الفصل الأول

خلاصة اليومية

الجامعة الإنسانية

إن انفراد كل صقع بخصوصية تميزه عن سواه، وتقدم الناس إلى الاشتراك جميعًا في الحاجة إلى تلك الخصوصيات بنسبة اتساع مطالبهم تبعًا لتقدم العمران؛ مما يدل على أن كل الناس مرتبطون بكل الأرض، وأن حواجز الأوطان ستطمس معالمها لتصير الأرض الوطن العام لنوع الإنسان.

وهذه الحركة الاقتصادية التي جاذبت بين أبعد الشعوب لتبادل المنفعة ستؤدي حتمًا إلى توحد المصالح العامة بين الأمم؛ بحيث تتضامن كلها في الانفعال بالعوامل الاقتصادية التي تؤثر على بعضها، وهو ما يؤذن بانقضاء الحروب وسيادة السكينة والسلام.

وما زالت العوامل الاجتماعية منذ القدم تقذف بالإنسان في دائرة أشبه بزرد الماء يتسع محيطها شيئًا فشيئًا؛ فيشمل في كل دور ما كان خارجًا عنه في الدور الذي تقدمه، فأن تكون القبيلة من العائلة والشعب من القبيلة والأمة من الشعب والجامعة من الأمة يؤذن بأن الخطوة التالية ستتقدم بنا إلى الغاية التي طالما اشتغل كبار المصلحين لتحقيقها؛ وهي دخول أمم الأرض جمعاء تحت لواء جامعة واحدة، وهي الجامعة الإنسانية.

الفضيلة والرذيلة

الفضيلة والرذيلة كلمتان لما اصطلح جماعات الناس على الاعتراف به أو إنكاره باعتبار نفعه أو ضرره، والمعروف والمنكر وهما من مرادفاتهما في العربية تؤديان هذا المعنى تمام الأداء، فما كان يُعد فضيلة عند قوم يُعد رذيلة عند قوم آخرين تبعًا لما ينجم عنه من النفع أو الضرر عند كلٍّ منهما، وربما العمل الواحد في الأمة الواحدة يعتبر فضيلة في هذا الزمن أو ذاك ورذيلة في زمن آخر.

انحطاط الشرق

علة انحطاط الشرقيين أنهم جعلوا لتنازع البقاء ميدانين، فلم يبالوا أن يخسروا الصفقة في هذا العالم ليغنموها في العالم الآخر، وساعدهم على ترك الاشتغال بشئون هذا العالم أن خصب الطبيعة في الشرق قد جعل طلب الضرورات المعيشية مما لا يلجئ إلى التدافع والزحام، كما هي الحالة في الأصقاع التي لا يأتي فيها استثمار الرزق وتوفير أسباب الحياة إلا بوسائط الكد والاستنباط، فكانت الدعة والرخاء من أكبر العوامل التي صرفتهم عن عالمهم إلى تطلُّب السعادة الكمالية في سواه.

جنون النبوغ

إذا كان الجنون بنوع ما عبارة عن مخالفة ما جرى عليه العرف بين الناس فالنبوغ نوع من الجنون، فإن النابغة يستهين بالتقاليد المرعية بين الجمهور؛ لأنه لا يعرف وجهًا للتمسك بها، إما لأنها عقيمة في ذاتها أو لأنها كانت صالحة أو ضرورية في زمن من الأزمان، ثم عادت غير ضرورية في الوقت الحاضر.

التشبيه الشعري

ملَكة التشبيه تقوى حيث تضيق دائرة الأشياء؛ فإن المتكلم يحاول أن يقرب إلى سامعه ما لا يعرفه وهو كثير بتشبيهه بشيء مما يعرفه وهو قليل؛ ومن ثَمَّ كان أهل البدو والريف أقدر على التشبيه من الحضريين وسكان الأمصار، ولقد كان الشاعر دائمًا أسبق من العالم في التاريخ؛ فإن الإنسان يُحس أولًا ثم يفكر، فتسخو القرائح في عهد البداوة، وينبُغ الشعراء في الأنحاء التي لم يستبحر فيها العمران أكثر مما ينبُغون في غيرها.

إرادة المصري

المصريون لم يشعروا بافتقارهم إلى الإرادة إلا بعد أن قسرتهم المزاحمة الأجنبية على الأعمال التي للإرادة دخْل فيها، فأما قبل ذلك فكانت أعمالهم من أغنى الأعمال عنها، فلا اعتدال الجو ولا ارتفاع النيل ولا امتناع الآفات ولا جودة المحصول مما يترتب على توجيه إرادة الزارع، بل كل ما يحتاج إليه في صناعته شغل آلي شاق بعيد عن إشراف القوى العقلية.

بقايا الحيوانية في الإنسان

العواطف عبارة عن انفعالات جسدانية لا سلطان لأعمال العقل عليها، وهي في الإنسان راجعة إلى أقدم عهده بالهمجية، بل بالحيوانية الأولى أيام كانت كل أمياله وأطواره أفعالًا تقوم بها وظائف جسده من تلقاء نفسها حسب مطالبها من سد جوعة أو قضاء شهوة أو ري ظمأ أو دفع أذًى؛ فالرجل الهمجي، ومثله الجاهل الفطري، ليست مدركته إلا مجموعة إحساسات عالية أو خسيسة، ليس للنظر والتروي مجال بينها، وما كان في جميع حالاته إلا آلة تقذف بها طبيعته حيث شاءت، ولكنه في المجتمعات الراقية حيث يرتبط الرجل مع بقية الأفراد بواجبات وأصول جبرية ولا يعود حيوانًا مرسلًا مع أهوائه وشهواته، يُضطر بحكم البيئة إلى الضغط على عواطفه انصياعًا لأحكام المصلحة والعقل، ويزداد كلما ازداد الإنسان حاجة إلى التعقل والاستغناء عن قوة الساعد في حفظ ذاته.

فالقليل الذي بقي من عواطفنا وأميالنا اللدنية التي لا تجيبنا إذا سألناها لماذا مصيره إلى التواري والاختفاء حتى يسود حكم العقل على جميع أعمال الإنسان.

العمل والأمل

الغربي والشرقي يتشابهان في أن لكلٍّ منهما غرضًا من حياته، ولكنهما يتفاوتان في التوفيق بين الأمل والقدرة على تحقيقه، فالغربيُّ إذا طمح إلى أمر عمد إليه من طريقه، فالجنديُّ يحاول أن يكون قائدًا والدَّرزيُّ تاجرًا والصانع صاحب معمل وهلم جرًّا، أما الشرقيُّ فأمله مبهم غامض لا تتميز له وسيلة ولا تتضح إليه سبيل. يحب كل إنسان أن يكون أحسن إنسان كما لو كان يحب ذلك لإنسان سواه؛ أي من غير أن يأخذ للأمر أهبته أو يدبر له عدته، فكثر في أقاصيصنا ذكر أمثال: شبيك لبيك، وبساط الريح، وطاقية الإخفاء، وقضيب السحر، ومسحوق الكيمياء، وغيرها مما يرد في ألف ليلة والأحاجي التي يقصها عجائزنا على أسماع صغارنا قبل أن تُفتح لهم أبواب الآمال، فينشَئُون على التراخي والتواكل وترْك تحقيق أمانيهم إلى المصادفة والاتفاق.

الفيلسوف

ليس الفيلسوف صاحب المذهب الشاذ أو المبدأ الغريب، ولا هو بالرجل الواسع الاطلاع أو المتفوق على غيره في ملكاته ومواهبه. الفيلسوف الحقيقي هو الباحث الذي لا ينشد إلا الحقيقة، ينشدها لا ليراها في شكل منتظم أو هيئة مرموقة أو ينظر إليها في ظل مبدأ من المبادئ فيكيفها كما ترسم مخيلته وتوحي إليه موروثاته ومعتقداته وأغراضه، ولكن لتظهر أمامه كما هي بالوجه الذي تظهر به في كل آنٍ عارية عن غواشي البراقش والزركشات، وهو المفكر الذي لا يتسلط عليه رأي من الآراء أو يملك ذهنه غرض من الأغراض، بل يأخذ في البحث سواء لديه على أي نتيجة طلع منه، فليس فيلسوفًا ذلك الباحث الذي يقدِم على موضوعه برأي مبدئي يتشيع إليه فيما هو بصدده، أو ذلك السفسطائي الذي لا هَمَّ له من أبحاثه إلا أن يجد له برهانًا يسند إليه ما تلقاه من غيره عن طريق الوراثة أو التلقين.

الحسد

ليس الحاسد هو الذي يطمع أن يساويك بأن يرقى إليك، بل هو الذي يُريد أن تساويه بأن تنزل إليه؛ ومن هذا القبيل الرجل العياب الذي يتتبع عورات الناس وسقطاتهم لينزل بهم إلى مستواه ويتغافل عن حسناتهم عمدًا؛ لأنه يعلم من نفسه العجز عن الإتيان بمثلها.

المطالعة والتجارب

التجارب لا تُقرأ في الكتب، ولكن الكتب تساعد على الانتفاع بالتجارب.

الشعر والألفاظ

الشعر صناعة توليد العواطف بواسطة الكلام، والشاعر هو كل عارف بأساليب توليدها بهذه الواسطة، يستخدم الألفاظ والقوالب والاستعارات التي تبعث توًّا في نفس القارئ ما يقوم بخاطره — أي الشاعر — من الصورة الذهنية. والألفاظ نوع من اختزال المعاني تشير إلى ما لا يمكن وروده منها على اللسان، أو هي رموز يقترن كلٌّ منها بخواطر وملابسات تتيقظ في الذهن متى طرقه ذلك اللفظ، ولا يشترك فيها معه لفظ آخر وإن ترادفا في ظاهر المعنى، فالمترادفات لا تتشابه في المدلول تمامًا، والكلمة في لغة لا تفيد معنى مقابلتها في لغة أخرى؛ فليست المعاني منطوية في أحرف كلماتها، ولكنها ترمز إليها، ولا مجرد النطق بكلمة يكفي لاستحضار معناها عند كل من يسمعها على السواء، فتختلف الكلمة الواحدة في قوة استحضار المعنى باختلاف مدلولاتها وملابساتها عند السامعين، والتفطن إلى هذا الفرق الدقيق بين معاني الألفاظ والتلطف في أداء كلٍّ منها في موضعه يدخلان في الملكة التي يحتاجها الشاعر ليكون شاعرًا مجيدًا، ولا بد لها من أن يكون للشاعر استعداد فطري لتلقي العوارض والمؤثرات التي تقع تحت شواعره حتى يلم بأسرار النفس وكيفية تطرق الإحساسات المختلفة إليها، وأن يكون قد انطبع في ذهنه نخبة من صور تلك الإحساسات ممثلة في قوالب جماعة من فحول الشعراء ليعلم بالمقارنة بينها أيها أحكم تمثيلًا وأبلغ وقعًا وأسرع توجهًا إلى العاطفة المخاطبة به حتى يتسنى له أن ينقل ما يشاء منها إلى نفس غيره، ولا يحتاج الأمر في الشعر إلى الجلاء والإبانة كما هو في النثر، فإنه كما تقدم يقصد به التأثير ولا يقصد به الإقناع، والعواطف قد تتأثر بالعبارة المفاجئة أشد من تأثرها بالعبارة ذات القضايا المرتبة والمعاني الجلية.

فقلَّ أن ترى كبار الشعراء يتكلفون الشرح والتفصيل فيما يردون الإعراب عنه كما يتكلفهما المبتدئون منهم؛ لأنهم أخبر بوسائل التأثير وأعرف بالألفاظ التي لها وقع أبلغ من غيرها على الإحساس.

حب الظهور

الشغف باستلفات الأنظار عامٌّ بين جميع الناس، ولكنَّ منهم قومًا يظهر كأنهم يطلبونه بألسنتهم وقومًا كأنهم يحرزونه بالرغم منهم ومن الناس.

التعصب الديني في المستقبل

طبيعة الدين ليست عدائية وإن ظهر لأول وهلة كأن في هذا القول شيئًا من المخالفة للواقع.

حفظ الذات أقوى غرائز النفس الإنسانية، والعواطف المتفرعة عنه أقوى العواطف، تحرك الإنسان المؤثرات، أولًا تحركه بقدر ما تمس هذه الغريزة، والإنسان بطبيعته في حالة سلم مع بقية الناس، فالنزاع عارض طرأ من اشتراك إنسانين فأكثر في الحاجة إلى العروض الخارجية، وإن مجرد وجود تلك العروض بحالة لا يظفر بها إلا مَن غلب، بين فريقين متساويين في الحاجة إليها وعدم الاستغناء عنها، يحسب في ذاته إعلانًا من كلٍّ منهما صريحًا بإشهار الحرب إلى أن يظفر أحدهما بحاجته.

فالدين باعتباره عقيدة مجردة لا يقتضي نزاعًا بين الناس، إلا إذا تجاوز حيز العقائد إلى الأشياء الخارجية التي تدخل في معاملات الإنسان، كما يشاهَد في الأمم المتأخرة التي تجهل العلاقة الحقيقية بين الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات، وأكثر ما يشاهَد ذلك في أمم القرون الوسطى وما تقدمها من عصور الكهانة والسحر.

فقد مر عهد — ليس بالبعيد — كانت الصلة بين العاطفة الدينية وغريزة حفظ الذات من أحكم الصلات، لا بالنظر إلى مستقبل الإنسان في العالم الآخر فقط، بل بالنظر إلى حياتنا في هذا العالم أيضًا، فكان فرعون وشعبه يشربون دمًا أحمر من نيلنا العذب؛ لأنهم لم يشاءوا أن يدخلوا في دين بني إسرائيل.

كان كل شيء في ذلك العهد إنما يحدث بإشراف القوى الخفية مباشرة؛ فكان للسحاب عمال يسوقونه من بلد إلى بلد، وللرياح والبحار خزنة يصرفونها بتقدير ويمسكونها بتقدير، وكانت العوارض السماوية من كسوف وخسوف وهالات ومذنبات ورجوم تُرصد من الأرض تارة كأنها إنذار السخط وتارة كأنها علامة الرِّضَى، وكانت الطواعين والأوبئة والمجاعات والصواعق والزلازل والطوفانات وغيرها من الجوائح الطبيعية تفسَّر كأنها نقمة الله حاقت بالجنس البشري عقابًا له على طغيانه وعصيانه، أما استنزال هذه البلايا — فمع كونه كان مترتبًا على مخالفة الإرادة الإلهية — فإنه من حق طائفة اصطفاها الله من بين خلقه واختصها بعلم ما يرضيه وما يسخطه فلا ترد لها كلمة عنده، ففي ذلك العهد الحافل بكل هذه الجهالات ما كان الغريب أن يندفع الناس إلى الشقاق بسبب الدين، بل في الحقيقة بسبب كل شيء، ومن أجل كل شيء يمكن أن يكون باعثًا على الشقاق؛ لأن هذا كان معنى الدين في تلك العصور.

الحروب الصليبية

ويظهر في مبدأ الأمر كأن العقل الإنساني استتر، وكأن الضمير العام تنحى عن عمله ردحًا من الزمن ثارت في أثنائه الحروب الصليبية بكل غرائبها التي أغرب ما فيها أن يمر بها الإنسان قرنًا ولا يدرك مقدار فظاعتها وشناعتها.

والعقل الإنساني لم يستتر ولا تخدر، بل كان على أتم ما يكون عليه عقل المجاميع في مثل تلك الأيام، فكان الصليبيون يعاودون الكَرَّة في كل حملة بعزم متجدد وأسف على فوات الفرصة منهم في الحملة التي تقدمتها لا شائبة فيه للندم، فلم تكن تلك الحروب ثورات حنق أو اندفاعات حماسة دينية، وإنما هي حروب أصولية لم يفتها شيء مما يسبق حروب اليوم من التدبر وإعمال الرِّوية في جوهرية الأسباب وقيمتها من الأهمية. ونحن نغالي في تزكية أنفسنا إذا ظننا أننا نصنع غير ما صنعوا لو أننا كنا موضعهم محاطين بمثل الظروف التي كانوا محاطين بها.

فهذا العالم الذي نراه أمامنا كان في نظر آبائنا عالمًا مسحورًا، الباطن فيه أكثر من الظاهر، فكان مقسومًا إلى منطقتين، استولى الله على إحداهما وتنازل للشيطان عن الأخرى، والناس مختلفون في رقم خريطته، فما كان عند هذا الفريق من منطقة الله يعده الفريق الآخر من منطقة الشيطان.

فالصليبيون أغاروا على المشرق ليستخلصوا علم الله المقدس من حوزة أعدائه، ولو سكتوا عنه لما كانوا أهلًا لأن يختارهم الله ويجعلهم شعبه، ولا يرضون ذلك لأنفسهم إلا إذا رضوا لها أن يجردوها من كل صفات النخوة والشهامة؛ وهي كل ذخر الرجل وفخره في ذلك الزمان.

ومع ذلك فالخيار بين الرضاء بهذه المسبة وبين فظائع الحروب الصليبية لم يكن بالأمر العسير لولا خشية العقاب، فأي بلاءٍ وأي شقاءٍ لا ينزله الله بهذا الذي ينفض من حوله علمه ويتركه لأعدائه؟ إن إحباط المسعى وإمحال الزرع وتفشي الوباء أقل ما يُتوقع من الجزاء على هذا النكوص المعيب!

وقد كانت العداوات تستقر وتهدأ بعد الوقائع الأولى لولا أن انقسم العدوَّان المتقاتلان بطبيعة الإقليم إلى شطرين — شرق وغرب. متقدم ومتأخر. ضعيف وقوي. طامع ومطموع فيه — بطبيعة موقعهما لا يمكن إلا أن يتجدد العداء بينهما كلما عرضت أسباب الخلاف، وهي كثيرة لا تخلو منها معاملة من معاملاتهما المتبادلة.

التعصب في العصر الحاضر

هل يُخشى أن تعود الإنسانية إلى مثل هذه المواقف في الأجيال المستقبَلة؟

كلا! فالدين قد نصلت صبغته عن العروض الخارجية. تقدمت العلوم الطبيعية فعرف الإنسان علل الأشياء وكيف ولماذا تحدث، وأيقن أنها لا تحدث من أجله ولا من أجل عمله، لم يعد رجال الدين وكلاء أشغال الله على الأرض يبيعون الرحمة والرزق لعباده بالمال، وفي وكالاتهم وحوانيتهم التي يسمونها المساجد والكنائس، ولكنهم انقلبوا رجالًا كبقية الرجال ليس فيهم من السر إلا ما في كل إنسان. عرف الإنسان من أين تأتيه المنفعة ومن أين تأتيه الخسارة، وأدرك أن تلك الطائفة لا يدَ لها على هذه ولا على تلك، وأنه لا يحق له أن يبحث عن السبب في كلتيهما إلا في عنايته أو تقصيره فيما هو آخذ فيه. عرف أيضًا أن الأديان لا تجعل الإنسان نجسًا بطبيعته ولا طاهرًا بطبيعته؛ فهو لا يطلب من الإنسان كيفما كان معتقده الديني إلا ما تقتضيه إنسانيته، وهي لا تستلزم أن يكون مسلمًا أو مسيحيًّا أو يهوديًّا، ولكن كل ما تستلزمه أن يكون عضوًا عاملًا في بنية الهيئة الاجتماعية، وبعد أن كان كله في قبضة ما وراء المادة أصبح للمادة كله، وارتدَّت الدينيات من العقل إلى زاوية ضيقة بعيدة عن مشاغل الحياة وعلائق الإنسان بالإنسان، ومن الأرض إلى بقاع مقصورة على المعابد والمساجد والبِيَع. وهكذا كلما انحسر الدين عن بقعة عادت مجال وفاق ووئام بعد أن كانت ميدان نضال وخصام.

تقليد النساء

النساء أسرع تقليدًا؛ لأنهن أشد غيرة. وهن أشد غيرة؛ لأن المشاكلة بينهن في المناقب والمفاخر أقرب مما هي بين الرجال.

دلالة القصص على درجة الأفكار في الأمم

من العلامات على انحطاط الفكر وُلوعه بالإغراق والإغراب، فإن ذلك ليس معناه في الحقيقة إلا الجهل بحقائق الأمور؛ ولذلك يعمد القصاص والرحالون في الشعوب المتأخرة إلى تجسيم الحوادث والمبالغة في وصف أبطالهم والتهويل في الأخطار التي يفلتون منها، وتكبير المغانم التي يصادفونها على غير انتظار، والمشقات التي يلاقونها في السياحات والأسفار؛ لعلهم أنهم لا يتمكنون من استفزاز استغراب قرَّائهم بغير ذلك، فيتوهم القارئ وهو يتصفح إحدى تلك الأقاصيص أن صاحبها يتكلم عن أناس من غير هؤلاء الناس، وأنهم يقطنون بلادًا ليست كهذه البلاد، بخلاف قصص العصريين فإنها لا تتضمن إلا وقائع يكاد يشاهدها كل إنسان في البيوت وعلى قوارع الطرقات.

وعلى هذا القياس مبالغات الشعراء والمؤرخين؛ فإنها تقل بقدر انتشار المعارف في الأمة وتقدُّم أبنائها في الوقوف على الحقائق والاهتمام بالجواهر دون الأعراض.

أخلاق الفرد والجماعة

الخلال الشخصية المستحبة لا يمكن أن تستمد أصولها من مصدر أشرف من كونها صالحة لحفظ الحياة، وكذلك الأخلاق الاجتماعية فإنها لا ترد إلى أكبر من كونها لازمة لصيانة كيان الجمعيات البشرية، والجماهير تقدم رجل العموميات وإن كانت تنقصه الخلال الشخصية على رجل الخصوصيات، وإن كان مستكملًا من هذه الوجهة؛ لأنها تستفيد من الأول بأكثر مما تستفيد من الثاني.

الجماعات والأغنام

طالما تذكرت أغنام السودان وأنا أقرأ نظرية جوستاف لوبون في كتابه «روح الاجتماع»: «أن الجماعات أسلس قيادًا من الأفراد.» فإن قيادة شاة واحدة من تلك الأغنام عمل شاق يعيا به أشداء الرجال، مع أن سوق قطيع كبير منها لا يحتاج إلى أكثر من ثلاثة أطفال صغار.

جوقة العالَم

العالم بأسره يشترك في تمثيل رواية مضحكة، وأدعى مناظرها إلى الضحك أنهم لا يضحكون من أنفسهم وهم يمثلون كأنهم جادون فيما يعملون.

المضحكات

المضحكات ليست بالقليلة، ولكن الذين يحسنون صناعة الضحك هم القليلون، فليس من الضروري أن نفتش عن رجل من أمثال أبطال موليير لنغرب في الضحك؛ فإن في كل رجل من الذين نراهم ونعاشرهم موطنًا للنقص وفي كل عمل موضعًا للكلفة والتصنع، والوادع الناعم البال ولو كان مغمورًا بالشقاء، ذلك الرجل الذي يعرف كيف يفطن إلى مواطن الغرور والرياء من أعمال الإنسان فإنه لا يطبق فمه ما دام يفتح عينيه.

الجمال والجلال

النفس الإنسانية يتنازعها عاملان قويان، هما حب الحياة والخوف من الموت، وبهذين العاملين يتعلق الشعور بالجميل والجليل؛ فالجميل كل ما حبب الحياة إلى النفس وأظهرها لها في المظهر الذي يبسط الرجاء فيها ويبعث على الاغتباط بها، والجليل كل ما حرك فيها الوحشة وحجب عنها رونق الحياة؛ فالربيع والصباح والنور والصحة والشباب والحركة والمناظر الرائقة والخضرة والأبنية المزخرفة، كلها جميلة؛ لأنها تنعش الحواس وتذكرها بالحياة، والشتاء والليل والظلمة والمرض والهرم والسكون والقفار المخيفة والأطلال الدارسة والصروح القوية المتينة التي تنبئ بتعاقب السكان عليها والمعابد والهياكل والقوى الطبيعية الهائلة، كلها جليلة؛ لأنها تقبض الحواس وتميل بالنفس إلى التضاؤل والضعة أمام رهبة الفناء وعظمة الطبيعة وضخامتها. الجميل مظهر القدرة والجليل مظهر القوة، والنفس تقابل القدرة بالإعجاب والقوة بالخشوع.

الاعتراف بالنقص

لا يعترف الإنسان بشيء مما يشعر بنقصه إلا إذا كان يريد أن يتوصل من ذلك إلى الاشتهار بنوعٍ ما من الكمال؛ فروسو والقديس أوغسطين وهيني لم يذيعوا كل تلك الأسرار الخفية التي سردوها في اعترافاتهم — من غير أن يخشوا أن ينقلها سواهم على غير حقيقتها أو تكون هناك ضرورة ماسة لإذاعتها — إلا طمعًا في الاتصاف بمزية الصراحة الفلسفية أو الدينية، وهي أكبر في نظرهم من جميع تلك المزايا التي جردوا أنفسهم عنها بمحض اختيارهم.

الأطفال رجال صغار

نفوس الأطفال أصدق معرض تدرس فيه أخلاق الرجال، فإن جميع ما يضحكنا من طباعهم كالأنانية والغرور الشديد والغيرة الحادة، وحبهم المفرط لاستجلاب المدح والإعجاب يظل كامنًا في نفوس الرجال، تتغير أشكاله وموضوعاته من الألاعيب إلى العروض الحقيقية وهو باقٍ لا يتغير، وإنما يُضطَرون إلى مداراته؛ لأنهم لا يجدون من يحتمله منهم كما كان يحتمله آباؤهم وأمهاتهم.

المساومة في التجارة

كثرة اللجاج والمساومة في بيوعنا تدل على أن تجَّارنا لا يحسبون حسابهم ولا يعنون بتقدير أرباحهم كما يوافق رءوس أموالهم، بل يدَعونها عرضة لتقلبات المصادفات، إما إلى المكسب أو إلى الخسارة، وربما كان هذا الإهمال هو السر في اضطراب السوق المصرية وتذبذب الأسعار بين الهبوط والصعود.

حماية العِرض

لا يُمتدح الرجل بأكبر من نسبة القوة إليه كيفما كان مذهبه في تفسيرها، ولا يُعيَّر بأكثر من اتهامه بالضعف كيفما كان مذهبه في تفسيره، والرجل يشتد حنقه للاعتداء على عرض؛ لأنه دليل على استضعافه ووهن جانبه، فقد كان الرجل يحمي النساء من قديم الزمن؛ لأنه أقوى منهن، وكان المنتصر في عهد القبائل لا يعتز بقوته ويؤيد ظفره وتمام غلبته بأقهر من سبي نساء القبيلة المغلوبة، وقد كان النساء يعجبن بالرجل بقدر حظه من الصفات اللازمة لحمايتهن كالنخوة والبسالة والفروسية والبطش والقوة، فكان ميل المرأة إلى غير رجلها أو إغواء امرأة في حوزة رجل اتهامًا له في ذات رجوليته؛ ولذلك تشتد الغيرة على العرض في الأقوام الذين تنحصر صفات الرجولية بينهم في هذه المزايا الجسدانية، ولذلك أيضًا كانت الأم أكثر إغضاء عن زلة فتاتها من أبيها، وبعض قبائل البجاة تغض عن المعتدي على عرضها متى خرج من غير باب الخص؛ لأنهم يعتبرون ذلك إقرارًا منه بالعجز عن مواجهتهم بالعدوان.

ثمرات اليراع

ألا لا تعدنَّ اليراعة آلة
تسوق لك الرزق الذي بِتَّ راجيا
يراع الفتى عود تعرَّى لحاؤه
ولا يثمر العودُ الذي عاد عاريا

منظر على غير مرسح

كان صاحب هذه اليوميات في فندق (كتراكت) بأسوان حينما شاهد المنظر المحكي في هذه القطعة: نزلتْ بذلك الفندق بين السائحات في الشتاء الماضي فتاة كانت موضع إعجاب كل من رآها، وامتازت بشعرها الضافي الطويل على غير المألوف في نساء الغرب، وكأنها أرادت أن تُداعب عشاق جمالها الكثيرين، فبرزت يومًا في شرفة غرفتها بإزار النوم وهي تمشط شعرها وقد جلَّل ظهرها وجانبًا من صدرها، ونادت بالغلام فأعطته مظلة تظاهرت كأنها تريد أن توصلها إلى أمها، وأشارت له إلى سيدة في ردهة الفندق، فجعل الغلام يغدو ويروح ويعرض المظلة على سيدة بعد أخرى وهو ناظر إلى جهتها وهي تشير إليه، فاستلفتت هذه الحركة إليها الجالسين، فما كادت تتحول إليها أنظارهم حتى انفتلت إلى داخل الغرفة وأومأت إليهم برأسها من وراء الستار كما يفعل الممثلون، وتركتهم يضحكون ويصفقون كأنهم يستعيدون هذا المنظر الشائق:

أشرقتْ من جوانب القصر كالزهـ
ـرة لاحت من جانب الأفْق سِرَّا
في إزار يضم جسمًا من البلـ
ـلور أصفى ومن جنَى الورد أطرى
وتمشَّت فألقت الريح منها
كشعاع الأصيل في الصيف شعرا
ثم نادت بناعمٍ يشبه القيـ
ـثار جرًّا ويشبه العود نبرا
زوَّدت أمها بمسجاة خزٍّ
ما تقي كالهواء للشمس حَرَّا
أرسلتها لها ولو علقتها
فوق أهداب شعرها كان أحرى
ووقتْها شمسًا ولو نشرته
في ذرى القصر أصبح الظهر فجرًا
أم تراها لو خاطبت أختها الشمـ
ـس أكانت تعصي لها الشمس أمرا

تربية المرأة

لا ينبغي أن يقتصر الغرض من تربية البنت على تعليمها كيف تكون زوجة، إلا إذا كنا نعلِّم الفتى في المدارس ليكون زوجًا، والواجب أن نُعنَى أولًا بتعلُّمها ما تنشأ به امرأة قادرة على النهوض بنصف أعباء الهيئة الاجتماعية، فإن العِشرة الزوجية ليست حرفة يتلقى الطالب أسرارها في دور التعليم، ولكنها عمل كسائر أعمال الحياة يُحسنه الإنسان أو لا يُحسنه بمقدار ما له من الحذق والاختبار.

مذهب نيتشه

نيتشه عدو الضعف يريد أن يجعل العالم قويًّا لا بتطهيره من الضعف ولا بأن يهتم بترقية علم الطب، ولكن بما هو أيسر عليه من جميع ذلك، باستئصال الضعفاء منه. يصيح أشياعه: انبذوا الضعيف ولا تأخذكم به رحمة؛ لأن الرحمة تُعاكس ناموس بقاء الأصلح في مهمته وتُبقي على من لا يستحق البقاء.

ولكن من هو القوي؟ ومن هو الأصلح للبقاء؟

هذا ما لا يمكن أن تعرفه من نيتشه ولا من أشياعه.

إن القوى البدنية لم تعد ذات شأن في تمييز الصالح من غير الصالح؛ فالضعيف والقوي يدرآن عن نفسيهما بسلاح واحد. وأضعف الضعفاء الذي لا يقوى على رفع أخف حمل عن الأرض في وسعه أن يقتل ستة من جبابرة المصارعين بتحريك أنملته. ومع ذلك ففي أي وقت نبدأ بحصر الضعفاء والأقوياء؟ ومن أدرانا أن هذا السقيم الفانيَ الذي نقلته اليوم لا يُصبح صحيحًا معافًى غدًا خصوصًا إذا نظرنا إلى ما يُرجى من تقدم وسائل العلاج عامًا بعد عام، وأن هذا الغليظ الشديد الذي نُبقي عليه لا يصبح مثله سقيمًا في يوم من الأيام؟

ثم من هو الأصلح وكيف نعرفه وبأي معيار نقيس صلاحه؟ وإلى من نكل فرز الصالح من سواه؟ وفي أي عمل نجرِّبه؟ أفي عمل واحد أم نتركه حتى نردده على كافة الأعمال؟ وهل نعتبر صلاحيته بالنسبة إلى فترة محدودة أو بلد معين أم يكون ذلك بالنسبة إلى جميع الأزمان والبلدان؟

ومن أدرى هؤلاء الجراحين الذين لا يُحسنون غير البتر علاجًا، لعل الرحمة لا تكون من مقتضيات الرقي الإنساني ولوازم الاجتماع البشري إذا كان أصلها غير مشاهد في الحيوان؟

إن نيتشه وأشياعه هم الذي يعاكسون بهذا التداخل ناموس بقاء الأصلح، فإنهم بدلًا من أن يتركوه مكبًّا على عمله ينفي الضار ويُبقي النافع يعترضونه في وظيفته ويتحكمون فيما من شأنه وحده الفصل فيه.

تغيير المألوف

أصعب ما على النفوس تغيير مألوف، فلو كان هناك نازلة تلم بالإنسان من دون أن تغير شيئًا من مألوفاته لما أحس لها بألم، ولذلك تخف وطأة الحوادث ويهون وقعها على من تتوالى عليهم المصائب ويمارسون تقلبات الأيام.

ولو أن الرجل ينظر إلى غِيَر الدهر وإلى العوارض التي يستهدف لها كل إنسان، ولا يبعد أن تباغته في كل آنٍ ومكان لتلطف عنه لذعتها التي يتلوى من قوارص آلامها الذين تُداهمهم على غرة واطمئنان. وكذلك آلام الشيوخ، حزن ساكن لا يخالطه ذلك الوجع الحاد الذي يمتزج بآلام الشباب.

الموت

الموت أعم المصائب وقوعًا، ولا يزال أشدها إيلامًا وأقلها قبولًا للعزاء، على أن ذلك لا يفيد؛ لأنه غير مألوف، ولكنه يدل على أن الإنسان لا يجزع لمصاب غيره كما يجزع لمصاب نفسه.

تواضُع الملوك

الرعايا تحتسب للملوك تواضعًا ما ليس بتواضع في الواقع؛ فلو علم الملك الذي يتنزل إلى مخاطبة السوقة أن في ذلك ما يغض من قدره، بل لو علم أنه لا يرفع مكانته عندهم لَما فعله.

الأثرة

الرجل الإيثاري في الحقيقة يتحرى مصلحته أكثر من الرجل الأناني، فإن الأول يحسب حساب مصالحه في الحاضر والمستقبل، والثاني يقصر نظره على المصلحة الحاضرة.

على أن الأثرة الممقوتة ليست هي التي نفسرها بأن يحب الإنسان الخير لنفسه، ولكنها الأثرة التي أساسها جهل حقوق الغير أو تجاهلها، وهي أثرة عتاة المستبدين والأطفال ومن على شاكلتهم من الجهل بعواطف الناس أو عدم الاضطرار للاعتراف بها، وهي أيضًا أثرة من يُطلَق له العنان لحب نفسه وإرضاء مطامعه، وشر هؤلاء ضررًا على الاجتماع في وقتنا الحاضر فئة الرأسماليين الذين تتركهم الحكومات يجمعون الأموال ويتمتعون ويتلذذون ويبذخون بما يسرقونه من أتعاب العمال وأرزاقهم؛ وهذا هو الخلق الذي لا يحسن أن يكون في شخص يعيش بين الملايين من أمثاله ويجب أن تطارده الهيئات الاجتماعية بكل وسيلة؛ لأنه آفة الاجتماع.

الحاجات والتقدم

حاجات السواد الأعظم منا لا تزال حيوانية صرفة. أكبر علامات المرض عندنا الحمية عن الطعام، فلان لا يأكل ولا يشرب؛ أي أنه بلغ أشد الداء أو أشد الغم، يبكي الطفل فلا يخطر لأمه أن أمرًا يبكيه غير الجوع، يحرم أكثرنا أكل الفاكهة وشم الزهور وشهود الحفلات وغشيان الملاعب والمتنزهات؛ لأنها — كما يقولون — لا تُسمن ولا تُغني من جوع، يكد فلاحنا طول يومه، بل قل طول عمره ليجد ما يمسك رمقه، ثم لا تسمعه يتذمر أو يشكو كما يفعل الفلاحون في الأقطار الأجنبية، لا لأنه يزهد كسقراط أو يتقشف كديوجنس، ولكن لأنه يجهل ما يطلبه بعد حشو معدته ودفء جلده، وإذا سمعته يشكو فَقَلَّ أن تسمعه يتظلم؛ لأنه لا يُحدث نفسه بأن هناك أحدًا يظلمه حقًّا من حقوقه. حاجات ما أخسها لا يمكن أن تقنع العجماوات بما هو أخس منها، فإذا صح أن رقيَّ الأمة إنما يُحسب بقدر تعدد مطالب الفرد، فما أبعدَنا عن الرقي الحقيقي! وما أبعدَ الرقيَّ الحقيقي عنا!

الرياء

ما رأيت مرائيًا إلا وجدته مغتابًا نمَّامًا. والجراءة على الناس في غيبتهم كالتزلف إليهم في حضرتهم، كلاهما علامة الجبن والصغار.

الكلام والأوزان

يظهر أن قوالب الجمل وأوزان الكلمات أَثبتُ انتقاشًا في الذهن من حروفها؛ فربما نسي الإنسان معنى الكلمة أو حروفها ثم ذكرها بوزنها، وقد يسبقه لسانه فيخلط بين الحروف مع حفظ الأوزان، فإذا كان يُريد أن يقول مثلًا: وطفقا يخصفان، نطق بها: وخصفا يطفقان، كما نسمعه أحيانًا من بعض الحفاظ، ولعل سرعة استظهار الأشعار والكلام المقفى سببه مثل هذا.

العالَم في نظر أكمه

حاولت أن أقف على صورة العالم في مخيلة غلام أكمه، فقال لي إنه يراه كأنه هيولى مضطربة في ظلمة قاتمة لا أول له ولا آخر، قلت: لا تأسَ يا بني، إنَّ أنفذ الناس بصرًا أو بصيرة لا يرى منه أكثر من ذلك.

الموسيقى

التلازم متين بين الأصوات والانفعالات الباطنية، وهو أمتن بين الانفعالات والحركات البدنية، فإن الحيوانات والوحوش والهمجيين والأطفال والنساء أحيانًا تترجم عن شعوراتها بالصياح على كيفيات مختلفة مقرونًا في الغالب ببعض الحركات البدنية، ثم إن لكلٍّ من حالاتنا النفسانية لهجة خاصة، وكل لهجة هيئة تناسبها؛ فلهجة المسرور والظافر والشاكي والحزين والمتألم والغضبان تتباين تباينًا يُشعر باختلاف مصادرها، وإنك لتسمع الخطيب الذي لا تفهم لغته فتعلم من تغير لهجته وارتفاع صوته أو انخفاضه إن كان راضيًا أو ساخطًا، حاثًّا أو محذرًا، مبشرًا أو منذرًا.

فإذا أوقع الموسيقار صوتًا تنبه الإحساس الذي يناسبه على الأثر في نفوسنا — كأنهما فيها متلازمان لا ينفكان — وفي الأصوات التي يشتد لها طرب السامع يتنبه مع ذلك الإحساس حركة بدنية مطاوعة للنغم الذي يسمعه، فيهز رأسه أو يحرك عضوًا من أعضائه، وهذا أول درجات الرقص ثم يرقص، وقد لا يملك نفسه مع الرقص من الترنم بالصوت الذي يسمعه أو الغناء بما على وزنه من الكلام المفهوم.

فنحن في قبضة انفعالاتنا، تتلاعب بنا كما تلعب الأم بوليدها بين ذراعيها، نرقص ونثب ونصيح بالرغم منا كما يفعل الهمج والعجمات، وترانا في ألطف مظاهر أُنسنا نَحِنُّ إلى همجيات أولئك الجدود.

نهاية الرقي

الرقي العصري كفيل بأن يصل بالإنسان إلى درجة تكون فيها إرادته قانونه، وترفع عنه كثيرًا من سلطة الحكومات عليه.

الميراث

ليس للإنسان حق أن يحتجز من الثروة العامة إلا بقدر ما يقوم لها من العمل، فالرجل يسقط حقه في التصرف بثروته متى انقطعت أعماله لموته، وعلى الهيئة الاجتماعية الإنفاق من ريعه على من يهمه أمرهم من بعده.

يترك الرجل لابنه ضيعة، والضيعة قبل عشرة أعوام لا تكلف صاحبها إلا سعيًا طفيفًا، ولكنها لا تُنال بعد عشرة أعوام إلا بتكبد المشاق والصعاب، فيتمتع ذلك الابن الكسول بجزء من الثروة العامة من غير أن يقدم لها عملًا في نظيره، وإلى جانبه رجل مجد نشيط يقطع عمره كدًّا وكدحًا دون الوصول إلى اقتناء ضيعة مثل ضيعته؛ وهو خلل متشعب في تقسيم ثروة الأمة لا يستقيم حال الجمعية البشرية إلا بتلافيه.

فراسة المرأة

المرأة ألطف زكانة وأفطن إلى تشابه الملامح من الرجل، فقد رأيت بعض النساء يرين الطفل الصغير قبل أن تتشخص ملامحه فيحكمن بأنه من آل فلان وأن فيه شبه العائلة الفلانية، وقد لا يبدو لغير المتأمل أن بينهما أدنى شبه، والظاهر أن كثرة اشتغالهن بتجميل الملامح قد أكسبهن هذه الخبرة فيها.

التاريخ القديم

كتب التاريخ القديم أقرب إلى الإحصائيات أو سجلات المواليد والوفيات منها إلى التاريخ، فإذا قرأت فصلًا عن رجل عظيم ذكروا لك اسم أبيه وأمه ويوم ميلاده ويوم وفاته والبلد الذي نشأ به والبقعة التي قُبر فيها؛ فعرفت اسمًا ولقبًا ويومًا وبلدًا وقبرًا ولكنك لم تعرف رجلًا.

الطلاق

إن أكثرنا يظن أن المرأة من متممات زينة البيت، فكما أن في البيت متاعًا وأثاثًا عن كل صنف، كذلك يحسن أن تكون فيه واحدة أو أكثر من صنف النساء، وإن بعضهم ليغير زوجته مرارًا ولا يغير ملاءة سريره.

تعدد الزوجات

لا أعلم لماذا يسوغ للرجل أن يستحوذ على أكثر من أربع نساء، ولا يسوغ للمرأة أن تطمع في أكثر من ربع رجل إن لم يكن أقل؟

أقذار المجد

من حسن حظ العظماء أنهم وحدهم الذين يطلعون على الدنايا التي يتلطخ بها طلاب المجد الكاذب.

التغرير

التغرير بالعقول عمل يسير، ولكن نزع الغرور منها من أصعب الأمور، ولَأنْ تُمنِّي الإنسان بالباطل أحب إليه من أن تُيئِّسه بالحق.

أحاديث الشبان

مِن شبان العصر مَن إذا جلست إليهم لتنصت إلى محادثاتهم حرت في تحديد موضوعها، يبدأ أحدهم بالكلام ولا يتمه ويسأل السؤال ولا ينتظر جوابه، يغني ثم يقتضب الغناء ثم يضحك، ينتقل من كلام تافه إلى كلام أتفه بلا مناسبة أو صلة بين الكلامين، بحيث يسأل الإنسان نفسه أما كان يُمكن أن يستغني هذا عن لسانه؟ يشير بيديه ويهز رأسه وقدميه، ويدور هنا وهناك بغير غرض ولا موجب، كأنما عليه أن ينطق بقدر معين من الكلمات ويأتي بعدد معين من الحركات، فهو لا يقصد من كل إشاراته وعباراته إلا أن يصيب العدد المطلوب.

الحرب

من أقوال فتزجرالد على ما أذكر: «إن الحرب تجر إلى الفقر، والفقر يحث على العمل، والعمل يورث الغنى، والغنى يُسبب الشقاق، والشقاق يُفضي إلى الحرب …»

ولا أظن أن هذه السلسلة ستحفظ نسقها في هذا الزمان، بل أرى على العكس من ذلك أن السلم سوف يكون في المستقبل مسيجًا بسور من الذهب والفضة، فإن انتشار المعاملات واشتباك المرافق الاقتصادية بين الأمم سيكون أول باعث على اتقاء مواقف القتال.

فقد ضعفت الخلافات التي تفضي إلى الحرب بمقدار ما عظمت خسائرها، وكلما تقدم الزمن زادت هذه فداحة وتلك ضعفًا.

فالحرب لا ترتكز على شيء من الطبائع البشرية، بل هي تنافرها كل المنافرة؛ فالرجل لا يخوض غمراتها إلا فرارًا من عار الناس أو عقاب الحكومة أو سخط الله أو دفعًا لخطر على حريته، فهو يُقدِم على موت مشكوك فيه فرارًا من موت محقق أو ما هو بمنزلة الموت المحقق.

فالشجاعة العسكرية عادة اصطناعية، والناس جبناء بطبيعتهم؛ أي أنهم سواء في الخوف من الموت حتى الجنود، على أن هؤلاء يتظاهرون أنهم لا يسوون فقط بين الموت والحياة، بل إنهم يعشقون الموت ويبغضون الحياة، فيقول أحدهم متهكمًا كلما انحنى جندي في ساحة الوغى من طريق رصاصة تُوشك أن تثقب صدره: أهي صديق تنحني له؟ كأنه ليس في نفوسهم من كراهة الموت ما يتجشمون من أجل اتقائه إحناء الرأس!

قال تولستوي، وهو قائد قديم: «إن شجاعة الجنود من جنس شجاعة البغال التي تقف إلى جانبهم مشدودة إلى مدافعها، تحاول الإفلات وما تستطيع انفلاتًا.» فمهما أوتي المرء من الشجاعة فلا تُصدق أنه يقتحم الحرب وله مندوحة عن اقتحامها، كذلك لا تُصدق أن إنسانًا يُواجه الحرب بطبيعة ساكنة؛ لأن الطبيعة البشرية تأبى التعرض للخطر وتنفر من دواعي الهلاك؛ فالهمجيون يُهيِّجون طبائعهم قبل الحرب إلى حد الجنون بدق الطبول وقرع الدفوف والولولة والصياح، والمتمدنون يتشاغلون عنها ويتحاشون ذكر القتلى والإصابات والخسائر وكل ما يخلق فيهم الشعور بحقيقة موقفهم، فيصرفون خواطرهم عن هذه الهواجس بسفساف القول وتوافه الأحاديث؛ فلا تسمع بينهم لحوادث الحرب ذكرًا أو خبرًا كأنما ليس فيها ما يستحق المبالاة، بينما تكون الحوادث سمر أخلاط الناس على بُعد مئات الفراسخ والأميال. هذا على أنَّ تعرُّض مئات الألوف من الناس في صعيد واحد لخطر واحد من شأنه أن يُهون الأمر على كلٍّ منهم ويشدد عزيمته على اقتحامه.

وإنه ليس أسخف من أن تسمع ضابطًا يشكو ويتأفف من حصنٍ تنهمر عليه المقذوفات من كل جانب، وتنفجر حوله وعلى جدرانه القنابل بين كل دقيقة ودقيقة، وتسأله فيقول لك: إن الطريق إلى الحصن موحلة. فهو يعاني صعوبة في السير عليها.

قال بعض قواد الألمان حديثًا: إن الحرب تُنمِّي في النفس كثيرًا من الصفات الممدوحة، وأهمها تضحية النفس في سبيل الواجب، على أن هذه هي الفضيلة الوحيدة التي لا تُنميها الحرب وتُنمي ما يناقضها تمامًا.

فكل جندي وكل ضابط نابليون صغير — كما يقول تولستوي — يُزهق بقدر ما يُمكنه من النفوس ويُيتِّم بقدر ما يُمكنه من الأطفال، ويُدمِّر بقدر ما يُمكنه من الدُّور ليلصق بذراعه شريطًا أو يُحلي صدره بنيشان يخطف به أبصار البسطاء.

ومع هذا فمهما كان نصيب رأي ذلك القائد من الصواب، فالإنسانية يجب ألا تُعوِّل في اكتساب هذه الفضائل على مثل هذا البرنامج الصعب؛ فإنه برنامج يكلفها من النفوس والأموال ما هي في غنًى عن احتماله.

فالأمم الآن لا تلجأ إلى الحرب إلا كآخر وسيلة لحل الخلاف، وأين هو الخلاف الذي يربو الضرر فيه على ضرر الحرب المترتبة عليه؟ وهل يبلغ تنازع البقاء بين أمتين في عصرنا هذا أن تسحق إحداهما الأخرى لتتخلص من مزاحمتها، ويخلو الجو لمتاجرها؟

إن أقوى بوادر الخلاف قائمة الآن بين إنجلترا وألمانيا، وهذا الخلاف لا حقيقة له؛ فهو مبني على توهم كلٍّ من الأمتين أنها قد تتعرض لمهاجمة الأخرى في المستقبل، فإذا سألت: هل مصلحة ألمانيا تقضي عليها بغزو إنجلترا أو إحدى مستعمراتها؟ وهل تقضي إنجلترا بغزو ألمانيا أو إحدى مستعمراتها؟ وهل الفوز في المنافسة التجارية يتوقف في المستقبل على هذه الوسائل العنيفة؟ كانت إجابتك على كل شواهد الأحوال سلبًا.

والأمم لا تترك اليوم لكل أمة تمام الحرية في الموازنة بين مقتضيات الحرب وموانعها بالنسبة لها وحدها؛ فإن أكثر الأمم تشترك في تحمل خسائرها وإن لم تشترك في حشد الجنود وجمع الذخائر، فقد بلغ من استحكام الروابط الاقتصادية بينها أن أقل إشاعة بوقوع الحرب في أقصى المعمورة تُوقع الارتباك في السوق المالية، فتنخفض الأسعار وتهبط الأسهم وتتزعزع الشركات عدة أيام.

والذي يشاهد من انتشار نفوذ أحزاب الاشتراكيين والعمال، وهم الفريق الذي لا مصلحة له في الحرب، ذلك كله مما يقوي الأمل في أن يوم إبطال الحرب أقرب مما يُنتظر بكثير.

الاستخدام

موظفنا الصغير يبيع حريته ووقته وعمله بخمسة جنيهات في الشهر، يناط تقدير كفاءته بإرادة غيره، وربما أُريدَ منه فوق الكفاءة في العمل كفاءة أخرى في الملق والدهان، يُنقَل من بلد إلى بلد بغير اختياره، ويُجبر في كل مرة على ربط صلاته بقوم وقطعها من آخرين، ثم تحظر عليه الحكومة اقتناء الأرض والعقار في الجهة التي يشتغل بها — كأنها تركت له ما يقتني به — وهو معرض في أية ساعة للنقل إلى أية جهة فأين يُباح له الاقتناء؟ وتُحرم عليه الاشتغال بأمور البلد الذي هو فيه كأنما هي اقتلعته من العالم الخارجي من جذوره، وهو مع ذلك يحسب أنه الرابح في هذه الصفقة، وأنه لا يمكن أن يجد أهنأ من هذه العيشة، يصل إليها بعد أن يتخطى عشرات المزاحمين عليها.

مباراة في الخيال، بين حسن الإنسان وحسن البستان

الموضوع

أخجلتَ يا ورد خدود الحسان
فاحمرَّ منها ناضر كالدهان
ورعت يا فل عيون المها
فأطرقتْ تطلب منك الأمان
وزمَّت الغيد شفاها لها
لما انجلى ثغرك يا أقحوان
ومالت القامات غضبانة
لما انثنى في روضة غصن بان
وأين شدْو الطير في مزهر
من مزهر تشدو عليه القيان

الأسباب

فالورد ما احمرَّت له وجنة
من ريبة حاشا لورد الجنان
والأقحوان الغض لم يبتسم
خبثًا ولم يدنس بمين اللسان
وقامة الأغصان لم يثنها
كبر ولم يعطف بهن افتنان
وذاك صداح أهازيجه
لا تُشترى بالتبر أو بالجمان
لا يحرم الماهن من لحنه
ما يسمع العاهل ذو الصولجان

الحكم

ما أحسنَ الحسنَ وأحسِنْ به
من زينة للناس لولا الحسان

العشق

لا أرى العشق إلا نزوة من نزوات الشهوة البهيمية يخصصها في الإنسان بامرأة — دون سواها — تفاوت الملامح في إناثه، وتعم في البهائم؛ لأن تماثل إناثها في الخلقة لا يدع ما يحتم الانجذاب إلى أنثى بعينها من بقية الإناث.

والحب الشريف والحب الخسيس معدنهما واحد وغرضهما واحد وطبيعتهما واحدة، والذين يتوهمون أنهم يعشقون لمحض التفرج على الجمال الصوري يخدعون أنفسهم، فإن من التماثيل المنحوتة ما هو أجمل صورة من أجمل امرأة في العالم، ومع هذا فنحن لا نشغف به ولا نتدله في حبه، وغاية الفرق بين الحُبَّين الشريف والخسيس أن الأول حب العقلاء الذين يسوءهم تضحية أحبائهم لشهواتهم، وأن الثاني حب الحمقى الذين لا يفكرون في غير قضاء الشهوة.

وهو — أي العشق — أحَدُّ الشهوات؛ لأنه الشهوة الوحيدة التي لا تتم إلا بتراضي شخصين يحتاج كلٌّ منهما إلى الشمائل والأوصاف التي يصبو إليها الآخر ليقترب كلٌّ منهما إلى صاحبه من بين ألوف الرجال والنساء، فالخيبة في العشق هي اليأس من الذات التي لم يستحوذ على إعجابنا سواها من كل هذا الملأ، والتي لا يهمنا من كل هذا الملأ أن يُعجَب بنا سواها؛ هذه الخيبة أو هذا اليأس ليس معناه فقط عدم التمكُّن من قضاء شهوة، بل معناه أيضًا أن العاشق ناقص فيما يسترعي إليه قلب المعشوق الوحيد الذي لا يبالي إن كان كاملًا من هذه الوجهة في نظر غيره، أي ناقص فيما هو به رجل يستحق إعجاب المرأة التي وقع عليها اختياره من النساء، أو فيما هي به امرأة تستحق إعجاب الرجل الذي وقع عليه اختيارها من الرجال، بغض النظر في جميع ذلك عن فوارق الدرجة والمقام، فإن هذه مميزات تميز رجلًا على رجل أو امرأة على امرأة، ولكنها لا تميز ذكرًا على ذكر أو أنثى على أنثى.

قطرتا ندى على فسيلة قبر

إمام عييت في الدنيا جهادًا
قضيت وما قضيت بها مرادا
وما أبلاك إلا الهم داء
وشر الداء ما نال الفؤادا

ما كنت أقرأ مَناعي الجرائد؛ لأنها بكاء مأجور كبكاء النائحات، لا تصادف فيها عين القارئ إلا ما تُصادفه على ألواح الأضرحة عند النحات من أعلام مجردة لا تتبين وراءها وجهًا، ولا تستشف لها معنًى.

ما كنت أقرؤها من قبل، ولكني في ذلك اليوم قرأتها، فقد كانت تبدو عليها كباوة الحزن وتعلوها غبرة الكمد، فقرأتها ثم قرأتها فإذا هي تنعي إمامًا العبد، فأعدت قراءتها فإذا هو بعينه إمام … صاحبي إمام الذي ما تعودت أن أقرأ اسمه في الصحف إلا مقرونًا بملحة من ملحه الرقيقة أو طرفة من طرفه المستظرفة.

أبيت أن أصدق الخبر، والنفس البشرية إذا أبت الموت لأحد لم تشأ أن تُصدق نعيه، فما أكذبَ تعلاتِك أيتها النفس! كان ذلك لو كان كل أمر إنما يجري على هواك ووفق مرادك، ولكن ما هذه التعلات منك والأمور كأنما تجيء عمدًا على خلاف ما ترومين وبضد ما تشتهين.

فسقطت من عيني دمعتان ما أردت لهما إرسالًا ولم أحاول لهما كتمًا، دمعتان ليستا بالحارَّتين؛ فقد أطفأت الأسقام جذوة قلبي وتركته جلدة ميتة ما تُحس ولا تألم، دمعتان لا تتقد فيهما حرارة اللهف، ولكنهما مشبعتان بكل ما في دموع الأصدقاء على الأصدقاء من مرارة الشجو وغضاضة الأسى.

فذكرت لإمام الأمس المدرج اليوم في وحشته ساعات طيبات ما كنا نحتسبها للزمن، ولكنها الآن حسنة من أجمل حسناته لو أنها تُعاد، وضحكات مغتصبة في غفلة الأشجان والأكدار، هي الآن عبرات تشرق بها عيون أصدقائه والعارفين بظرفه وأدبه.

وذكرت له جلساتنا في قهوة إستانبول التي كان يختلف إليها كثيرًا، نأوي إليها في قيلولة الظهيرة نستنشق هواء الحديقة ونسمع منه أخف من نسماته فكاهة وأشفى منه للنفوس نكات يفرج عن الصدور كربها وهو أشد الناس كربًا، ويزيح عن القلوب غمها وهو أفعمهم بالغم قلبًا.

لكن الآن؟

الآن قد مات!

مات قبل أن يداوي الدهر القاسي طعنة من طعناته التي أُثخن بها جسده النحيل، مات قبل أن تبتسم الدنيا لفؤاده الكسير مرة بعد ذلك العبوس الطويل، مات في عنفوان الصبا ومقتبل الشباب.

فالوداع أيها الصفي الوفي وداعًا أبديًّا ليس يعقبه سلام، والفراق أيها الصاحب الودود فراقًا سرمديًّا لا مطمع بعده في لقاء.

الألعاب غير الرياضية

إذا انتشرت الألعاب غير الرياضية كالورق والدومينو والنرد والشطرنج والسيجة وأمثالها كان ذلك دليلًا على كثرة البطالة أو نضوب مادة الحديث في الوسط الذي تنتشر فيه، وكلاهما دليل التأخر.

النقود والسخاء

يهون البذل في الجهات التي تتعامل بالمقايضة أكثر من الجهات التي تتعامل بالنقود، فإن الدرهم قد تقضى به عدة أصناف مما يُشرى بقيمته، على حين أن مقدارًا بقيمته من الحنطة أو الأثمار أو الخبز لا يؤدي بعينه في غير ما يستعمل له عادة، والمتكففون وأبناء السبيل يطوفون على الفلاحين في أيام الحصاد فينفحونهم بحفان الغلال والحبوب عن طيب نفس، وقد يسألونهم مليمًا فلا يسمحون به وهو أقل قيمة مما يعطون.

بقايا الميثولوجي

في الميثولوجي القديمة — والحديثة أيضًا — كثير من الأبطال الذين ولدوا من آباء آلهة أو أنصاف آلهة وأمهات من عذارى البشر.

وفي أيامنا هذه من يعتقد إمكان التزاوج بين رجال الإنس ونساء الجن، وأن لبعضهم أولادًا من بنات البحر يدعون آباءهم بالمعاشرين.

الفضيلة المأجورة

إذا كنا نُعد المرابي الذي يُقرض بسعر خمسين في المائة رجلًا طماعًا مغتالًا؛ فليس من الزهد ولا من حب الخير أن يقرض الرجل ربه بسعر ألف في المائة مؤجلة إلى يوم الحساب.

وإذا كان الرجل الذي إنما يمتنع عن السكر والمقامرة خوفًا من محاضر البوليس لا نراه في نظرنا رجلًا تقيًّا نزيهًا، فليس من الاستقامة والفضيلة أن يتركهما الرجل خوفًا من نار الجحيم.

وإذا كنا لا نستعظم من الطفل الصغير أن يحفظ درسه لأنك وعدته بتصويره، أو يتجنب اللعب لأنك أخفته من الغول؛ فالرجل الكبير الذي يفعل الخير طمعًا في الثواب ويبتعد عن الشر خوفًا من العقاب لا يأتي ما يستحق عليه الإطراء والإكبار.

إن كل إنسان يعمل عملًا فإنما يترقب من ورائه نفعًا لشخصه، ولكن يجب أن يكون ذلك النفع نتيجة محتمة تستلزمها طبيعة عمله ويرتبط بها العمل ارتباط النتيجة بالمقدمة، وليس مكافأة أو أجرًا ينتظره من سواه.

المبادئ

الرجل الذي لا يتقيد بمبادئ عامة يُطبق عليها آراءه الخاصة، إما أنه رجل سطحي يجهل سر العلاقة التي تماثل بين الحوادث؛ لذلك يجهل كيف يحكم عليها حكمًا عامًّا يوحدها في نظره، وإما أنه رجل محنك يُدرك سر علاقاتها فيحكم على كل عمل على حدته؛ لأنه علم بالاختبار أنه لا يحدث عمل يُماثل الآخر من جميع الوجوه، ويغلب أن يكون صاحب المبدأ شخصًا نظريًّا ناقص الاختبار.

الاعتماد على الذات

إن الذي يكل إلى الناس تقدير قيمته يجعلونه سلعة يتراوح سعرها بتراوحهم بين الحاجة إليها أو الاستغناء عنها.

والطريقة المثلى أن يُقوِّم كل إنسان لنفسه قيمتها؛ فإن المرء — كما يقول بعضهم — يساوي القيمة التي يضعها لنفسه، ذلك خير من أن يطرحها في المزاد على ألسنة الناس.

شرف المهنة

صاحب المهنة يباهي بمهنته كأنه لم يرغب فيها إلا بعد أن تبين مزاياها، وهو يضجر منها كأنه سيق إليها قسرًا؛ وذلك لأنه حبًّا لنفسه يود لها — بما في وسعه — أن يكون أقل الناس تعبًا وأكثرهم اعتبارًا.

بماذا يشقى الشعراء؟

أصحاب القرائح الشعرية لا يتمتعون بالحياة الحقيقية كبقية الناس؛ فإن حياتهم كلها ذاهبة بين أمل في المستقبل أو ذكرى للماضي، وقلَّ أن تستقر بهم نفوسهم في الحاضر الراهن؛ لأنه دائمًا على غير ما يشتهون. والشاعر مكتوب عليه الشقاء ما دام مطبوعًا على مواهب الشعراء، فهو حاد الخيال تُصوِّر له قريحته العالم حافلًا باللذة والنعيم مترعًا بالصفو ودواعي الهناء مما لا يُصدقه الواقع، وتريه الناس على صورة من خلوص الضمائر وصفاء السرائر وطهارة الأخلاق تبرهن المعاشرة على خلافها، وهو لطيف الإحساس دقيق الشعور يوجعه ما لا يكاد يُحس به غيره، وتفعل في نفسه الوخزةُ الهينة ما لا تفعله الطعنة القاسية في نفس غيره، وهو فاتر الهمة، ميال بطبيعته إلى الدعة والاستسلام، محروم من العزيمة الصارمة التي تُمكِّنه من تحقيق أحلامه العديدة وإدراك آماله البعيدة، وهذا من أشد ضروب الشقاء كما قال شاعر منهم:

وأتعبُ خلْق الله من بات آملًا
وأقصر عما تشتهي النفس نائله
وهو سليم الطوية طيب القلب، ينطلي عليه خداع الناس وخَتْلهم، وتغره تمويهاتهم فيركن إليهم، ثم لا يلبث أن تكشف منهم الأيام ما يُخلف ظنه ويُخيب ثقته، وهو عجول كالصبي تتحكم فيه إحساساته الوقتية كأنه الصائم بانتظار الإفطار، سرعان ما تبدو له النعمة بعد ضنك فينغمس فيها غير حاسب للعاقبة حسابًا أو مُبقٍ لغده بقية، فإذا ولَّت أيام الرخاء وجاءت بعدها أيام الشدة كان ذلك أدعى إلى طول حسرته وتنغيص عيشه، وهو سريع التقلب كثير الضجر لا يألف البقاء على حال واحد؛ فلا يصبر على الشظف وهو يعرف الترف، ولا يرتاح للفقر وهو يفهم ما هو الغنى؛ فبغير هذه الأطوار — التي هي من مستلزمات سرعة الخاطر، وهو من مستلزمات سليقة الشعر — لا يكون شاعرًا مطبوعًا، وبها لا يكون سعيدًا، إلا أن الطبيعة التي سلطت عليه كل هذا الشقاء لم تحرمه مما يعينه عليه؛ فكما أن خياله يُمنِّيه باللذة الوهمية كذلك يخفف عنه الألم الواقع، وكما أنه شديد الإحساس بالحزن كذلك هو شديد الإحساس بالسرور، ولئن كان محرومًا من جمع الأموال وتأثل العقار واقتناء القصور والضِّياع، فإن له نوعًا من الارتفاق في كل شيء يراه. قال أديسون في رسالته عن الخيال:

ربما أحس مثل هذا الرجل في مشاهدة المروج والبساتين بارتياح أكبر مما يجده بعض الناس لامتلاكها، فكأن ذوقه الدقيق يخوله نوعًا من الامتلاك في كل ما يقع تحت نظره، ويجعل أبسط ما في الطبيعة وأبعد مناظرها عن الصقل والتهذيب تشترك في ترويح نفسه وتطييب خاطره؛ وكأنه ينظر إلى هذا العالم على نور غير نور الشمس، فيكشف منه غير ما يكشف ذلك النور من ذخائر تحجب نفسها عن أكثر من تراهم مِن الناظرين.

داء الحياة

لقد ثقلتْ على نفسي حياتي
وأشفق عائدي وشكتْ أساتي
سئمتُ فما أريدُ اليومَ إلا
دواءَ الموتِ من داءِ الحياةِ
إذا كانت حياةُ المرءِ سجنًا
فشقُّ اللحدِ بابٌ للنجاةِ

القول والقائل

«انظر إلى ما قيل لا إلى مَن قال» قاعدة لا يصح إطلاقها في كل حال؛ فالكلمة تختلف معانيها باختلاف قائليها؛ فإن كلمة مثل قول المعري مثلًا:

تعبٌ كلها الحياةُ فما أعـ
ـجبُ إلا من راغبٍ في ازديادِ

يُؤخذ منها ما لا يُؤخذ مما تسمعه في كل حين بين عامة الناس من التذمر من الحياة وتمنِّي الخلاص منها، فإننا نثق بأن المعري مارس الأمور الجوهرية في الحياة ودرس الشئون التي تكون منها عذبة أو مُرَّة، نكدًا أو رغدًا، ولم يسبر منها أولئك العامة إلا ما يقع لهم من الأمور التي لا تكفي للحكم على ماهية الحياة.

الآداب القديمة

الآداب القديمة مبنية على جهل فاضح بالغرائز الرئيسية في الإنسان؛ فهي تقول له: من نظر إلى امرأة أجنبية واشتهاها (فقط) فكأنما زنى. من أحب الحياة ورغب في حطام الدنيا فمحال أن يكون صالحًا. من عمل حسنة يُريد بها الجاه بين الناس فقد انتكس عمله. الحزن لفقد البنين والأصدقاء إثم وكنود إلخ، ويزيدها جهلًا على جهل أنها لا تعد هذه الأميال من دواعي فطرته، ولكنها تراها وساوس من روح خارجية توسوس له بالشر وتبعده عن الخير.

الإصلاح الاجتماعي

قد نعرف ما هو الفاسد من نظامات الاجتماع، ولكنا لا نعرف ما سيكون صالحًا منها، نقدر أن نهدم بناءً متصدعًا ولكن لا نقدر أن نقيم في موضعه بناءً جديدًا، جهد ما يُطلب من المصلح الاجتماعي أن ينبه إلى العيوب والأغلاط التي في مجتمعنا فنتلافاها، أما أولئك المصلحون الذين يخرجون كل يوم للناس بنظامات وشرائع ودساتير ومذاهب يدعونهم إليها بزعم أنها كافلة بصلاح الاجتماع فلا يمكن أن يقال: إنهم يتجاوزون حيز التخمين إلى التحقيق؛ ذلك عمل انفرد به الزمن ولم يشرك فيه أحدًا.

الضحك

للضحك عدة أسباب أكثرها يدور حول محور واحد هو الاغتباط بأنفسنا، اغتباطنا إما بما نُحسه من كمالها أو بسلامتنا من النقص الذي نكشفه في سوانا.

ولما كان الإنسان لا يضحك إلا سرورًا برجحانه، فهو لا يضحك في الأحوال التي رجحانه فيها معروف غير مجحود، فالرجل المعروف المكانة ليس يسخر من تصرف الصعلوك الوضيع وإن كان مضحكًا في ذاته، إلا إذا كان يسخر من أهل طبقة ليباهيَ بطبقته، أو من أهل بلاد ليباهيَ ببلاده.

وقد يضحك الإنسان من نفسه إذا كان الاستهزاء لا يناله وحده، فلما كان ملوك أوروبا وأباطرتها وأمراؤها وسواسها وقوادها مجتمعين في سنة ١٨٥١ في فينا، وهم واثقون أنهم أحكموا الشبكة على بونابرت، وقد جلسوا يُصلحون ما أفسده ويعيدون ما درسه من معالم أوروبا، أعلن في المجلس في ١١ مارس من تلك السنة أن الرجل قد أفلت من جزيرة ألبا، وأنه قد عاد ثانية إمبراطورًا على فرنسا، فوجموا هنيهة ثم ارتفعت لهم ضحكة طويلة عالية كأن كلًّا منهم يقول: إن هذا الكروسيكي لم يعبث بي وحدي، بل عبث بنا جميعًا.

البكاء

يبكي الإنسان لغير ما يضحك له، يبكي حين يظهر به النقص والعجز ظهورًا لا سبيل للمنجاة فيه، يبكي في المواضع التي يشعر لديها بالقهر التام، ويتحقق له تجرده عن الحول والقوة حيالها، في تلك المواضع يقول المسلم متمثلًا: «لا حول ولا قوة إلا بالله» كأنه لا يريد أن يكون ضعيفًا إلا أمام الله الذي يتساوى الناس عزيزهم وذليلهم في الضعف أمام حَولِه وطَولِه، والأطفال والمستضعفون أكثر الناس بكاءً؛ لأنهم أقلهم اقتدارًا، على أن عدم البكاء لا يفيد في أكثر الأحيان القدرة على دفع المصاب، فإن من أصحاب المظاهر والأبهة من يترفع عن البكاء ويتكلف الجَلَد والسكون حتى في الفجائع الفادحة؛ كأنهم يأبون الإقرار بالانقهار على كل حال.

الغنى والسعادة

لا تحسُدنَّ غنيًّا في تنعُّمهِ
قد يكثرُ المال مقرونًا به الكدرُ
تصفو العيون إذا قلَّت مواردها
والماءُ عند ازدياد النيل يعتكرُ

الحرية الشخصية وتقدُّم الحركة الاقتصادية

في البلاد التي تشتبك فيها المصالح وتتوشج الأعمال تجد الناس ينساق بعضهم إلى معاملة بعض قسرًا، وكثيرًا ما لا يكون للرجل اختيار في معامليه أكثر من اختياره في أقربائه وذويه؛ فلا ينظر منهم ولا يقدر أن ينظر إلى غير الغرض الذي يقصدهم من قبله؛ فمن ثَمَّ كان كل عامل لا يُعنَى بغير تجويد عمله، وليكن بعد ذلك سكيرًا أو مقامرًا، نصرانيًّا أو يهوديًّا، ملحدًا أو مؤمنًا، محافظًا أو حرًّا، فذلك ما لا يسأله عنه أحد؛ فاحترام الحرية الشخصية — الذي معناه سقوط رقابة البيئة عن الفرد — يكون في مثل هذه الأقطار على أتمه، بل يكون من الآداب الاضطرارية التي لا يحض عليها بالرسائل أو المقالات.

القوة والأخلاق

إذا كانت الحياة صراعًا بين القوة والضعف، يبقى فيه الظافر ويتوارى المهزوم، فالقوة باختلاف معانيها محبوبة إلى كل إنسان، والضعف باختلاف معانيه مكروه عند كل إنسان، وكذلك كل ما أفاد القوة فإنه محترم محبوب، وكل ما أفاد الضعف فإنه محتقر مرذول، ومن الأعمال ما يكون مستحسنًا ومستقبحًا باختلاف عمل القوة فيه، وهذا السطو كان مدعاة الإعجاب فأصبح مدعاة الاحتقار، وما تغير فيه إلا أداته؛ فقد كان يستعان له في العهد الماضي بالشجاعة والإقدام، فأصبح اليوم يُستعان له بالجبن والنذالة، فلو حللنا أسمح الخلال وأنبل السجايا لَما ألفيناها إلا إشارات تلمع إلى القوة من قريب أو بعيد، يتسم الإنسان مضطرًّا ليحمي بها نفسه ويمكِّن لها في الحياة.

فالصبر قوة؛ لأنه تغلُّب على الأمر الذي يَفْرَقُ منه غير الصابر، وعدة يتدرع بها الصابر في الملمات.

والرحمة — وهي هنا ضد القسوة — قوة؛ لأنها لا تكون إلا من الأقوياء على الضعفاء ومن الوادعين على المبتلين.

والكرم قوة؛ لأنه علامة استغناء الرجل عن الناس بقدر احتياجهم إليه، كما أن بذل علامة القدرة اكتسابه في كل آن.

والقناعة قوة؛ لأنها تدل أيضًا على استغناء الإنسان بنفسه عن الناس.

والتواضع قوة؛ كأن المتواضع يرى أن قدره أظهر من أن يتكلف إظهاره بنفسه.

والعفة قوة؛ لأن العفيف يزجر نفسه فيصونها عن زجر الغير لها، ويراعي حقوق الناس طوعًا فيوقرها عن إكراههم له على مراعاتها.

والحلم قوة؛ لأن الحليم بالحلم لا يستفزه تطاول الناس كأنه أقل من أن يؤثر على مكانته.

والحياء قوة؛ لأنه يُنزل صاحبه منزلة الوقار ويعصمه عن المهانة التي يلقاها أهل الوقاحة والابتذال.

والتبصر قوة؛ لأن المتبصر يسلم بالأمر الذي لا بد منه كأنه يفعله مختارًا قبل أن يُرغم عليه.

والصفح قوة؛ لأنه عنوان القدرة الدائمة التي لا تمسها إساءات الناس وعدوانهم، والتي إذا أبقت خصمها اليوم فلأنها قادرة على الاقتصاص منه في أي وقت تشاء.

وسلامة الضمير قوة؛ لأن عدم الاحتراس من الناس يشير إلى عدم الخوف منهم، كأنهم لا يستطيعون أن يصلوا بسوء إلى صاحبه.

والعدل قوة؛ لأنه مساواة بين من يُخشى بأسه ويُطمع في مساعدته، وبين من يُرجى له نفع أو يُخشى منه ضرر.

والصدق قوة؛ لأن الصادق لا يُضطَر كالكاذب إلى إخفاء الحقيقة رهبة من أناس أو رغبة فيهم، ويقرب من الصدق في هذا المعنى الوفاء.

والزهد قوة؛ لأنه غِنًى سلبي عما ينكبُّ الناس على طلبه.

والورع قوة؛ لأنه اعتصام بقوة الخالق ترفُّعًا عن قوة المخلوقات.

واحترام الضعف قوة؛ لأن احترام الضعفاء كاحترام الأقوياء يدل على أن خوف القوة ليس هو الحامل على الاحترام.

وجميع هذه الفضائل تشترك في فضيلة أخرى وهي أنها تستجلب ثقة الناس إلى أربابها، وتوقيهم الصَّغَار الذي يتلبس به الذين يُشتَهرون بأضدادها.

على أنك إذا حللت الرذيلة من وجهة أخرى لَمَا وجدت إلا أنها اختصار الطريق إلى الغرض تهافتًا من النفس وعجزًا عن الصبر على تنكب المحظورات، ووجدت الفضيلة عبارة عن الوصول إلى ذلك الغرض عن طريقٍ كثيرة العوائق والتعاريج يدل التزامها على الجَلَد والاضطلاع، فيظهر مما تقدم أن الإنسان لا يستطيع أن يفخر بأمر ليس للقوة نصيب منه، ولا يرغب في الاتصاف بوصف إلا إذا كان فيه إظهار لقوته أو مداراة لضعفه، وأنه لا يوجد إنسان مهما بلغ من الورع والتجرد ينفر من العزة ويرتاح للضعة، وإنما يختلفون في فهم معناهما كلٌّ بما يصلح له.

إلى المجلس الحسبي

أيهم أحق بالحَجْر؟ ذلك المسرف الذي يدفع دنانيره أولًا فأولًا إلى من هو أعرف باستعمالها، أو هذا الشحيح الذي يلتقط من الثروة العامة دراهم يعدها ثم يحرمها من الانتفاع بها طول حياته؟

الغاية واللاغاية

من الناس من يرى أن الثمرة نبتت حلوة ليأكلها الإنسان، ومنهم من يرى أن الإنسان أكل الثمرة لأنها حلوة. منهم من يقول: إن الإنسان خُلق أولًا ثم صُنع العالم من أجله، ومنهم من يقول: إن العالم صُنع أولًا ثم خُلق الإنسان منه. الأولون يعتقدون أن النجوم مصابيح الإنسان والشمس روزنامته والهواء مروحته والبحر صهريجه والأرض سماطه ومناجم باطنها خزانته، وهؤلاء يعتقدون أنه مِن أرض العالم ومائه وهوائه وعناصره تركيب جسم الإنسان؛ وعلى هذا الخلاف الظاهر يدور الحجاج واللجاج بين أصحاب القصد وأصحاب الاضطرار من قديم الزمان.

الطب والشعوذة

المرض، ألا قوتل المرض من عدو لدود العداء للإنسان. عرفنا السلاح للسباع وعرفنا كل فتاك مثله ولكل عادية مثلها إلا المرض.

نعم نقول للطب والأطباء، ولكن هؤلاء لا يسعفون إلا في الانحرافات التي نُبالغ بتسميتها أمراضًا، أما في العلل المتمكنة التي إنما يُدعى الطبيب لمثلها، فهؤلاء الذين تقول عنهم — ولست أعمم — يقفون حيارى لا يمدون يدًا إلا إلى قبض الريال بعد الريال، إلى أن يكل المريض من العطاء أو يملوا من الأخذ، وقد يموت أقصرهما عمرًا قبل أن يسأم الآخر.

كنت أظن كل داء من المرض له دواء من الطب، وأن الطبيب إذا فاته علاج فلا أقل من أن يضبط تشخيص أعراضه.

أحوجتني الضرورة إلى الأطباء، وكنت أحسبني أغنى الناس عنهم، فطرقت أبواب عدة عيادات، وكنت إذا دخلت العيادة اطمأنت جوانحي وسُرِّي عني ما بنفسي؛ فأشعر بين جدرانها كأني قد لُذْتُ بحرم الطب المقدس من أعدائي، وما أعدائي إلا الآلام التي تُطاردني في الليل والنهار.

ثم أخرج منها مزودًا بنصائح في الطعام ونظام المعيشة لا أحيد عن حرف منها، وفي يدي زجاجة أحسب أن فيها السم القاضي على تلك الآلام، ثم لا تلبث أن تمر بضعة أيام فأراني كأني لم أستشر طبيبًا ولم أتناول دواءً؛ فأعود إلى طبيب آخر يفحصني فحص زميله مع تنويعات وزوائد عرضية، ولكنها كانت تبغض عندي الرجاء في طبيب بعد طبيب، ثم أنصرف منه بدواء في لونه مغاير لدواء الأمس، وآخذ في طعام غير ذلك الطعام، ونظام في المعيشة غير ذلك النظام، ولكن على غير جدوى.

كنت أسمع من الواحد منهم بعد الآخر بهيئة تليق بمن كان يبيع الصحة بل الحياة بالمقدار: أتريد أن تعرف الحقيقة؟

إن بك ضعفًا في المعدة والأمعاء يزول بقليل من العلاج. يقول ثانٍ: إن معدتك كأحسن ما يكون، ولكن الذي تشكو منه في الحقيقة هو فقر الدم.

ويقول ثالث: إن جسمك ليس يفتقر إلى نقطة من الدم وأنت لا يحق لك أن تشكو إلا من السوداء.

ويقول رابع: لولا اختلال الكبد وهياج الصفراء لما كنت تتألم من شيء الآن.

ويقول خامس: إن كل ما بك أن كُلْيَتَيْكَ لا تؤديان وظيفتيهما تمام الأداء، وليس ما عدا ذلك إلا أثرًا يزول بزوال ذلك المؤثر البسيط.

ويقول سادس: لا تُصدق شيئًا مما يُقال لك؛ فكل أعضائك سليمة صحيحة، وليس هذا الذي تشعر به إلا من مخلفات ضعف في الجهاز التنفسي يُرجى أن يزول.

وكان هذا الطبيب يقول لي: عليك بالدسم والنشويات، وذاك يقول: إياك والدسم والنشويات، أسمع من هذا أن إدمان استعمال الأدوية مؤذٍ بالجوف وأن الأفضل الامتناع عن تعاطيها، وأسمع من ذلك أن ترك الداء بلا دواء قد يتخلف عنه خطر جسيم، هذا يقول: استلق على ظهرك طول يومك وابتعد عن كل ما ينبه أعضاءك، ويقول لي الآخر: يجب أن تعيِّن لك وقتًا تشغله يوميًّا بالفلاحة أو تمشي على قدميك بعد كل ساعتين نصف ساعة.

طبيب ينهى عن الاستكثار من السوائل، وطبيب يأمر بألا أتناول إلا اللبن وألا أتناوله إلا ممزوجًا بضِعفَيْه من ماء فيشي، إلى مثل ذلك من الوصايا المتناقضة، ولو كانت هذه الوصايا موجهة إلى عشرين شخصًا لَمَا كان في الأمر ما يدعو إلى الحيرة، ولكنها موجهة لشخص واحد، وهذا الشخص ليس له مع الأسف قدرة الجن على التطور بعدة أشكال في وقت واحد.

فرأيت أني لو عملت بجميع تلك الوصايا لَمَا ذقت طعامًا، وحرت في الأمر فإما أن أكون مصابًا بكل تلك الأمراض في آنٍ واحد أو لا أكون مصابًا بواحد منها، ووجدت أني لو تركت نفسي لَمَا خرجت عن تلك التجارب والتخمينات مهما تعسفت في التوصيف والتشخيص إلا إذا افترضت الداء حالًّا بغير تلك الأعضاء التي ذكروها، ولا أعلم أن جسم الإنسان يشتمل على غيرها.

وبعد أن أفرغت في جَوْفي صيدلية من الأجزاء والعقاقير نقطة بعد نقطة، رأيت أن صناعة الصيادلة ليست أنفع بالنسبة إليَّ من صناعة السقائين، وأنه لا توجد صناعة لم يتقنها أربابها كصناعة الأطباء، وعلمت أن التحسن البطيء الذي شعرت به لا يُمكن أن يدَّعي علم الطب أي فضل فيه، بل ربما لم أحصل عليه إلا خلسة من الطب والأطباء.

إن هذا الخلط داء مزمن بعلم الطب — وأقصد منه على الخصوص طب العقاقير — يجب أن يُعنَى الأطباء بمعالجته قبل أن يجعلوا أجسام المرضى جثثًا يجربون بها أصناف الأدوية والعلاجات.

عدم الاكتراث

عدم الاكتراث لازمة من لوازم النوابغ العبقريين؛ فالرجل العبقري عالمه في نفسه، له بدوات وأطوار غير التي يألفها الناس ولكنه لا يتخلى عنها، وللناس شعائر وتقاليد يقدسونها ولكنه لا يلتفت إليها، مثله في ذلك مثل السائح الأوروبي أو الأفريقي يهبط الصين؛ فإنه ينظر إلى أزياء القوم وأحوالهم بعين الاستغراب، وإن كانت مألوفة عند كل فرد غيره في الصين، ويظل متمسكًا بعاداته وطباعه وإن هزأ منها كل رجل وامرأة من أولئك الأربعمائة مليون الذين يدور عليهم سور تلك البلاد؛ كأنما العبقرية تجعل الرجل من جنسٍ غير الذي منه بقية البشر.

على أن عدم الاكتراث قد ينقلب إلى هنة من أخس الهنات، يتخلق بها من لا خلاق لهم من الأراذل والسفلة، أولئك الذين يُنزلون أنفسهم في منزلةٍ لا يُمكن أن يُنزلهم الناس في أحط منها، أو يخدعون الناس بظواهرهم وباطنهم على خلاف ما يُظهرون.

مناقشة مع الأستاذ وجدي

الأستاذ فريد أفندي وجدي أكبر داعٍ من دعاة الدين في مصر يخاطب بلسان العقل في الدينيات، وبهذا الاعتقاد أُلقي إليه هذه المسائل التي رأيت مناقشته فيها لازمة بعد أن تصفحت من دائرته الجزء السابع الذي خصصه للبحث في إثبات وجود الله؛ وها هي ألقيها إليه مسألة بعد أخرى:
  • أولًا: انتظام العالم لا يصلح أن يُتخذ دليلًا على حدوثه كما لا يصلح أن يُتخذ اختلاله دليلًا على قدمه، والإنسان باعتباره زبدة الكائنات سواء في قول الخلقيين أو النشوئيين لا يُعقل أن يظهر في العالم إلا بعد أن يترتب كل ما دونه في مراتب الخلق، وسواء حدث هذا النظام بعد اختلال أو كان على هذا الوضع من أزل الآزال، فما كان ليأخذ مقره من العالم إلا وهو على درجة من النظام كافلة على الأقل بنشوئه فيه، فمَن أعلمَه أن العالم الذي يضمه الآن لم يكن في القدم «كاؤسًا» كما تخيله شعراء اليونان، وليت شعري إذا كان قد وُجد في ذلك الكاؤس سائل مثلي ومسئول مثل الأستاذ وجدي وجلسا يتناقشان في وسط تلك الهيولى كما أناقشه الآن عن آية الخلق في العالمين؛ فبماذا عساه كان مجيبًا؟
  • ثانيًا: لا يمكننا أن نحكم على الشيء أنه متقن إلا إذا وقفنا على الغاية منه؛ فنحن نعرف الساعة أنها متقنة إذا علمنا أولًا أنها آلة تستعمل في قياس الوقت، ثم علمنا ثانيًا أنها تؤدي هذا الغرض بالضبط.

    نعرف أن المنزل مقسم تقسيمًا حسنًا إذا علمنا أولًا أنه محل معد للمأوى، ثم علمنا ثانية أنه صالح تمامًا لهذا الاستعمال.

    قال فلتير فيما نقله عن الأستاذ في صفحة ٤٩٩ من هذا الجزء: «إني إذا رأيت ساعة يشير عقربها إلى الأوقات المختلفة، أستنتج من ذلك بأن لا بد من أن يكون عقلًا «هكذا» قد رتب لوالب هذه الآلة حتى استطاع العقرب أن يدل على الساعات دلالة حقيقية، وكذلك إني إن تأملت في آلات الجسم الإنساني أستنتج أن لا بد أن يكون عقلًا «هكذا» قد نظم أجزاءه وأجهزته وجعله قابلًا لأن يتغذى في الرحم تسعة أشهر متوالية، وأنه قد متع بأعين لينظر بها وبأيدٍ ليتناول بها، إلخ.»

    وأذكر أني قرأت مثل هذا الكلام لروسو، ولكن روسو عكس المثل فاستدل من تركيب لوالب الساعة على أنه لا بد أن تكون وراءها غاية مقصودة، وهو استدلال مردود؛ إذ يجب أن تعلم الغاية أولًا ثم يُستنتج النظام أو عدم النظام بالنسبة إليها، ولكن دعنا الآن في كلام فلتير.

    ففلتير جزم بأن الساعة صنعة عاقل؛ لأنه تَحقق أنها مقصودة لقياس الوقت، فما هي إذنْ تلك الغاية التي تبين له أنها مقصودة بخلق العالم؟ وهل يُعقل أن يُحكم على شيء بأنه محكم، أي أنه يؤدي الغاية منه تمام الأداء، من غير أن نعرف ما هي تلك الغاية؟

    ثم لماذا لا نقول مثلًا: إن الجنين لو لم يستقر في الرحم مدة الحمل لَمَا تمتع بالحياة، وإنه لو لم تتولد له أجهزة لَمَا كان حيوانًا، وإن العين لو لم تكن بهذه الدقة لَمَا أبصرت، واليد لو لم تكن بهذا الوضع لَمَا تناولت … إلخ؟ بدلًا من أن نفترض افتراض فلتير …

  • ثالثًا: الإحكام الشامل والتطابق التام اللذان لا بد يشيران إلى القصد مفقودان من الكون، فأين هو ذلك الشيء الذي نراه ولا نود أن يصير أكمل مما هو؟ فالأجرام السماوية تتصادم في كل فترة فتتساقط في الفراغ، وهذه الأرض التي نحن عليها لا شيء يمنع أن تصطدم الساعة بمذنب أو سَيَّار تائه في الفضاء فتلحق بالأجرام التي اندثرت من قبلها، ونواميس الطبيعة تثير نكباتها وطوفاناتها وأوبئتها وحرائقها، فتدمر ما عملت فيه نواميس أخرى ملايين السنين، ولا يُتلف ما بدأ في صنعه إلا من يعمل مضطرًّا في الحالتين، وهم يقولون: أكذلك تكون أعمال المدبر المريد؟ وهذا الكون ليس في الحاضر وما كان في وقت مضى محكمًا حيث لا موضع فيه للخل، أو كاملًا حتى لا شائبة فيه للنقص؛ فهو يتدرج في الرقي فيسد نقصًا قديمًا ويأخذ في تكمل جديد، ونحن نعلم العوامل التي تدفعه إلى الرقي فكلها منه وإليه، فنظامه هذا البديع قد استفاده بذاته أي بعوامله ونواميسه من اختلاله ذاك، وما هذا النظام بأدل على الإعجاز من ذلك الاختلال؛ لأنهما كلاهما أثر لتلك العوامل والنواميس القسرية. وما قال أحد إن الكون انتظم اليوم لأن الله موجود، وإنه كان مختلًّا بالأمس لأنه لم يكن موجودًا.
  • رابعًا: إذا قيل: إن الإنسان غاية الوجود، كما يُفهم من اعتقادهم أن أعمال الإنسان وحدها هي كل ما يُنظر إليه من هذا الوجود بعد انقضائه، فلماذا لم يرتب هذا العالم بحيث يوافقه كل الموافقة؟ وإذا كان الإنسان أحقر من أن يُوضع الكون حسب ما يلائمه، فلماذا إذنْ خُلقت من أجله كل هذه العوالم التي لا نهاية لها؟ وكيف لا يكون ذلك الشأن لمن خلق من أجله العالم الأول والعالم الأخير؟
  • خامسًا: إن حوادث الكون كلها تطبق على عوامل ونواميس مطردة، وإنه حتى الطوارئ التي تغم علينا أسبابها لا تُلجئنا إلى استمداد سبب لها من خارج الكون، بل إن تعليلها بعلة طبيعية أقرب دائمًا من تعليلها بعلة من وراء الطبيعة.
  • سادسًا: ليس في وسعنا أن نقرر أن الكون لا يكون إلا حادثًا، إلا إذا كنا قد رأينا أكوانًا أخرى مثله ثم أيقنا من حدوثها؛ فنحن نحكم عليه بالحدوث بالقياس إلى تلك الأكوان، أما وهذا كوننا لم نرَ قبله ولا بعده، ومنه دون سواه نستمد أحكامنا على المادة والوجود، فلماذا لا يكون إلا حادثًا ولماذا لا يكون قديمًا؟ وللمعترض أن يسأل من يقول: «إن الأكوان لا تقبل القدم من طبعها» كم كونًا رأى، وفي كم منها تحقق الحدوث؟ كما له أن يسأل من يقول: «إن المادة لا تصدر عنها الحركات والأعمال» في أي موضع غير هذا الوجود رأى المادة محرومة من هذه الخواص؟ فإذا كان لم يرَ ولن يرى فكأنه يقول: إن مادة هذا الوجود لا تصدر عنها الحركات والأعمال.
  • سابعًا: إننا إذا أردنا أن نسكت عن النظر والاستدلال أمام الغوامض الكونية فلنسكت عنهما بين يدي العالم والرسول على حدٍّ سواء، فلا نلحف في سؤال العالم إلحاف المتعنت: كيف انفصلت الأرض عن الشمس؟ ومتى انفصلت؟ كأنه كان من شهود ذلك الحدث البعيد، ونحن نسكت عما هو أغمض من ذلك وأشد منه إشكالًا أمام النبي والرسول.
  • ثامنًا: إن العدم تصور فاسد من تصورات الإنسان، فلا وجود إلا للوجود ولا حقيقة إلا له، فنحن نرى عدمًا ولا يمكن أن نرى عدمًا، فمن أين لنا أن نتوهم غير الوجود؟ فلا مقتضى مطلقًا لتصور الوجود كائنًا بعد عدم أو صائرًا إلى عدم، كما أنه لا مقتضى لتصور الوجود منفصلًا عن الأزلية والأبدية، وما ألم بوهم الإنسان خيال العدم إلا من هذه الاستحالات التي كانت تظهر له في بادئ عهده تارة كأنها خلق وإنشاء وتارة كأنها تلاشٍ وفناء، وما هي في الحقيقة إلا انتقال من صورة إلى صورة الوجود، ولولا ذلك لَمَا خطر العدم في عقل ولا ورد على بال، ولولاه لَمَا سمعت إنسانًا يسأل: «من أين جاء الوجود ولا إلى أين يصير؟ لأنه لا يتصور غيره ولا يبدو له سواه».
  • تاسعًا: إن الإلهيين هم المطالبون أولًا بالإثبات؛ لأنهم هم المدعون ولا يُطالب الملحدون به؛ لأنهم منكرون ليس إلا، ولا يصح أن يُطلب الدليل ممن ينكر قضية لم يقم على إثباتها دليل.

كذلك دحض حجة الخصم لا يفيد صحة حجة المدعي، بل كل ما يفيده أن الدعوى لم يقم برهان على بطلانها، كما أنه لم يقم برهان على تأييدها.

هذه هي المسائل التي طافت بذهني وأنا أقلب صفحات الجزء السابع من دائرة معارف القرن العشرين، وربما طافت كذلك بأذهان الكثيرين فوجهتها إلى صاحب الدائرة لعله إذ يدفع هذا الالتباس يرفع خرطوم الوسواس الخناس عن صدور كثير من الناس.

شح البحر

أيَا بحرُ لو كنتَ الكريم كما ادَّعَوْا
قديمًا لألقيتَ الجواهرَ للناسِ
وحليت منها العاطلات عن الحلى
من اللاءِ لم يسعدْنَ بالتبر والماسِ
ولم تدخرها كالشحيح لسارقٍ
تدلَّى بأمراسٍ إليها ونبراسِ

فاكهة النعام

تين الصبير وقيت فا
كهة الأوابد والنعام
يحلو إذا كانت جلا
ميد الصخور هي الطعام

فنون الجنون

الجنون فنون، وفنون الجنون كثيرة لمن يريد أن يحصيها، لا أقصد جنون السراي الصفراء، ولا ذلك الجنون الأحمق الذي يعلن عن نفسه في الشوارع والأسواق ويستلفت من لا يلتفت إليه بالحجارة والصياح، كلا! بل أقصد هذا الجنون الخفي الذي لا يسلم إنسان تحت قبة السماء من شعبة منه، هذا الجنون الذي يقول عنه المثل الإنكليزي: «لو كان الجنون مرضًا يؤلم لسمعت الصراخ من كل بيت»، فما أكثرَ المجانين الذين يذهبون ويجيئون بغير جوامع في أيديهم، ولا أغلال في أرجلهم في هذا البيمارستان العظيم!

الناموس الأخلاقي

الأصل في الأصل الأخلاقي أنه الحالة التي يتمنى كل إنسان أن يكون الناس عليها، حسب ما يبدو له أنه أضمن لعلاقاته معهم، فليست الأصول الأخلاقية بالقواعد التي تقضي المصلحة بالتمسك بها، بل كثيرًا ما يجيء الأمر على عكس ذلك، ولكنها القواعد التي لو جرى عليها كل إنسان لأصبح الناس — كما يزعم واضعوها — أسعد حالًا في مجموعهم مما هم الآن.

ولكن، أليس هناك فاصل بين المطلوب والحاصل؟ ألا يجب أن تقدر درجة حكم الإنسان على نفسه فيما يتعلق بمعاملاته مع الناس؟ إن أولئك الدعاة والوعاظ لا يرون من داعٍ إلى بحث هذه الاعتبارات، يظنون أنه ليس بين المخطئ وبين العصمة إلا أن يعرف خطأه، كأن كل هؤلاء البغاة والأشرار ما كانوا بغاة وأشرارًا إلا لأنهم لم يجدوا من يقول لهم إن ما هم فيه بغي وشر.

فمن قديم الزمان تكلم هؤلاء الناس عن الصدق والأمانة والفضيلة، وقالوا لهم: قوموا اصدقوا قوموا استقيموا، ولكن حتى الآن لم يوجد ذلك الرجل الصادق الذي لا يكذب، والأمين الذي لا يخون، والفاضل الذي لا يعرف ما يؤنبه عليه ضميره — وليس بحي الضمير من لا يسمع صوته مرة — على أنه لو وجد ذلك الرجل بين ظهرانينا لكان كمن يعامل الناس بصك يتقيد به من جانبه، ولكنهم هم من جانبهم لا يتقيدون به.

وليس أولئك الدعاة والوعاظ وحدهم أصحاب مبادئ أخلاقية، بل إن لكل رجل تراه مبدأً أو مبادئَ من هذا القبيل، فكل رجل لا تروقه حالة الناس، وليس من رجل تروقه حالتهم يتمنى لو يكونون على غير ما هم عليه، فتسمع منهم من يقول: آه لو كان الناس أوفياء! ليتهم لا يخافون، ليت قويهم لا يقسو على ضعيفهم، ليتهم لا يبخل أغنياؤهم على فقرائهم، ليتهم لا يتباغضون، إلى غير ذلك من الأماني التي ربما لم تكن أبعد تحقيقًا من سنن أولئك الأخلاقيين.

يقولون ذلك كلما مسهم أذًى من تلك النقائض التي ينقمونها من بعضهم، على أن كلًّا منهم ينتظر حتى يبدأ الناس بالإقلاع عنها ليقتديَ بهم، وما مِن أحد يرضى أن يجعل نفسه مُثلة لغيره، وما من أحد يضع يديه في الأنشوطة وهو يرى الأيديَ كلها ممدودة إليه، فالناس الآن — وفي كل زمان — يكذبون ويمارون ويتساهلون في الواجبات، ولا مندوحة لهم عن ذلك ما بقي بينهم هذا التدافع والتجاذب على وسائل الحياة.

الحكومة في الشرق والغرب

من المسائل الحَرِيَّة بالنظر أن شكل الحكومة لم يكتسب شيئًا من تعديلاته وأدواره في الشرق كله، لا قديمًا كما كان يقع مرارًا في روما واليونان، ولا حديثًا كما وقع في فرنسا وإنكلترا من التجارب المتتابعة وراء تكوين الحكومة الصالحة، ذلك بالرغم من أن الارتباط والضغط اللذَين كانا يثيرانهم إلى قلب الحكومات قد نزل أضعافه بالشرقيين، ولكن مع هذا الفرق اليسير — وربما كان فيه كل السبب — أن الاستبداد لا يؤثر هنا على الأحوال المعيشية تأثيره هناك لتيسر الأرزاق وقلة ما للقوانين وكيفيات الحكم في المداخلة في تحصيلها.

وقد يكون هذا الجمود على شكل واحد من أشكال الحكومة ناشئًا من انطباع الشرقيين على قلة الاهتمام بالعموميات لتمهد الوسائل الخصوصية، فإذا استولى أحدهم على الملك استقر له الأمر وانقاد له الجميع، وكثيرًا ما يتفق أن خادمًا من خدم البلاط يبسط نفوذه في المملكة فيغتصب الملك لنفسه، ويبقى الحاكم المتصرف إلى أن يزحزحه عن مكانه متعصب آخر يأنس من نفسه الصولة والنفوذ، والناس بمعزل عن هذه الانقلابات، يسلمون بها ولا يشتركون فيها، فهي — أي حكومة الشرق — لا ترتكز على الشعب، فلا تتحول باختلاف مصالحه ولا الشعب يعتمد على اختلاف هيئاتها، فقد أنشأت نفسها بقوة ساعدها ولم ينشئها الشعب كما هو شأن الحكومات في الغرب، وقد شدت أزرها في كثير من المواقف بالسلطة الدينية التي رأت من مصلحتها أن تتبادل وإياها المعاضدة والتناصر، فجمدت جمود عقائد الأديان في وهم الإنسان.

في صالون حلاق

ما بالها تطفر كالغزالِ
ساحرة بالتيه والجمالِ
هيفاء من أوانسِ الأندلسِ
ذات جبين كالنهار المشمسِ
قد أسفرت حالية بالنَّوْرِ
في وجْنة ومقلة وثغرِ
من كل زهر ناضر الرواءِ
والزهر لا ينضر في الشتاءِ
ثم استوت في مجلس هناكا
تمد للخلائق الشباكا
أمامها المرآة فيها يظهرُ
ما ليس في غير المرائي تنظرُ
تمثالها في صفحة البلورِ
مرتسمًا بريشة من نورِ

•••

وكان يرعاها أريبٌ كيسُ
فقرَّ في موضعه لا ينبسُ
وصوَّب الطرف إلى الرذيلةْ
يرمق تلك المصورة الجميلةْ
كمن يهاب الشمس في السماءِ
فيرتضي بقُرصها في الماءِ
فساءها حتى إلى الطيف النظرْ
أهكذا تبخل ربات الخفرْ
الحسن إن ضن به المليحُ
كالمال إذ يدفنُه الشحيحُ
الزهر إذ يزكو لغير ناشقِ
والبدر إذ يبدو لغير رامقِ

•••

فأقبلت تضحك للقرينِ
عن لؤلؤ في ثغرها مكنونِ
قالت ألا تنظر للمغرورِ
يحدق في المرآة كالمسحورِ
ما زال يرنو نحوها بالطرفِ
حتى لقد أخجل فيها طيفي
فأومأ القرين للحلاقِ
يبتسم ابتسامة الإشفاقِ
وقال قل للحاجب الصديقِ
لا يكسر المرآة بالتحديقِ
من يكثر اللمح لها في الليلِ
قد يعتريه خبل في العقلِ

•••

فقال «عفوًا يا قرين الشمسِ»
ذاك الأريب منغضًا بالرأسِ
ما في المرايا ثَمَّ من شيطانِ
يخاف منه المس للإنسانِ
بل إن فيها ملكًا مكملَا
يوحي لنا الحسن كما تنزلَا
ملكتَ منه الذات واستأثرتَا
ففُز بها مغتبطًا هنئتَا
ودع لنا هذا الخيال مغنمَا
فإنه ليس لزوج حرمَا

الارتقاء ودلال النساء

لا يرغب الرجل في المرأة في الشعوب المنحطة إلا للعلاقة التي بين كل ذكر وأنثى؛ فالمرأة في تلك الشعوب يهمها أن تكون مرغوبة من هذه الوجهة، والدلال ومنه الخفر والخيلاء وترطيب الكلام والتخنث والزهو باستكمال المحسنات الأنثوية من قرائن تلك الرغبة والمحركات لها أيضًا، أما حيث تكون للمرأة مزايا تحبب فيها غير هذه المزية كسلامة الذوق والحديث ودقة النظر ومشاركة الرجل في تدبير شئونه، فالدلال من هذا النوع لا يحس إلا بقدر ما يكون طبيعيًّا في المرأة، فالعربيات والسودانيات أكثر دلالًا من المصريات والسوريات، والمصريات والسوريات أكثر دلالًا من النمسويات والإيطاليات والفرنسويات، وهنَّ أكثر دلالًا من الألمانيات والإنكليزيات، والأوروبيات بوجه عام أكثر دلالًا من الأمريكيات.

وربما جاءت السوبرمان التي يُمنُّونَنَا بها مجردة من كل أثر من هذا الدلال.

طمأنينة اليأس

ماذا أصنع؟

سؤال إذا ألقاه المصاب على نفسه فعجزت عن الجواب، هان عليه المصاب، يقوله المُحتضَر والمقضيُّ عليه بالإعدام، ويقوله المفجوع بعظائم الرزايا وفوادح الآلام، يقوله فتطرق نفسه إطراق الرِّضَى والاقتناع، بهذا السؤال «الإسفنكسي» يرقد ساكن الروع، جانٍ سيساق غدًا إلى ساحة القتل، بل بهذا السؤال يترقب ذلك الجاني ساعة القضاء عليه كمن يترقب ساعة العرس، كي يتخلص من وساوس لعل وربما، إلا أن من النفوس طائفة لا تسكت عن هذا السؤال في حال من الأحوال فتجيب عليه بالصدق والكذب، بالممكن والمحال، فالويل لأمثال هذه النفوس الحمقاء!

الحنان لعلة

الخال أشد عطفًا من العم؛ لأن الرجل ينافس أخاه بأبنائه ولا يُنافس أخته بهم، والعمة أشد عطفًا من الخالة؛ لأن المرأة تنافس أختها بأبنائها ولا تنافس أخاها.

الرأي العام

لو استطعت أن أتمثل الرأي العام في صورة شخص واحد لرأيته فيلمانيًّا غاشمًا، هائل الجثة صعب المراس ضعيف الذاكرة، سريع التقلب، قريب التهيج، سهل القياد، متناقض الأفكار، يَقبل كل ما يُقال له من غير تدبر ولا إمعان، والساسة والزعماء وجماعة الصحف والأحزاب محتفون بذلك العملاق الغمر يملقونه ويصادونه فلا يكاد يصدقهم بهذه الأذن حتى يكذبهم بتلك، وهو تارة يهم بالبطش بهم وتارة يضحك لهم ملء شدقيه، ولا بد أن يكون كذلك مجموعة أفكار خليط من الناس لا يحتمل أيهم تبعة رأيه شخصيًّا.

هواجس ما بين القبور

كلفنا بالحياة فما الذي أغرانا بحبها، وكرهنا الموت فلماذا كرهناه؟ «سؤال فيلسوف الفلاسفة وأغبى الأغبياء سيَّان في العي عنه»، بل إن ذلك الفيلسوف — ولست أهينه — كالحيوان الأبكم والجماد الأصم سواء في الصمت أمام هذا السؤال.

سل حجرًا: لماذا يأتلف بذراته ويحتفظ بشكله، سله عن هذين وهما مبلغ ما لديه من حياة، ثم سل من تشاء من جهابذة العلم وأساطين المعرفة علامَ آثر الحياة وكيف بدا له أن يتمسك بهذا البقاء؟! إنك لا تسمع منه صوتًا أوضح من سكوت ذلك الجماد.

أَلَا أخلق بهذا الذي يدعونه تنازعًا على البقاء أن يُدعى سباقًا إلى الفناء، سباقًا من العفاء مبتدؤه ومنتهاه إلى العفاء، نحن كلنا في ذلك المضمار متلاحقون، السابق منا كالمسبوق، والأول والآخر سواء.

فهذا المالك المطاع، الذي لا يفرض على عباده أكثر من الإيمان إلى الغبراء برهانًا على التذلل أمام عزته، والتصاغر لدى عظمته، دعه اليوم وعزة السلطان وأبهة المقام، ثم عُد إليه بعد أيام، ألا ينتثر على تلك الغبرا ترابًا تمشي عليه الدواب وتطأ فوقه الأنعام؟

وهذا الألمعي اللبيب: الذي تتلألأ كلماته في ظلمة الجهل تلألؤ النور في حلك الليل، ننافس يتيمات الدرر بأقواله تنزيهًا لها عن لفظ هذا الأنام، ونحاكي بنفائس الأعلاق معانيه إغلاءً لها عن سائر الكلام … أَنظِرْه إلى أيام، فما أقرب معدن ذلك الجوهر إلى معدن هذا الرغام عند كيمياء الحمام.

وهذا التياه بجماله، الفتان بدلاله، الذي تتهافت الأبصار على لمحة إليه، وتتلهب الشفاه إلى قبلة منه؛ أَمْهلْه أيضًا إلى أيام … ثم انظر أين منه تحت الثرى لحاظه الساحرة، وطلعته الباهرة ووجنته الناضرة ومراشفه العذبة الطاهرة، ألا ترى أحسن محاسنه غبارًا ينفض عن الأحذية وتُصان عنه الأقدام؟

وذاك الكمي المغوار الذي حرم على الأسود لحمه، وسمم في ملاغم النمور دمه … ما باله يسرح الدود منه في مكامن الشدة والعرام، وتتمكن الهوام من بدنه حيث لا يبلغ لا نصل ولا حسام؟

فما هذه الحياة؟ لا كانت الحياة! حيينا على الكره منه، ونعيش على الكره منه، وننسل فنهب أبناءنا الحياة على الكره منا ونحبها ونحن على ذلك مكرهون.

ما هذه الحياة؟ لا كانت الحياة! كلام يعجم على عقولنا ويرن صداه في أعماق ضمائرنا، والموت من فوق منابر النعوش ينادينا، بلسان يسمعه الأعجمي كالعربي، والأصم كالسميع، والبعيد كالقريب قائلًا: «أيها الناس إنْ حياتكم هذه إلا احتضار طويل، تعالجون له كلما استطعتم إطالة ومدًّا، ولَأَنْ تُعجلوه اليوم قبل غدٍ والساعةَ قبل الساعةِ التي بعدها أحرى بكم لو كنتم تعقلون».

نقض اللغات

كم من كلمات على ألسنة الناس بلا معنًى! وكم من معانٍ في أفكارهم بلا كلمات!

اقتراح

لست أدري لماذا لا تَفتح حديقة الحيوانات أبوابها سَحَرًا في أيام من فصل الصيف والربيع، فيشاهد الزائر الطبيعة تفرك جفنيها من النعاس وهي في ثياب النوم، ويرى كيف تنهض من فراشها بين جمادها ونباتها وحيوانها، ويسمع ذلك اللحن المؤلَّف من زئير السباع وصياح الدواب وتغريد الطيور وزقاء العصافير وعزيف الصَّبَا وحفيف الأشجار؟! أيظن مدير الحديقة أنه يحبو زواره بمشهد أبدع من هذا في النهار؟

عشاء المدينة

إن هذه الظواهر المدنية ليست عميقة الأثر في نفس الإنسان؛ فإن البواعث التي تُخرجه عن هذا الطور السطحي مثل الغضب الشديد والجنون والدفاع عن الحياة تعيده إلى استعمال أبشع وسائل العراك الوحشي كالنهش والعض والتخديش بالأظافر لا سيما في الصغار والنساء، والوقائع متعددة عن المجانين الذين أكلوا جوارح الأحياء، والمقتولين الذين أنشبوا أنيابهم في أجسام قاتليهم وقضموا من أعضائهم ما وصل إلى أفواههم؛ طمعًا في الخلاص.

وحش في غير لقاب

الإنسان أشد الحيوان ضراوة، يفترس من البر والبحر والهواء وما هو بمضطر كاضطرار الوحوش إذ ترد عنها قوارص السغب، ولكن ليتلذذ ويتفكه بتنوع الألوان واختلاف الطعام، وكما أن السبع قد يغتال فريسته من أجل نهشة من اللحم، وكذلك إنساننا قد يسطو على شرف أخيه وطمأنينته فيسلبها منه من أجل لذة فارغة لا يضيره الاستغناء عنها، فالوحشية ليست في البرثن والناب أكثر منها في الشوكة والسكين، وليست هي في الفتك والاغتيال بأقبح منها في الإفك والاحتيال.

وما في الغول والسعلاة طبع
وهذا المرء من شرواه خالِ
وكم في الناس إن تنظر إليهم
طبائع ما تراها في السعالي

تربيتنا الدستورية

إلى الآن يخيفون الأطفال في الأرياف البعيدة بالعسكري، يخافون من كل لابس الطربوش كخوفهم من العفاريت والغيلان.

التنافس سلم الرقي

يضيق مجال التنافس في الأقطار الزراعية البحتة التي لا تعمل فيها الصناعة فتبطئ حركة التقدم؛ لأن المجانسة الطبيعية في نتاج الزراعة قد أوقفت التحسينات الصناعية عند حدٍّ محدود؛ ولذلك بقي فلاح اليوم نموذجًا لا يفوته شيء من فلاح طيبة وممفيس، فالأكواخ الطينية والمحراث الخشبي وسراج الزيت وأثواب الصوف بلونه الطبيعي على جلود الغنم، ومنسوج الكتان الغليظ والخبز الأسمر والسمك المملح والجبن والبصل والكراث لا تزال على حالها في عهد بناة الأهرام، وستبقى كذلك إلى أن تنشأ لنا صناعة وطنية نزاحم بها في سوق الصناعات، هنالك نضع أقدامنا على قاعدة ثابتة مستقرة ونأخذ في الرقي المتواصل المطرد.

يا ليل

شمل الظلامُ أعاليَ الآكامِ
والنور غادر طاويَ الأعلامِ
وطغى على الأكوانِ بحرٌ طامِ
نامت عوالمها ورنقها الكرى
والنجم نام ونام ما فوق الثرى
والخلق بين مهموم ونيامِ
والليلُ أرحبُ ما يُتاح لنائمِ
ضاقت مذاهبُه بهذا العالمِ
وطوى على كشحٍ من الأيامِ
يا ليلُ عفيت الفوارقَ والمدى
سويت ما بين الملوكِ ومَن غدا
في حكمهم كسوائم الأنعامِ
يا ليل أَنسيتَ الحزينَ مصابه
وسللتَ من صدر العليل عذابَه
وحبوتَه بروائعِ الأحلامِ
كم فاز فيك المعتفون بما ارتضَوْا
وأذقتَهم طِيبَ الرجاءِ وقد قضَوْا
عهد الرجاء وما حظوا بمرامِ
وجمعتَ أهل العشقِ لم يتجمعوا
في غفلةٍ ممن يلوم ويمنعُ
بالروح دون تواصُل الأجسامِ
لا يكتُمون من الحياة ودادَهم
أو يعرضون وقد أذاب فؤادهم
مثل الغضى من لوعة وهيام
أحييت من أردى الحمام وقتَّلا
وبعثتهم من بعد أن صاروا إلى
رمم بَوَالي في الثرى وعظام
يا ليلُ أنت أبرُّ ما يدعو الورى
رفرفْ على أهل المدائن والقرى
وابسُط ظلالك فوقهم بسلامِ
آليت أظلم من ظلامك حالكَا
نور يضيء إلى الشرور مسالكَا
ويُرِي العيونَ خوافيَ الآثامِ
وأعف من إنسان سوء يفسدُ
شيطان جنٍّ في ظلامك أسودُ
ما قط فارق عالم الأوهامِ
يا ليلُ فاحلل في العوالم سرمدَا
إني لَأَفْرَقُ للنهارِ إذا بدَا
أشباح خلق في النهار لئامِ

السعادة في وهم الناس

يعتقد بعضهم أن السعادة أن تتوفر لدى الإنسان جميع مبتغياته حتى لا تعود له بغية في الحياة، وأن التعاسة بأن يصفر الإنسان من جميع حاجاته حتى لا يكون شيء من مستلزمات الحياة إلا وهو محتاج إليه، على أني لا أحسب هذا التعيس أحق بالانتحار من ذلك السعيد.

احترام الضعف

تغلب آداب احترام الشيوخ والنساء في الشعوب التي من دأبها — أو كان من دأبها — الغزو وشن الغارات — وراقب ذلك في الأتراك — كأنهم يأنفون من إظهار البأس على من لا يُنتظر أن يفاخرهم ببأسه.

الانخفاض أساس الرفعة

أعلى المراتب ما أُقيمَ بناؤه
فوق النقائض من بني الإنسانِ
وإذا بدا لك أن تُشيِّد عاليًا
فاجعل أساسك غائر الأركانِ
يشقى المماكس والمخاتل والأُلَى
سادوا الخلائق من ذوي التيجانِ
لولا الغرارةُ في الأنام وما بهم
من ذلة مرذولة وهوانِ

فضل الفقراء على مدنية الإنسان

أكثر الانقلابات العظيمة تمت على أيدي الفقراء؛ لأنهم الفئة التي ترغب دائمًا في تبديل ما هي عليه.

الحجاب: خير للرجل الذي يخشى أن تصادفه امرأة في الطريق فيُفتن بها أن يرجع إلى نفسه فيُقوِّم طباعها ويلطف من شَبَقها، ذلك خير له وللعالم من أن يحكم بالسجن المؤبد على نساء العالم كله.

والمصلح الذي يتذرع بفصْل الجنسين إلى منع الأضرار التي تنجم عن اختلاطهما، كالحكومة التي توكل بكل فرد حارسًا أو تحبس الناس جميعًا لتمنعهم من ارتكاب الجرائم، كلاهما يضيع الغاية في سبيل الواسطة.

أين موضع العجب؟

في جزيرة منعزلة من جزر النيل رجل إنكليزي وامرأته يقضيان الشتاء في تلك الجزيرة ثم يبرحانها عند ظهور الصيف، وقد وضعا في خدمتهما نحو الأربعين خادمًا بين رجل وامرأة، فكانوا يقصرون في تأدية أعمالهم غالبًا؛ فتصيح بهم السيدة غضبى: «عجبًا، أربعون شخصًا يعجزون عن خدمة اثنين!»

نعم، عجيب أن ينفق رجل وامرأة على ما لا يكاد يفي بتهيئة معدات أكلهما وسكناهما في المشتى، ما يكفي للإنفاق على أربعين عائلة في كافة لوازمها!

آداب المجاملة

الصراحة — أي إظهار شعور النفس في حقيقته — خُلق فطري في الإنسان، ولكن الرياء والمواربة والنفاق والمجاملة مستحدَثات متصنَّعة أوجدها تداول الحاجة بين الناس؛ ففي القرى حيث تقتصر حاجة كل إنسان على ساعده ترى الغلاظة والخشونة في الكلام، وتراهم أبعد ما يكونون في حديثهم عن الكياسة والتزويق، وكذلك بين النساء الجاهلات بالحاجات المعنوية في العِشرة والمسامرة وتبادُل العواطف، فإن الصراحة عندهن على أتمِّها؛ لأنه قلَّ أن توجد بينهن امرأة تحتاج في مؤنتها إلى امرأة أخرى؛ لاعتمادهن جميعًا من هذه الوجهة على الرجال.

ومتى ازدحمت الأعمال بتقدم العمران واعتمد كل عامل في عمله على ذاته؛ قلَّت كذلك المجاملات الفارغة واقتصر الناس من الكلام على الضروري المفيد ونبذوا اللغو والهذر.

وربما كانت هذه الجفوة التي عُرف بها العنصر السكسوني في ألمانيا وأمريكا وإنكلترا من لزائم الاعتماد على النفس واستقلال الفكر، وهما الخلقان اللذان امتاز بهما أبناء هذا العنصر بين عناصر البشر، كما يمكن أن نرجع بهذه المجاملة المستسمجة بيننا إلى عدم استقلالنا والتعويل على غيرنا قبل أنفسنا في قضاء حوائجنا.

محك المعجزات

للفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم ميزان دقيق يزن به المعجزات، قال في بعض فصوله ما معناه: إذا أخبرك رجل عن معجزة فانظر إن كان تكذيب ذلك الرجل مستحيلًا أبعد من استحالة وقوع تلك المعجزة فصدِّقه.

فمثلًا: إذا جاءك رجل وقال إنه رأى الشمس تطلع من الغرب بعد نصف الليل، فإذا كان وقوع ذلك الأمر الخارق أقرب إلى الاحتمال من كذب رجل أو مائة رجل مثله أو ألف أو مليون فصدِّق المعجزة، وإلا فاقطع بأنها ملفقة.

حقيقة الشعور بجمال التصوير

في استحساننا للصور شيء من الإعجاب الخفي بإتقان المصور، فيتفاوت إعجاب الناظر على حسب الدرجة التي يقدرها للإتقان في نظره؛ فصاحب الذوق الساذج يكتفي بتخطيط «كروكي» عن مجمل الشكل المرسوم، فلا يطالب الرسام إذا رسم رجلًا بأكثر من أن يأتيَ به كاملًا لا ينقص عضوًا من أعضائه، فيبحث عن الرأس والعين والأنف والأذن … إلخ هل لها علامة ظاهرة في الرسم أم لا؟ ثم لا يُعنَى بمضاهاتها على الأصل، يطلب منه رجلًا لا يلتبس عليه بالقرد أو جملًا لا يلتبس بالزرافة.

ذلك أننا تعودنا أن نعجب دائمًا بالصانع في صنعته على قدر ما استلزمته من الحذق والقدرة، وعلى قدر ما لدينا من إدراك ذلك الحذق وتلك القدرة، فنحن تروقنا صورة اليد أكثر من الصورة الشمسية وإن كانت هذه في الواقع أضبط من الأولى وأدق منها انطباقًا على الأصل، إلا أن استخراجها ليس فيه ما يشبع حاسة الغرابة؛ لأنه لا يشف عن البراعة التي يشف عنها استخراج الأولى، ولو كان للإعجاب بالصور سبب غير هذا السبب لكانت الثانية أولى بإعجابنا.

أعمار الموتى

قلت هذه الأبيات على قبر صديق زرته بعد عام وقد مات في التاسعة عشرة:

قد مرَّ عام وأنتا
من القبور حسبتا
اليوم عشرين عامًا
تحت التراب بلغتا
سيَّان يوم وجيل
في عُمر من بات مَيْتا

بنات أوروبا على الإبل

قل للحسان على المطيِّ رواكضًا
رفقًا بأعناق المطيِّ قليلا
لا يرتكضن فهن في أقصى المدى
أدنى أعماق النفوس مثولا
حسب الحسان من القلوب رواقلا
إما خفقن وحسبهن ذميلا

تقسيم التركات

إذا مات رجل عن مائة ألف جنيه وخلَّف وراءه ابنًا، فكيف يحق لهذا الابن الاستيلاء على جميع هذا المبلغ؟ وبأي مسوغ يستحل ذلك الولد هذا المقدار من ثروة الأمة؟

نعم، إن على الوالد أن يُربيَ ولده، وله أيضًا أن يُعينه على إنشاء مستقبل له في الحياة، فليكن الأمر كذلك؛ فليس في هذا نزاع، فإذا ما مات ذلك الأب فلتقم الحكومة مقامه وتتولَّ تربية ولده وتمده متى حان له أن يعمل لنفسه بما يبدأ به عملًا من الأعمال، ولتتركه بعد ذلك يُلاقي ما يستحقه بجدارته من نجاح أو فشل، وتنفق الباقي في تحسين حال المجموع بما لا يمكن أن يأتيَ على يد فرد من الأفراد.

محادثة مع أخي الصغير أمام البنك المصري

قرأ الغلام على لوحة المصرف الكبير «ا ل ب ن ك، ا ل م ص ر ي» فصاح بي: أهذا محل البنك؟

قلت: نعم، إنه هو محله.

قال: أين هو إذنْ؟

قلت: هذا البيت الذي تراه أمامك.

قال: لقد كنت أسمع الناس يقولون: أخذت من البنك، البنك أعطاني، البنك يطلب من فلان؛ فأحسب أنه رجل كبير كثير الأموال، يجلس في محله وينفح الناس بالنقود كما يطلبون.

قلت: إنه لكذلك، رجل أو رجال كبيرون، لا بالجسم الضخم ولا بالشعر الأبيض ولكن بالذهب، وهم كما حسبت، ينفحون من تسمعهم من التجار وأصحاب المزارع والعقار بالنقود، إلا أنهم لا يطيقون كلفة الجلوس ومد اليد بالفلوس، فهم ينامون هناك على أَسِرَّتهم ويبعثون جنيهاتهم تدور وتنحدر من يد إلى يد ومن كيس إلى كيس، ثم تعود أيديهم وأكياسهم في آخر الدورة أضعافًا مضاعفة.

قال: وإني أراهم يَزِنون الجنيهات والريالات في الموازين، فبكم يا تُرى يبيعون الأُقَّة؟

قلت: إنهم يبيعون الدرهم بدرهمين.

قال: وهؤلاء الصيارفة والبوابون الذين يَزِنونها ويصفونها ويحملونها، ألا أحسبهم أسعد العمال حالًا وأكثرهم مرتبات وأجورًا.

قلت: كلا! بل هم في ذلك عمال كبقية العمال.

قال: فكم أجرة هذا البواب؟

قلت: كأجرة ذلك البواب.

قال: وهذا العامل؟

قلت: كذلك العامل.

قال: عجبًا! أعامل البنك وهو لا يقلب يديه إلا في الذهب والفضة يأخذ ما يأخذه عامل الأوراق والمحابر والأقلام؟

قلت: أي نعم، كذلك قضى الناس: أن يكون أقلهم حظًّا من المال أكثرهم اشتغالًا فيه.

قال: إننا نحن الأطفال بمثل ذلك في ألعابنا.

قلت: ولكننا نحن الرجال ذوي الشوارب واللحى نرضاه في شرائعنا وأعمالنا فماذا تقول؟

فبُهت الغلام وألقى بكرته أمامه ثم عدا في أثرها!

أين الحقيقة؟

أين الحقيقة؟ لا حقيـ
ـقة كل ما زعموا كلامُ
الناس غرقى في الهوى
لم ينجُ غرٌّ أو إمامُ
إن الحقيقة غادة
كالغيد يضمرها اللثامُ
كلٌّ يهيم بها فإنْ
لاحت لهم صدوا وهاموا
كم أشرق الحق الصراح
فأعرضت عنه الأنامُ
والناس لو تدري خفا
فيشُ يروق لها الظلامُ
لا حق إلا أنه
لا حق في الدنيا يُرامُ

ولما نشرت هذه الأبيات في الجريدة، نشر كاتب في العدد ٣٣٦٠ من اللواء مقالًا افتتاحيًّا تحت عنوان «يرون الحقيقة ويمارون فيها» قال منه: إن الذين ينحرفون عن طريق الحقيقة لم يضلوه ولو شاءوا لاستقاموا فيه، ولكنهم لا يشاءون؛ فالحيلة فيهم قليلة.

مثلهم مثل من يجعل بينك وبين الشمس يده إذا تعالت في السماء ليحجب عنك نورها وهو يدري بأنه لا يُحتجب، فالويل لهم من أنفسهم والويل لطلاب الحقيقة منهم.

نعم، إن الحقيقة لا تدرك بين الذين أُشربوا في نفوسهم هذه الطباع ولكنها غير مجهولة ولا خافية، وهل يخفى النور على بصير وقد ضمن مقالته أبياتًا بهذا المعنى.

فقد ظن الكاتب أني أنكرت الحقيقة مطلقًا، وليس هذا مرادي، فالحقائق من صنف (٢ × ٢ = ٤) كثيرة لا تُحصر ولا تُنكر، ولكن الحقيقة التي عنيتها ليست من طراز هذه الحقائق؛ فهي الحقيقة الكبرى، الحقيقة الشاملة التي ينضوي تحتها كل ما عداها من حقائق، فمن هو ذاك الذي يحسب الكاتب أنه يعرف هذه الحقيقة ويماري فيها؟ تلك أكبر من أن يعرفها أحد فيكتمها، بل تلك أسطع من أن يقابلها بصر إنسان.

خلود الفنون

تساوى الآن أرباب القرائح والفنون، فلم يعد الشاعر ينفرد بتخليد ثمرات قريحته عن زميليه المصور والمغني؛ فبواسطة التصوير الشمسي الملون أصبحت الصورة تُنقل من قرن إلى قرن من غير أن يذهب تقادم العهد برونقها، وبالفونوغراف والأنواط الموسيقية أصبح في الإمكان حفظ أصوات المغنين وألحان الموسيقيين مئات السنين بعد أن كانت تخرج من بين شفاههم فيلاشيها الهواء.

نقد الكتب

يحسن بالقارئ أن يعيد تصفح الكتب التي يقرؤها مرة في كل ثلاث سنين على الأكثر، فإنه يضاعف انتفاعه بها ولا تفوته طلاوة الجديد؛ فإنها تتغير في نظره حتى لقد يظهر له كأنه يقرؤها للمرة الأولى فيرى في معانيها ودقائقها ما كان لا ينتبه إليه من قبل، كما يبدو له من مآخذها وأغلاطها ما كان يخفى عليه، وربما تغيَّر حُكمه عنها إلى نقيضه فيروقه ما كان يرفضه ويرفض ما كان يروقه مترقيًا مع ارتقاء معلوماته.

وبإعادة تلاوة الكتاب في ظروف مختلفة، يتجرد القارئ عن تأثير الظروف عليه في قراءته ويتخلص إلى المعنى المقصود.

أسحار أيار

نشرت هذه الأرجوزة في العدد ٩٧٦ من الجريدة الصادرة في يوم ٢٦ مايو سنة ١٩١٠:

قد أقبلَ الربيعُ
بنشره يضوعُ
ففاحت الزهورُ
وصاحت الطيورُ
حديثها تلحينُ
ولحنها شجونُ
سجية فطريةْ
من قدرة سريةْ
ما ركَّبتْ مزمارَا
أو هذَّبتْ أوتارَا

•••

الورد في البستانِ
يميل بالأغصانِ
يسطو بلون الأفقِ
عند احمرار الشفقِ
كأنه الخدودُ
تهفو بها القدودُ

•••

والفلُّ في الرياضِ
كالحدق المراضِ
يرنو بلحْظ فاترْ
لكل وجه زائرْ
مختلف الأوراقِ
مزدوج الطباقِ
كنجمة الصباحِ
تهم بالرواحِ
يا من جفاه الوسنُ
وحالفته المحنُ
أزرت به العيونُ
وملَّه القرينُ
الفل طرف أحورْ
لكل وجه ينظرْ
لا يغمض الدلالُ
منه ولا الملالُ
يرمز للعفافِ
بلونه الشفافِ

•••

والنرجس الجميلُ
أقصده النحولُ
ما باله قد أطرقَا
لا يستقيم مطلقَا
كالتابع المطيعِ
في حضرة المتبوعِ
أم أبصر الزهورَا
فارتد مستطيرَا
وعاذ بالرحمنِ
من فتنة الحسانِ
كالناسك المعتزلِ
عن دهره في شغلِ
ما جال قط بالبصرْ
في حسن ربات الخفرْ
قد أنكر الجمالَا
يحسبه ضلالَا
كأن من سواهُ
ليس هو الإلهُ

•••

وفاح مثل المندلْ
من جانب القرنفلْ
يا سيد البهارِ
وحلية الأبكارِ
أدميت في التليدِ
أنيملات الغيدِ
طيات ثوب الغانيةْ
ما عنك إلا راويةْ
مسنن الحوافي
في ورق لطافِ
تخالها في الشكلِ
مثل ثنايا الطفلِ
ضاحكة للأمِّ
ناغته بعد ضمِّ

•••

ودارت الأقاحي
مبيضة النواحي
كأنها الملاحُ
دارت عليها الراحُ
فاهتزت الخصورُ
وافترَّت الثغورُ
يا ألف ثغر يبسمُ
جذلانة لا تسأمُ
الشهد منها يرشفُ
والطِّيب عنها يُعرفُ
كيف يرى الحزينُ
أو يعبس الجبينُ
في محضر صبوحِ
بوجهك المليحِ

•••

وأشرق النيلوفرُ
كالبدر حين يسفرُ
يحنو إلى ذكاءِ
في الصبح والمساءِ
كالراهب الحبيسِ
في هيكل المجوسِ
أتلفه القيامُ
والنسك والصيامُ
فاصفر كالمفئودِ
من خشية المعبودِ

•••

وانتشر المنثورُ
كأنه الذرورُ
طرازه مؤتلفُ
ووشيه مختلفُ
كأنه قوس قزحْ
أو خيط نور في قدحْ
أو لعب الأزاهرِ
في موسم المساخرِ
بالورق الملونِ
من كل صبغ متقنِ
فالأحمر الخضيبُ
والأصفر المشوبُ
والواضح المحمرُّ
كالثغر إذ يفترُّ
شفاهه لا تطبقُ
يا حسنها لو تنطقُ

•••

والنيل يجري ساكنَا
كالشيخ يسري واهنَا
يحدِّث النجومَا
حديثه القديمَا
قد أقبلت عليهِ
وحملقت إليهِ
وراق للنسيمِ
ما راق للنجومِ
فأمسك الأنفاسَا
وأنصت اختلاسَا

•••

والبدر في سماءِ
يسبح في السناءِ
مجرد الإهابِ
في ذلك العبابِ
ولاح نجم هالي
مشمر الأذيالِ
يعمل في الديجورِ
كالخنجر المشهورِ
فانقض زنجيُّ الدُّجى
في دمِّه مضرَّجَا
وأقبل النهارُ
يحفُّه الإكبارُ

•••

يا أيها النيامُ
قد أدبر الظلامُ
الماء والهواءُ
والأرض والسماءُ
والعشب والنوارُ
والطير والأشجارُ
والحوت في البحارِ
والوحش في القفارِ
تنهض للبكورِ
قبل انبثاق النورِ
فما لهذا النائمْ
من عنصر ابن آدمْ
قد خالف الطبيعةْ
في هذه الشريعةْ
مذ جعل القنديلَا
عن شمسه بديلَا

•••

لو أنصف الزمانُ
وأسعف الإمكانُ
ما أشرق النهارُ
أو دارت الأدوارُ
إلا على الربيعِ
وزهره البديعِ

الانعطاف

يسرُّ في كل انعطاف استحضار العاطف حال المعطوف عليه استحضارًا تتنبه معه في النفس حاستها في مثل تلك الحال.

فالمرأة أعطف على المرأة من الرجل؛ لأنها أخبر بخبايا نفسها واختلاجات قلبها.

والمرزوء يرثي للمرزوء أكثر من الخّلِيِّ؛ لأنه الأقرب منه إلى فهم حاله والاستشعار برُزْئه.

وسرعة الخاطر ملازمة لشدة التأثر؛ لأن سريع الخاطر أسرع من غيره إلى لحظ المشابهات البعيدة بين شِكايات الناس وشِكايته، ومن أهل هذا الخاطر السريع من تبلغ به قوة الاستحضار أن يستحضر أمرًا مضى فيضحك أو يبكي كما لو كان الأمر قد وقع له فعلًا في ذلك الحين، وأصحاب هذا المزاج هم الذين ينسون أنفسهم في غمار الناس ويتسلبون عن ذواتهم في وسط الجماعة، فيغلب عليهم ضعف الإرادة؛ لأنهم لا يملكون اطمئنانهم الداخلي أمام المؤثرات المتناقضة، ولا تأتي أعمال هؤلاء إلا إذا كانوا فيها ملاحظين أو منفذين لا مدبرين ولا مديرين، أما الأعمال التي تحتاج إلى حضور الذهن واستقلال الحكم وعدم الانقياد إلى مؤثرات الوسط، كالقضاء والسياسة وإدارة الأشغال، فهم لا يبرزون فيها بتاتًا.

والشفقة عند القبائل المتبربرة مرادفة تقريبًا لمعنى الجبن؛ لأنها بهذه المثابة عبارة عن خوف على النفس من طريق الخوف على الغير، وكذلك الغلاظة عندهم مرادفة معنى البأس والصلابة.

هذا باعث الرحمة، وهذا أيضًا باعث الضمير

فالرحمة ليست إذنْ حيلة اخترعها الضعفاء لمصلحتهم كما افترض النيتشيون، ولكنها طبيعة من طبائع الإنسان، والفرق فيها بينه وبين الحيوان فرق بين دماغ ودماغ؛ فذهن الإنسان لارتقاء تركيبه يأخذ الشبيه بالشبيه، وذلك ما يصل إليه الحيوان.

شعر حافظ

يعجبني من حافظ جلاله في شعره، يعجبني منه ذاك الجلال وإن كنت أعتقد أن الجلال الظاهر لا يتطلب من شعرائه سموًّا في المشاعر أو أفضلية لها على شعراء الجمال، فعندي أن إدراك الجمال ينبغي له تهذيبٌ في النفس ودقةٌ في الذوق لا تُكتسبان إلا مع العلم ومعاينة ثمرات الفنون، ذلك إلى استقامة الفطرة وسلامة الطبع، وليس كذلك الجلال؛ فإنه لقوته الضاغطة على الحواس يضطر النفس إلى الشعور به قسرًا ما دامت على استعداد له، ويندر أن تعرى نفس عن استعداد للشعور بالجلال.

وتعجبني منه موسيقيته في شعره؛ يوقع لك النغم ثم يتركك تغني على ليلاك. ومن الشعراء من تجدهم كأحداث الرسامين يرسم لك الشجرة فلا يترك ورقة من أوراقها، ويلقي إليك بقصة فيقررها كما يقرر الشاهد شهادته أمام القاضي، أولئك ككتاب الهيروجليفي يصورون لك شكلًا ما هم عاجزون عن تصويره معنًى، والأمي يتراءى له كأن تلك التصاوير أحكم من الحروف تمثيلًا وأوضح منها مدلولًا.

وأما فيما عدا ذلك، فشعر حافظ كما قال فيه الدكتور شميل ولم يرد أن يطريه: «كالبنيان المرصوص متين لا نجد فيه متهدمًا.» فهو يعتمد في تعبيره على متانة التركيب وجودة الأسلوب أكثر مما يعتمد على الابتداع أو الخيال.

نوبة الخفقان

إذا كان قلبي بين جنبي مضمرًا
ليَ الغدر لم أرهب لقلب امرئ غدرَا
إذا دق لا أدري أتتبع بعدها
له دقة أم أنها الدقة الأخرى

الإلياذة

أضاع البستاني أعوامًا في تعريب الإلياذة لو قضاها — أو بعضًا منها — في تعريب نخبة من أسفار الحكمة الغربية لكان ذلك خيرًا للعربية وقرائها من نقل كل ملاحم الأقدمين إليها. نقل إلينا تلك الملحمة الضخمة التي تشتم عنجهيات البدو وجلافات القبائل في كل قصيدة من قصائدها، على حين بدأ الأوروبيون أنفسهم يمجُّونها ويزهدون فيها، وما كانت تطرب إليها نفوسهم في عهد من العهود، ولكنهم يقلدون في الإعجاب بها بعضهم بعضًا؛ فيكتب النقاد في تقريظها ويترنم القراء بوقائعها وأناشيدها، وكلهم يظن أن غيره أعلم منه بسر ذلك الإعجاب المستولي على الجميع، وكلهم في الحقيقة سواء في جهل ذلك السر، وما جعل للإلياذة هذه القيمة بين كتب الأدب المعدودة في لغات الغربيين إلا أنها الكتاب الوحيد الذي بقي لجامعات أوروبا جيلًا بعد جيل تدرس فيه بلاغة اليونانية وقواعد شعرها القديم، فكان يتلوها منهم كل كاتب قبل أن يكتب وكل شاعر قبل أن يشعر، ويعتبرونها كما يعتبرون سفرًا يدرس في الجامعات، ثم يتشدقون ويتفيهقون بها تفيهق عارف اللسان المجهول وقارئ الكتاب النادر.

ولقد فقدت هذه القيمة بترجمتها إلى اللغة العربية؛ فلم يبقَ فيها إلا تلك السخافات والحماسيات التي لا أشبهها إلا بوقائع سيف بن ذي يزن وأبي الهلالي مما يقرؤه كلٌّ منا في حداثته، ولكن الوهم قد صيَّرَنا لا نجرؤ على النطق بأسمائها كما صيَّرَهم الوهم يشيدون بذكر إلياذتهم ويُنصِّبون ناظمها «المستر» ملكًا على الشعراء.

الرشوة

فشت الرشوة والصنيعة في الشرق؛ لأن الشرق عش الاستبداد، والرشوة والصنيعة تفشوان حيث تنطلق يد الحاكم بلا مراجعة ولا تعقيب، فلا مناص للشاكين والطالبين من استرضائه والاحتماء به، أما حيث تنحصر سلطة الحاكم في تطبيق أحكام القانون فإنهما يمتنعان إلا بقدر ما يفضل — بعد تنفيذ السلطة العمومية — من سلطة يكتسبها الموظف لشخصه.

الطريقة الإنشائية

العناية بتنميق الألفاظ عيب الطريقة الإنشائية وحسنتها في آنٍ واحد، وهي عيبها لأن المبالغة في العناية بالألفاظ من طبيعتها أن تصرف صاحبها عن تحرِّي المعاني والتثبُّت من الحقائق، وهي حسنتها لأن هذه العناية من طبيعتها أن تغزر مادة الكاتب اللفظية فتتوارد الكلمات على سن قلمه بلا تعمُّل أو كلفة، فيجري قلمه في الكتابة جَرْيَ لسانه بالكلام، وحقق ذلك العيب وهذه الحسنة في كتابات جماعة الإنشائيين من كتَّاب الجيل الماضي، وأعني بهم أمثال الطويراتي وعبد الله نديم والشدياق واللقاني وأديب إسحاق وإبراهيم المويلحي وأضرابهم من زعماء الطريقة الإنشائية.

وحدة الحكومة

لا أرى لماذا يخطر للأكثرين أن الجامعة الإنسانية تقتضي وحدة الحكومة؛ فليس ما يساعد على هذا الخاطر اليوم، وربما كانت الحكومات المستقلة غدًا أكثر منها اليوم عددًا، فلا أهمية البتة لوحدة الحكومة في تكوُّن الجامعة الإنسانية، ويكفي أن الأمم سوف تساس في المستقبل طبقًا لنظريات مشتركة في الحكم وتجري على وتيرة واحدة في أوضاع العمران، ذلك أدعى إلى التقارب والتآخي من اشتراكها في أشخاص الرؤساء الذين يحكمونها، ومتى وصلت الأمم إلى مستوًى واحدٍ في الأفكار والنظامات فما أغناها إذ ذاك عن الانضمام تحت قطعة واحدة من القماش.

القضاء والقدرة في الطبيعة

ليس لنا في أعمالنا اختيار حقيقي بالمعنى المراد من الاختيار، بل إن اختيارنا نفسه نتيجة أعمال اضطرارية تقوم بها وظائف الجسم، ومن ذلك يتبين مقدار ما في قول القائلين برفع القصاص عن فاقد الاختيار من الوجاهة أو عدم الوجاهة في بعض الظروف.

كلنا ننطوي

أينعي يا زهور
واهتفي يا طيور
والعبي واطربي
يا بنات الغدير
وانشري يا صَبا
نافحاتِ العبير
واخطري سحرة
بين نور ونور
واسطعي في الدجى
ساعةً يا بدور

•••

ساعة تنقضي
في دهورٍ تدور
كلنا للرَّدى
والبرايا غرور
كلنا ينطوي
في ظلام القبور

السعادة

السعيد من لا يُفكر بالسعادة.

حرم الأوهام

الخيالات الشعرية والأساطير الدينية مستطابة في موضعها محترمة ما دامت في كسر دارها، ولكنها متى تعدت مرة منطقة وخاطرت بنفسها إلى منطقة الحقائق، فعقابها هناك الإعدام ودمها هدر، كذلك حمام الحرم، فمن أرادها فليطلبها في موطنا ولا يخرج بها منه فيجني عليها وعلى نفسه بهذه الغربة المميتة.

عرض الحياة

ترى من سيرة الجانب الأكبر من الناس في حياتهم كأنهم يخالون أنهم دُعُوا في العالم إلى وليمة يأكلون فيها ويشربون ويقصفون ويطربون، ثم ينصرفون في آخر الليل ليناموا، لعمري إذا كان هذا هو الغرض من كل حياتنا هذه، فما أحقر ما يفوتنا بالموت من حياتنا! وما أشد ما ظلمنا الموت بهذه البغضاء!

سائلوا بطرس باشا

ليت شعري ماذا كان يعني شوقي بك بقوله على قبر بطرس باشا:

القوم حولك يا بن غالي خشع
يقضون حقًّا واجبًا وذمامَا
يتسابقون إلى ثراك كأنه
ناديك في عهد الحياة زحامَا
يبكون موئلهم وكيف رجاؤهم
والأريحي المفضل المقدامَا

أكان يريد أن يقول: إن زائري قبر الرجل وفيهم ساداته الأمراء والوزراء والعظماء والعلماء، وفيهم نائب مولاه الأمير ووكلاء الدول وأكابر السراة والوجهاء، أكان يريد أن يقول: إن هؤلاء كلهم ممن كانوا يقصدون من نادي ابن غالي موئلًا وكهف رجاء يستعطفون من أريحية ساكنه الجواد ويستدرُّون من أفضاله؟ أم أراد أن يقول كما قال الناس في هذا المعنى فأخطأ التقليد؟ أم لعله كان لا يريد أن يقول شيئًا؟ أم تراه يحسب أنهم ملكوا عليه حتى دموع عينيه، وأنه نائحة المعية أعيد ليرثي كل من يموت من خدامها بلا مقابل؟

الحر والخصب ينميان الأديان كما ينميان الأغصان

الحر والخصب كلاهما طبعا الشرقي على الكسل وقلة العمل، وكلا هذين من دأبه أن يطلق للفكر عنان التصور والخيال، ويغري النفس بالاسترسال في الأماني والآمال، فالشرق من قديم الأزمان مهد الأديان ومهبط وحي الوجدان، وليت شعري إذا لم تكن العقائد من نتائج الخيال، فعلامَ لا ينشأ إلا في الشرق أمثال برهما وبوذا وكونفشيوس وزردشت وموسى وعيسى ومحمد وسواهم من الأنبياء وواضعي الديانات؟

ابن حمديس

شاعر صدت عنه الشهرة بعد أن أقبلت عليه، وطواه الخمول بعد أن طبق ذكره الآفاق.

فلقد نُسي الرجل بعد أن ذاع اسمه في العالم العربي، فكان ينشد له في قرطبة ومراكش وصقلية ومسيني وبغداد، استدعاه المعتمد بن عباد من قرطبة إلى إشبيلية، وكان قد اجتباه فلم يزل صديقه ملكًا وأسيرًا، وذكره أكثر أصحاب التراجم والسير، فأشار إليه ابن الخطيب في نفح الطيب، وشهاب الدين العمري في مسالك الأبصار، وعماد الدين الأصفهاني في جريدة القصر وجريدة العصر، وابن القطاع في الدرة الخطيرة والمختار من شعراء الجزيرة، وذكره هذا أيضًا في طبقات الشعراء، وأبو الصلت بن أمية الأندلسي في الحديقة، وحاجي خليفة في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وابن بشرون الصقلي في المختار في النظم والنثر، وابن بسام ولا أذكر أين نقله ابن خلكان في وفيات الأعيان، ونقل له بعض هؤلاء عن بعض، وأطنبوا الثناء عليه بما عرفوا من قدره، ولكن وافق بعده أن اضمحلت دولة العرب في المغرب وانقرضت لغتهم من تلك الأمصار؛ فضرب النسيان على اسمه مع ما ضرب عليه من معالم مدنيتهم هناك.

ولكن هذا الشاعر المجهول قد زاد بديوانه على ثروة اللغة العربية ذخيرة أضاعها التفريط، وأودع ألفاظها من المعاني ما لم يُضمِّنها إياها شاعر عربي آخر، ولقد كان ينبغي ألا نذكر المتنبي والبحتري وابن أبي حفصة وابن هانئ وغير هؤلاء من محترفي الشعر، كان ينبغي ألا نذكرهم مرة إلا ذكرنا ابن حمديس مرارًا، هذا الذي لا يذكره قراء العربية إلا كما يذكرون شعراء الفرس والصين، ولولا «ابن» قبل حمديس لَمَا درى أكثرنا إن كان اسم رجل أو اسم مكان.

ولم يأتِ واحد ممن أشاروا إليه ولا على طرف من سيرته، ولا بينوا مسقط رأسه وتفصيل نشأته، ولعلهم كانوا يجهلون ذلك أو لعلهم لم يستقصوه كعادتهم في إيراد التراجم، فكل ما عرفته من أمره بعد أن تصفحت ما عثرت عليه من المصنفات التي ورد فيها اسمه أنه وفد على المعتمد بن عباد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وفي تلك السنة رحل إلى إفريقية وصحب العرب، وأن له كتاب الجزيرة الخضراء من بلد أندلس، وقال ابن بشرون: إن والده عبد الجبار كان شاعرًا وفضله على أبيه، وقد اتفق أكثر من واحد على أنه قضى نحبه في سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وقال بعضهم كان ذلك في شهر رمضان من تلك السنة، وأنه تُوُفِّيَ في جزيرة ميورقة وقيل بيجاية، ودُفن إلى جنب ابن اللبانة الشاعر المشهور، وزعم أنه قد عمي في أواخر أيامه. ويظهر من قصيدته في العصا التي يقول فيها:

كأنها وهْي في كفِّي أهش بها
على الثمانين عامًا لا على غنمي

ومن قوله في موضع آخر:

ثمانون عامًا عشتُها ووجدتُها
تُهدِّم ما تبني وتخفض ما تُعلي

أنه قد بلغ الثمانين أو ناف عليها، فيكون قد وُلد حوالي سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وأنه قد صار شاعرًا تقربه الخلفاء في نحو العشرين من عمره.

طبع ديوانه بروما طبعة غالية من نسخة نقلها «زكريا بن خضر بن علي بن طاهر البقاعي ثم اللبناني ثم الدمشقي»، وفرغ من كتابتها في شهر ذي القعدة سنة ست بعد الألف، واسمه في نسخة من ديوان عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الصقلي السرقوسي، ويدعوه بعض الرواة أبا محمد عبد الجبار، ولعلها كنية، ومنهم من ينسبه إلى الأزد.

أما الديوان فجيد أكثره، لا سيما ما كان منه وصفًا أو نسيبًا صانه الإهمال عن الابتذال فلم تبهت له من القدم طلية، وله سرقات عن بعض شعراء المشارقة، ولكنها سرقات ظاهرة أو هي سرقات أمام العين كما يقولون، أما فهمه للشعر فيختلف عما كان يفهمه منه قدماء الشعراء؛ فقد تذوق كنه الشعر ونفذ إلى روح الإلهام، فمن قوله في الشعر:

ووجدت علم الشعر أخفى من هوى
لم تفشه عين لعين رقيب

وقال في معرض آخر:

وإذا أردت بأن تصور للمنى
صورًا فسلمها لفكرة شاعر

شعره وجداني لا صناعي؛ فهو براء من المديح المتكلف والوصف المدعى؛ ولذلك تعرف من الشعر من هو الشاعر، فكان الرجل عفيف اللسان يترفع عن الفحش والمقال القبيح كما قال:

إني امرؤ لا ترى لساني
منظمًا ما حييت هجوا

وكان سليم الطبع جليل القدر، فكان يرتاح المعتمد بن عباد إلى بث شِكايته إليه، ويجد سلوة في مراسلته بعد أن نُفي إلى أغمات، فيجيبه الشاعر بما يفعل بنفسه فعل المرهم بالجرح النغار.

انظر كيف يمدح عن سرور قلبيٍّ بالعمل وإعجاب صحيح بالممدوح، قال يمدح أبا الحسن علي بن يحيى ويذكر رده أهل سفاقس إلى أوطانهم:

يا يوم مرجعهم إلى أوطانهم
أرجعت أرواحًا إلى أبدان
نزلت بك الأفراح في عرصاتهم
وبها يكون ترحُّل الأحزان
فَلِذَا القلوب إلى القلوب تراجعت
في ملتقى الآباء بالولدان
والأمهات على البنات عواطف
والمشفقات على اللدات حوان
سر القرابة بالقرابة منهمُ
وتأنس الجيران بالجيران
وتزاور الأحباب بعد قطيعة
دخلت بذكر الود في النسيان
في كل بيت نغمة ومسرة
شربوا سلافتها بلا كيسان
ودعاؤهم لك في السماء محلق
حتى لضاق بعرضه الأفقان
كحجيج مكة في ارتفاع عجيجهم
وطوافهم البيت ذي الأركان
صيرت في الدنيا حديثك فيهم
مثلًا يمر بأهل كل زمان
فخر يقيم إلى القيامة ذكره
مثل الشنوف تناط بالآذان

وقال يرثي جارية له غرقت:

وواحشتا من فراق مؤنسةٍ
يميتني ذِكرُها ويحييها
أذكرها والدموع تسبقني
كأنني للأسى أجاريها
جوهرة كان خاطري صدفًا
لها أفيها به وأحميها
يا بحر أرخصت غير مكترث
من كنت لا للبياع أغليها
أبتَّها في حشاك مغرقة
وبِتُّ في ساحليك أبكيها
ونفحة الطِّيب في ذوائبها
وصبغة الكحل في مآقيها
عانقها الموج ثم فارقها
عن ضمة فاض روحها فيها
ويلي من الماء والتراب ومن
أحكام نِدَّين حُكِّمَا فيها
أماتها ذا وذاك غيرها
كيف من العنصرين أفديها

فهل سمعت أهدأ من هذا تفجعًا؟ لو كانت هذه الجارية لسيف الدولة، أما كان المتنبي يكسف الشمس ويخسف القمر وينثر الكواكب شذر مذر.

وهل فات واضعو الأناشيد الوطنية قائلًا يقول قبل ثمانية قرون:

ولو أن أرضي حرة لأتيتها
بعزم يعد السير ضربة لازب
ولكن أرضي كيف لي بفكاكها
من الأسر في أيدي العلوج الغواصب

وكيف يقول في الفونوجراف من هذا قوله في العود:

في حجرةٍ أجوفٌ له عنق
نيطت بظهرٍ نخاله حدبهْ
يمد كفًّا إليه ضاربة
أعناق أحزاننا إذا ضربهْ
قلت ألا فانظروا إلى عجب
جاء بسحر فأنطق الخشبهْ

وماذا أبقى لمصورة الفلكي بعد هذا الوصف:

والبدر قد ذهب الخسوف بنوره
في ليلة خسرت أواخر مدها
فكأنه مرآة قين أحميت
فمشى احمرار النار في مسودها

فعسى أن يوفق إلى نشر ديوان هذا الشاعر طابع يعرف فائدته وفائدة القارئ حتى لا ينفرد بين أبياته الصادقة هذا البيت:

إني امرؤ أبني القريض ولا أرى
زمنًا يحاول هدم ما أنا بانِ

الشتاء في أسوان

ألق الربيع على البشير
كانون آذن بالظهور
أسوان تزهو حين يذبل
كل مخضر نضير
في كل مربأة بها
نور تألف فوق نور
بلد تجود له الطبيعة
بالصغير وبالكبير
لا تستجن شموسه
إلا على غير البصير
فهواؤه برء العليـ
ـل وماؤه عذب نمير

•••

ما طب جالينوس قيـ
ـس بطبه إلا غرور
أبدًا تحوط به ودائـ
ـعها بسور خلف سور
من كل شاهقة كأنـ
ـن قلالها عمد الدهور
حصن تهاب طروقه الـ
آفات طرًّا والشرور

•••

يولون أقفر غابها
من كل مختال فخور
سرحت صوادحها وأطـ
ـلق ورقة الأيك النضير
يلقين حبات القلو
ب من الجوانح والصدور
الفاتنات تكاد إحـ
ـداهن من حسن تنير
الناهدات كما ترى الـ
أهرام في الرسم الصغير
العبهريات الشذى
والكوثريات الثغور

•••

الورد في وجناتهنـ
ـنَّ يضوع في كل الشهور
المرسِلات الشعر كالـ
ـذرياب مصفرًّا غزير
متمنطقات بالدمـ
ـقس مؤزرات بالحرير
من كل قاعٍ جؤذر
تلقاه أو ظبي غرير
مثل الشموس برزن للـ
أكوان من فجر الشعور
داراتهن مطالعٌ
لم تدرِ ما نور البدور
فيهن معترك الغر
ام ومعرض الحسن الطرير
الحور هن خُلقن للـ
ـفردوس لا للزمهرير

•••

الماء فاض على الجنا
دل والسواحل والجسور
خلجانه تنساب كالـ
ـحيات ما بين الصخور
متسابقات كالسو
ابق في مجال مستدير
والنيل مصطفق كمن
قد هزه فرط السرور
متدافع الأمواج تر
قص وفق توقيع الخرير
وترى الزوارق كالبو
اشق حُوَّمًا أو كالنسور
قد حار فيها العنصرا
ن الريح والماء القدير
والشمس شاخصة تكا
د تنوء من جهد المسير
فضفاضة الأذيال تخـ
ـطر كالعروس إلى السرير
وكأنها فوق الذرى
فوق الجزائر والبرور

•••

حسناء ترقب قادمًا
في النيل من أعلى القصور
وعلى الروابي والهيا
كل مسحة الشفق الأخير
تبدو كما نصل الخضا
ب بعارض الشيخ الوقور
ما كان أول مغرب
شهدت على مر العصور

•••

كم آية في الكون أخـ
ـفى من خفيات الضمير
من لا يرى إلا العيا
ن فما يرى إلا يسير

مساوئ المدنية ومحاسنها

التقدم الاقتصادي مصحوب دائمًا بشرور وقساوات تنكر وجه المدنية وتدنيها في السحنة من ضرتها الهمجية، ومع ذلك فهذه الشرور ضرورية لا بد منها، بل هي شرور إذا لم تظهر بذاتها وجب علينا أن نعمل لإيجادها؛ فإن كل شر منها يسبق دائمًا إصلاحًا اجتماعيًّا يعم جميع الجنس البشري، وإليك مثلًا أو أمثالًا، فلولا ازدحام أوروبا لما عمرت أمريكا، ولولا طمع أرباب المعامل لَمَا كان تضامن العمال.

وما ألطف قوله:

يُطيِّب أفواههن الحديث
بحمر الشفاه وبيض الثغور
كما مر بالورد والأقحوان
نسيم مشوب بريا العبير

ألا يُرتَشَف من بيتيه هذين رضاب الحسان، وتُتَنسَّم ريح الورد والأقحوان؟!

وما أغزر دموع هذين البيتين:

ويا ريح إما مريت الحياءَ
ورويت منه الربوع الظماءَ
فسوقي إلي جهام السحابِ
لأملأهن من الدمع ماءَ

وهل قال شلي في قصيدة القنبرة أحدث من هذا:

أصبا هبت بريحان الصبا
أو شمال سكرتني بالشمولِ
حيث غنتني شادي روضة
مطربات بخفيف وثقيلِ
في أعاريض قصار خفيت
دقة في الوزن عن فهم الخليلِ
ولحون حار فيها معبد
وله علم بموسيقى الهديلِ
والدجى يرنو إلى إصباحه
بعيون من نجوم الجو حولِ

وما أبلغ وأصدق ما قال:

وأشراك الردى في الغيب تخفى
كما يخفين في ترب الحضيضِ
عجبت لجمعه فيهن صيدًا
حوى بين القشاعم والبعوضِ

وأين بيتا صبري أو شوقي في تنزيه صاحبتهما من هذا البيت:

لا تنكري أنك حورية
روائح الجنة نمت عليك

ولولا استبداد الرأسماليين لما وُضعت مبادئ الاشتراكية التي ستغير أصول الشرائع والآداب في العالم قريبًا، ولولا جشع المرابي لما تأسست نقابات الزراع، وهكذا كل داء يحمل ترياقه في جراثيمه، وكل سيئة طارئة يتبعها حسنة دائمة مما لا تكفله لنا الطبيعة ولا الطبيعيون.

أما ساداتنا الفلاسفة الذين يهشون على الجنس البشري كما يهش الراعي على غنمه، صائحين: ارجعوا إلى الطبيعة! عودوا إلى المروج والحقول! فلا أعلم أهُم يظنون العالم يعيش الآن فيما وراء الطبيعة؟! أم لعل الطبيعة لا تأوي إلا بين الأشجار والظلام والأودية والجبال؟!

الغرام بالفلسفة القديمة

شاهدت بعض الأدباء ينهمكون في مطالعة كتب الفلسفة اليونانية، وينكبُّون على تطبيق قضايا علم المنطق، ويسهرون الليالي في مذاكرة ألغاز علم الكلام، وما هو — لو أصابوا — إلا علم الكلام الفارغ، إن كان للكلام الفارغ علم يُدرس، يتحملون كل هذا النصب في الاشتغال بتلك المغالطات والتخمينات، ولو بذلوا بعضه في تحصيل العلم الحديث لأوعبوا منه القسط الأوفر.

لا أنكر أن مراجعة الفلسفة القديمة مما لا بأس به للوقوف على حركة الأفكار، ولكن لا إلى الحد الذي يشغلنا عن فلسفتنا، كما أن زيارة الأطلال والآثار مطلوبة للنظر والاعتبار، ولكن لا يصح أن تنسينا بيوتنا.

البغاء

سل الكتَّاب الفضلاء الذين يُدهَشون لانتشار البغاء بين الرجال والنساء: ما الذي يُدهش من الأمر؟

أمن طبيعة الزوج أن يقتصر على امرأة واحدة، أم من طبيعة الزوجة أن تقتصر على رجل واحد؟

لا هذا ولا ذاك.

فالقيود الأدبية هي التي قسرت كلًّا من الزوجين على الاكتفاء بالآخر، وكان البغاء يكثر أو يقل حسب اشتداد تلك القيود أو ارتخائها تبعًا لاعتداد الرجل بقوته البدنية أو قلة قيمتها عنده (راجع حماية العرض).

فإذا بحثنا عن علة لهذا البغاء فلا نبحث عنها في الرجل والمرأة، فإنهما لم يتغيرا في طبيعتيهما عن ذي قبل، إنما نبحث فيما تغير من تلك القيود والحدود، وها نحن نراها كلها قد تبدلت دينية كانت أو أدبية؛ لأنها لا تلائم عصرنا، والذي علينا أن ننتظر حتى يهيئ المجتمع نفسه كما يلائم هذه الحال، أو يُحدث لنا قيودًا جديدة في موضع تلك القيود المنحلة.

وإلا فإذا كنا لا نعلم إلا اشمئزاز النفوس منفرًا من البغاء العقيم، فبأي حق نحظر فعله على من لا تشمئز نفسه منه؟

جناية الصناع على الصناعة

لو كان لا يتوخى الصانع غير المقصود من صناعته لرأيت الصنائع أبعد في طريق الكمال والإتقان مما تراها الآن.

تقول للمغني: هذا صوت شجي، فيقول لك: أي نعم، ولكنه على غير ألحان الغناء.

وتقول للخطاط: هذا خط حسن، فيقول لك: حقًّا ولكنه لا ينطبق على قواعد الكتابة، وتسمع مثل ذلك من الكاتب والطبيب والنجار والحداد.

فيا ذلك المغني ويا هذا الخطاط، ما طلب الناس منكما إلا صوتًا مطرِبًا أو خطًّا معجِبًا، فاطويا قواعدكما أو فألقياها في اليَمِّ، ما دام الصوت يُطرِب، والخط يُعجِب بغير تك القواعد.

الكاتب والشاعر

الكاتب من تتشخص له في كتابته روح يتجلى فيها نهجه ومذهبه وسياق أفكاره، وهذه الروح هي السمة التي تُميِّز بين قلم وقلم، فإذا كانت تتضاهى أنساق الأيدي، فأنساق العقول لا تتضاهي إلا إذا كان منحاها فيها التقليد لا الابتكار، أما غير هذا الكاتب ممن يستمدون ويخططون، فأولئك نساخ يستعيرون أساليب غيرهم لمعاني غيرهم، فليس لهم من كتاباتهم إلا الإمضاء، أو هم توائم لا يُعرفون إلا بالأسماء.

وكتابات هذه الزمرة أقرب إلى مواضيع إنشاء التلاميذ منها إلى ثمار القرائح ومبتكرات الأفكار، فالترجمة أليق ما ينتسب به هؤلاء إلى حرفة الكتابة، هذا إذا كانوا يجيدون لغة من اللغات وإلا ففي غير الكتابة من الحِرَف ما يغنيهم عن تلويث أصابعهم بالمداد.

أما الشاعر فاسمه بلغتنا يشير إلى تعريفه، ولعل معجمًا من معاجم اللغات لا يتضمن اسمًا للشاعر أدل على مسماه من اسمه في اللغة العربية.

قد عرفنا أن وزن الأعاريض غير قرض الشعر، ولكن من هو الشاعر؟

أهو المُقصِد الذي لا يعجز عن ترصيع قصائده بما يبهر ويخلب من الخواطر البراقة والمعاني الخطابية المتلألئة؟

كلا! هذا شاعر يذكرني بصاحب ذوق مبهرج يُريد أن يزين غرفته بالرسوم فيرصص سجوفها وحوائطها بالإطارات والكفافات حتى لا يبرز منها قرن أو تظهر فيها زاوية، أو بذاك المصور الذي يصبغ رسمه ببهي النقوش وبهيج الألوان ليبهر بها أبصار الناظرين، أو بتلك القروية التي تحلي يديها فتدس عشرة أصابعها في أنابيب من مختلف الخواتم والفصوص.

فليس الشاعر من يزن التفاعيل، ذلك ناظم أو غير ناثر، وليس الشاعر بصاحب الكلام الفخم واللفظ الجزل، ذلك ليس بشاعر أكثر مما هو كاتب أو خطيب، وليس الشاعر من يأتي برائع المجازات وبعيد التصورات، ذلك رجل ثاقب الذهن حديد الخيال.

إنما الشاعر من يَشعر ويُشعِر.

ولقد ضاع الشعر العربي بين قوم صرفوه في تجنيس الألفاظ وقوم صرفوه في تزويق المعاني، فما كان شعرًا بالمعنى الحقيقي إلا في أيام الجاهليين والمخضرمين على ضيق دائرة المعاني عندهم، وسيعود كذلك في هذه الأيام على يد أفاضل شعراء العصر.

قاسم أمين

إن اسم قاسم لحقيق من فتياتنا وآنساتنا بأن يرقمنه في الشنوف ويطرزنه على المناديل؛ فإن ذلك عنوان عرفان الجميل، وإنه لأحيا أثرًا من رفع النُّصب وإقامة التماثيل.

تحرير المرأة ليس من الأعمال الطنانة التي أكثر ما فيها دوي ورنين، ولكنه عمل هادئ رصين ينزوي في البيوت والخدور، لا يبرز إلا قليلًا على قوارع الطرقات، ولا يصرخ إلا نادرًا على منابر المنتديات.

فالمرأة المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت سجينة فأطلقها وكانت أمة فأعتقها، والأمة المصرية مدينة لقاسم؛ لأنها كانت شلاء فأبرأها من ذاك الشلل الذي أمسك شقها عن الحركة دهورًا وأعوامًا، والإنسانية مدينة لقاسم، لأنه أنقذها من رق لا تجرؤ مصلحة الرقيق على مطاردته، والفخر في تحرير المرأة لا يزال الآن من نصيب قاسم، أما من قفوه في هذا المقصد فهم إنما درجوا على طريق بينة الآثار وسلكوا في منهج مأبور.

الحقوق العامة والاستعمار

إباحة الحقوق العامة لكافة الأفراد في كافة الأوطان مرهونة على زوال الاستعمار.

ومتى يزول الاستعمار؟

متى عوَّلت الدول على جودة البضاعة لا على قوة الأساطيل، وأخذ كل أهل إقليم في استغلال إقليمهم واستخراج ذخائره؛ فتسقط حجة المستعمرين الذين يقولون — وهم صادقون فيما يقولون — إن الأحق بالأرض هو الأقدر على الانتفاع بخيراتها والنفع بها، يومئذٍ يبطل الاستعمار، ويومئذٍ ترشد الأمم من ضلال الوطنية فلا يطلب الوطن من الفرد إلا عضوًا عاملًا، ولا يطلب الفرد من الوطن إلا محلًّا للعمل، يومئذٍ تتحد وجهة الإنسانية فتتكاتف وتتآزر بعد أن كانت تتقاطع وتتدابر.

اللغة العربية

قد لا تقل اللغة العربية عن أوسع اللغات في كثرة المفردات، ولكنها لا تزال من أفقرهن في المعاني، وقد لا تنقص مواد المعجم العربي عن بضع مئات من الألوف، ولكنها مع ذلك تظل أفقر من لغة أخرى لا تشتمل على أكثر من ثلاثين أو أربعين ألف مادة؛ ذلك أن اللغة العربية ليست لغة واحدة، وإنما هي مجموعة لغات شتى، فربما كان للشيء الواحد عشرة أسماء، تدعوه كل قبيلة باسمٍ منها لا تدعوه به أخرى؛ مما أكثر فيها المترادفات بلا جدوى، فبينما نستغني في معنًى من المعاني عن ستة أو سبعة أسماء نحتاج في معانٍ أخرى إلى اسم واحد، وقد شعر العربي بهذا الافتقار في المرتين اللتين اضطُر فيهما إلى الخروج من الدائرة الضيقة التي كان فيها بين المناخ والبيداء ومضارب الخيام؛ الأولى: لما نقل الفلسفة اليونانية فدخل في اللغة العربية كثير من مصطلحات اليونان، وحدثت فيها أوزان واشتقاقات لم تكن تمس الحاجة إلى استعمالها من قبل، والثانية: في عصرنا هذا عند انتشار العلم الحديث باكتشافاته واختراعاته التي لم تكن تخطر لسكان البدو أو الحضر على بال.

أقول ذلك توصلًا إلى القول بوجوب توسع اللغة العربية الفصحى بنحت جملة من كلمات اللغة الدارجة في بنيتها، ونقل المصطلحات العلمية والفنية إليها كما هي في لغاتها الأصلية؛ لئلا نجشم الطالب العربي مراعاة اصطلاحين عوضًا عن اصطلاح واحد، ولئلَّا ننفصل عن الحركة العلمية العامة فتنشق بين أمم العالم بعلم عربي لا قِبل له بمساوقة علم الأمم جمعاء.

فالعلم العصري علم الإنسان، وليس علم العربي أو الإنكليزي أو الفرنسي، فالاهتمام بتعريبه عبث واشتغال بما لا يفيد.

مستقبل الشعر

الشعر يخالف العلم، ولكنه لا يناقضه إلا كما يناقض الطبُّ الهندسةَ وتناقض الكيمياءُ الطبيعةَ.

والرجل الراقي يفترق عن المنحط بكيفية التخيل لا بكميته؛ فالأول مرتب الخيال لطيفه، والثاني مشوش الخيال كثيفه، فالعالم لا ينقص خيالًا كلما ازداد علمًا.

فإذا تنبأ علماء العصر فليتنبَّئُوا بتحسن الشعر وارتقائه لا بحئوله وامِّحائه.

يا راحلًا صدع الحمام شبابه
فعلمت كيف تصدُّع الأكبادِ
إني لأحسبني أراك مجاهدًا
والنيل حولك دائم الأزبادِ
وأراك ترمقني وقد غلب الردى
وأقام جند الموت بالمرصادِ
في ساعةٍ ما كان أغفل خاطري
عما عراك وفت في الأعضادِ
أمسيت رسمًا في التراب معطلًا
وغدوت نصب روائحٍ وغوادِ
ويحي! أترقد تحت أطباق الثرى
وأقيم بعدك هانئًا برقادِ؟
أتبيت رهن صفائحٍ وجنادلٍ
وأبيت بين وسائدٍ ومهادِ؟
لو أنصفت أيامنا لبكيتني
لكنها تجري بغير مرادي

•••

سقيًا لأطهر موجتين أقلتا
بين الجوانح أطهر الأجسادِ
حَنَتَا عليك وضمَّتاك كأنها
ضمات صدر أخيك بعد بعادِ
فمضيت بينهما كأنك هاجعٌ
واهًا لذاك الهاجع المتهادي
يا زهرة شرقت بما تحيا به
فذوت وأَورَقَ شوكُها بفؤادي
إن الحياة — وما حييت لكي ترى
سر الحياة — كثيرة الأضدادِ
فلئن عدوت من الحياة نعيمها
فلقد عداك شقاؤها المتمادي

عزاء إلى ضيف الشارع

أيهما أرفع في حكمكم
يا أمة ديدنها البخسُ
منعم توقظه غادة
أو بائس توقظه الشمسُ
غطاء هذا ريطة رصعت
نجمًا وذاك الخز والبرسُ

إلى ساكنة الدور الخامس

يا طلعة في العلا تراءت
تحفها هالة البهاءِ
أكوكبٌ أنتِ في الدراري
أم ملك لاح في العلاءِ
أم أنتِ حورية أطلَّت
للناس من شرفة السماءِ
إن تحقري الأرض فارفعينا
إليك يا ربة السناءِ

أيها البدر

أنا في الأرض ساهرٌ أيها البد
ر وفي الأفْق أنت يا بدرُ ساهرْ
ناظري وحده يراك وقد أغـ
ـفى من الناس موهنًا كل ناظرْ
فأعنِّي على السهاد كلانا
حائمٌ في الظلام يا بدرُ حائرْ

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠