لكنها أيضًا مندهشة، واندهاشها ليس ببعيد عن الرعب. تتساءل ضحكته: كيف نقدر على كل ذلك؟ ما معنى ذلك؟

ويقول: «كاد أحدنا يقضي على الآخر.»

ما برحت الغرفة تحفل برجع صدى الجلبة التي حدثت منذ قليل؛ أصوات الصراخ والرجاء والتوعدات القاسية والصيحات الحادة تعبيرًا عن الوصول إلى الذروة والتشنجات الطويلة الضعيفة.

الغرفة مترعة برائحة الامتنان والمتعة، ومزيج غني من الحب، من غروب الحب الذهبي. نعم، نعم كان بالإمكان استنشاق هذه الرائحة.

أتفهمون ما أعنيه؟ هذا هو عذابي.

٩

في هذا الوقت من العام، يصيب النساء الضجر من الملابس الصيفية التي تكشف عن الكتفين والظهر، والمنسوجات المطبوعة، والصنادل. وها هي بشائر الخريف تهل في محلات الملابس؛ فالسترات والتنورات الثقيلة معلقة على خلفية نسيج مخملي أسود أو أرجواني اللون، والبائعات الشابات يضعن زينة مبالغًا فيها وكأنهن غانيات. وعن نفسي صرت مهتمة إلى حد الهوس بالملابس؛ وكل الحوارات التي تدور في محلات الملابس تبدو منطقية بالنسبة لي.

«إن هذه الفتحة حول عنقي لا تناسبني؛ ضيقة جدًّا. أريدها واسعة. أتعرفين ما أعنيه؟»

«نعم، أعرف ما تعنينه.»

«أريد شيئًا أنيقًا جدًّا ومثيرًا جدًّا. أتعرفين ما أعنيه؟»

«نعم، أعرف ما تعنينه تمامًا.»

عكفت لسنواتٍ طِوالٍ على ارتداء ملابس باهتة اللون، ولكني اكتشفت فجأة أنني لم أعد أطيقها؛ فاشتريت بلوزة من الستان لونها أحمر قانٍ، ووشاحًا أرجواني اللون، وتنورة لونها أزرق داكن. وقصصت شعري، وشذبت حاجبيَّ، وجربت أحمر شفاه أرجوانيًّا فاتحًا، ووضعت بودرة خدود تميل إلى اللون البُنِّي. أُصاب بالذعر كلما فكرت في الهيئة التي كنت أتجول بها في أستراليا، بتنورتي القطنية الباهتة الملفوفة حول خصري، وقميصي قصير الكُمَّين، وساقيَّ المكشوفتين نظرًا للطقس الحار — وكانت أوردتهما بارزة — ووجهي العاري الذي يتصبب عرقًا تحت قبعتي القطنية. وإنني لشبه مقتنعة بأن المظهر المتقن كان يمكن أن يكون له أثر أقوى، والملابس الأكثر إثارة كانت لتجعلني أقل عرضة للنبذ. أتخيل أحيانًا أنني سألتقي إكس فجأة في إحدى الحفلات أو في أحد شوارع تورونتو، وأنني سأصدمه بمظهري المتغير وإشراقتي التي أزهرت مؤخرًا. لكنني أذكِّر نفسي بضرورة الحيطة والحذر، حتى في فترات الازدهار هذه؛ يجب أن أحذر لئلا تتحول الإشراقة والأناقة إلى سخافة وحماقة. ولكن لعل كل النساء الطاعنات في السن اللائي أراهن في شارع كوين يتحرين الحيطة؛ هذه المرأة البدينة ذات الشعر الوردي، وتلك العجوز التي تجاوزت الثمانين بحاجبَيها الأسودين المرسومين؛ لعلهن يعتقدن جميعًا أنهن لم يتجاوزن بعدُ هذا الخط الذي يفصل بين الأناقة والحماقة. حتى تلك المرأة ذات الزي الأصفر التي رأيتها منذ أيام قلائل في الترام — تلك المرأة القصيرة المكتنزة التي بلغت العقد السادس من عمرها بثوبها الأصفر المكشكش الذي يعلو ركبتيها بمسافة، وقبعتها المصنوعة من القش بشرائطها الصفراء، وحذائها الخفيض الأصفر، الذي يتماشى مع لون ثوبها، في قدميها الصغيرتين الممتلئتين — حتى هي لا تنشد سخرية الآخرين؛ فهي ترى نفسها زهرة أمام المرآة؛ زهرة ذات بتلات سخية تشع ضوءًا أصفر بديعًا.

انطلقتُ بعد ذلك بحثًا عن أقراط؛ فطفت طوال اليوم أبحث عن أقراط أراها في مخيلتي بوضوح. أريد أقراطًا مدلاة على شكل كرة فضية صغيرة مفرغة ومزركشة. أريد فضة قديمة وغير براقة نوعًا ما. وهو نوع أقراط أتذكره جيدًا. ربما تعتقد أن محلات الأغراض المستعملة تبيعه بلا شك، لكنني لم أستطع العثور عليه، ولا حتى أي شيء قريب الشبه به، ولا تفتأ هذه الأقراط تبدو ضرورية بالنسبة لي؛ ولذا دلفت إلى محل صغير في شارع جانبي على مقربة من شارع كوليدج آند سبادينا؛ جدران المحل كلها مزدانة بورق أسود ومؤثرات رخيصة ومرعبة؛ فهاك على سبيل المثال تمثال عارٍ لعارضة أزياء صلعاء تجلس على سلم نقَّال ويتدلى منها بعض الحلي، وثَمَّةَ فستان — كتلك الفساتين التي ارتديتها في الخمسينيات للرقص — مصنوع من نسيج شبكي وردي اللون ومزدان بنثار لامع، خشن من تحت الإبطين، معروض على ورق الحائط الأسود بطريقة تجعله يبدو مقبضًا وإن كان جذابًا.

وفي هذا المحل جُلت ببصري بحثًا عن درج المجوهرات. كانت البائعتان منشغلتين بمساعدة زبونة على تلبية متطلباتها، وكان يفصلها عني مرآة ثلاثية الجوانب فلم أكن أراها. كانت إحدى البائعتين بدينة وقريبة الشبه بالغجر، وقد لونت وجهها بلون مشمشي دافئ، والأخرى تصفف شعرها كعرف الديك، حيث تعلوه خصلة بيضاء يحيط بها شعر أسود فاحم، كالظربان الأمريكي. وكلتاهما تصيح سعادةً بينما تحضران القبعات والحلي للزبونة حتى تجربها. وفي النهاية، يسعد الجميع وتخرج شابة جميلة، وهي ليست بشابة في حقيقة الأمر بل صبي جميل يرتدي زي النساء، يخرج من وراء المرآة. فكان يرتدي ثوبًا مخمليًّا أسود اللون طويل الأكمام ووشاحًا أسود مزركشًا على الكتفين، وينتعل حذاءً خفيضًا أسود، وفي كفيه قفاز من اللون نفسه، وعلى رأسه قبعة سوداء صغيرة ذات برقع مُنَقَّط. وكان على وجهه بعض الزينة الأنيقة، كما تتدلى خصلات الشعر المجعد بُنِّية اللون من تحت القبعة. لا شك أنه أجمل شخص أنيق وقعت عيناي عليه طوال اليوم. وكان وجهه الباسم متوترًا ومرتجفًا. أذكر عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري كان يحلو لي أن أبدوَ كعروس ليلة زفافها مستعينة بالستائر القديمة، أو كامرأة تزدان بأحمر الشفاه وقبعة مكسوَّة بالريش. وبعد كل الجهد المبذول والابتكار وافتتاني الشخصي بالنتيجة النهائية، أُصاب بخيبة أمل شديدة. ماذا يفترض أن تفعل الآن؟ الاستعراض على الرصيف جيئة وذهابًا؟ ثَمَّةَ خوف شديد وجرأة وخيبة أمل في هذا الضرب من الاستعراض.

كان صوته صبيانيًّا أجش، وكان هو نفسه متسرعًا وخجولًا.

«كيف أبدو يا أماه؟»

«تبدو رائع الجمال!»

١٠

أعيش حالة من الاكتئاب حاليًّا. وأستطيع أن أدرك ذلك. لا بد أن هذا يعني أنني سأتجاوزها.

لا شك أنني أعيش حالة من الاكتئاب؛ فلا أقدر على التعامل مع كل ما يجثم على صدري ما لم أحصل على المساعدة، وإنني لا أريد سوى مساعدة شخص واحد وحسب: إكس. لا أستطيع أن أواصل المسير في الشوارع ما لم يكن لي وجود في عقله وفي عينيه. كثيرًا ما يعاني الناس هذه المشكلة، وإننا لنعلم أن المشكلة مشكلتهم الخاصة وأنهم لا بد أن يغيروا الطريقة التي يفكرون بها، هذا كل ما في الأمر. إنها ليست مشكلة تستحق التفكير؛ فالحب ليس شيئًا خطيرًا، مع أنه قد يكون قاتلًا. قرأت هذه العبارة في مكانٍ ما، وإنني لأُومِن بها. الحمد لله أنني لا أعلم مكانه؛ فلا يمكنني الاتصال به هاتفيًّا، أو مراسلته، أو التربص به في الطريق.

ثَمَّةَ رجل قطعتُ علاقتي به غير أنه كان يتبعني، وأخيرًا أقنعني باحتساء الشاي معه في أحد المقاهي.

قال: «أعلم أنني جعلت من نفسي أضحوكة. أعلم أنكِ إذا كنت تُكنِّين لي أدنى قدر من الحب، فإن هذا سيدمره.»

لم أنبس ببنت شفة.

ضرب السكرية بملعقته.

«بمَ تفكرين عندما تكونين معي؟»

كنت أود أن أقول «لا أعرف.» لكنني بدلًا من ذلك قلت: «أفكر كم أريد أن أبتعد عنك!»

نهض مرتعشًا فسقطت ملعقته على الأرض.

وقال بنبرة مخنوقة: «لقد تحررتِ مني.»

كم كان هذا المشهد كوميديًّا ومرعبًا، ومسرحيًّا وواقعيًّا في آنٍ واحد. لقد كان يشعر بالحرمان الشديد، شأني تمامًا الآن، لكنني لم أرثِ لحاله، ولم أشعر بالأسف أنني لم أفعل.

١١

راودني حلم جميل يبدو بعيدًا كل البعد عن حالة اليقظة؛ كنت أنا وإكس وأناس آخرون لا أعرفهم — أو لا أستطيع أن أتذكرهم — نرتدي ملابس رياضية تحتية بريئة، تبدلت في مرحلةٍ ما وتحوَّلت إلى ملابس ناصعة البياض شفافة، واتضح أنها ليست ملابس وحسب بل جوهرنا نفسه، لحمنا وعظامنا، وبمعنًى آخر أرواحنا. وحدث أن تعانقنا عناقًا بدأ باندفاع كالمعتاد، لكنه تحول — بخفة جوهرنا وعذوبته — إلى حالة نادرة من الرِّضَى والإشباع. لا أستطيع أن أصف الحلم وصفًا وافيًا؛ فهو أشبه برؤيا للجَنَّة، رؤيا شديدة البراءة والتقليدية في مجملها. أعتقد أنه كان كذلك بالفعل. ولا أستطيع أن أعتذر عن الطبيعة التقليدية لأحلامي.

١٢

أمشي بطول الشارع حتى محل رونيمز للمخبوزات، فأدلف وأجلس على طاولة صغيرة عليها كوب من القهوة؛ ورونيمز مخبز إستوني يمكن أن تجد فيه عادة ربة منزل من منطقة البحر المتوسط ترتدي ثوبًا أسود، وطفلًا يتطلع إلى الكعك، ورجلًا يحدِّث نفسه.

أجلس حيث يمكنني مراقبة الشارع، ويراودني شعور أن إكس على مقربة من المخبز في مكانٍ ما؛ ربما على مسافة ألف ميل، أو ربما مائة ميل، أو ربما داخل المدينة. هو لا يعرف عنواني، لكنه يعلم أنني في تورونتو. وليس من الصعب أن يعثر عليَّ.

في الوقت نفسه، أحدِّث نفسي بأنني يجب أن أنساه. وما يتعين عليَّ أن أقرره حقًّا هو ما إذا كنت سأتعامل مع المسألة بجنون أم لا. لكنني لا أتمتع بقوة الاحتمال، ولا بقوة الإرادة الخالصة التي تعينني على التصرف بجنون لفترة طويلة.

ثَمَّةَ حد لِكَمِّ البؤس والفوضى اللذين يستطيع المرء تحملهما في سبيل الحب، بالضبط كما أن ثَمَّةَ حدًّا للفوضى التي يمكن أن يتعايش معها المرء في البيت. وبينما لا يسعك معرفة الحد مسبقًا، فإنك ستدركه عندما تصل إليه؛ هذا ما أُومِن به.

عندما تبدأ حقًّا في النسيان، هكذا سيكون الشعور: مسحة من الألم تتسلل إليك خلسة وتخترقك من حيث لا تدري. ومن بعدها يأتي شعور بالخفة. والخفة شعور يستدعي التفكير؛ فهو ليس ارتياحًا وحسب. فثَمَّةَ ضرب غريب من المتعة فيه، لا المتعة التي تتأتى بجرح الذات أو المتعة الخبيثة، فهي متعة ليست ذات طابع شخصي على الإطلاق. إنها متعة غير مبررة، متعة نابعة من اكتشاف كيف أن التصميم لم يكن ليتناسب، والبناء لم يكن ليستقيم، متعة في أن يضع المرء في الاعتبار مجددًا كل ما كان متناقضًا وثابتًا وغير موائم في الحياة. أعتقد ذلك؛ أعتقد أن بداخلنا رغبة في التأكد من صحة هذا الاكتشاف، إلى جانب رغبة أخرى — قد تتصارع معها — في الاطمئنان إلى صورة الآفاق المستقبلية الدائمة والكلام المعسول.

أفكر في حلمي بالملابس البيضاء وكيف بدا في غير محله، ويذهلني أن كونه في غير محله هو مفتاح اللغز في الحب، جوهر المشكلة، لكنني لا أستطيع أن أُحكم قبضتي على ما أراه، كأنني شخص ثمل أو واقع تحت تأثير المخدرات.

ما أحتاج إليه هو فترة راحة؛ راحة متعمدة، بتعريفات جديدة للحظ. لا الحظ الذي كان دينيس يتحدث عنه. أنتِ محظوظة لأنكِ جالسة في مخبز رونيمز تحتسين القهوة، وثَمَّةَ أناس يروحون ويجيئون، ويتناولون طعامهم ويحتسون شرابهم، ويبتاعون الكعك، ويتحدثون الإسبانية والبرتغالية والصينية وغيرها من اللغات التي يمكنكِ محاولة اكتشافها.

١٣

عادت كاي من الريف. هي أيضًا كانت ترتدي زيًّا جديدًا؛ رداءً فوقيًّا لونه أخضر داكن كذلك الذي ترتديه الفتيات في المدرسة، دون بلوزة تحتية أو حمالة صدر، وزوجًا من الجوارب من اللون نفسه يصل إلى الركبة، وحذاءً خفيضًا برباط.

«هل تبدو ثيابي غريبة؟»

«نعم.»

«هل تجعل ذراعيَّ تبدوان داكنتين؟ هل تذكرين تلك المرأة التي كانت لها ذراعان داكنتان في قصيدة قديمة؟»

بالفعل تبدو ذراعاها ناعمتين وسمراوين.

«كنت أنتوي العودة الأحد، لكن روي جاء بصحبة صديق وأقمنا جميعًا حفلًا لشيِّ الذرة. وكان الأمر رائعًا. يجب أن تقومي بزيارتنا ذات مرة.»

«سأفعل يومًا ما.»

«كان الأطفال يطوفون ويدورون حولنا كالعفاريت في مشهد بديع، واحتسينا المِيد. يعرف روي كيف يصنع دمى الخصوبة. وصديق روي هو أليكس فالتر؛ عالم الأنثروبولوجيا. شعرت أنني كان عليَّ أن أعرف عنه المزيد، لكنني لم أفعل، ولم يكن هو ليمانع؛ فهو رجل لطيف. هل تعرفين ماذا فعل؟ بعد أن حل الظلام بينما كنا جالسين حول النار، دنا مني وتنهد وحسب، ثم وضع رأسه على حِجري. يا لها من حركة لطيفة وبسيطة، كما لو كان كلبًا صغيرًا يتمسح في صاحبه! لم يفعل أحد مثل هذا الشيء معي من قبل.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤