السيدة كروس والسيدة كيد

تمتد العلاقة بين السيدة كروس والسيدة كيد إلى ثمانين عامًا، وتحديدًا منذ روضة الأطفال التي لم يكن قد أُطلق عليها هذه الاسم حينئذٍ، بل كانت تُسمى مرحلة التعليم الأساسي. والصورة الأولى التي تحتفظ بها السيدة كروس للسيدة كيد في مخيلتها تتمثل في وقوف السيدة كيد أمام زملائها في الصف وهي تلقي عليهم قصيدةً ما، عاقدةً يديها خلف ظهرها، ورافعة وجهها الصغير — الذي تزينه عيناها السوداوان — لأعلى ليرتفع صوتها الذي يشي بثقتها في ذاتها. وعلى مدار السنوات العشر اللاحقة، إذا كنت ستذهب إلى أي حفل موسيقي أو أي حدث ترفيهي، كنت ستجد السيدة كيد (التي لم تكن تُعرف بالسيدة كيد حينئذٍ، بل ماريان باذرتون)، بقُصَّتها الداكنة الكثيفة المتدلية باتساق فوق جبينها، ومئزرها المشدود لأعلى بجناحين عريضين متيبسين ومثبتين به، تلقي قصيدة بجدارة عالية وذاكرة حديدية. وحتى ذلك اليوم، ودون أي مبرر، ينطلق لسان السيدة كيد بالشعر وهي تجلس على كرسيها المتحرك:

اليوم اقتحمنا نحن الفرنسيين راتيسبون.

أو تقول:

أين السفن التي عهدناها؟
ترسي في الميناء إبَّان مد خليج فوندي.

ثم تتوقف عن إلقاء الشعر لا لأن ذاكرتها تخونها، ولكن رغبة منها في أن يسألها أحد: «ما هذه القصيدة؟» أو «ألم تكن هذه القصيدة في كتاب تعليم الأدب «القارئ الثالث»؟» وهو السؤال الذي تفسره هي بأنه طلب بأن تسترسل في حديثها:

منذ نصف قرن من الزمان،
بجمال وكبرياء جليلين.

أما أول ذكرى للسيدة كيد عن السيدة كروس (دولي جرينجر)، فتتمثل في وجه مربع متورد، وثوب غير منتظم الطول؛ إذ تتدلى أطرافه من ناحية وترتفع من ناحية، وضفائر كثيفة فاتحة اللون، وصوت جهوري؛ كل هذه الصفات مجتمعة في فتاة واقفة في الملعب ذات يوم مطير، عندما احتشدت الطالبات جميعًا تحت الجزء الناتئ من السطح للاحتماء من المطر. كانت الفتيات وقتها يلعبن لعبة هي في واقع الأمر رقصة، ولكن لم تكن السيدة كيد تعرف كيف تمارسها. كانت رقصة من بين الرقصات المعروفة باسم فيرجينيا، وكلمات الأنشودة التي صدحت بها الفتيات هي:

ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل
ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل
ترجنا العربة العتيقة النحاسية لأعلى ولأسفل
أنت حبي الوحيد يا حبيبي!

لم تلف أي فتاة أو تضرب الأرض بقدميها وتغني بحماس أكثر من السيدة كروس التي كانت أصغر الفتيات المسموح لهن باللعب سنًّا وحجمًا. وقد عرفت اللعبة من أخواتها الأكبر سنًّا. أما السيدة كيد فكانت طفلة وحيدة.

يبدو أن الشباب، الذين ينمو إلى علمهم أن علاقة السيدتين ترجع إلى ما يربو على ثلاثة أرباع قرن من الزمان؛ يتخيلون أن هذه الرفقة المديدة تعني أن كل شيء بينهما مشترك. فهاتان السيدتان هما الوحيدتان اللتان تذكران ما كان يفصل إحداهما عن الأخرى، وما زال يفصلهما نوعًا ما حتى الآن: الشقة التي تقع أعلى مكتب البريد والجمارك، حيث عاشت السيدة كيد مع أمها وأبيها الذي كان مديرًا لمكتب البريد؛ والمنزل المستقل الملتصق بصف من المنازل المشابهة، والمطل على شارع نيوجيت، الذي عاشت فيه السيدة كروس مع والديها وأختيها وإخوتها الأربعة الذكور، وحقيقة أن السيدة كيد كانت تتردد على الكنيسة الأنجليكانية بينما ترددت السيدة كروس على الكنيسة الميثودية، وزواج السيدة كيد في الثالثة والعشرين من عمرها من مدرس علوم بمدرسة ثانوية، وزواج السيدة كروس في السابعة عشرة من العمر من رجل يعمل على قوارب البحيرة ولم يترقَّ أبدًا لرتبة كابتن. إضافةً إلى أن السيدة كروس أنجبت ستة أطفال، بينما أنجبت السيدة كيد ثلاثة فقط. تُوفِّي زوج السيدة كروس فجأة في الثانية والأربعين من عمره ولم يكن لديه تأمين على الحياة، وتقاعد زوج السيدة كيد وانتقل للعيش في مدينة جودريتش، وحصل على معاش بعد سنوات من تقلده منصب مدير المدرسة الثانوية التي تقع في مدينة قريبة. ولم تتقلص الفجوة بين الصديقتين سوى مؤخرًا؛ فقد حقق أبناؤهما المعادلة؛ أبناء السيدة كروس يكسبون دخلًا موازيًا في المتوسط لدخل أبناء السيدة كيد، مع أنهم لم يحصلوا على تعليم موازٍ؛ بينما يجني أحفاد السيدة كروس أموالًا أكثر.

تقيم السيدة كروس في دار هيلتوب هوم للرعاية (والترجمة العربية لاسم هذه الدار «قمة التل») منذ ثلاث سنوات وشهرين، بينما تقيم السيدة كيد فيها منذ ثلاث سنوات إلا شهرًا واحدًا. وتعاني كلٌّ منهما من مشكلات في القلب، وكلتاهما تتنقل على كرسي متحرك منعًا لإهدار طاقتهما. وخلال حوارهما الأول في الدار، قالت السيدة كيد: «لا أرى أية قمة تل.»

أجابتها السيدة كروس: «تستطيعين رؤية الطريق السريع من هنا. أعتقد هذا هو قصدهم من تسمية الدار بهذا الاسم. أين نزلتِ؟»

«أكاد لا أعرف ما إن كنت سأستطيع الاستدلال على طريق العودة إلى غرفتي. ولكنها غرفة جميلة بغض النظر عن مكانها. غرفة فردية لا يشاركني في أحد.»

«هكذا غرفتي أيضًا. لديَّ غرفة فردية. هل غرفتك في الجانب الآخر من غرفة الطعام أم في هذا الجانب؟»

«على الجانب الآخر.»

«هذا رائع! هذا أفضل جانب؛ فالجميع بصحة جيدة في هذا الجانب، وإن كانت تكلفته أعلى. كلما كانت حالتك الصحية أفضل، زادت التكلفة. يسكن غرف الجانب الآخر من غرفة الطعام أولئك الذين فقدوا عقلهم.»

«المصابون بالخرف؟»

«نعم، الخرف. في هذا الجانب يعيش النزلاء الأصغر سنًّا، الذين يعانون من حالات شبيهة بأمراض الشيخوخة. هذا مثلًا.» وأومأت برأسها باتجاه رجل مصاب بالعته المغولي، في زهاء الخمسين من عمره، كان يحاول العزف على الهارمونيكا. نقرت على رأسها وأضافت: «في الجانب المخصص لنا، لدينا نزلاء أصغر سنًّا، لكنهم لا يعانون من أية مشكلات عقلية. مجرد مرضٍ ما. عندما يصل الأمر بهم إلى العجز عن رعاية أنفسهم، فإنهم يُنقلون إلى الدور العلوي؛ فهنالك يودِعون أصحاب الحالات الحرجة. أما المجانين فهم قصة أخرى؛ حيث يحبسونهم في الجناح الخلفي. هؤلاء هم المجانين بحق. أعتقد أيضًا أن ثَمَّةَ مكانًا مخصصًا للذين يتحركون بدون مشكلات لكن يعانون من التبول والتبرز اللاإراديين طوال الوقت.»

قالت السيدة كيد بابتسامة يشوبها بعض الانزعاج: «نحن الصفوة إذنْ. كنت أعلم أنني سأجد الكثير من الخَرِفِين هنا، لكنني لم أكن أتوقع أن أجد آخرين، كهذا على سبيل المثال.» وأومأت برأسها بحذر باتجاه مريض العته المغولي الذي كان يرقص أمام النافذة رقصًا نقريًّا. وعلى العكس من أغلب المصابين بالعته المغولي، كان هذا الرجل نحيلًا ورشيق الحركة، وإن كان شديد الشحوب ويبدو عليه الوهن.

قالت السيدة كروس إذ لاحظته: «إنه أسعد من أغلب النزلاء. هذا هو المكان الوحيد في المقاطعة الذي يُلقى فيه بكل ذوي الحاجات. لكنك بعد فترة قليلة ستكفين عن الانزعاج.»

«أكف عن الانزعاج!»

•••

كانت غرفة السيدة كيد تعج بالصخور والقواقع المعبأة في صناديق وقوارير، كما كان لديها صندوق يحوي فراشات محنطة هشة، وآخر يحوي طيورًا مغردة محنطة. وتحوي أرفف كتبها كتبًا مثل «سراخس وطحالب أمريكا الشمالية»، و«دليل بيترسون لطيور شرق أمريكا الشمالية»، و«كيف تعرف الصخور والمعادن»، وكتاب عن خرائط النجوم. وكان صندوق الفراشات والطيور المغردة المحنطة معلقًا في وقت من الأوقات في الفصل الدراسي لزوجها مدرس العلوم؛ فقد اشترى الطيور المغردة، ولكنه هو والسيدة كيد كانا يعشقان جمع الفراشات بأيديهما. وكانت السيدة كيد طالبة بارعة في علم النباتات وعلم الحيوان. ولو لم تكن تعاني مما كان يُعرف أيامها بحالة صحية معتلة، لدرست علم النبات بإحدى الجامعات، مع أن قليلًا من الفتيات أقدمن على مثل هذه الخطوة آنذاك. ولذا يرسل لها أبناؤها الذين يعيشون في مناطق نائية كتبًا جميلة عن موضوعات يوقنون بأنها ستروق لها، لكن أغلب هذه الكتب ضخمة وثقيلة الوزن فلا تجد سبيلًا لتصفحها بطريقة مريحة، فسرعان ما تطرحها في أدنى رف. ولكنها لم تكن لتعترف لأبنائها بأن اهتماماتها خبت وتلاشت إلى حدٍّ بعيد. كانوا يقولون لها في خطاباتهم إنهم يذكرون كيف علمتهم كل شيء عن عيش الغراب؛ هل تذكرين عندما رأينا فطر الأمانيت السام (ملاك الهلاك) في أدغال بيتري خلال الفترة التي عشناها في لاجون؟ وكانت خطاباتهم تفوح منها رائحة الذكريات. كان هؤلاء الأبناء الذين يجري بهم قطار العمر يريدون أن تَرْكَنَ أمهم إلى ما كانت عليه منذ أربعين أو خمسين عامًا؛ فكان لديهم تصور عنها لا يقل عشقًا وأهمية عن أي تصور لدى أي والد عن أطفاله؛ كانوا يحتفون بما تتمتع به ويسمى عند الأطفال النضج المبكر: إشراقها وعشقها للمعرفة وإلحادها (وهو السر الذي دام طوال الفترة التي كان فيها زوجها مسئولًا عن تنمية عقول الصغار)، وكل الجوانب التي تختلف فيها عن أي عجوز عادية. ومن ناحيتها، كانت تشعر أن من واجبها أن تخفيَ عنهم الأمارات الكثيرة التي تشي بأنها ليست شديدة الاختلاف عن أقرانها؛ عكس ما يظنون.

كانت السيدة كروس أيضًا تستقبل الهدايا من أبنائها، لكنها لم تكن كتبًا. فأفكارهم تهديهم إلى الحلي والصور والوسادات. فمثلًا، تحتوي غرفة السيدة كروس على باقة من الزهور الصناعية التي تحتوي بداخلها على مصابيح ضوئية تشع أنوارها بالتدريج لأعلى وكأنها نافورة مياه. ولديها أيضًا دمية على شكل امرأة أنيقة من الجنوب الأمريكي، تشكِّل تنورتها المصنوعة من مادة الستان وسادة للدبابيس. ولديها صورة للعشاء الإلهي يصدر منها ضوء ليصنع هالة حول رأس المسيح (كتبت السيدة كيد — بعد زيارتها الأولى — رسالة إلى أحد أبنائها وصفت فيها الصورة، وقالت إنها حاولت أن تستنتج الطعام الذي كان يتناوله المسيح وحواريُّوه، وتبين لها أنهم يتناولون شطائر الهامبرجر. وكم يطيب لأبنائها سماع مثل هذه الأشياء منها). وهناك أيضًا إلى جوار الباب تمثال من الجص بالحجم الطبيعي لكلب من كلاب حراسة الغنم، يشبه كلبًا كان لدى عائلة كروس عندما كان الأبناء صغارًا، يُدعى بوني العجوز. وكانت السيدة كروس تعرف أسعار هذه الهدايا من أبنائها وتُعْلِم الناس بها، وتقول إنها مصدومة من سعرها المرتفع.

بعد وصول السيدة كيد بفترة وجيزة، اصطحبتها السيدة كروس في زيارة إلى الدور الثاني. وقد اعتادت السيدة كروس على الذهاب إلى الدور الثاني كل أسبوعين لزيارة ابنة عمتها؛ ليلي باربر العجوز.

حذرت السيدة كروس السيدة كيد بينما كانتا تشقَّان طريقهما على الكرسيَّين المتحركَين باتجاه المصعد قائلة: «ليلي ليست بصحة جيدة. وثَمَّةَ شيء آخر، المكان لا يعبق برائحة عطرة مع أنهم حريصون كل الحرص على رش المكان بمعطرات الجو. إنهم يبذلون قصارى جهدهم.»

أول شيء وقعت عليه عينا السيدة كيد فور أن خرجتا من المصعد امرأة صغيرة البِنية كثيرة التجاعيد شيباء الشعر شعثاء، ترتدي فستانًا مُغَضَّنًا حتى إنه انحسر لأعلى وكشف عن ساقيها (فأشاحت السيدة كيد بوجهها عن هذا المنظر)، وتدلى لسانها بطريقة أوحت لها أنها تعجز عن استعادته داخل فمهما. كانت الرائحة الفواحة خليطًا من رائحة بول ساخن — لدرجة أن المرء قد يظن أنهم وضعوه بالفعل على الموقد — ومعطرات جو برائحة الزهور. لكن كانت هناك امرأة أخرى رقيقة المُحَيَّا تبدو عليها الحكمة والقدرة على التمييز، ترفع شعرها في شكل كعكة وترتدي مئزرًا فوق ثوب وردي نظيف.

بادرت هذه المرأة السيدة كروس والسيدة كيد بأسلوب طبيعي بقولها: «حسنًا، هل أحضرتما الأوراق؟»

أجابت السيدة كيد بأدب ظنًّا منها أنها تقصد الصحف: «أوه، إنها لا تصلنا سوى بعد الساعة الخامسة تقريبًا.»

قالت السيدة كروس: «لا تعيريها انتباهك.»

قالت المرأة: «يجب أن أوقع عليها اليوم، وإلا فستقع كارثة. سيوقعونني في ورطة. لم أعرف قط أن ذلك مخالف للقانون.» تكلمت المرأة ببراعة وإقناع وثقة شديدة لدرجة أن السيدة كيد اقتنعت بأنها سوية، ولكن السيدة كروس كانت تسرع بكرسيها مبتعدة. فتبعتها السيدة كيد.

قالت السيدة كروس بعد أن أدركتها السيدة كيد: «لا تشغلي نفسك بهذا الهراء.» وفي تلك اللحظة، ابتسمت لهما مبتهجةً امرأةٌ ذات غدة درقية متضخمة لم ترَ مثلَها السيدة كيد منذ سنوات. وكان الجميع في هذا القسم العلوي بلا أسنان.

قالت السيدة كيد: «حسبت أن تضخم الغدة الدرقية لهذا الحد قد اختفى في ظل استخدام اليود.»

كانتا تتجهان نحو صياح وصراخ.

قالت صاحبة الصوت: «جورج! جورج! جيسي! أنا هنا! تعاليا واصحباني لأعلى! جورج!»

كان هناك صوت آخر يتخلل هذه الصرخات بمرح ليقول: «سيئ، سيئ سيئ سيئ، سيئ سيئ، سيئ سيئ سيئ.»

كانت صاحبتا هذين الصوتين تجلسان حول طاولة طويلة بجوار صف من النوافذ في منتصف القاعة. وكان بجوارهما تسع أو عشر سيدات يجلسن هناك؛ بعضهن يتمتم أو يغني بهمس لنفسه، وكانت هناك امرأة تمزق وسادة صغيرة مزركشة صنعها أحدهم، وأخرى تأكل آيس كريم مغطًّى بالشيكولاتة، فتعلقت كسرات من الشيكولاتة على وجنتيها، وسالت قطرات من الآيس كريم على ذقنها. لم تتطلع أيٌّ منهن من النافذة أو بعضهن على بعض. ولم تُعِرْ أيهن انتباهًا لصيحات «جورج وجيسي» و«سيئ سيئ سيئ»؛ تلك الصيحات التي استمرت دون هوادة.

توقفت السيدة كيد.

«أين ليلي هذه؟»

«إنها في آخر غرف هذا الطابق؛ فهم لا يسمحون لها بمغادرة السرير.»

قالت السيدة كيد: «حسنًا، اذهبي أنتِ وتفقديها؛ سأعود أدراجي إلى أسفل.»

قالت السيدة كروس: «لا شيء يدعوكِ للاستياء؛ كلهن يعشن في عالمهن الصغير، وهن سعداء به سعادة لا توصف.»

قالت السيدة كيد: «لعلهن كذلك. لكنني لست مثلهن. أراكِ في غرفة الترفيه.» واستدارت بكرسيها المتحرك، وقطعت القاعة ومنها إلى المصعد حيث السيدة ذات الثياب الوردية ما فتئت تتساءل بإلحاح عن أوراقها. ولم ترجع السيدة كيد مرة أخرى إلى هذا الطابق.

•••

اعتادت السيدة كروس والسيدة كيد على لعب الأوراق في غرفة الترفيه يوميًّا بعد الظهر. فكانتا ترتديان الأقراط والجوارب والثياب التي تليق بفترة بعد الظهيرة وتذهبان إلى هذه الغرفة، وتتبادلان الأدوار في دفع حساب الشاي؛ فكانت فترات بعد الظهيرة هذه ممتعة بصفة عامة. وكان مستواهما في لعب الورق متقاربًا. أحيانًا كانتا تلعبان لعبة سكرابل (تكوين الكلمات)، لكن السيدة كروس لم تأخذ تلك اللعبة على محمل الجد — على عكس لعبة الأوراق — فأصبحت تافهة وميالة للتشاحن إذ تدافع عن تكوين كلمات من اختراعها؛ ولذا، كانتا تعودان إلى لعب الورق مرة أخرى مع التركيز على لعبة رومي أغلب الوقت. كانت الحياة أشبه بالمدرسة في هذا المكان. كان لكل شخص صديق حميم يرافقه؛ فكنت ترى نفس الأشخاص يجلسون دائمًا معًا في غرفة الطعام، والبعض لم يكن لديه رفقة على الإطلاق.

•••

الْتَفتت السيدة كروس إلى جاك لأول مرة عندما كان في غرفة الترفيه إذ كانت تلعب الورق مع السيدة كيد. كان قد أُودع في الدار منذ أسبوع تقريبًا. وكانت السيدة كيد تعرف بأمره.

سألت السيدة كيد: «هل ترين هذا الرجل أحمر الشعر إلى جوار النافذة؟ جاء إلى الدار بعد أن أصيب بسكتة دماغية. إنه في التاسعة والخمسين فقط من عمره. سمعت بالأمر في غرفة الطعام قبل أن تنزلي.»

«مسكين. في هذه السن الصغيرة!»

«من حسن حظه أنه على قيد الحياة. والداه ما زالا على قيد الحياة، ويعيشان في مزرعة. كان في زيارة لهما وفي طريق العودة أصيب بالسكتة ووجدوه مغشيًّا عليه ووجهه في الأرض في فناء الحظيرة. لم يكن مقيمًا هنا في الجوار، بل كان يعيش في المنطقة الغربية.»

قالت السيدة كروس: «المسكين! أين كان يعمل؟»

«كان يعمل بإحدى الصحف.»

«هل كان متزوجًا؟»

«لم أسمع شيئًا عن ذلك. كان معاقرًا للخمر، ثم انضم إلى مؤسسة إيه إيه لعلاج إدمان الكحوليات، وتغلب على إدمانه. ولكن لا يمكنك أن تثقي بكل ما يتناهى إلى مسامعك في هذا المكان.»

(كان هذا صحيحًا. فعادةً ما كان النزلاء يتداولون قصصًا عن المستجدين؛ قصصًا عن الأموال التي كانوا يملكونها، أو الأماكن التي ارتادوها، أو عدد العمليات التي خضعوا لها، والأجزاء البلاستيكية البديلة التي يحملونها سواء داخل أجسادهم أو خارجها. بعد بضعة أيام، قالت السيدة كروس إن جاك كان يعمل محررًا بإحدى الصحف. في البداية، سمعت أن الصحيفة في سدبري، ثم سمعت أنها في وينيبيج. وقالت أيضًا إنه أصيب بانهيار عصبي نتيجة مجهود زائد في العمل؛ وهذه هي الحقيقة، فهو لم يكن مدمنًا للكحوليات قط. كما قالت إنه ينتسب إلى عائلة كريمة، وإن اسمه جاك ماكنيل.)

وقتئذٍ، لاحظت السيدة كروس كم بدا نظيفًا ومعتنيًا بنفسه في سرواله الرمادي وقميصه فاتح اللون. ولكن كان ثَمَّةَ شيء متكلَّف وغير طبيعي، على الأقل بالنسبة له؛ إذ كان أشبه بشيء أمسى لامعًا من فرط تعرضه للماء. كان رجلًا ضخمًا لكنه عجز عن أن يقيم صُلبه، حتى وهو جالس في مقعده المتحرك. وكان النصف الأيسر من جسمِه كلُّه مرتخيًا وشبهَ مشلول وخائرَ القوى. ولم يكن الشيب قد اشتعل في شعر رأسه وشاربه بعد، بل اكتسيا بلون بُنِّي فاتح. وكان أبيض البشرة وكأنه لم يتعرض لضوء الشمس قط.

انقطع حبل أفكارها فجأة؛ فالواعظ الإنجيلي الذي اعتاد زيارة المكان كل أسبوع لتلاوة صلواته وإنشاد التراتيل (جرى العرف أن يأتيَ الواعظون الأكثر خبرة تباعًا واحدًا تلو الآخر أيام الآحاد)، كان يجوب غرفة الترفيه وزوجته في عقبه، يغدقان البسمات والتحيات على كل مَن تلتقي أعينهم بعينيه. نظرت السيدة كيد لأعلى عندما مرَّا بها وقالت همسًا ولكن بصوت مسموع: «مرحى للعالم.»

تبسم جاك الذي كان يجول بكرسيه المتحرك عبر الغرفة بطريقة خرقاء — عادةً في شكل دوائر — استجابةً لتعليقها. كانت ابتسامته فطنة وساخرة، ولم تتماشَ قط مع هيئته التي تشي بعجزه. لوحت إليه السيدة كروس أن يقترب، وتحركت هي نحوه قاطعةً جزءًا من الطريق لتلتقيَ به. عرَّفته بنفسها وبالسيدة كيد. ففتح فاه وقال: «أنا … أنا … أنا.»

قالت السيدة كروس مشجعةً إياه: «نعم، ماذا؟»

كرر جاك: «أنا … أنا … أنا.» وضرب الهواء بيده اليمنى، وسالت الدموع من عينيه.

سألته السيدة كيد: «هل تلعب معنا الورق؟»

قالت السيدة كروس: «يجب أن أكمل هذه اللعبة. أهلًا بك إن شئت أن تجلس وتشاهد اللعب. هل لعبت الورق من قبل؟»

أخرج يده اليمنى من جانبه وأمسك بكرسيها، ومال برأسه منتحبًا. حاول أن يرفع يده اليسرى كي يمسح دموعه، لكنه لم يستطع رفعها إلا مسافة قصيرة ثم سقطت في حِجره مرة أخرى.

قالت السيدة كروس بصوت خفيض: «حسنًا.» ثم تذكرت ما يجب أن تفعله عندما يبكي الأطفال؛ تذكرت كيف كانت تخرجهم من هذه الحالة بمزاحها الساخر. قالت وهي تميل ناحيته: «كيف يمكن أن أُحزِّر ما تقول إذا كنت تبكي؟ تحلَّ بالصبر. تعرفت على أناس أصيبوا بالسكتات الدماغية واستعادوا قدرتهم على الكلام. نعم، تعرفت على أمثالك. يجب ألا تبكيَ؛ فبكاؤك لن يجديَ نفعًا. تمهل في النطق. هيا قل: بوو … هوو … هوو. بوو … هوو … هوو. ستجعلنا نبكي إلى جوارك — أنا والسيدة كيد — لو ظللت على تلك الحالة.»

كانت هذه هي بداية تعهُّد السيدة كروس جاك بالرعاية؛ فقد ساعدته على الجلوس ومشاهدة لعبة الورق، وتجفيف دموعه، إلى حدٍّ ما، وإصدار ضجيج كبديل للكلام عوضًا عن محاولاته البائسة للكلام (أنا … أنا … أنا). شعرت السيدة كروس بأن شعورًا ما يتطور بداخلها؛ كان شعورًا بقدرتها القديمة على تحمل المسئولية والرعاية، وكفاءتها في وضع الخطط التي إن طُبقت كما ينبغي يستحيل أن يستشفها من تُطبق عليهم.

لكن السيدة كيد تستطيع أن تستشفها.

فقالت: «لا يمكن أن أطلق على هذه لعبة الورق.»

•••

سرعان ما اكتشفت السيدة كروس أن جاك يفقد اهتمامه بلعبة الورق، وأنه لا جدوى من محاولة حمله على اللعب؛ فقد كانت غايته الحوار. لكن محاولته تبادُل أطراف الحديث كانت تفضي إلى البكاء والنحيب.

قالت له: «البكاء لا يزعجني. فهو ليس بالأمر الغريب عليَّ. لكن لن ينفعك أبدًا أن يصفك الآخرون بالطفل البكَّاء، خاصةً في ظل هذا الحشد من الناس.»

بدأت تطرح عليه أسئلة يمكنه الإجابة عنها إما بالإيجاب أو النفي؛ مما أسعده وأتاح لها فرصة اختبار صحة معلوماتها.

نعم، كان يعمل في صحيفة. لا، لم يكن متزوجًا. لا، لم تكن الصحيفة في سدبري. وأخذت السيدة كروس تسرد أسماء كل المدن التي تخطر على بالها، لكنها عجزت عن الوصول للمدينة الصحيحة، فصار عصبيًّا وحاول أن يتكلم، وهذه المرة شارفت المقاطع أن تُكَوِّن كلمة، لكنها لم تستطِع أن تستشفها. ألقت باللوم على نفسها لأنها لا تُلم بأسماء الكثير من الأماكن. وبعدها، إذ راودتها الفكرة، طلبت منه ألا يبارح مكانه وألا يتحرك قيد أنملة، فسترجع إليه، ثم انطلقت بكرسيها المتحرك إلى الردهة ومنها إلى المكتبة. وهنالك بحثت عن كتاب يحوي خرائط. تأففت عندما نما إلى علمها أنه لا يوجد كتاب كهذا؛ لم تجد سوى قصص رومانسية وكتب دينية. لكنها لم تيأس؛ فانطلقت عبر الردهة إلى غرفة السيدة كيد؛ فمنذ أن تراجعت وتيرة ممارستهما للعبة الورق (ما زالتا تلعبان بعض الأيام، ولكن ليس كل يوم)، اعتادت السيدة كيد على تمضية فترات بعد الظهيرة في غرفتها. ووقت أن ذهبت إليها السيدة كروس، كانت في غرفتها مستلقية على سريرها، في مبذل أرجواني اللون أنيق ذي رقبة عالية مطرزة. وكانت تشعر بصداع.

سألتها السيدة كروس: «هل لديك كتاب كتلك الكتب التي تتناول الجغرافيا؟ كتاب يحتوي على خرائط.» وشرحت لها أنها تريده من أجل جاك.

سألتها السيدة كيد: «تعنين أطلس. أعتقد أن لديَّ واحدًا. لا يمكنني أن أتذكر مكانه. يمكنك البحث في الرف السفلي. لا أتذكر الكتب الموجودة في هذا الرف.»

صفَّت السيدة كروس كرسيها المتحرك إلى جوار مكتبة السيدة كيد، وشرعت ترفع الكتب الثقيلة على حجرها الواحد تلو الآخر، وتطالع عناوينها عن كثب. كانت تلهث من فرط السرعة التي تحركت بها بكرسيها.

قالت السيدة كيد: «إنك تنهكين نفسك. وإن لم تجدي ما تبحثين عنه، فستشعرين بالانزعاج وسينزعج بسببك. وما الهدف من كل ذلك؟»

«إنني لست منزعجة. إنهم يرتكبون جريمة بإيداعه هنا.»

«جريمة؟»

«رجل ذكي كهذا، ماذا يفعل هنا؟ كان ينبغي أن يودعوه في أحد تلك الأماكن التي يعلِّمون فيها النزلاء أشياء كاستعادة القدرة على الكلام. ما اسم هذه الأماكن؟ أنت تعرفينها. لماذا أنزلوه هنا وحسب؟ أود أن أمد له يد العون، ولا أعرف كيف. حسنًا، عليَّ أن أحاول وحسب. إذا كان فتًى من فتياني يعاني مما يعانيه في مكان لا يعرفه فيه أحد، فأملي الوحيد أن تهتم به امرأة ما اهتمامي بهذا الرجل.»

قالت السيدة كيد: «إعادة التأهيل. السبب الذي دعاهم لإيداعه في هذا المكان هو أن السكتة الدماغية على الأرجح كانت أقوى من أن يساعدوه بأي شيء.»

قالت السيدة كروس متجاهلة الرد على تفسير صديقتها: «كل شيء متاح سوى كتاب خرائط. سيحسب أنني لن أرجع.» ساقت كرسيها المتحرك من غرفة السيدة كيد دون كلمة شكر أو تحية وداع. كانت تخشى أن يحسب جاك أنها لم تكن تنوي العودة، وأن قصدها مما فعلت هو التخلص منه وحسب. وكما توقعت كان قد اختفى عندما عادت إلى غرفة الترفيه. لم تعرف كيف تتصرف. كانت على وشك البكاء. فلم تكن تعرف مكان غرفته. جال في خاطرها أن تذهب إلى مكتب الاستعلامات وتستفسر. لكن المسئولات عنه كن يتكاسلن عن العمل، وفور أن تشير عقارب الساعة إلى الرابعة، كن يرتدين معاطفهن ويرجعن إلى بيوتهن، ولا يكترثن بشيء. تحركت بكرسيها باتجاه الممر ببطء وهي تتساءل كيف تتصرف، وإذا بعينيها تقعان على جاك في ممر جانبي مسدود.

«ها أنت ذا! الحمد لله! لم أكن أعرف أين أبحث عنك. هل ظننت أنني لن أرجع مرة أخرى؟ سأخبرك بما ذهبت للبحث عنه. كنت سأفاجئك. ذهبت بحثًا عن أحد تلك الكتب التي تحوي خرائط — ماذا تسمونها؟ — كي تستطيع أن تشير إلى المكان الذي كنت تعيش فيه. أطلس!»

كان جالسًا على كرسيه المتحرك يحدق في الجدار الوردي كما لو كان نافذة. وكان الجدار يحمل مجموعة من الرفوف المكشوفة، عليها مزهرية تحوي في داخلها نرجسًا بريًّا بلاستيكيًّا، وبعض التماثيل الصغيرة لأقزام وكلاب؛ وعلى الجدار أيضًا ثلاث لوحات ملونة حسب الأرقام، تم عملها في غرفة الأشغال اليدوية.

«صديقتي السيدة كيد لديها عدد من الكتب يفوق تلك المتاحة في المكتبة. لديها كتاب لا يتناول شيئًا سوى حشرات البق، وآخر عن القمر وحسب؛ متى هبطوا عليه، وتفاصيل أخرى عن كثب. لكنها لا تملك كتابًا بسيطًا عن الخرائط.»

كان جاك يشير إلى واحدة من اللوحات.

سألته السيدة كروس: «إلى أي واحدة تشير؟ لوحة الكنيسة والصليب؟ لا؟ اللوحة التي تعلوها؟ لوحة أشجار الصنوبر؟ نعم؟ ماذا عنها؟ أشجار الصنوبر والغزال الأحمر؟» كان يبتسم ويلوح وبيده. كانت تأمل ألا يتحمس أكثر من اللازم ثم يصاب بخيبة أمل هذه المرة. «ماذا عنها؟ إنها تشبه الأشياء التي تعرض على شاشة التلفزيون. أشجار؟ أخضر؟ أشجار الصنوبر؟ هل تقصد الغزال؟ ثلاثة غزلان؟ لا؟ نعم؟ ثلاثة غزلان حمراء؟» حرك ذراعه لأعلى ولأسفل فقالت: «لا أعرف حقًّا ما تقصده. ثلاثة … غزلان … حمراء (بالإنجليزية: ثري رد دير). انتظر لحظة! هذا اسم مكان. لقد سمعته في نشرة الأخبار. رد دير. رد دير! هذا هو المكان! هذا هو المكان الذي كنت تعيش فيه! هذا هو المكان الذي كنت تعمل فيه في إحدى الصحف! رد دير.»

شعرا بسعادة غامرة، وأخذ هو يلوح بذراعه محتفلًا بتلك اللحظة وكأنه يقود أوركسترا، ومالت هي إلى الأمام ضاحكة وضاربة ركبتيها بيديها.

«أوه، ليت كل شيء كان على هيئة صور كهذه، كان من الممكن أن نستمتع بوقتنا أنا وأنت! كان من الممكن أن نمرح كثيرًا، أليس كذلك؟»

•••

حددت السيدة كروس موعدًا لزيارة الطبيب.

«سمعت عن أشخاص عانوا من سكتات دماغية عنيفة واستعادوا قدرتهم على الكلام، أليس ذلك صحيحًا؟»

«هذا أمر محتمل. لكنه مرهون بعدة أمور. هل يهمكِ أمر هذا الرجل كثيرًا؟»

«لا بد أن إحساسه بالعجز بشع. لا عجب أنه يبكي.»

«كم من الأطفال أنجبتِ؟»

«ستة.»

«أعتقد أنك حصلت على نصيبك من القلق.»

استطاعت أن تستشف أنه لا يود أن يصرح لها بشيء. فإما أنه لا يتذكر الكثير عن حالة جاك، أو أنه يتظاهر بالنسيان.

قال الطبيب: «أنا هنا لرعاية النزلاء؛ هذه هي مهمتي، وهذه هي مهمة الممرضات أيضًا؛ ولذا، دعي لنا القلق؛ فهذا ما يدفعون لنا لقاءه، أليس كذلك؟»

أرادت أن تسأله عن مدى قلقه.

كانت السيدة كروس تود أن تتحدث إلى السيدة كيد بخصوص هذه الزيارة لأنها كانت تعرف أن السيدة كيد تقول عن الطبيب إنه أبله، لكن السيدة كيد فَور علمها أن جاك هو سبب الزيارة، كانت ستلقي على مسامع صديقتها تعليقات تشي بنفاد الصبر؛ ولهذا لم تكلمها السيدة كروس عن جاك. بل تحدثت مع أناس آخرين عنه، لكنها وجدتهم يملون من الحديث. لا يبالي أحد بمصيبة أحد هنا، هكذا حدَّثت نفسها. حتى عندما يموت أحدهم، لا يكترث أحد. أنا ومِن بعدي الطوفان. ما زلت على قيد الحياة، ماذا سأتناول على العشاء؟ إنها الأنانية. فهم لا يقلون سوءًا عن نزلاء الدور الثاني، كل ما في الأمر أنهم لم يُظهروا سوءهم بعد.

لم تصعد للدور الثاني، ولم تبادر بزيارة ليلي باربر منذ أن رافقت جاك.

•••

كان يروق لهما الجلوس في ركن الممر إلى جوار صورة الغزال الأحمر؛ المكان الذي شهد أول نجاح لهما. اتفقا على أن يكون هذا هو مكانهما الخاص حيث يمكنهما الاختلاء بعيدًا عن أعين الآخرين. أحضرت السيدة كروس قلم رصاص وورقة، وأخرجت الدرج الناتئ من كرسيه وثبتته، وحاولت أن تتعرف على قدرة جاك على الكتابة. كانت شأنها شأن الكلام بالنسبة له؛ فقد كان يكتب متعجلًا بعض الشيء، ويضغط على القلم حتى ينكسر سنه، ثم يبدأ في البكاء. لم يحققَا أي تقدم، في الكتابة أو الكلام. كان الجهد بلا طائل. لكنها كانت تتعلم كيف تتحدث إليه بطريقة نعم ولا، وبدا لها أحيانًا أنها تستطيع قراءة أفكاره.

قالت له: «لو كنتُ أكثر ذكاء، لنفعتك أكثر من ذلك. أليس هذا مزعجًا؟ أستطيع أن أقول كل ما يدور برأسي، لكن رأسي خاوٍ دائمًا، بينما يعج رأسك بالأفكار ولا تستطيع أن تفصح بشيء منها. لا عليك. سنحتسي قدحًا من القهوة، أليس كذلك؟ قدح من القهوة، هذا ما تحبه. اعتدنا أن نحتسيَ أنا وصديقتي السيدة كيد الشاي طوال الوقت، لكنني الآن أحتسي القهوة؛ فأنا أفضلها أيضًا.»

•••

«إذن، أنت لم تتزوج من قبل؟ أبدًا؟»

أبدًا.

«هل كانت لديك حبيبة؟»

نعم.

«هل كانت لديك حبيبة؟ حقًّا؟ منذ زمن طويل؟ منذ زمن طويل أم مؤخرًا؟»

نعم.

«منذ فترة طويلة أم مؤخرًا؟ كلاهما. منذ فترة طويلة ومؤخرًا. حبيبتان مختلفتان. حبيبة واحدة؟ واحدة. المرأة نفسها. كنت واقعًا في عشق المرأة نفسها لسنوات طويلة، لكنك لم تتزوجها. أوه، جاك. ولماذا لم تفعل؟ ألم يكن من الممكن أن تقبل زواجك؟ هي لم تقدر. ولمَ لا؟ هل كانت متزوجة حينئذٍ؟ كانت متزوجة؟ نعم. نعم. يا إلهي.»

تأملت وجهه لترى إن كان يؤلمه التحدث في هذا الموضوع، أم أنه أراد أن يسترسل. حسبت أنه يود أن يسترسل. كان الفضول يقتلها حيث أرادت أن تسأل عن مكان هذه المرأة الآن، لكن شيئًا ما حذرها ألا تفعل. وبدلًا من ذلك، بدأت تتحدث بطريقة لا تفضح فضولها الشديد.

«أتساءل إن كان بإمكاني تخمين اسمها؟ هل تذكر الموقف الذي توصلنا فيه إلى مكان عملك في رد دير؟ ألم يكن هذا الموقف رائعًا؟ يمكنني أن أبدأ بحرف أ ثم أنتقل إلى بقية الأبجدية لمعرفة اسم حبيبتك. آن؟ أودري؟ أنابيل؟ لا. أعتقد أنني سأتبع حدْسي وحسب. جين؟ ماري؟ لويز؟»

كان اسمها بات، اختصار باتريشيا. خمنته في محاولتها الثلاثين تقريبًا.

«الآن، في مخيلتي، كل من اسمهنَّ بات شقراوات. ليست سمراء. هل تدري كيف تتكون صورة في مخيلتي لأي اسم؟ أكانت شقراء؟ نعم؟ وطويلة، في مخيلتي كل من اسمهنَّ بات طويلات القامة. أكانت طويلة؟ حسنًا! كان تخميني صحيحًا. طويلة وشقراء. امرأة فاتنة. امرأة جميلة.»

نعم.

شعرت بالخجل من نفسها لأنها تمنَّت للحظة لو كان في حياتها أحد تخبره بما عرفته عن جاك.

«هذا سر إذنْ بيني وبينك. والآن، إذا أردت أن تكتب رسالة إلى بات، تعال إليَّ. تعالَ إليَّ وسأخمن ما تريد أن تقول لها وسأكتبه لك.»

لا. رسالة لا. أبدًا.

«حسنًا، لديَّ سر أنا أيضًا. كان لي حبيب، لكنه قُتل في الحرب العالمية الأولى. رافقني ذات مرة من حفل التزلج إلى بيتي، كان حفل التزلج الذي أقامته مدرستنا. كنت في الصف الأخير من المرحلة الثانوية. وكنت أبلغ من العمر أربعة عشر عامًا. كان ذلك قبل الحرب. أُعجبت به وكنت أفكر فيه. ولمَّا سمعت أنه قُتل، كان ذلك بعد أن تزوجت، فقد تزوجت في السابعة عشرة من عمري، عندما سمعت أنه قُتل حدَّثت نفسي بأن لديَّ شيئًا أتطلع إليه الآن. يمكنني أن أتطلع للقائه في الجنة. هذا صحيح. إلى هذا الحد كنت طفولية.

ماريان كانت في حفل التزلج هذا أيضًا. أتعرف من أقصد بماريان؟ السيدة كيد. كانت بالحفل، وكانت ترتدي أجمل زي تزلج على الإطلاق. كان بلون السماء الزرقاء ومؤطر بفراء أبيض وله قلنسوة. وكانت تلف على يديها أيضًا فراءً أبيض اللون لتدفئتهما. لم أرَ شيئًا وتمنَّيت اقتناءه كفراء اليدين هذا.»

•••

السيدة كروس، وهي مستلقية في الظلام ليلًا قبل أن تخلد إلى النوم، كانت تراجع كل الأحداث التي وقعت مع جاك في ذلك اليوم: كيف بدت هيئته، كيف بدا لون بشرته، هل بكى وإلى متى دام بكاؤه، وكم مرة بكى، وهل كان في حالة مزاجية عصبية في غرفة الطعام، منزعجًا من الحشد الكبير الذي يحيط به أم ربما لا يروق له الطعام؛ ما إذا كان قال لها عمت مساءً عابسًا أم ممتنًّا.

•••

في تلك الأثناء، كانت السيدة كيد قد وجدت لنفسها رفيقة جديدة. كان اسمها شارلوت وكانت نزيلة في غرفة على مقربة من غرفة الطعام ولكنها انتقلت مؤخرًا إلى الجانب الآخر من الردهة. كانت شارلوت طويلة القامة، نحيفة القد، مهذبة وجديرة بالاحترام، في منتصف الأربعينيات من عمرها. كانت تعاني من مرض تصلب الأنسجة. وأحيانًا كانت تقل عنها أعراض المرض، كحالها الآن؛ فيصبح بإمكانها العودة إلى بيتها إن شاءت وإن كان لها مأوًى تذهب إليه، لكنها كانت سعيدة في هذه الدار. سنوات طويلة من الحياة في مؤسسات رعاية المرضى جعلتها طفولية الطابع عطوفة وبشوشة. كانت تساعد في محل تصفيف الشعر الموجود بالدار، وكانت تعشق عملها فيه، كانت تحب أن تمشط شعر السيدة كيد وترفعه بالمشابك مشيدة بكثرة الشعر الأسود الذي لم يَطَلْه الشيب بعد. كانت تضع صبغة مؤقتة على شعرها تجعله يميل إلى الأشقر الفاتح، وتصففه لأعلى على نحوٍ يجعله يبدو كثيفًا، وتثبته على هذا النحو بمثبت الشعر. وكان بإمكان السيدة كيد أن تشم رائحة مثبت الشعر من غرفتها، وكانت تنادي عليها قائلة: «شارلوت! هل نقلوكِ إلى هنا كي تصيبينا بالاختناق؟»

فتضحك شارلوت مقهقهة. أحضرت هدية للسيدة كيد؛ كانت محفظة حمراء مصنوعة من اللباد، ومثبَّتةً فيها تصميمات من أوراق شجر، وأزهار زرقاء وصفراء؛ صنعتها لها خصوصًا في غرفة الأشغال اليدوية. وحدَّثت السيدة كيد نفسها كم كانت تلك المحفظة تشبه حامل وصفات الطعام الذي اعتاد أبناؤها أن يجلبوه إلى البيت من المدرسة بعد صنعه؛ وكان عبارة عن طبق كبير من الورق المقوَّى مثبَّت به نصف طبق بخيط لامع بحيث يتيح تثبيت ورق وصفات الطعام بينهما. لكنه لم يكن يحوي ما يكفي من أوراق وصفات الطعام ليكون ذا نفع حقيقي. كان شيئًا تافهًا بُذل فيه جهد جهيد شأنه شأن الأقمشة المطرزة بالكروشيه للإمساك بأواني المطبخ الساخنة التي يمكن أن يتعرض المرء للحرق إن استخدمها؛ ومثله مثل رأس الحصان المنحوت من الخشب وبه خطاف ليس كبيرًا بالقدر الكافي لتعليق قبعة عليه.

صنعت شارلوت مَحَافِظ لبناتها المتزوجات، ولحفيدتها الصغيرة، وللمرأة التي كانت تعيش مع زوجها وأخذت اسمه. وقد كان الاثنان — زوجها وتلك المرأة — يجيئان بانتظام لزيارة شارلوت؛ وكانوا جميعًا نعمَ الأصدقاء. كان هذا الترتيب مرضيًا بالنسبة للزوج، وبالنسبة للبنات، وربما لشارلوت نفسها. ولم تكن شارلوت مخدوعة بأي شكل، والأرجح أنها استسلمت لعلاقتهما دون تذمر. بل ربما سعدت بهذه الفرصة.

قالت السيدة كروس: «ماذا تتوقعين؟ إنها شارلوت هانئة البال.»

لم يقع بين السيدة كروس والسيدة كيد أي خلاف أو فتور في علاقتهما. فما زالتا تتبادلان أطراف الحديث وتلعبان الورق. لكن استمرار العلاقة بشكلها الأول كان صعبًا عليهما وقتئذٍ؛ فقد كفَّا عن الجلوس على الطاولة نفسها في غرفة الطعام لأن السيدة كروس كان عليها الاعتناء بجاك والتأكد من أنه ليس بحاجة ليد المساعدة في قطع شريحة اللحم. لم يكن يسمح لأحد غيرها بقطعها، بل كان يتظاهر بإعراضه عن الطعام ويفوِّت على نفسه حصته من البروتين إن لم تكن موجودة. كما أن شارلوت احتلت مكان السيدة كروس على طاولة الطعام مع السيدة كيد. ولم يكن لدى شارلوت أي مشكلة في قطع شريحة اللحم خاصتها، والواقع أنها كانت تقطع شريحة اللحم والخبز المحمص والبيض والخضراوات والكعك وأي شيء تتناوله ويسهل قطعه إلى أجزاء صغيرة قبل أن تشرع في تناول الطعام. ولأن السيدة كيد قالت لها إن أسلوبها في تناول الطعام مخالف للآداب العامة، شعرت شارلوت بالاكتئاب، لكنها كانت عنيدة واستمرت في تناول الطعام بطريقتها المعتادة.

قالت السيدة كيد للسيدة كروس عن شارلوت: «ما كنا لنستسلم بسهولة، أنا ولا أنتِ. ما كان ليُتاح أمامنا الاختيار.»

«هذا صحيح. لم تكن هناك أماكن كهذه. لم تكن أماكن جيدة. وما كانت لتساعدنا على البقاء على قيد الحياة على النحو نفسه الذي يعتنون به بشارلوت. أعني باستخدام العقاقير وما شابه ذلك. وربما أن العقاقير هي التي تجعلها تتصرف بسذاجة.»

التزمت السيدة كيد الصمت، وعلا وجهها العبوس لما وصفت صديقتها شارلوت بالسذاجة، ولو أن هذه هي الطريقة الفظة لصياغة ما كانت تحاول هي نفسها التعبير عنه. بعد لحظة من الصمت، تكلمت بلا مبالاة.

«أعتقد أنها أذكى مما تظهر للآخرين.»

قالت السيدة كروس بهدوء: «لا يمكنني الجزم.»

جلست السيدة كيد ورأسها مائل إلى الأمام سارحةً في أفكارها. يمكنها الجلوس هكذا لنصف ساعة بسهولة تاركة شعرها لشارلوت لتمشطه وتعتنيَ به. هل كانت تتحول إلى واحدة من هؤلاء العجائز اللائي تطيب لهن خدمة الآخرين لهن؟ فهؤلاء العجائز بحاجة إلى من يُصدِرن إليه الأوامر؛ إنهن اللائي جُبْن العالم على متن سفن بحرية، فقد قرَأَت عنهن في الروايات. كن يسافرن حول العالم، وينزلن في الفنادق أو يعشن في قصور مهيبة متداعية مع وصيفاتهن. كان من السهل جدًّا إصدار الأوامر لشارلوت، وحملها على ممارسة لعبة سكرابل، وتوجيهها كلما سلكت سلوكًا غير مستحب. وكانت شارلوت تتوق لأنْ تصبح خادمة لدى إحداهنَّ. لماذا إذنْ كبحت السيدة كيد رغبتها في استخدامها؟ لم ترغب أن تندرج تحت فئة هؤلاء العجائز اللائي يسهل تمييزهن. علاوةً على ذلك، فالخدم يكلفون أسيادهم أكثر مما يستحقون. وفي نهاية المطاف، إخلاص الناس لك ليس إلا قيد من حديد يلتف حول عنقك. إنها التوقعات؛ ولذا أرادت أن تحرر نفسها من كل هذا. أحيانًا كانت تفعل ذلك بالاستلقاء على سريرها وإلقاء كل الأشعار التي تحفظها عن ظهر قلب بينها وبين نفسها، أو ذكر الحقائق التي أمسى من الصعب شيئًا فشيئًا البقاء عليها في ذاكرتها. وفي أحيانٍ أخرى كانت تتخيل بيتًا على حدود غابة مظلمة أو مستنقع مظلم وأمامه حقول غنَّاء زاهية الألوان تمتد حتى الشاطئ. تخيلت أنها تعيش هناك وحدها كامرأة عجوز على صفحات قصة.

•••

أرادت السيدة كروس أن تصطحب جاك معها خلال الزيارات؛ فقد حسبت أن الأوان قد آن لكي يتعلم الاندماج مع الآخرين. والآن، لم يعد يبكِ كثيرًا في خلوتهما كما كانت عادته من قبل. لكن أحيانًا أثناء تناول الوجبات كانت تخجل منه وتخبره بذلك. كان يستاء من شيءٍ ما، وعادةً لم تكن تعرف سبب استيائه، وأحيانًا كان عبوسه واستياؤه يستمر حتى يضرب السُّكَّرية أو يطيح بكل الأواني التي يستخدمها على الأرض. ففكرت أنه إن استطاع أن يألف القليل من الناس كما ألفها، فسيهدأ وسيتصرف بلباقة.

في المرة الأولى التي اصطحبته فيها إلى غرفة السيدة كيد، قالت الأخيرة إنها كانت على وشك الخروج هي وشارلوت. كانتا تقصدان غرفة الأشغال اليدوية، ولكنها لم تطلب إليهما أن يرافقاها. وفي المرة الثانية التي حضرا فيها، كانت السيدة كيد وشارلوت تلعبان لعبة سكرابل؛ ولذا لم يكن هناك مفر من استقبالهما.

قالت السيدة كروس: «أتمانعين إن شاهدناكما لبرهة؟»

«أوه، لا، ولكن لا تلوميني إذا أصابك الضجر؛ فشارلوت تستغرق وقتًا طويلًا جدًّا كي تتخذ قراراتها في اللعبة.»

«لسنا في عجلة من أمرنا. وما من أحد ينتظرنا في أي مكان آخر. أليس كذلك يا جاك؟»

تساءلت ما إذا كان بإمكانها إقناع جاك بممارسة هذه اللعبة. فلم تكن تدرك مدى المشكلة التي يعاني منها عندما حاول أن يكتب؛ أكانت المشكلة في عجزه عن ترتيب الأحرف؟ هل هذه هي المشكلة وحسب؟ أم كان عاجزًا عن تحديد كيف تصوغان الكلمات؟ ربما أن تلك هي مشكلته الأساسية.

على أية حال، كان جاك مهتمًّا باللعبة؛ إذ دفع كرسيه إلى جوار شارلوت التي التقطت بعض الأحرف، ثم أعادتها، ثم التقطتها مرة أخرى، وأمعنت النظر فيها في يدها، وأخيرًا شكلت كلمة wind حيث بدأت بحرف w الذي انتهت به كلمة elbow التي أتت بها السيدة كيد. فهم جاك اللعبة فيما يبدو. وكان سعيدًا جدًّا لدرجة أنه ربت على ركبة شارلوت مهنئًا إياها. فأملت السيدة كروس أن تدرك شارلوت أنَّ بادِرته كانت بدافع الود وحسب وألا تستاء.

ولكن لم يكن هناك داعٍ للقلق؛ فشارلوت لم تكن تعرف كيف تستاء من الآخرين.

قالت السيدة كيد بوجه عبوس: «أحسنتِ.» وعلى الفور شكلت كلمة demon مبتدئة بحرف d الذي انتهت به كلمة شارلوت، وأضافت: «كلمة بثلاث نقاط.» ودونت النقاط: «التقطي أحرفك يا شارلوت.»

عرضت شارلوت أحرفها الجديدة على جاك، الواحد تلو الآخر، فأصدر غمغمة تنم عن تشجيعه. وراقبته السيدة كروس عاقدة الآمال على ألا يحدث شيء يعكر مزاجه ويفسد المودة التي يبديها. لم يعكر شيءٌ صفوَه، لكن أثره على قدرة شارلوت على التركيز لم يكن إيجابيًّا.

سألته شارلوت: «هل تريد أن تساعدني؟» وقامت بتحريك اللوح الصغير الذي يحمل الأحرف، بحيث صار أمام كلٍّ منهما. وانحنى بشدة لدرجة أن رأسه كاد يمس كتفيها.

قال جاك وقد بدا متهللًا: «أنا … أنا … أنا.»

سألته شارلوت مازحة: «أنا … أنا … أنا؟ أي كلمة هذه التي تنطق أنا … أنا … أنا؟»

توقعت السيدة كروس أن يستشيط غضبًا، لكنه ضحك مقهقهًا، وكذلك شارلوت أيضًا، فأضحت مباراة في الضحك بينهما.

قالت السيدة كيد: «يا للصداقة التي نشأت بينكما!»

فكرت السيدة كروس أنه من الأفضل أن تتفادى إثارة حنق السيدة كيد إن أرادا تكرار الزيارة بصفة منتظمة.

فقالت بعذوبة: «جاك، لا تشتت شارلوت. دعها تلعب.»

ولكنها وهي تلفظ عبارتها الأخيرة، رأت يد جاك وهي تهبط على لوح لعبة سكرابل بشكل أخرق، فطاشت الأحرف في الهواء. التفت إليها وأراها نظرته القبيحة التي كانت أسوأ من أي نظرة وقعت عليها عيناها من قبل. ذُهلت بل وشعرت بالرعب، لكنها لم ترد أن يرى الخوف في عينيها.

قالت: «ماذا فعلت؟ يا له من سلوك!»

أصدر صوتًا ينم عن الاشمئزاز، وأطاح بلوح لعبة سكرابل وتبعثرت الأحرف كلها على الأرض، دون أن يشيح بوجهه عن السيدة كروس بحيث لا يتسلل إليها الشك في أن اشمئزازه وغضبته بسببها هي فقط. وحينئذٍ، أدركت أنه من المهم في هذه اللحظة أن تتحدث ببرود وحسم. هكذا يجب أن يتعامل المرء مع الأطفال أو الحيوانات؛ يجب أن تُريَهم أن هيمنتك على الموقف لم تتزعزع، وأنك لم تتأثر أو تنزعج من هذه التصرفات. لكنها لم تقوَ على النطق بكلمة واحدة، واكتنفها شعور بالأسى والصدمة وقلة الحيلة، واغرورقت عيناها بالدموع. ولما رأى دموعها ازدادت تعبيرات وجهه كرهًا وتوعدًا كما لو كانت المشاعر التي يُضمرها لها تتقد وتزداد لهيبًا مع مرور كل لحظة.

في تلك اللحظات، لم تفارق الابتسامة وجه شارلوت؛ إما لأنها لم تستطع أن تخرج من حالة الضحك الهستيري التي سيطرت عليها منذ قليل، أو لأنها لم تعرف ما يمكن أن تفعل سوى الابتسام مهما حدث. فتخضب وجهها بحمرة الخجل، وبدت على مُحَيَّاها أمارات الأسف والتوتر.

تمكن جاك من الدوران بكرسيه بحركة عنيفة وخرقاء. ووقفت شارلوت. وحملت السيدة كروس نفسها على الكلام.

«نعم، من الأفضل أن تقليَه إلى مهجعه الآن. من الأفضل أن يعود لمهجعه ويهدأ ويتوب عن تصرفاته المشينة. من الأفضل أن يفعل ذلك.»

أصدر جاك صوتًا ساخرًا القصد منه فيما يبدو أن يوحيَ بأن السيدة كروس تملي على شارلوت ما كانت ستفعله شارلوت على أية حال؛ كانت السيدة كروس تتظاهر وحسب بالسيطرة على مجريات الأمور. فأمسكت شارلوت بالكرسي المتحرك، وأخذت تدفعه باتجاه الباب، وزمت شفتيها الباسمتين محاولةً التركيز وهي تتجنب الاصطدام برفوف المكتبة وصندوق الفراشات المتكئ على الجدار في طريقها للخارج. ربما كان من الصعب عليها توجيه كرسيه المتحرك، وربما كان لديها مشكلة في الأفعال الانعكاسية العادية وتوازنات جسدها فلم تستطع التعويل عليها من الأساس. لكنها بدت سعيدة؛ إذ رفعت يدها لتحيتهما وأطلقت العنان لابتسامتها، وانطلقت إلى الممر. كانت تشبه تمامًا واحدة من تلك الدمى العتيقة، لا من النوع الذي اعتادت السيدتان كروس وكيد على حيازته، ولكن الدمى التي كانت أمهما تلهوان بها؛ دمًى بأجساد طويلة رخوة، ووجوه وردية وبيضاء، وشعر مجعد مصفف على الطريقة الصينية، وابتسامات خليقة بسيدة نبيلة. ظل جاك مشيحًا بوجهه؛ والجزء الذي استطاعت السيدة كروس أن تراه منه كان مُضَرَّجًا بحُمرة شديدة.

قالت السيدة كيد عندما رحلا: «سيكون من السهل على أي رجل أن ينال من شارلوت ما يريد.»

قالت السيدة كروس بنبرة جافة مع أن صوتها كان مرتعدًا: «لا أعتقد أنه يمثل مصدر خطر كبير.»

تطلعت السيدة كيد على لوح لعبة سكرابل والأحرف المبعثرة على الأرضية كلها.

وقالت: «لن ننجح إن حاولنا جمع هذه الأحرف. إذا حاولت إحدانا أن تنحنيَ، فسيُغشى عليها.» وصدقت.

قالت السيدة كروس بعد أن أمست تتحكم في نبرة صوتها الآن: «يا لنا من عجوزَين عديمتَي الفائدة، ألسنا كذلك؟»

«لن نحاول جمعها. عندما تأتينا الفتاة بالعصير، سأطلب إليها أن تجمعها. لا حاجة لأنْ نرويَ ما حدث. هذا ما سنفعله. لن ننحنيَ لجمعها ونكسر أنفَيْنا.»

أحسَّت السيدة كروس بقلبها يخفق بشدة. كان قلبها أشبه بغراب عجوز كسيح يتخبط داخل صدرها؛ فعقدت يديها محل قلبها كي تقبض عليه.

قالت السيدة كيد دون أن تشيح بناظريها عن وجه السيدة كروس: «حسنًا، إنني لم أحكِ لك أبدًا، لا أحسب أنني قلت لكِ. لم أخبرْكِ قط بما حدث عندما نهضتُ من السرير سريعًا في شقتي، ووقعتُ على وجهي وأُغشي عليَّ. من حسن الحظ أن جارتي في الشقة السفلى كانت موجودة في بيتها، وسمعت صوت ارتطامي بالأرض، فاستدعت ذاك الرجل، لا أذكر ما يطلقون عليه؛ نعم، المشرف على العقار. فدلفا إلى الشقة ووجدا حرارتي منخفضة جدًّا، فاتصلا بالإسعاف. لا أذكر شيئًا عما حدث بعد ذلك. لا يمكنني حتى أن أذكر أي شيء حدث طوال الأسابيع الثلاثة اللاحقة. لم أكن فاقدة الوعي. ليتني كنت كذلك. لكنني كنت واعية، وقلت أشياء سخيفة. هل تعرفين أول شيء استدعته ذاكرتي؟ الطبيب النفسي الذي جاء لزيارتي! كانوا قد استدعَوْا طبيبًا نفسيًّا لمعرفة ما إذا كنت مختلة عقليًّا. لكن أحدًا لم يخبرني أنه طبيب نفسي. هذا جزء من العلاج، لا أحد يطلعك على الحقيقة. كان يرتدي شيئًا أشبه بسترة الجيش. كان شابًّا وديعًا هادئًا؛ ولذا، حسبته شابًّا عاديًّا جاء من الشارع.

سألني: «ما اسم رئيس الوزراء؟»

حسنًا! ظننته مخبولًا. فقلت له: «ومن يعبأ؟» وأدرت ظهري له وكأنني سأخلد إلى النوم، ومنذ ذلك الحين لم أنسَ شيئًا.»

«من يعبأ!»

الواقع أن السيدة كروس سمعت هذه القصة من قبل من السيدة كيد، لكن ذلك كان منذ فترة طويلة، فضحكت الآن ليس على سبيل المجاملة فقط، بل ضحكت بارتياح؛ فقد كان لوقْع صوت السيدة كيد الحازم على تعاستها تأثير المخدر.

وفي خضم ضحكاتهما، طرحت السيدة كيد سؤالًا سريعًا وجادًّا.

«هل أنت بخير؟»

رفعت السيدة كروس يديها من على صدرها، وسكتت لحظات.

«أعتقد أنني بخير. لكنني أظن أنني في حاجة إلى الذهاب إلى غرفتي للاستلقاء.»

استُشف من حوارهما أن السيدة كيد قالت أيضًا: «قلبكِ ضعيف، لا ينبغي أن تجعليه عرضة لهذه الانفعالات.» وأجابتها السيدة كروس قائلة: «لن أغير من عاداتي، وإن كان في كلامك شيء من الصواب.»

قالت السيدة كيد: «لَمْ تَحضري بكرسيكِ المتحرك.» إذ كانت السيدة كروس تجلس على كرسي عادي خلال الزيارة، وكانت قد جاءت إلى الغرفة وهي تمشي الهُوَيْنى خلف كرسي جاك لمساعدته على توجيه كرسيه.

قالت: «باستطاعتي المشي إن أخذت وقتي.»

«لا، ستجلسين على كرسيِّي وسأدفعك.»

«لا يمكنك أن تفعلي ذلك.»

«بل أستطيع. إذا لم أستنفد طاقتي، فسيُجن جنوني بسبب الحروف المبعثرة على الأرض وما من سبيل للعب سكرابل الآن.»

رفعت السيدة كروس جسدها، وجلست على كرسي السيدة كيد المتحرك. وحينما نهضت من الكرسي العادي، شعرت بوهن شديد في ساقَيها جعلها تفكر في أن السيدة كيد على حق؛ فلم تكن لتستطيع المشيَ عشر خطوات.

قالت السيدة كيد وهي تدل صديقتها على الطريق خروجًا من الغرفة ومنها إلى الممر: «والآن.»

«لا ترهقي نفسك. لا تحاولي الإسراع أكثر من اللازم.»

«لا.»

قطعتا الممر، ثم انعطفتا يسارًا، وشقَّتا طريقهما بنجاح عبر ممر منحدر قليلًا لأعلى. وتناهى إلى مسامع السيدة كروس صوت أنفاس السيدة كيد.

«لعلي أستطيع إكمال الطريق وحدي.»

«لا، لن تستطيعي.»

انعطفتا يسارًا مرة أخرى أعلى الممر المنحدر. والآن، ظهرت غرفة السيدة كروس في الأفق. كان يفصلهما عنها ثلاثة أبواب.

قالت السيدة كيد على مهل ومشددة على كلماتها كي تخفيَ انقطاع أنفاسها: «جُلُّ ما سأفعله الآن أن أعطيَك دفعة. أستطيع أن أعطيَك دفعة تساعدك على الوصول إلى باب غرفتك بالضبط.»

فسألتها السيدة كروس بريبة: «أحقًّا تستطيعين؟»

«بلا شك. وعندئذٍ يمكنكِ الاسترخاء والاستلقاء على سريرك. خذي وقتك كما تشائين إلى أن تشعري أنك بخير. وبعدها استدعي الفتاة العاملة، واطلبي إليها إعادة الكرسي إليَّ.»

«ألن تصدميني بأي شيء؟»

«شاهدي بنفسك.»

بعدها دفعت السيدة كيد الكرسي المتحرك دفعة محسوبة بدقة وبراعة، فتدحرج إلى الأمام بسلاسة وتوقف حيث قالت بالضبط، في المكان المناسب تمامًا أمام باب الغرفة. وأسرعت السيدة كروس برفع قدميها ويديها خلال هذه المرحلة الأخيرة الوجيزة من الرحلة، ثم أرختها جميعًا. وأومأت برأسها إيماءة رِضًى واستسلام، والْتَفتت ودلفت إلى غرفتها دون أية مشكلة.

وفور أن توارت السيدة كروس عن الأنظار، تهاوت السيدة كيد على الأرض وجلست متكئة على الجدار، ومددت ساقيها أمامها على مشمع الأرضية البارد. ودعت ربها ألا يمر أي شخص فضولي حتى تستعيد قوتها، لتبدأ رحلة العودة إلى مهجعها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠