الفصل الثاني

الشذور

الراحة

أبونا آدم رجل سبط القامة، عريض الألواح، جثل الشعر، في لون بشرته أدمة، وعلى ميحاه سيماء الطيبة والسلامة، ولنظراته دلائل الأمانة والجهامة، ولم أدركه أنا ولكني صادفته في المنام، وعرفني به وحي الدم، والدم كما يقولون جذاب، والعرق دساس، فلما صادفته ذكرت موجدة لطالما وجدتها عليه كلما راجعت سيرته في الجنة، فقلت له: يا أبانا يغفر الله لك، ما أقل ميراثَك وأكثر وُرَّاثَك! أقطعوك الجنة بما رحبت فلا صنتها عليك ولا حفظتها لبنيك بعدك، ثم خرجت منها فما تزودت من ألطافها وأطايبها ولا احتقبت من تحفها وعجائبها، عزاءً لأبنائك الضارسين بالحصرم الذي أكلت، والمنغصين بالثمرة التي جنيت، وتركتهم في ظلمات الحياة يعمهون، وعلى وجه الأرضين والبحار يخبطون، فلا يهتدون، فهلا إذ كنت في الفردوس كان لك بطيباته المحللة غناء عن تلك الشجرة الممنوعة؟ وهلا إذ أكلت منها تذكرت بنيك، فقطفت لهم من ثمار الفردوس ما يتنسمون منه رائحة تلك الدار التي كنت فيها؟ ثم أورثتهم الحنين إليها! وكان مطرقًا، وكأنما هجت في نفسه ذكرى منسية، فاغرورقت عيناه بالدمع ورأيته يغالب نشيجه ويتنهد ثم مد إليَّ يده وقال: قدك يا بني قدك!

ولا تعجل باللوم على أبيك، فوالله ما الزلة في الأولى والآخرة إلا زلة أمكم حواء سامحها الله، وما نسيتكم — علم الله — يوم الخروج يوم المعصية والحرمان، أواه، وما كان أحلى تلك المعصية ثم ما كان أمرَّ ذلك الحرمان … كنت أمشي في ذلك اليوم وأتلفت أسفًا على ما أودع ووجلًا مما أنا قادم عليه، وكانت حواء تمشي إلى جانبي ذاهلة مستعبرة، والنساء يا بني يفعلن الأفاعيل وهن بعدُ لا يملكن فيها غير الذهول والبكاء، فبينا أنا أمشي وأتعثر، وأبطئ الخطوة أستزيد بها الدقائق، وقد كان لنا مثل مقام الأبد لولا ما فرطنا … إذ عاينتُ على قِدَى خطوات جوهرًا وهَّاجًا قد صفت حوله الطير وحفت به الأملاك، وهم ساهون عنه غير مقبلين عليه؛ ذلك جوهر الراحة يا بني، ومن آفته أن من يحرزه لا يُحس به ولا يقدر قيمته، فأوضعت إليه فالتقطته ولم يشعر بي أحد.

قلت: وأين ذلك الجوهر يا أبتاه؟! أهو معك الآن؟ قال: مهلًا، إني خشيت أن أُظهر حواء عليه فترزأنا به كما قد رزأتنا بالنعيم كله، فسترته بيدي وما كادت تمس الأرض قدمي حتى أسرعت فخبأته في حرز حريز، وقضيت — وا أسفاه — ولم أُطلع أحدًا من أبنائي على موضعه، وهذا سر لا إخالكم وقفتم عليه، فلا غَرْوَ أن قام منكم في الزمن الأخير من ينتسب إلى القردة دوني، ولا بدع أن تيأسوا من الجنة وتولوا بوجوهكم عنها …!

قلت: بل قد وقد وقفوا عليه، ولا أدري من أين، ودروا أنك التقطت جوهرًا من الجنة وأنه جوهر الراحة، فطفقوا يبحثون عنه في اليقظة والمنام، وكلما ظنوا أنهم ثقفوه إذا هم أبعد ما كانوا عنه؛ إذا التمسوه في المجد فهناك البوار والعطب، وإذا ابتغوه في الأمل لم ينقضِ لهم أرب حتى يجدَّ لهم أرب، وإذا أراغوه في اللهو فعاقبته الندم، أو نشدوه في البطالة ففي البطالة السأم … تائهين على غير هدًى، ضاربين في مناكب الأرض سدًى، يبدءون ويعيدون، ويعيدون ويبدءون، وهيهات ما يوعدون، أفلا كفيتهم الآن هذا النصب، وعوضتهم عما تجشموه من الكرب وسالف الحقب؟ قال: لا تطمعوا أن تجدوه حيث أنتم كادحون، فإنما قد دفنته تحت التراب، في مكان لا يراه من ينظر السماء ولا يرى السماء من ينزل إليه … ولكنكم متى حللتم جوف الأرض واطَّرحْتم كل أمل لكم في ظهرها، فهناك الراحة السرمدية!

الغرور

دخلت على صديق لي أديب، فسمعته يُجادل رجلًا أميًّا لم يغادر مسقط رأسه قط، وكأنه كان يهمه أن يقنعه بضلاله ويؤنبه عليه، فكان يخاطبه بلهجة بين الغضب والسخرية ويقول: أي شيء زين لك أنك تفقه من هذه الشئون ما لا أفقه وأن لك فيها رأيًا تعتد به فترجحه على الآراء كافة؟!

أَبِأَنَّ الله منحك من ذكاء القريحة ونفاذ البصيرة ما قد حُرمتُه، وما ادعيت من قبل ولا ادعى لك أحد أنك من أرباب المواهب النادرة والأفكار الخارقة؟!

أم بسعة اطلاع وغزارة علم وقد علم الناس وعلمتَ أنتَ أنني تقلبت في مجالس التربية من لدن نطقت بأولى كلماتي إلى أن استغنى عن المسح شاربي، وطالعت من الكتب أضعاف زنتك ورقًا وأنت لم تقرأ حرفًا في صحيفة ولا تفرق إلى اليوم بين الألف والعصا؟!

أم باختبار الناس وممارسة الأيام وأنت في عقر دارك منذ وُلدتَ لم تبرحها صباحًا إلا لتنكفئ إليها مساءً، وأنا قد سايرت الدهر وساريت النجم فقاسيت الغربة وكابدت المحنة وصحبت علية الناس وغوغاءهم، وبلوت كبراءهم وصغراءهم، وزاولت كل عمل، وطرقت كل باب فانكشف لي من ظواهر الناس وبواطنهم ما لو أنني لم أقرأ بعده كلمة لكان حسبي، وما لو أنه لم ينكشف لي لَمَا كنت قد قصرت عن شأوٍ أنت أدركته، ولا جهلت أمرًا أنت حصلته ولم تجهله؟

أم بالسن وأنت نِدي، أم بالوحي والإلهام وقد انقضى عهد النبوة، أم بالصدفة ولا حجة للصدفة؟

قلت: لعلي أجيبك عما يزين له ذلك، يزينه لك الغرور الذي تمتلئ منه كل جانحة وتنبض به كل جارحة، ولولاه لَمَاتَ أكثر الناس غمًّا بقصورهم وحزنًا وأسفًا على عجزهم وتخلفهم، وإذا كان لا بد لكل إنسان من أن يحب نفسه، فلا بد له من أن يغتبط بها وإلا فقد عجز الإنسان حتى عن حب نفسه لغير سبب، كما قدر الغرور على أن يخلق لكل إنسان سببًا يرضيه عن نفسه، وأنت لو أمكنك أن توقف إنسانًا ثم أمررت أمامه الثَّقلَيْن جميعًا يقولون له إنه أجهل الناس وأحقر الناس وشر الناس وأضعف الناس، ثم خلا ذلك الإنسان بنفسه، لأمكنه أن يوهمها أنه أعلم الناس وأجل الناس وخير الناس وأقوى الناس، يكذب الناس كلهم ويُصدق الغرور؛ لأن الغرور يقدر على أن يواسيه فيما يسلبه منه الناس، ولا يقدر على أن يعوِّضوه عما يسلبه منه الغرور، فإن كان فقيرًا علل نفسه بأنه سليم الجسد موفور العِرض أو بأنه لو أحصيت ديون الغني وأمواله لكان هو أثرى منه مع الراحة من عنت الغرماء، أو أنه يدبر ماله القليل بما يجعله أغنى من صاحب المال الكثير، أو أن الله أخلف له في ذريته ما أنقص من رزقه، وأنه يكسب قوته بعرق جبينه وكدِّ يمينه، وذاك يكسبه من السُّحت والحرام، ويبدده في البذخ والآثام.

وإن كان جاهلًا زعم أنه ليس بالغبي، ولو كان تعلم ما تعلمه العلماء لبزهم في العقل، وتقدمهم في الفضل، وأنه على جهله يفهم بالبداهة ما لا يفهمه العلماء إلا بالدرس واللجاجة.

وإن كان مَهينًا ذليلًا قال: ما لي وللرفعة والثناء، والعزة القعساء، أضيم الأبرياء وأعتو على الضعفاء، وأروي بهم الحقد والبغضاء، وما يتبعهما من سوء الثناء، وأَنصَبُ لما ليس يعنيني من الأشياء، وأخدم المرءوسين وأنا أحسبني من الرؤساء، ألست أنا في هذه الدعة والرخاء أولى بالغبطة والخيلاء، وأعز في ذلتي وضرعي من الأعزاء؟!

وإن كان ناشئًا حدثًا ومنافسوه من الكهول والشيوخ قال: أجل، ولكنني أعلق في اليوم ما لا يعلقونه في الشهر، وأفيد في الشباب ما لا يفيدون في الهرم، وأعي وأنا في الدار ما لا يعيه غيري بغير الرحلات والأسفار والتجوال في شواسع الأقطار.

وإن كان دميمًا اتهم المرآة، أو مجرمًا سب القضاة، أو بذيئًا قال: ما هذا بذاء، هذا مضاء … أو بخيلًا أو جبانًا أو منافقًا قال: هذا عين الحكمة والدهاء، ولب الفطنة والذكاء.

وهكذا يعين الغرور كل امرئ على ألا يسلِّم لمن هو أعلى منه بالسبق والأفضلية، ويُدخل عليه أن ما عنده خير مما عند غيره، ومن حسن حظ المغرورين أن النعم والنقم والمناقب والمثالب توائم، تتشابه في السمات، وتتباين في الصفات، ولكل نعمة توأم من النقمة، ولكل فضيلة صِنْوٌ من الرذيلة؛ فالسعادة أخت البلادة والدعة أخت التواني، والإرادة أخت العناد، والزمانة أخت الحياء والأنفة أخت العجرفة، والقحة أخت الجرأة، والاحتيال أخو الذكاء، والجود أخو السرف، والبخل أخو القصد، والمجد أخو الجبروت، والحلم أخو الجبن، والفصاحة أخت الثرثرة، والكآبة أخت الوقار، والحدة أخت الضجر، وهلمَّ جرًّا، فيسهل على المغرور أن يمسخ كل فضيلة رذيلة، ويمثل كل نقمة في زي النعمة، ويكون هو أسعد الناس بمثالبه ونقمه، ويكون غيره أشقى الناس بمناقبه ونعمه.

ومما يُحكى ويناسب ما نحن بصدده أن عجوزًا شوهاء قرعاء عوراء بخراء وقفت أمام المرآة مرة وجعلت تقول: عجوز! نعم ولكنني شبت على صلاح … شوهاء! بلى ولكنني لم أتحال ولم أزوِّر على الناس بالطلاء كما تصنع سمجات النساء.

قرعاء! أجل ولكنني لم أدنس رأسي بوساد الخنا والفجور. عوراء! إي ولكنني لم أنظر لريبة قط … بخراء! صدقوا ولكنني طهرت فمي أن ألوِّثه برائحة الهُجر والمهاترة ونتن السفه والمشاتمة، فوفرت بعلي وأمن جلسائي من لساني … قالوا: وكان إبليس واقفًا يسمعها، فقال: يا فاجرة! لقد عرضتك على الزناة والفسقة في مشارق الأرض ومغاربها، فكلهم عافوك وصدوا عنك، وأقسم لو كان فيك مطمع لغير القبر لما أبيت أن تضمي إلى عيوبك التي فيك هذه المخازي التي تعيرينها النساء، وتدلين عليهن بالطهارة منها.

وإلى هنا لا نعد الغرور شرًّا محضًا، فكم أرضى ساخطًا، وكم خفض من جأش محروب، وكم طلبة ذابت عليها أنفس الناس حسرات فأعطاهم منها في الوهم ما لم ينالوه ولن ينالوه في الحقيقة، والغرور قد يُقعد المرء عن طلاب الكمالات بما يخيل إليه من حصولها عنده واستحواذه عليها، ولكنه طالما استفز نفوس الطامحين إلى العلى بما أكبر من أخطارهم في أنظارهم فالتزموا حقوق المنزلة التي فرضوها لأنفسهم، ثم أفضى الأمر إلى أن تبوَّءُوها فاستحقوها بالتطبع بها والمواظبة عليها، فهو خير وشر، وحق وبهتان، وما أخطأ كارليل حين قال: «هو حاسة سادسة لا تشبع.» وكما أننا لا نصم الأذن إذا أسمعتنا ما نحب وما نكره، ولا نفقأ العين إذا أرتنا ما يسر وما يسوء، ولا نجدع الأنف إذا أنشقنا ما ينعش وما يؤذي، ولا نقطع اللسان إذا أذاقنا ما يحلو وما يمر، كذلك لا نستأصل الغرور إذا كان فيه مع الصدق الآجل كذب راهن، وكان الكنز لديه لا يخلو من المارد.

نادي العجول

نُبئت أن العجول اجتمعت مرة لتنشئ لها ناديًا تأوي إليه، ولا تعلم ماذا ساقها إلى هذا الخاطر الغريب، أقلة العلف، أم ضيق المذاود؟ أم ذاك مرض النوادي الذي سرى من النبهاء إلى الأغمار، قد فشا حتى سرى من الأناسي إلى الأبقار؟ هذا سر في صدور العجول.

فلما تكامل عددها، وانتظم عقدها، وقف منها عجل يظهر من كبر دماغه أنه ملم بالتاريخ والأخبار، وقال: «أيها السادة! إن العجل مدني بالطبع، ونحن معشر العجول قد ميزنا الله على بني آدم بضخامة الأجسام وصلابة القرون، ولقد عبر بهؤلاء الناس زمان كانوا يعرفون لنا بأسنا ويتمسحون بأذيالنا حتى أيقنوا أن لن يقوى على حمل هذا الدنيا أحد سوانا، فألَّهونا من فرط الإجلال، وسبحوا لنا بالغدو والآصال، وكانوا يحسدوننا على قروننا فدعوا أكبر أبطالهم وأشدهم بأسًا وأرفعهم ذكرًا — أعني الإسكندر المقدوني — بذي القرنين، وما إسكندرهم هذا؟! وما قرناه؟! إن أصغر عجل فينا ليهشم رأسه إذا ناطحه، ويجندله إذا واثبه أو صارعه، فالعجب لكِ أيتها العجول! لم لا تذكرين ذلك المجد الخالد، فتُقام لك الصوامع والمعابد، بدل النوادي والمعاهد؟ ألمَّا تنتبهي لما يجب عليك لبني جنسك، وما هو فرض معين عليك لنفسك؟!

قال محدثي: ولما بلغ الخطيب إلى قوله هذا بان الحماس على أوجه العجول قاطبة فهزت رءوسها استحسانًا، وفحصت الأرض بأظلافها طربًا، وضربت جنوبها بأذنابها مرحًا، وخشي عاقبة هذا الحماس عجل هرم، فقام وقال: قد عرفنا ما يوجب علينا إنشاء هذا النادي، وسمعنا في بيان ذلك ما سمعنا، فخذوا بنا في انتخاب الزعيم، ومن رأيي ألا يزيد وزنه عن عشرة قناطير ليكون خفيف الحركة في أعمال النادي …

وكان يتكلم ويتمهل ليلحس شفتيه ويجتر مُضَغَ العلف التي ترد إلى فكيه، فلم يمهله الخطيب الأول بعد جملته الأخيرة فوثب كالمنخوس وصاح وهو يرتعد من الغضب: «لا! لا! لا! وكلا وألف مرة كلا، ومعاذ النعرة الجنسية أن نرضى بهذا الاقتراح، أفنقبل علينا زعيمًا لا يزيد وزنه عن عشرة قناطير؟! فماذا أبقينا إذن لهؤلاء الآدميين العجاف الضآل؟! هذا وربي ما يزري بشرف العجول، ويحط أسعارنا في الأسواق حطة لا قائمة لنا بعدها يد الدهر.»

قال محدثي: فماج النادي واضطرب، ثم كثر الزئاط واللجب، وكاد ينفض الجمع بلا طائل، لولا أن تلافى الأمر ذلك العجل الهرم فوقف مبتسمًا وقال: يا إخواني: «ما أردت أن أغض من شرفكم بما اقترحت عليكم، ولكنَّ معنا هنا أبقارًا حلب الدهر أشطرها، وأكل نير السواقي فرائصها، فهي ما زالت ترى أن السمان الفوارة منا عرضة لظلم بني آدم، وأنه خير للنادي أن يكون زعيمه معتدل الضخامة لا بالجسيم الهائل ولا بالنحيف الناحل، فإن كان ذلك لا يرضيكم، فشأنكم وما تريدون، ودونكم وما ترتضون، فإنا لكم أيها الإخوان لموافقون.» هذا وبرك فهدأ الاضطراب وجالت رقاع الانتخاب.

جالت الرقاع فانتخبت العجول زعيمًا شنيع الوجه، منفرج البطن، منحوس الطلعة، نكير الصوت، ثم اختارت الرئيس فالوكيل، فالناموس، فالمفتش، فالأمين — خمسة عجول تتفاوت في الجسامة حسب تفاوتها في الدرجة، فاصطفَّت صفًّا، ثم أقبلت وأدبرت، ثم دارت في النادي تدبدب بأرجلها، وتشول بأذيالها وتنفخ التراب بمناخرها، ثم خورت خوارًا رج الفضاء، وطبق الأرجاء، وأصبح في الدنيا من ذلك اليوم نادٍ للعجول.

علم الاحترام

نعم علم الاحترام، ولماذا لا يكون الاحترام علمًا؟! ألا يشتمل كما تشتمل العلوم كلها على مبادئ وأصول، وحقائق وفروض؟! والعلوم على تعددها تبحث في مقادير المواد والأشياء وفي نسب بعضها إلى بعض، فإن تجاوزتها إلى الناس لم ترتقِ إلى الموازنة بينهم، ووضع قيمة صحيحة لكلٍّ منهم، أما علم الاحترام الذي نريد أن نبتكره فيبحث في أقدار الناس وما يتفاضلون به من عروض الحياة ومحاسن الشيم، فهو أشرف العلوم موضوعًا، وهو آخر ما يتلقاه الطالب منها؛ لأن الطالب يتلقى العلوم الأخرى في الكتب ويحضرها على الأساتذة، وهذا العلم لا كتاب له يحصر أبوابه وأقسامه، ويضبط قواعده وأحكامه، ولا أستاذ يمليه عليه طالبه فيريحه من جمع متفرقه؛ إذ هو مفرَّق بين أيدي الناس الرفيع منهم والوضيع، والمحنكين منهم والأغرار، ففي كل يد عجالة مبتورة، ومع كل خريج وصية ناقصة، وإنما على الطالب أن يتتبع أجزاءه في مظانه، ويستعين عليه بأهله، فإنه إن لم يفعل لم يكن قصاراه أن يجهل ما يحترم به الناس، بل جهل الناس ما يحترمون به.

ولم أقصد بعلم الاحترام هذا الذي يصنعه بعضهم؛ إذ تراه يتهيب ويوجل وهو داخل على من يحترمه كأنه يقتحم غابات إفريقية، أو ينتفض ويشد عرى قبائه كأنه يقابل ثلوج المنطقة القطبية، أو يهبط بيديه ثم يرفعهما كأنه يحثو التراب على رأسه، أو يرخيهما على صدره كالكلب يعالج الوقوف على رجليه، فهذا علم شائع قد حفظه كثير من الناس وأتقنوه، وليس بين الرجل وبين أن يتضلع منه إلا أن يحتقر نفسه فتنقاد له مبادئه وخواتيمه في أقل من قولك ألف باء.

ولكن قصدت العلم الذي مَن عَرَفه فقد عَرَف الإنسان ومن جهله فقد جهل كل شيء، والذي لا يعلمه إلا القليل، ولا يعمل به إلا الأقل من ذلك القليل.

رأيت رجلًا ذا قدم في هندسة البناء راسخة، وشهرة في سائر فنون الرياضة ذائعة، وكنت أسمع أخاه يقول: لو كان أخي في أيام خوفو لما بنى الهرم الأكبر أحد سواه، ولو حضر بابل يوم اندكَّ صرحها لما دكه الله، ولكن رأيته يطأطئ على يد صعلوك يسيل مخاطه على سباله، ويجري لعابه على لحيته فيقبلها ظهرًا لبطن ثم بطنًا لظهر، فقلت: هذا رجل يشيد الهياكل إلا أنه يعبد الأصنام، ويعرف نسب الأعداد والأرقام، ومقاييس الأجسام والأحجام، ولكنه لا يعرف الطول من العرض، الخلف من القُدَّام في علم الاحترام.

هذا نصيب مهندس كبير من هذا العلم، فما ظنك بالجهلة؟! وماذا يبلغ أن يكون جهد السوقة السفلة؟!

تقول لك آداب السلوك: احترم من ينفعك، وتقول لك آداب الصدق: احترم من ينفع الناس، والقصد بين المذهبين أن تحترم من لا يسعك احتقاره سواء في سرك أو في علانيتك، أما الناس فيحترمون من يخافون شره أكثر من احترامهم من يطلبون بِرَّه، وربما شاب احترامهم لأهل البر بعض الرياء وأما احترامهم للظَّلَمة والطغاة، فخالص لا شائبة للرياء فيه، بل هو احترام لو أكرهوا أنفسهم على تركه لما استطاعوا.

ويا رُبَّ فتًى مبتدئ في هذا العلم يخرج من كنف أبيه أو أستاذه ويمضي على رأسه حائرًا لا يعلم من يحترم ولا كيف يحترمه، ولا يعلم من يحتقر ولا كيف يحتقره، وتراه يغالي باحترامه ويضن به على من لم يكن أمة في رجل، وعالمًا مجتمعًا في واحد، ويمسك بميزانه وقد وضع في إحدى كفتيه صنجة النبوغ وصنجة الأخلاق وصنجة السمت وصنجة الرئاسة وصنجة الثروة، وغيرها من الصنج التي يوزن بها الرجال، ويذهب بالكفة الأخرى علَّه يجد في الناس من يملؤها ويثقل فيها، فما هي إلا دورة أو دورتان في الطرق والبيوت والأسواق والمحافل حتى يَئُوب وقد رفع كفته أكثر الصنج، يرفعها واحدة بعد واحدة ولا يدع في الكفة إلا صنجة أو اثنتين، وهما في الغالب صنجة الرهبة وصنجة الطمع، ثم لا يمضي غير يسير حتى يصبح وهو لا يرجح في ميزانه إلا أخف الناس وزنًا عنده، ولا يخف فيه إلا أرجح الناس وزنًا عنده، وحتى يكون بين ظاهره وباطنه في الاحترام أبعد مما بين الأرض والسماء.

ولقد هالني هذا الأمر وخفت منه على آداب المبتدئين، فعنَّ لي أن أدعو لجنة من العلماء إلى وضع كتاب وافٍ صريح في علم الاحترام، يعصم الناس من الخلط والخبط فيه ويحجزهم عما يتخلله من الدهان والملق، فاستقر رأيي على هذه الفكرة أيامًا، ولكنني رجعت إلى نفسي فقلت: ومن يا تُرى يشرح للناس مسائل هذا الكتاب؟ وأي أستاذ يرضى بأن يُعلم الناس علمًا يحتقرونه به؟! ألا يكون شأن الأساتذة في هذا الكتاب كشأن الفقيه المنافق في كتب الدين، يلقن الناس منها ما يدر عليه الرزق، ويوطئ له الأعناق، ويعمي عنه العيون، ويتركهم من الدين القويم في جهل مقيم، وعن اليقين في ضلال مبين؟!

فيئست من أن يكون للناس قسطاس صادق المعيار، أمين على الأقدار، ورأيت أن أَفضل ما يصنع العلماء أن يشتغلوا بعلومهم التي انقطعوا لها، وأن يدعوا كلًّا وما يهتدى إليه في علم الاحترام.

جمجمة الإنسان

أذكر فيما قرأت من حكايات الفرس حكاية يروونها عن النبي عليه السلام؛ زعموا أنه أصحر ذات يوم قائظ ومعه الصحابة فنزل في شجرة باسقة وإلى جانبها غدير ماء مصطفق رقراق يشوقك النظر إليه إلى الشرب منه، فلما اشتد أوار الظهيرة عطش النبي، فقام إلى الغدير فتناول منه بجمع كفيه، وشرب فوجد أبرد ماء وأعذبه، وأصفى وِرد وأطيبه، ثم عطش مرة ثانية فعاد إليه فترشف منه رشفات روته من غلة العطش ولم تروِه من عذوبة الماء وحلاوته، وذهب في المرة الثالثة فوجد على الشاطئ إناءً فأخذه وملأه من الغدير واجترع منه جرعة فإذا تلك العذوبة ملح زعاق، وإذا صفاؤه الضاحك البشوش قذر لا يُطاق، فمج الماء من فمه ونظر في الإناء فألفاه نظيفًا ولم يتبين فيه ما عساه أن يكون منشأ هذه الملوحة والقذارة، فرفع بصره إلى السماء متعجبًا، وكأنه يسأل الله عن سر هذه المعجزة وماذا أراد — جلت قدرته — بهذه العبرة، ويقول كيف ينقلب الماء في لحظة من طعم إلى طعم والغدير واحد والشارب واحد، فما ارتد طرفه حتى أنطق الله الإناء في يده، فقال: لا تعجب يا نبي الله فإن في التراب الذي صُنعت منه ذرة في جمجمة إنسان، فهذه الذرة هي سبب هذا التغير، ولو عللت يا نبي الله من الماء براحتك كما نهلت لَمَا أنكرت من طعمه ما أنكرت.

ما أراد واضع هذه القصة أن يقول إن في جمجمة الإنسان مرارة كمرارة الحنظل ترشح في طعم الماء كما يرشح الحنظل فيما يخالطه من الأشياء، ولكنه يقول فيما ورَّى به: إن في رءوس الناس سُمًّا حاضرًا يردُّ الطيب خبيثًا، ويحيل السائغ المريء كريهًا مسقمًا، وإن هذا الجانب المسموم من رءوسهم يضيع عليهم كل ما يدأبون له ويضبون عليه ببقية جوانب رءوسهم التي بها يعملون على رفاهة العيش، ويرغبون في هناوة البال.

إن هذا السم الذي في رأس الإنسان يضني صاحبه قبل أن يضني البعيدين عنه، وكلما كان الرأس قريبًا إليه وكثير الاشتغال به كان سمه أفتك وأسرع فعلًا، وهذا هو المشاهَد المحقَّق؛ فأول من يلدغ الإنسان نفسه ثم عترته الأدنون، ثم خلصاؤه المقربون، ثم أهل وطنه المعاشرون، ثم الأعداء الحاقدون، ثم من لا يعرفهم ولا يعرفونه من الناس: أبعدهم عنه أسلمهم، وألزمهم له أظلمهم، ولو تسنى لامرئ أن لا يعيش إلا مع من لا يكترث لهم ولا وصلة بينه وبينهم، لَمَا عزَّ على أحد أن يستبدل أقصى الناس عنه بألصقهم به، ولقد جعل السم في ناب الأفعى وقاية لها فصار هو مدعاة هلاكها، حتى إن ما يُقتل منها لأجله أضعاف ما ينجو بسببه، وهكذا صار السم الآدمي مقتلًا وسلاحًا لصاحبه، وداءً ودواءً له.

أنا لا أصدق إلا أن الإنسان أقدر على إشقاء نفسه وغيره، منه على إسعاد نفسه وغيره، فلماذا هذا؟ أَلِأَنَّ السعادة ليست ضرورية للإنسان كالشقاء؟! نعم، نحن أرغب في السعادة ونحن أطلب لها، ويُخيل إلينا أننا لا نحيا بغيرها، ولكن لماذا لم نُعط من وسائل السعادة ما أعطيناه من وسائل الشقاء؟ وما معنى هذه الرغبة يا صاح؟ هل تأتلف الرغبة والحاجة دائمًا؟ أم هل ترتبط الكراهية بالاستغناء في كل حين؟ اللهم لا.

فيا أيها الظامئ الجاد وراء السراب: إن كان ظمؤك إلى السعادة وليس إلى شيء آخر فلا ترجُ أن تشربها في جمجمة إنسان، ولا سيما الجديدة التي لم تعتق والمقفلة التي لم تكسر … وإنك قد يحلو لك سلسبيل الحياة إذا تجرعت منه بكفيك، ولكنك حيثما عمدت إلى إناء غير يدك، أو أداة خارجة عن جسدك، فهنالك لا بد من ذرة من جمجمة إنسان.

الصدى ونرجس

الصدى في أساطير القدماء جنية من بنات الغاب والأودية، ونرجس فتًى سليل إلهين من آلهة الماء، وكانت (الصدى) ذات منطق فصيح وحديث خلاب يستهوي السامع فينسيه نفسه، ويلهيه عن شأنه، فمرت بها (هيرا) حليلة (زوس) رب الأرباب فاستوقفتها بالحديث وعاقتها عما قدمت له، وكانت (هيرا) قادمة لتباغت (زوس) مع خليلاته، فلما وصلت كنَّ قد هربن وبقي حليلها وحده في مخدعها، وعلمت (هيرا) أنه لولا (الصدى) لما أفلت أولئك الضرائر منها، فغضبت عليها وسلبتها قوة الحديث إلا أن تردد ما تسمعه ولا تزيد عليه.

أحبت (الصدى) (نرجس) فلم يحفل بها، وامتنع عليها أن تبثه هيامها فذاب لحمها، وبلي عظمها، ولم يبقَ منها إلا نَفَس مصعد وصوت مردد، أما (نرجس) فقد نقمت عليه (نمسيس) بنت الليل والربة المنتصفة للمظلوم من الظالم، نقمت عليه جفاءه وتيهه فأمهلته إلى أن أقبل على بعض العيون ووقف يعجب بما أبداه الماء من جماله فمسخته زهرة في مكانه، فهو لا يبرح واقفًا على حافات العيون والجداول ناكس الطرف يطل على خياله في الماء.

بهذا التمثيل الشعري كان القدماء يفسرون عجائب الطبيعة ويشاركونها الإحساس فيبتهجون ويخالون أنها تضحك لهم، ويحزنون ويحسبون أنها تبكي معهم ويصاحبونها مصاحبة الأحياء للأحياء، فكانت الطبيعة حياة كلها، وليس في زاوية من أخفى زواياها موضع للجمود.

وقد كانت هذه الأساطير مادة غزيرة للشعراء فأولعوا بالنَّظْم فيها، وعُنِيَ أحدهم بنظم قصص المبدولين والمتقمصين فسبكها أحسن سبك … وهو (ببليوس أوفيداس ناسو) شاعر لاتيني وُلد قبل الميلاد ونفاه القيصر أوغسطس من روما لافتتان الشعب الروماني بغزله، كما نفى عمر بن عبد العزيز الفرزدق من المدينة لتهتكه، وكما نهى المهدي بشارًا عن النسيب في أبان المدنية العباسية، وإليك ما نظمه في حكاية الصدى، قال:

راحت الصدى تقفو أقدام نرجس ولا يراها، وكلما لحقته تعاظمت برحاؤها، وتحرقت أحشاؤها، كهواء المشاعل يتبعها ولا تدركه الأبصار، ويكاد يضطرم وإن لم تمسه نار، وطالما همت بأن تفاتحه بتحية أو تستعطفه بكلمة، فكان يخونها الحياء ويستعصي عليها النداء.

وضل نرجس عن رفاقه يومًا، فجعل يصيح: أليس هنا أحد؟ قالت الصدى: هنا أحد … وسكتت.

فبُهت نرجس وتلفَّت حوله ليرى مصدر الصوت، ونادى: هلم إليَّ! هلم إليَّ! فسمع الصدى تجيبه: هلم إليَّ …

وقال نرجس: دعينا نلتقِ، فسرعان ما سمع رجع كلامه بصوت مد فيه الحنان، وترنمت به الشعاب والغيران، ووثبت إليه تضمه وتعانقه فأجفل منها ومضى وهو يقول: اغربي عني! لا كنت ولا كان قلبي إن جرى بيننا الحب …

صدمة كسرت قلب الصدى، فنادت وهي كاسفة: جرى بيننا الحب!

ثم ما زالت ينخر في قلبها الداء الدفين، ويأكل منها الكمد والأنين، حتى عادت أرق من الهواء، وبراها النحول إلا خفقة نداء، لا تلبث أن يعبث بها الفضاء.

اللؤم المكتسب

اللؤم ضربان: لؤم موروث ولؤم مكتسب، فأما اللؤم الموروث فذلك الذي لا حيلة لصاحبه فيه، ولا حيلة لمخلوق في صاحبه، وقد يتمنى اللئيم التطهُّر من وصمته والبراءة من شبهته، وهيهات ذلك، وأما اللؤم المكتسب فلؤم يُضطَر إليه بعض الأشقياء اضطرارًا، لؤم رجل سالم الناس فحاربوه، وحاربهن فواربوه، وبسط إليهم راحة الأمان فضربوه عليها، وصرَّح لهم عن سويداء قلبه فوخزوه فيه، فتعلم من الناس أن يقف منهم موقف المحارب الحذر، يراوغهم في أمره ويكتم عنهم مواطن قوته، ثم يفتش عن مواطن ضعفهم ويتجسس على المغامز في صفوفهم، أفهموه أن ما هم فيه حرب لا سلم، ومخاتلة لا مجاملة، وغش ولا نصيحة؛ فعمد إلى نفسه أولًا فأخفاها وراء سور من الرياء كما يخفي المقاتل نفسه وعدَّته وراء سور حصنه، ثم عمد إلى مقاتليه فدبر كيف يصرعهم، ومن أين يبتدرهم، إذا ابتسم له مبتسم تفقد قلبه هل فيه مطعن مكشوف أو ثلمة مطروقة وتعهد جوارحه لئلا تضطرب عند المجادلة أو تُؤخذ على غرة، ويعود فيرد تلك الابتسامة بمثلها ويجزي على ابتسام بابتسام، وإذا بكى بين يديه باكٍ أسرع إلى قلبه فأضفى عليه الدرع واجتهد أن تكون أصفق دروعه وأمتنها لئلا يكون ذلك البكاء خدعة من خدع الحرب، فإذا تثبت من قلبه وتهيأ لمقابلة العدوان بمثله رجع إلى ذلك الباكي فإما بطش به أو كان أكثر من ذلك لؤمًا فيصافحه، ولكن بعد أن يجرده من كل سلاحه وبعد أن يقلم أظفاره وينزع شكته ويتركه، ولو شاء أن يخدش نفسه فضلًا عن أن يخدشه لَمَا استطاع؛ فهو بعد ذلك أسيره الذي يُطيع إشاراته ويسخِّره في قضاء حاجاته، لا صنيعته الذي يُحسن إليه ويرفه عنه، وقديمًا سمَّى الناس المحسِن آسرًا والمحسَن إليه أسيرًا، وهم في هذه التسمية ما تعدَّوا الحقيقة قيد أنملة إلى المجاز.

واللؤم المكتسب هو لؤم مَن صدق الناس فكذبوه ووفى لهم فخونوه، وعمل لخيرهم فأضروه، وأحب أن يبادلهم النفع فلم يقنعوا بما دون استنزافه وامتصاصه، ولم يرضخوا له إلا عن أيسر ما لديهم وأهونه عليهم، ويرضخوا له عن هذا اليسير الهين وهم قادرون على جحده والمماطلة فيه، ورآهم يصدقون من يكذبهم ويأتمنون من يخونهم ويخدمون من يُؤذيهم، ولا يشترطون عليه في نظير هذا التجاوز العظيم في هذه الصفقة الربيحة إلا أن يكون خداعًا ماكرًا ودساسًا لئيمًا، فعلم أن هاته السوق أربح من تلك وأسهل في الممارسة، ورأى أن الناس كما يزدرون الرذيلة التي لا يحميها أحد كذلك يزدرون الفضيلة التي لا يحميها أحد، فعلم أنهم ما أحبوا الفضيلة ولا كرهوا الرذيلة، ولكنهم يخافون كلًّا منهما حين يكون مخيفًا ويزدرونه حين يكون عزلًا ليس عنده ما يخافون، ووجد الفضيلة أوعر مسلكًا؛ لأنها غريبة، والرذيلة ممهدة الطريق؛ لأنها كثيرة الأمثال والأشباه، فتنكب الأوعر إلى الأسهل وألقى بدلوه في الدلاء.

رأى ما رأى، وعلم ما علم ثم وقف وقفة يُحاسب نفسه، فأيقن أنه لن يُصلح الناس، وأنه بين أن يعتزلهم إذا قدر فيكون دينه له ودينهم لهم، أو يصحبهم فيُعاملهم بالسكة التي يقبلونها ما دامت كل سكة غيرها زائفة في نظرهم، وما دام الخيِّرون في هذه الأرض كالجن لا يظهرون لكل إنسان.

وإن للؤماء عادة ألَّا يبوحون بأسباب لؤمهم ولا يحاولون التنصل مما يُرمون به؛ لأن الناس لا يصدقونهم ولا فائدة لهم من تصديقهم إياهم؛ فلذلك يتهمهم الناس بالحق والباطل، ويَقبلون فيهم كل ما يُقال عنهم، ومتى رأى الناس رجلًا يسيء الاعتقاد بهم جميعًا لم يسمعوا له قولًا في واحد منهم، وقالوا: ذاك دَيْدَنُهُ في التبرُّم، وتلك شنشنة له في التجنِّي، فيصدقون شكوى الشاكين منه ولا يصدقون شكواه في أحد، ويأبون أن ينصفوه وإن كان مغبونًا، فيتسع بينه وبينهم مجال التهم وتقطع بينهم قلة الإنصاف:

ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً
بين الرجال وإن كانوا ذوي رحمِ

وما كان لئيم لئيمًا إلا بعد يأس من إنصاف الناس، ويقين من عسفهم في القضاء واغترارهم بظواهر الأحوال.

ولقد سمعت يومًا جماعة ينتاشون عرض رجل لم أعلم عليه من سوء، فوصموه بنهاية اللؤم ورجموه بأشنع الخبث، وكان أطولهم لسانًا وأفحشهم طعنًا فتًى كان يدعي أنه ساعده فخذله، وأحسن إليه فقابل إحسانه بالإساءة، فلقيت ذلك الرجل فسألته، فقال: نعم، أعطاني قطعة من السم صغيرة في قطعة من الحلوى كبيرة، وهو يطالبني الآن بثمن تلك الحلوى، ويمنُّ عليَّ أن وهبني السم بلا ثمن، وأخذ يقص عليَّ من نوادر إساءة ذلك الفتى في الإحسان، وغلظته في الملاطفة، وتقطيبه في البشاشة، ما لو أنه قضى العمر في مناوأته والكيد له لم يكن معتديًا عليه.

قلت: فلِمَ لا تفشي الحقيقة، وأقل ما فيها ألا يفتري عليك الناس بما ليس فيك أو يعيبوك بعيب أعدائك؟!

قال: سواءٌ عليَّ أيعيبني الناس أم يشكرونني، بل أَحَبُّ إليَّ أن يعيبوني ويحذروا جانبي من أن يُحسنوا الظن ويخدعوني، وإن المشقة التي أحتملها في إقناعهم ببراءتي لأشد كثيرًا من الضرر الذي يصيبني من اعتقادهم فيَّ اللؤم إن كان فيه ضرر.

•••

أنا لا ألوم هذا اللئيم الذي اقتبس دروس اللؤم من العالم كله، وكيف وهو يقتبس من أستاذ يلوح له بالعصا أنَّى ذهب! يلوح له بها عند مشيه وقعوده، وعند جده وونائه، وعند أكله ونومه، وعند مصادقته ومعاداته، ويوشك أن ينهال عليه بها فيقتله كلما سها عن درس من دروسه أو همَّ بأن يتتلمذ لأستاذ غيره.

وأجد من يلوم هذا اللئيم كمن جلس على مائدته بين زوجه وولده، وبين يديه صحاف الطعام، وأمامه الأتباع والخدام، فجعل يلوم الصياد الذي خرج يبحث عن صيده في الآجام الموحشة، فتقلد سلاحه ومشى ينظر كلما نقل قدمه إلى أمامه وإلى ورائه، وعن يمينه وعن شماله، وهو من الحيطة والتربص يكاد ينظر بكل عضو فيه أو كأنه من التمهل التَّلف يدوس على الشوك ويخطو على جحور الأراقم، يخاف إن هو غفل أن يفوته رزقه أو يثب عليه سبع فيفترسه، فيلوم ذلك الصياد على احتراسه وارتيابه، ويطول عليه بأمنه ودعته، وما كان هو أكثر منه أمنًا؛ لأنه أكرم قلبًا ولا كان الصياد أكثر ارتيابًا؛ لأنه ألأم خِيمًا وأردأ عنصرًا.

أنا لا ألوم هذا اللئيم على أنني لا أحب أن يكثر أمثاله في العالم، وعذري إياه أن الذنب في لؤمه على قومه، ولكن البغيض المرذول هو اللئيم المجبول، فإنه لئيم أحسن الناس إليه أم أساءوا، ولادته جريمة، وموته — وليس سوى موته — تكفير لتلك الجريمة.

البخيل

كان فيمن أعرف من الناس رجل لا يعرف الناسُ أبخلَ منه، كان هذا الرجل إذا اشتهت نفسه الشيء مما تشتهيه الأنفس من طيبات المأكل والملبس أخرج القرش من كيسه، فنظر إليه نظرة العاشق المدنف إلى معشوقه ثم ردَّه إلى الكيس وقال: هذا القرش لو أضيف إليه تسعة وتسعون مثله لصار جنيهًا، والجنيه بعد الجنيه يجلب الثروة العريضة ويجمع المال الحِير، وهبني تهاونت بإنفاقه اليوم وسمحتْ نفسي به، فلا آمن أن تسخوَ بغيره غدًا، فإنما القروش كلها واحدة في القيمة وليس قرش بأغلى من قرش، والشهوات حاضرة في كل وقت، فكأنني أنفقت اليوم بإنفاقي هذا القرش جميع ما سوف أملكه وأدخره من المال، وفتحت على نفسي باب الفاقة الدائمة والعوز المستمر مطاوعة لشهوة حمقاء، إن أنا وقمتها الآن ماتت واسترحت منها، وإن آتيتها على ما تدعوني إليه كل ساعة، كنت كمن يرمي الوقود في النار ليخمدها، وكنت كمن يشتهي الفقر ويتمنى الإعدام، وتلك والله الحماقة بعينها.

وكان إذا تم عنده الجنيه على هذه الكيفية أسقطه في صندوق ثقب له ثقبًا في غطائه، ولم يجعل له مفتاحًا لئلا يتعود الفتح والإقفال، ويجرؤ على ذلك الذخر بالكشف والابتذال، وخوفًا من أن تراوده نفسه لفرط شغفه بالذهب على مس جنيه من تلك الجنيهات، فيجر المس إلى التحريك، ويجر التحريك إلى الأخذ فالإخراج فالصرف، وهناك الطامة العظمى والداهية الشؤمى، ويقول: إن سلَّمًا أنت واقف على قمته حري أن تصل يومًا إلى أسفله، وما لك ألا تغلق الشر من بابه وترقع الفتق من أوله وتتلافى الأمر في بدايته قبل أن تتعذر عليك نهايته؟ وكان يرى الفقر من بعيد فيظنه أدنى إليه من حبل الوريد، فالفقر عنده محيط بكل مكان، شامل لكل زمان، وما دام في الأرض درهم فهو فقير إليه، وما دام فقيرًا فالاطمئنان محال عليه، ولقد ألفنا أن نُسمي البخلاء عبيد الذهب، وكان الأصوب أن نسميهم عبيد الفقر؛ لأنهم يضحون الذهب للفقر، وهم يحبون الفقر ويخشونه، يحبونه فيعيشون عيشة المعدمين والبؤساء مع تمكنهم من الثراء، ويخشونه فيتقونه وعندهم له من كل دينار وقاء.

فإذا سقط الجنيه في ذلك الصندوق، لا، بل في تلك الحفرة، كانت تلك السقطة آخر عهده بالهواء والنور، وآخر عهده بالهبات والبيوع، وآخر عهده بالأنامل والكفوف، وهوى من ذلك الصندوق في منجم كالمنجم الذي كان فيه، وشتان المهد واللحد، ومات موتة لا تنشره منها إلا يد الوارث إن شاء الله، وقد فعل.

ولو أتيح لتلك الجنيهات أن تتحادث في ذلك السجن المطبق عن ماضيها كما يفعل السجناء؛ إذنْ لسمعت من أحاديثها العجب العجاب بين جنيه رحالة جواب، يتنقل بك من السويد إلى الكاب، وينبئك عن الأعاجم تارة وتارة عن الأعراب، وجنيه فرار غدار، ما سلم بالليل إلا ودع بالنهار، وجنيه نشأ في الحانات والمواخير، فاسترق رنته من رنات الكئوس والقوارير، وجنيه عاشَر الأبرياء والجُناة، ورافق النُّساك والغواة، وجاور المعوزين والسراة، ومر بالمساكين والعتاة، وطفر من الأصدقاء إلى الأصدقاء، ومن العداة إلى العداة، وكلها تشهد شهادة لا بهتان فيها أن مالكها الأخير أقدر من قنص الدينار، من الأبرار والفجار، وأخبر من صاد النضار، من الشطار والأحبار، وأول من راضَ هذا المعدن السيار على السكينة والقرار.

ولو أتيح لك أن تشهد ذلك البخيل وقد مثل عند صندوقه وألجأته الضرورة إلى الاستمداد منه — وناهيك بها من ضرورة — إذنْ لحسبت أنك تشهد في جنح الليل الأعكر سارقًا ينبش القبور عن أكفانها، وقد تملَّكه الهلع من حراسها وسكانها، أو لحسبت أنك تشهد كاهنًا متحنثًا يقوم عند صندوق النذور يهم بأن يمد يده إليه فيتحرج من أن يستحل ودائعه لئلا يحل عليه قصاص الله ويحيق به غضبه، فإن ألحَّت عليه الحاجة أقسم أن لن ينام ولن يهدأ أو يرد إلى الصندوق ما استعاره منه، وقد لا تجد بين ألف كاهن كاهنًا واحدًا يُقسم هذا القسم ويبر به، ولكنك لا تجد بين ألف بخيل بخيلًا واحدًا يحنث في هذه اليمين.

ففي وقفة من تِلْكُمُ الوقفات اقترض البخيل من صندوقه جنيهًا، وآلى بالطلاق من عرسه ألا يدخل البيت إلا والجنيه معه، وذهب إلى السوق فكدح فيها ما كدح واحتال حتى استرجع الجنيه نصفًا ذهبًا والنصف الباقي قطعًا فضية، وكانت تلك عادته إذا أبدل الفضة بالذهب؛ كي تكون كل قطعة صحيحة صمامًا حديديًّا يحبس فيها ما تحتويه من القطع الصغيرة أن تتناثر وتتسرب إلى إحداها نزغات الجود ووساوس النفس الأمارة بالجميل، والخبيث يسيء الظن بنفسه ويتهمها بالسخاء عن القليل الطفيف مداعبةً لها وإدلالًا عليها، وإلا فقد وثق وثوق المؤمن بإيمانه أنه لو انثالت عليه نقود المشرقَين والمغربَين دراهم ودوانق وسحاتيت لما سوَّلت له نفسه أن ينفق سحتوتًا منها في غير ما يدفع التلف جوعًا والهلاك عريًا، فما تمهل حين صار الجنيه في يده إلا ريث أن أهرع إلى الصيرفي فناوله إياه مفرقًا وقال: أعطني به جنيهًا ذهبًا.

قال له الصيري: هات خمسة ملليمات.

قال البخيل: وعلام هذه الملليمات الخمسة؟ إنك تأخذ هذا الجعل من الناس على أن تنقدهم الفضة بدل الذهب، وأنا أعطيك فضة وأطلب ذهبًا، أفلا تحمد الله على أنني صفحت لك عن حقي وجئتك ساعيًا إلى مكانك؟!

فما زاد الصيرفي على وكزه في صدره وكزة قذفت به إلى الجانب الآخر من الطريق، فما تململ الرجل ولا تأفف، بل وقف حيث قذفت به الوكزة صامتًا، والصيرفي لا يشك في أنه ينتظر أن يمر الشرطي فيستعديه عليه، فمر شرطي وثانٍ وثالث لا يدعوهم ولا يبرح مكانه، والناس يظنون أنه يُحدِّث نفسه بالانقضاض على الصيرفي، فيوسعه ضربًا ولكمًا فيُخطِّئونه ويلومونه وينصحون له بأن يعتذر إليه ويسترضيه، وبينا هو كذلك أقبل على الصيرفي شيخ ريفي، فكذَّب البخيلُ كل ظن وعاجَل الشيخ، فكان أسبق من يده إلى جيبه وصاح به: رويدك يا هذا، إنك تريد أن تبدل جنيهًا، وهذا اليهودي يتقاضاك خمسة ملليمات، وأنا أقنع منك بملليمين، فهاك الفضة وهات الذهب، والتفت إلى الصيرفي، فقال: بارك الله فيك، فقد قيضت لنا رزقًا كنا في غفلة عنه، ولا يزال هذا دأبنا كلما اجتمع جنيه عندنا، ثم ولى والصيرفي يكاد ينشق عن جلده من الغيظ والناس يضحكون.

وكأني بك أيها القارئ تظن أن الرجل آلى بالطلاق وحرص على أن لا يمين فيه وفاءً لزوجه وضنًّا بذات فراشه واحتفاظًا بأم بنيه، فإياك أن تظلم الرجل بهذا الظن، فإن الاحتفاظ والضن بشيء غير المال ضعف يربأ بنفسه عنه، ولكنه تحرى أفدح الأيمان كفارة وأصعبها كلفة، فرأى أن كفارة الحلف بالله سهلة وربما كان في الصيام من الاقتصاد ما يغريه بالحنث كلما أقسم بالله، فاختار يمين الطلاق يهدد نفسه به ويُخوفها من مؤخر الصداق ومئُونة الأولاد ومصاريف القضايا، ثم لا بد له من زوجة تكفيه نفقة الخادم وشراء الطعام من السوق، وهذه الزوجة لا بد لها من مهر قل أو كثر، دع عنك الأعراس وما تستدعيه من الخروج عن العادة في الإنفاق ليلة أو ليلتين، فإذا آلى بالطلاق ذكر كل ذلك وأكثر منه فكان قيدًا لا يستطيع منه فكاكًا، ولا يفوته مع هذا أن يُصانع نفسه بأنه من القابضين على دينهم الذين يجتنبون حدود الله، ولا يلعبون بيمين كيمين الطلاق، والحقيقة أنه لا يجتنب حدود الله إلا لأن اجتنابها يوافق هواه، ولو كلفه خوف الطلاق معشار ما يصون من ماله لجار عن كل حدٍّ لله وللخلق، وعلى أنه لم يُضطَر يومًا إلى امتحان دينه ولم يقف بين ارتضاء الطلاق وجرائره وانتهاك حدود الله وأوامره؛ لأنه لم يكذب على صندوقه قط، فإذا استعار منه في الصباح سدد له الحساب في المساء.

ومرض هذا البخيل مرض الموت فجزع جزعًا شديدًا، وكان جزعه لأنه سيموت عن أقل من عشرة آلاف جنيه كاملة، وكان ذلك كل أربه من الحياة، فاستحضر الطبيب بعد أن نهكته العلة ودب السقم في أوصاله وعظامه، فأمره بأن يتعاطى دواءً وأن يقصر طعامه على لحم الطيور، وكان صاحبنا على مذهب النباتيين اقتصادًا لا فلسفة، فتملص يحايل الداء ويتملق الطبيب عسى أن يعدل عن وصفته، والداء يأبى إلا لحوم الطير، والطبيب مُصرٌّ على رأيه، ولما كان أربه في العيش لم ينتهِ وعشرة الآلاف لم تكمل، فقد رضي أهون الشرَّين وأصاخ لقول الطبيب وصار يأكل كما أمره وهو يتلهف ويتغصص ويتبع كل لقمة يزدردها بعملية حساب، وهل أصعب في الهضم من الحساب وأثقل على المعدة من الأرقام الصماء؟ ولم يزل يقول بعد كل أكلة: الله الله على الصحة! لو كنت الآن صحيحًا أما كانت تكفيني أكلة بدرهم! فلم يسعفه الدواء ولم يمرأه الغذاء، وما ذاك إلا لأن الطبيب داواه بالطب الذي يُداوي به الناس، ووصف له ما كان يصفه لكل مريض مصاب بمثل مرضه، ونسي أنه يداوي داءين لا داءً واحدًا، وفاته أن داءين أحدهما مزمن والآخر طارئ لا يصلحان بفرد دواءً، ولو سمعه كيف كان يأسف على الصحة ولماذا كان يأسف عليها لعلم أن صحة هذه البنية غير صحة سائر البِنَى، وأن لها مرضًا غير أمراضها، وأن الغذاء الذي ظن أنه يشفيه ويقويه قد حز من بدنه وأضاف مرضًا على مرضه، وقد مات المسكين بدائه ذاك، وما أحسبه ندم على شيء وهو يُفارق الدنيا ندمه على تلك الدراهم التي أطاع فيها الطبيب جزافًا، وماذا عليه لو قد عصاه فلم يفقد سوى حياته؟!

ولهذا البخيل نوادر عديدة يذكرها معارفه؛ فكان لا ينقضي له يوم إلا على نادرة طريفة مع بائع أو زميل أو شريك أو مدين، وكنت أستظرفه فأتودد إليه وأشيعه على مذهبه فلا أقتصد في إطراء الاقتصاد ولا أبخل بكلمة في مدح البخل، وإذا فاوضته في الأدب أو طالعت معه في الكتب لم يكن أحقر على لساني من أسماء هرم بن سنان وحاتم طيِّئ وكعب بن أمامة ومعن بن زائدة وأبي دلف وغيرهم من أجواد العرب، فأشنع بهم وأسأل الله السلامة من مثل مصيبتهم في عقولهم وأموالهم، وأقول له: ما أجدر ما دار بتمثال من الذهب، فيقول: أي وأبي ولولا ما في ذلك من الإسراف، ولشد ما كان يتهلل وجهه حين أتلو عليه نكبة البرامكة، فيقول: حيا الله الرشيد، ما أحكمه وأحزمه! وقبحهم الله، ما أخرقهم وأحمقهم! بادوا وخلفوا وراءهم للناس مثلًا سيئًا وقدوة ذميمة، وكانت له في أسباب نكبتهم فلسفة خاصة لم يفتح الله بها على أحد قبله، يقول لك: لا تُصدق ما يتشدق به كذبة المؤرخين عن أسباب نكبة البرامكة، فوالله ما نكبهم ولا قتلهم إلا الإسراف والتبذير، أسرفوا في البذخ وبذروا أموالهم في الصلات فحسدهم الموصول وسخط عليهم المحروم، فترصدت لهم العيون وتوغرت عليهم الصدور، واستعظم الرشيد عليهم ما هم فيه فمثل بهم ذلك التمثيل، وفجعهم في أرواحهم وأموالهم وآمالهم فلم يغنِ عنهم صنائعهم وذووهم، ولو أنهم بخلوا لنامت عنهم الأنظار وخرست عنهم الأفواه؛ لأن من نعم الله على البخلاء أنه يجمع لهم بين مزيتي الغنى والفقر، فلهم من الغنى المال الكثير ولهم من الفقر الأمان من حسد الحاسدين، ولهم من الغنى القدرة على ما يبتغون ومن الفقر القناعة بيسير ما يأكلون ويلبسون، وهما مزيتان لا يجمعهما الله إلا لمن رضي عنه من عباده.

بَيْدَ أنني في صحبتي له كنت لا أستطيع ساعةً أن أفكر بأنني أصاحب إنسانًا له عليَّ مثل الذي لي عليه، وكنت أحمل نفسي على أن تصدق أنه من البشر كما تراه عيني فلا تذعن، وكيف وهي لا تُحس بأدنى اختلاف بين ملاطفتي إياه وملاطفتي الكلب أو القرد الأليف ليأنس بي ولا ينفر مني، ولقد ضل — والله — من يتألف الكلاب والقردة ويلهو برؤية الحيوانات العجيبة وعنده البخلاء يضمهم وإياه جنس واحد ومدينة واحدة فلا يتألفهم ولا يخف إلى رؤيتهم، أليس لو جاءك رجل فأخبرك بأن في مدينة كذا دابة تموت من الطوى وبين يديها الطعام الفاخر، ويفرش لها المهاد الوثير فتجفوه إلى الأرض الخشنة، وتطلق في الفضاء الفسيح فتزمجر وتئن، وتسجن في قفص الضيق فتطرب وتطمئن، وقيل لك: إن هذه الدابة منفردة بهذه الأطوار بين بنات جنسها، أما كنت تُبادر إلى تلك المدينة أو تتمنى أن تُساق إليك تلك الدابة؟ فالبخيل هو تلك الدابة الغريبة في تكوينها، الشاذة في أطوارها، التي تُعد من الناس وليست منهم، وتُجانسهم في الصورة والقوام ولا تُشاكلهم.

إن الناس يعرفون البخل بأنه الحب المفرط للمال، وهذا تعريف ناقص من جميع أطرافه، وهل العلاقة بين البخل والمال إلا كالعلاقة السطحية بين العلم والأوراق، وبين الشجاعة والسيف، وبين الزمن والساعات؟ وقد وُجد البخل قبل أن تحتجن الأموال وتسك النقود كما سلف العلم قبل أن تُصنع الأوراق وتقدمت الشجاعة قبل أن تُطبع السيوف، ودار الفلك قبل أن تُخترع الساعات، ولو أصبحت الدنيا قد انقرضت منها الأموال وفني من أيدي الناس الذهب والفضة لَمَا قضى ذلك بفناء البخل من قلوب البخلاء؛ لِمَا قدمنا من أن البخل شيء بمعزل عن المال.

وإنما البخل عاهة تحجب الفكر وتفسد الطبع وتفرد المرء عن الفطرة العامة بين بني جنسه بفطرة منكوسة عوجاء وتذره خلقًا عجيبًا، كل حظه من الحياة أن يحرم نفسه حظوظ الحياة، يستغرق الوسع في طلب الوسيلة، ثم لا هو يقنع بالوسيلة ولا هو يطلب بها الغاية، وليس البخل عاهة واحدة بل هو جملة عاهات ممثلة في هذه العاهة؛ فهو مزيج من الجبن الدنيء الذي يصور للمرء الخطر المستحيل كأنه قضاء حتم لا مرد له، ومن الخسة التي يتساوى عند صاحبها الفخر والعيب، وتلحق عنده مراغة الهوان بمقام السؤدد، ومن البلادة التي تميت فيه كل أريحية فلا تهتز في نفسه أمنية أو عاطفة تقوى على كسر قيود شحه وجبنه، وقد ظهرت هذه الخلال للناس قبل أن يتمدينوا بآلاف السنين ومقتوها فمقتوا البخل متفرقًا قبل أن يمقتوه مجتمعًا، وغاية الفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يستضعفون من تكون فيه خلة من هذه الخلال فينبذونه عنهم ويهضمون حقه ويدوسون حرمته، ولربما طلوا دمه وتبرأ منه ولاة ثأره، وأما في مدنيتنا هذه التي وضعت سنة المال موضع سنة الحياة، فقد صار البخيل فيها يحل ويبرم، ويؤخر ويقدم، ويحلل ويحرم، ويستشفع إليها بيدٍ فيها المال ويدٍ فيها جبنه وخسته وبلادته فتقبل منه هذه لتلك، وإنها لعمري لمن الخصال التي انحطت بها المدنية عن الهمجية — وما هي بالقليلة، فكم خصلة في المدنية يستحب المدني الهمجية لأجلها ويأنف الهمجي بحقٍّ أن يتصف بها!

اللغات والتعبير

لولا أن الناس من أصل واحد في الخلق، ومن لحمة قريبة في النسب، بحيث إن ما يعرو أحدهم يعروهم جميعًا وما يصدق على جميعهم يصدق على كل واحد منهم، لَمَا أجدت عنهم اللغات في كتابة أو كلام، وعقلت ألسنتهم عن كل فهم وإفهام.

ولو كان التقارب بينهم تامًّا، والشبه في السن والميل والسليقة محكمًا لَمَا افتقروا إلى اللغة، ولكان يستشعر أحدهم في رُوعه ما يقوم في رُوع الآخر من غير حاجة إلى الشرح والبيان.

ولا ريب أن الناس يتفاهمون ببواطنهم أكثر مما يتفاهمون بظواهرهم، وإن لاح لنا أن الأمر خلاف ذلك لطول عهدنا باستخدام اللغة في الإعراب عن مرادنا، فما اللسان إلا موضح ومفسر لما عساه أن يَنْبَهِم على السامع من مجمل سر المتكلم ومما قد تحتويه أفكاره، ولا يمكن أن تعبر عنه تمام التعبير وجداناتُه، أما حالته النفسية فهي أفصح من أن يفصح عنها اللسان، بل أفصح من أن يخفيها إذا حاول إخفاءها.

وما كان الإنسان قبل آلاف الحقب هو بعد بهيم سارح في مراتع العجمة، يعول فيما يراه من رِضَى صاحبه أو غضبه، ومن صدقه أو مكره، ومن أمانته أو خيانته، إلا على ما يتفرس في أسارير وجهه وغمزات طرفه وحركات أعضائه، وكان إذا كلمه لم يكد يثق بكلامه ويأمن اغتياله أو يُطابق مدلولُ أقواله ما وقر في قلبه من مغزى إشاراته ومعنى ملامحه، فهو يأتمن السليقة ويرتاب في اللسان، وهذا سبب إعجاب الناس بالأشعار والخطب والكتب التي مصدرها السليقة وامترائهم فيما تعبث به يد الصنعة؛ لأنهم يقرءون نتاج السليقة فينفذ إلى سلائقهم، ويصيب مواقعه منها ويُحرك من القارئ مثلما حرك من نفس الشاعر أو الكاتب، فيعلمون أنه صدقهم وحسر لهم عن سريرته فيركنون إليه.

ويقرءون نتاج الصنعة فلا يُجاوز ألسنتهم وكأنهم يقرءونه وهم ينظرون الشاعر أو الكاتب وهو يتعمد للظهور لهم بغير مظهره، ويتنقب لهم بنقاب يخفي وجهه أو يبديه في غير صورته، أو يرائيهم بتجميل هيئته وتدميم طلعته، فيخالجهم الشك فيه ويعرضون عنه، إلا إذا كان القارئ من الغرارة بحيث يُصدق كل ما يُقال أو من الجهل بحيث لا يُميز بين السليقة والصنعة، فإنه يقبل حينئذٍ كل قول على علاته، فلا تمنعه المماذقة عن المصادقة، وتنكسر خزانة نفسه بمبرد اللص أسهل مما تنفتح لصاحب المال.

ولقد — والله — أحسن جولد سمث إذ يقول في إحدى رواياته: «لسنا نستعمل الكلام للإفصاح عن حاجاتنا بقدر ما نستعمله لمداراتها.» فقد طمس الكلام إلى اليوم من الحقائق أضعاف ما فند من الأكاذيب، وضلل من المهتدين أكثر مما هدى من الضالين، وإنك ربما تقترب من الرجل فتطلع من سيماه على ما يريبك فتتوجس منه، فإذا سألته وكان من ذوي اللباقة والبراعة في المراء والمخادعة لبَّس عليك الحقيقة وأزال الريب من نفسك، فينصحك لسان حاله، ويغشك لسان مقاله، وكان آمن لك لو أنك صدقته ساكتًا ولم تُصدقه ناطقًا.

هذا فيما يملك الناس أن يبينوه أو يُكِنوه، وإن هناك أفكارًا تلتوي على اللغات وتشمس عن التقيد بالكلمات، فما فضل الناطق في هذه الأفكار على الأعجم؟! وما زيادة الفصيح على الأبكم؟! لا فضل ولا زيادة، ومن الأفكار ما هو أعوص من أن يعبر عنه، ولكنه أقوى من أن يكتم، السكوت عنها ممض والتعبير عنها ممتنع، لم يتغلغل الكلام إلى أعماقها فيُخرجها، وليست هي بالتافهة الضئيلة فتدفنها في مهدها وتدرجها، وقد خصت ولم تعم، فلم يكن لها حظ من اللغات العامة، وتفرقت ولم تجتمع فليس بين أصحابها المتفرقين لغة متبادلة، فاعلم أنه لا يريحك من هذه الأفكار إلا سكوت كالخطاب.

وذلك أن تجد ولو على البعدِ مَن يُعاني مثل هذه الأفكار فيحيط بكتابك من عنوانك، وتلهمه الكلمة العاجلة ما تضيق به الفصول المذيلة، ويسبح معك برهة في عالم لا ألسنة فيه ولا آذان!

يتحادث الرجلان وبينهما تنافر في الأماني والأذواق، فيفرغ أحدهما جعبة بلاغته، ويمتهي غرار حجته، ويستنفد أفانين حيلته، ويحسب أنه أقنع جليسه واستولى على لبه، ثم ينهض هذان الجليسان وإن بينهما من البُعد لما هو أبعد مما بين الميت ومناديه، والنجم ورائيه، ويجلس غيرهما وقد توافيا على أمنية، وتمازجا في الطوية، فيقضيان الساعات لا ينبسان إلا بالكلمة بعد الكلمة ثم ينهضان وقد نقل كلاهما إلى أخيه خلاصة نفسه وطبع صورته في صدره، ومن منا من لم يُشاهد الحالتين فتبين له لغة الصمت أحيانًا مقدار حداثة لغات الكلام.

وإني لأصغر شأن هذه العلوم والآداب القائمة كلها على تفاهم اللغات كلما تأملت فرأيت الأشياء الكثيرة التي تقوم بوجدانات الإنسان ولا يُحس بها، والتي يُحس بها ولا يعبر عنها، والتي يعبر عنها ولا تصل برُمتها إلى عقل سامعها، فيتأكد لي أن الناس في حاجة إلى تفاهم أرقى من هذا التفاهم اللغوي، ولعل هذا النقص هو علة كثير من المشاكل التي تقع بينهم أممًا وأفرادًا، وتزول لو كان التفاهم بينهم كاملًا.

فليتخذ الناس اللغات رموزًا وإشارات تنوب عن المعاني لمن يعرفها، ولا تمثلها لمن لا يعهدها أو يأنس بها، وليعلموا أنهم ما داموا لا يقولون كل ما يريدون أن يقولوه فهم خرس وإن نطقوا، وإنما البليغ المبين من الناس رجل يجيد الإشارة بلسانه أو يراعه، ولن تغنيه هذه الإجادة عن أن يكون سامعه ممرنًا على التنجيم والتخمين، وأما من أخطأه هذا المران، فسيان عند الإشارة باللسان، والإشارة بالبنان!

قوة الإرادة

خطر لي أن أبتدع في التجارة بدعة حسنة، فاخترت أن أتاجر بالأخلاق النافعة للمصريين؛ فاقتديت بأُولِي الخبرة والنظر البعيد من التجار إذا عزموا الاتجار بسلعة من السلع في بلد من البلدان، يتوخون حاجة السوق ويستقصون عادات أهل البلد، ثم يقدمون على بصيرة من عملهم وأمل وطيد في الرواج والنجاح فتوخيت حاجة السوق في مصر، وتقصيت عادات المصريين وفتشت عن الخلق الذي ينقصهم أكثر من أي خلق سواه، فعلمت أنه قوة الإرادة، فعولت على أن يكون اشتغالي بهذا الصنف من الأخلاق.

وراقني هذا الخاطر فمنَّيت نفسي رواجًا سريعًا وربحًا جزيلًا، وأنني سأكون أنفق تجارةً وأكثر عائدة من المتاجرين بيننا بالوطنية والدين؛ لأن حاجتنا إلى الوطنية والدين أقل من حاجتنا إلى الأخلاق ولا سيما قوة الإرادة، وفي مصر كثير من الوطنيين والمؤمنين، ولكن قلَّ فيها من كملت عليه نعمة الأخلاق فغنوا فيها عن المزيد، وذهبت أحصي أرباحي ومكاسبي في السنة الأولى فالسنة الثانية، وفي السنين التالية فضاق بها الحصر ولم يستوعبها الحساب، وسرني أن أحلم بأنه لن يكون في الاثني عشر مليونًا الذين يسكنون وادي النيل مصري واحد إلا لديه مقدار كبير أو صغير من تجارتي، فقلت: إنها والله لَلتجارة التي لا تبور.

واكتريت الدكان في أوسع أحياء العاصمة وأحفلها بالسابلة والقطان وزخرفته أيما زخرفة، فصفحته بالبلور وغشيت جدرانه بالذهب وصنعت رفوفه من خشب الهند، ونقشت عليه لوحة من أجمل ما خط الكاتبون كتبت عليها «هذا دكان قوة الإرادة، يعطيك على نفسك سلطانًا لا حدَّ له»، ثم جلست على بركة الله أشمر للتعب والعمل وأخففهما عني بما أرجوه من المنفعة لي وللناس.

فكان أول من سنح لي في صباح أول يوم فتحت فيه الدكان رجلًا سكران قد تخالعت أعضاؤه من الوهن، واحمرت عيناه من السهر وانعقد لسانه من الحمر، فوقف قبالة الدكان يترنح ذات اليمين وذات الشمال وأوشك أن يميل على ألواح البلور فيحطمها ويكدر علينا صباح الاستفتاح بطلعته المشئومة، ولو كنت ممن يتطيرون لأغلقت دكاني لساعتي وجزمت بالفشل، ولكنني تصبرت ولبثت ألاحظه وهو تارة يحملق إليَّ وتارة يتهجى العنوان حرفًا حرفًا حتى أتى على حروفه بعد شق النفس، ثم قال لي وكأن روحه تصعد مع كل كلمة: أأنت صاحب الدكان؟

قلت: نعم.

قال: أنت بعينك؟

قلت: أنا هو بعيني لا سواي.

قال: وتبيع قوة الإرادة؟!

قلت: من جميع الأصناف والأثمان.

قال: ولنا أيضًا تبيعها؟! لا تؤاخذني فإني أحب أن أستفهم.

قلت: أجل، لك ولكل من يشتريها.

قال: فأنا أسهر كل ليلة كما ترى وأسكر وأُقامر وأجيء في هذه الساعة فيثقلني النوم ولا أحب أن أنام، فهل عندك صنف من الإرادة أتسلط به على النوم ويقويني على السهر ليل نهار؟

قلت: ليس هذا من الأصناف الموجودة ولو وُجد لَمَا بعناه، ونحن باعة الأخلاق لا نقل في الأمانة لصناعتنا والحفاظ بذمتنا عن الصيادلة، وقد تعلم أنت أن الصيادلة لا يبيعون كل دواء لكل طالب، ولكنَّ عندنا أصنافًا أصلح لك من هذا الصنف، فهل لك فيها؟

قال: أرنيها.

فسردت له أسماء الأصناف التي في الدكان وأريته كل صنف منها في علبته، ولم آله تفصيلًا لفوائدها وترغيبًا فيها وبسطت له أسماء الإرادة المانعة، وخواصُّها منع الناس عن مقارفة العادات الضارة؛ من التدخين إلى المقامرة ومن الكذب إلى الوقيعة، وتختلف المقادير والأثمان باختلاف الإدمان والأزمان.

وأصناف الإرادة العاملة وخواصها إيلاء الناس عزيمة وصبرًا على تذليل مصاعب الأعمال وتحقيق همامات الأنفس، وأرخصها قضاء المرء واجبه، وأنفسها قضاؤه واجب أمته ونوعه، وهي أغلى من الإرادة المانعة؛ لأن القدرة على أداء الواجب أندر من القدرة على اجتناب المحظور، وأعلى هجرك ما تؤاخذ به فعلك ما تحمد عليه، وعددت له أسماء نفر من عظماء الرجال الذين دفعتهم قوة الإرادة ودفعت بهم أممهم إلى ذروة من الشرف تتقاصر عنها الذرى، وأطنبت في الوصف والتحسين وهو يُصغي إليَّ بما بقي في حواسه من الانتباه؛ فأطمعني إصغاؤه في أن يكون أول تجربة ناجعة وأصدق إعلان عن الدكان، ورأيته يطرق مليًّا ثم قال: ولكن من يضمن لي جودة الأصناف ويكفل نقاوتها من الأخلاط والأوشاب؟

فقلت في نفسي: سبحان الله! هذا الذي يذهب كل ليلة إلى الخمار لا يسأله أيسقيه سمًّا أم خمرًا، ويغشى موائد القمار يخسر كل ليلة صحته وماله ثم ينساق إليها بغير سائق لا يُريد أن يشتري قوة الإرادة إلا بضامن! ولكنني جاريته وقلت له: لا خوف عليك من هذه الجهة، فسأعطيك علبة نموذجًا فجربها وسل من شئت من التجار، ولك بعد ذلك الخيار.

•••

انصرف السكران بالعلبة ذلك اليوم وعاد إليَّ في اليوم الثاني مفيقًا صاحيًا فجلس بتؤدة وأدب وقال لي: لقد تعاطيت أمسِ علبتك ولم أعاقر ولم أقامر، ولا أدري أبفضل العلبة ذلك أم لنفاذ المال مني، وكنت إذا نفد المال مني اقترضت، فلم أقترض أمسِ، فلا أدري أيضًا أكان ذلك قوة في الإرادة أم حياءً من الرفض، وكنت لا أستحي فلا أدري والله أكان حيائي خلقًا جديدًا اكتسبته منذ تعاطيت قوة الإرادة أم هو لتكرار الطلب واليأس من الإجابة.

سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتُمُ
ومن أكثر التسآل يومًا سيُحرم

على أنني سألت التجار تاجرًا تاجرًا، فاستغربوا اسم الصنف ولونه ورائحته ومعدنه، واتفقوا على أنهم لم يسمعوا به لا في الشرق ولا في الغرب، ما عدا التاجر فلانًا فقد عرفه وفحصه قليلًا فرده إليَّ مشمئزًا وهو يقول: خذ يا شيخ! فقد سئمنا هذا السخف والتدجيل! وهل فرغ الناس من سلطان الهموم فيسلطون عليهم قوة الإرادة أيضًا؟! وإذا كانت عوائق الدهر تحرمك شطرًا من ملذات الحياة وأنت تحرم نفسك الشطر الباقي فأنت لا شك الذي يقال فيه: إنه عدو نفسه … فخلِّ عنك هذه الأضاليل ولا يغرنك ما تقرأ من العناوين وما تسمع من المواعيد، فلو كان في هذه التجارة خير لَمَا غفل عنها الناس إلى اليوم، ولم ينسها دهاقين التجار الأزمان المتطاولة لتكون بدعة من بدع هذا الزمان المنكود.

فأسكت هذا المهذار، وندمت على التفريط في العلبة، وكان أعجب ما عجبت له كلام ذلك التاجر لعلمي بأنه ممن يميزون من أمثال هذه الأصناف ويُحسون بنقص السوق فيها، ولم يكن بيننا مجاورة أو مشاركة، فخفي عني غرضه من تبغيض الناس في بضاعة ليس بيني وبينه منافسة عليها، ولكني وقفت فيما بعدُ على سبب ذلك، وهاك بيان ما وقفت عليه.

•••

رأى فلان المذكور هذه التجارة المستحدثة فقدر لها الربح الطائل والرواج السريع، ورأى أنه ليس أيسر عليه من تقليدها، شأن الأعلاق النادرة، تزييفُها كثير والغش فيها جائز؛ وذاك لأن عارفيها معدودون، ولأن جاهليها يحكمون عليها باللون والرونق وليس بالثمرة والجوهر، فقرر بينه وبين شيطانه أن يستفيد من هذه الفرصة ويختص بذلك الربح فما وني دون أن فتح له دكانًا تجاه دكاني وتأنق في تزويقه وتنظيمه، وكتب عليه «هذا دكان قوة الإرادة الصحيحة، يعطيك سلطانًا لا حدَّ له على ملذات الحياة».

فتح الدكان واستأجر له دلالًا سليطًا يفتأ سحابة النهار يصرخ بصوت كقصف الرعود أو قرع الطبول: يا طالب الإرادة الصادقة، حيَّ على الغنيمة قبل فواتها! يا عشاق العزيمة الماضية هلمُّوا إلى أعظم معمل للعزيمة الماضية، هيا إلى أرخص سلعة سعرًا وأسرعها فعلًا وأصمدها على الطوارئ أثرًا، إرادة لا تتكاءدها عقبة ولا تصدها عن غايتها طلبة، فمن اشتهى السكر فصدته عنه مرارة الراح فليشترِ من هذا الدكان؛ فيستعذب تلك المرارة ويعاف عندها كل حلاوة، ومن صبا إلى الشهوات فأشفق من عقابيلها مغباتها زوَّدناه بقوة إرادتنا فأصبح لا يحفل بالعذل والملام، ولا يبالي بالضيم والسقام، ومن تورط في القمار ثم تهيب خشية الإملاق والدمار، ومخافة الفضيحة والعار، فعندنا ما ينزع منه تلك المخافة، ويضحكه من هواجس تلك الخرافة، وعندنا لكل مريد إرادة، ولكل إرادة شهادة، فالبدار البدار! قبل غلاء الأسعار، فاليوم بدرهم وغدًا بدينار.

فما شككت في أن المسكين معتوه قد خسر رأسه وسوف يخسر رأس ماله، وتوقعت له الخراب الجائح القريب؛ إذ مِن أين له يزاحمني في تجارتي وأنا مبتدع التجارة وهو المقلد، وأنا أبيع إرادة الجد والعمل، وهو يبيع إرادة اللهو والكسل، ولكن سرعان ما أخطأ حسابي وارتد عليَّ تكهُّني، وما راعني إلا الجماهير على أبوابه يتكوفون وبضائعه في كل واد تسير، بحيث لم تخلُ منها المدينة والقرية، والبيت والحانوت، والحانة والنادي، ولم ينتهِ الشهر، ففتح دكانًا جديدًا إلى جنب دكانه، ودار الحول فكان له في الحي خمسة دكاكين، وأصبح أعظم تاجر في الديار.

أما أنا فقد أعطيت في اليوم الأول تلك العلبة لذلك السكران فكانت أول وآخر ما صدر من دكاني، ومرت أيام وأيام، وتلتها شهور وشهور، وتمت ثلاث سنوات مجرمات، وأنا بتلك الحال أراقب التلف يدب في بضاعتي وأعاين السوس ينخر في إرادتي — وما الإرادة إلا كالسيف يصدئه الإهمال ويشحذه الضراب والنزال — فدهشت وغضبت ثم صبرت وتعللت، ثم يئست وسلمت، فأقفلت الدكان وطلقت التجارة، وهأنذا أسأل عن المحكمة لأودعها الدفاتر والمفاتيح.

الشجاعة والعدوى

لا أحسب أحدًا يجهل أن هناك فرقًا بين الشجاعة وحب الموت، كفرق بين الجبن وحب الحياة، فقد يهجم اليائس الموتور على حتفه، ويطرح بنفسه مطارح الهلكة، وهو بعدُ الجبان المنخوب، وربما كان هجومه هذا آية جبنه وجزعه، وقد يبرز الوحش الضاري للفارس الصئول أو يدهمه القطار أو يسقط عليه الحجر العظيم فيتحاشاه ويفر منه …

وهو الجريء على الحمام المقبل

وإنما يحمد الاستخفاف بالحياة والاجتراء على الموت إن كان ذلك الواجب تصغر الحياة فيه، ويتحتم الموت لأجله، وأما فيما سوى ذلك فلا واجب على الحي أقدس من واجب صيانة الحياة ودفع الموت عنه، ولا جناح عليه أن يحب البقاء أبد الدهر لو كان إلى البقاء سبيل.

إن كان ذلك كذلك فلا فائدة لك ولا للناس في أن تدخل مع جراثيم الحميات والأوباء في وقعة مشكوكٍ فيها، وأنت وحدك وهي — أبادها الله وشتت شملها — قد شبَّت على الاتحاد والتكاثر وإن كانت في جو مصر! فتهاجمك في الماء والهواء، ومن بين يديك ومن تحت قدميك، وأنت لا تراها ولا تشعر بها، ونحن مع ما نعلم من أن الحكومات تكافئ كل شجاع على استقبال الموت في حومات الوغى وبين نيران الحريق، ما علمنا قط أنها علقت نوطًا أو وسامًا على صدر أحد؛ لأنه صارع الميكروب فصرعه وانتصر عليه، اللهم إلا إن كان بعض الأطباء قد يظفر منها بالنوط أو الوسام تنويهًا بنصره عليه وفتكه به، ولكنك خليق ألا تغرك شجاعة هؤلاء الأطباء؛ فإنهم يُحاربون الجراثيم وهي مكتوفة في الأنابيب ومخدرة بالعقاقير، وليس هذا من أصول الحرب ولا من شروط المناجزة في شيء.

وإن من غرائب الخليقة وطرف العقول أن يكون بين إخواننا في الآدمية من تراه يقيم في وسط بؤرة تصعد منها رائحة البلى، ويركد فيها الهواء من ثقل ما على كاهله من القذر والقذى، وتسمع فيها الميكروب كالذباب …

هزجًا يحك ذراعه بذراعه

وينادي فيها عزريل ليلًا ونهارًا: ألا من حي فأزهقه؟ ألا من نأمة فأسكتها؟ ألا من تعب مكدود فأحمله؟ ويمر أمام بصره في تلك البؤرة مركبات الأموات حثيثة العَدْوِ من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة … وتقول له: انجُ يا صاحبي بروحك واسلم بعمرك، وقد يكون من مذهبك أن من ينتظر مثل هذه النصيحة من سواه غيرُ جدير بأن يُحرَم الحفارُ أجرةَ قبره والبزازُ ثمن كفنه، فتغلظ على نفسك، وتأخذك الهوادة في مذهبك وتنصحه بالرغم من ذلك فيقول لك: معاذ الله أن أخاف الموت أو أفر من قرب الله … يقولها الملعون وكأنه يعتقد أن الله بعيد إلا عن تلك البؤر التي يفوح نتنها وتطرد الملائكة وخامتها، ويقولها الملعون وهو يجهل أن عمر بن الخطاب فر من الطاعون، ولَمَّا لامه أبو عبيدة وقال له: أتفر من قدر الله؟ قال: نعم، إلى قدر الله … وناهيك بعمر شجاعةً وصبرًا وإيمانًا بالله واتكالًا عليه.

ولو صاحب من هذه الطغمة — ولا عار في الصحبة — عثرتُ به في إحدى تلك البؤر فنصحتُه تلك النصيحة فكنتُ كأنما أخزه بها وخزًا، وإذا هو يزوَرُّ عني ويلوي كشحه ويقول: أأنا أعبأ بالحميات والأمراض؟ ومثلي يا فلان يرضى أن يُذاع عنه أنه أجفل من الموت؟ وهل يدركنا الموت في مكان وينسانا في مكان؟ وما كان ظنك بعقلي وأنت تنصح لي بالجلاء عن داري التي وُلدت فيها والانهزام أمام عدو لا أراه؟ وأين ما عودتك فيَّ من الجلد وعودتني فيك من تشجيع الأصدقاء؟! وقلت: حسبك ولكني آسف يا سيدي على هذه الشجاعة الفائقة ألا تتصدى بها لكل قوة من قوى هذه الطبيعة المغرورة بنفسها، وما بالك تستهزئ بالموت بالجراثيم كأنك تستصغرها ولا تستهزئ بالموت غرقًا أو حرقًا أو صبرًا، وهذه القواطر والسيارات والترام كثيرة في البلد، والناس يتنحون لها عن الطريق ويفرون منها كل مفر، فما بالك لا تثبت أمامها وتريها أنك لست من هؤلاء الناس؟ بل ما بالك لا تُبالغ في احتقار الجراثيم والزراية بها فتشرب قدحًا من حمض الفينيك الذي يقتلها لتبرهن لها على أنك لا تعبأ بما يميتها فكيف بها؟!

ولما رأيت أنني سألته بقدر ما سألني وأجبته بمثل ما أجابني، فصلت من عنده وأنا أفكر في اقتراح أعرضه على أُولِي الأمر، وهو أن تجمع الحكومة أفراد هذه الطغمة وتلصق بوجوههم علامة يعرفهم بها من يراهم، حتى إذا وقف أحدهم في طريق سيارة أو ترام أو تعرَّض أمام صائد يطلق على هدفه، لم يكفف الصائد يده، ولم يتعب السائق في إيقاف سيارته أو ترامه، فيضيع من وقت الركاب دقيقة أو أكثر لإنقاذ حياة هانت على صاحبها إلى هذه الدرجة، وليست هي على الناس بأقل هوانًا.

مواضع الملاحة

مهما تعمقوا في تعريف الملاحة ووصف محاسن الوجه وقالوا فيها ما يشبه قولهم في السحر أو الروح واليوم الآخر، فلا إخالها تُرَدُّ في بادئ أمرها إلا إلى أنها شارة في أظهر عضو من الجسم — أعني الوجه — كانت، ولا تزال في بعض الأحيان تدل على فضيلة جنسية في جسم الرجل أو المرأة.

إن أظهر ما تظهر الملاحة من معارف الوجه في العين والشفة؛ لأنهما الجارحتان اللتان ترتسم فيهما حالة النفْس وإحساسها بغاية الوضوح والجلاء، وبهما تختلف أمة عن أمة وجنس عن جنس، فالعربي والمصري والصيني والإنكليزي والألماني وغيرهم من الملل والأمم يتماثلون بالعيون والشفاه، وكذلك الرجل والمرأة، أصدق وأوجز ما يقال في هاتين الجارحتين أنهما نافذة النفْس، فمنها تطل على العالم ومنها يطل العالم عليها، ولعل ما تكشفه منا وللناس أكثر مما تكشفه من الناس لنا.

لا بد من صلة محكمة دقيقة بين العين والرأس؛ لأن نظرة العاقل غير نظرة المجنون، وقل مثل ذلك في الغادر والأمين، والفظ والوديع، والسقيم والسليم، والشهْوان والعفيف، فإن لكل منهم نظرة غير نظرة الآخر، أما صلة الرأس بالجسم وما يندمج فيها من الطبائع فمعلومة ملحوظة؛ فالعين بهذه المثابة هي عنوان صفة النفْس ومزاج الجسد.

ولا بد من صلة بين الشفة والإحساس؛ لأن الشفة هي ملتقى أعصاب الوجه وهي أدق أعصاب الجسم، فلا تهيج في الجسم هائجة ولا تسكن به ساكنة إلَّا بدا لها أثر على الشفة، فتفتر أو تتهدل أو تنقبض أو تتقلص أو ترتجف، وترى الإحساس في الشفة يتوق إلى مقابلة مثله؛ لأن الإحساس يبلغ فيها أشُده، وهذا هو الميل إلى اللثم والتقبيل، نعم إن الأعضاء كلها تميل إلى المماسة، ولكن الميل لا يكون إلا على قدر إحساس كل عضو، فلا تميل اليد إلى اليد كميل الشفة إلى الشفة؛ لأن الفرق بينهما في الإحساس كالفرق بين المصافحة والتقبيل، وقد وُضعت هذه الحساسية في الفم؛ لأنه هو باب الجوف، والجوف بحاجة إلى حاسة ظاهرة تجيد له جس الأشياء قبل وصولها إليه، وقد نرى الأعمى لا يعتمد في جس الأشياء إلا على شفتيه؛ لأنه حين فقد البصر وأصبح معتمدُه على الحس وحده لا يشعر في جسمه بما هو ألطف على المس من شفتيه.

فالشفة هي ترجمان الإحساس ومجس العواطف، وإذا كان في الإنسان خاصة تتصل بالإحساس كان أحرى الجوارح أن تظهر عليها تلك الخاصة الشفة، فقليلًا ما يلتبس عليك الصابر الكظوم بالقلق اللجوج أو الأريب الكيس بالحميقة الأبله، من التأمل في شفاههم وهيئة أفواههم، وإذا التبسوا عليك ساعة الهدوء والصفو لا يلبسون ساعة الغضب والاهتياج.

وَلَرُبَّ وجه صبوح جميل يروقنا استواء خلقه واعتدال تقسيمه ويحيرنا نقد معارفه وقسماته، ولكنا يؤلمنا ألا نتملى من ذلك الوجه بحظ الاستحسان الذي شوقنا إليه منظره، ووجه أقل منه جمالًا وصباحة وأخفى روعة ورواءً وهو يسبينا ويثير بلابلنا ويستولي على إعجابنا، وقد ننسب ذلك أحيانًا إلى اختلاف الأذواق أو خفة الدم، ولو أنعمنا النظر في ذينك الوجهين لم يطل بحثنا عن السبب، وعلمنا أن ما نسميه تارة باختلاف الأذواق وتارة بخفة الدم هو معانٍ تتضمنها العيون والشفاه ليست من جمال الصورة، على أنها هي شطر الجمال الأكبر، وهي التي تفيض على ذلك التناسب الهندسي الممول روحًا حيًّا جذابًا.

إن لكل عضو جماله الخاص به، وجمال العيون والشفاه عام لا يجمل الجمال إلا به، ولو نظرنا إلى مزية في العيون والشفاه تجعل لها هذا الشأن في تقدير الجمال غير اتصالها بالإحساس ذلك الاتصال الذي ألمعنا إليه، لَمَا أبصرنا لها أي مزية سواها، فلماذا لا نقول: إن الأصل في حب الجمال هو امتحان قابليات الجسم بأظهر أجزائه للناظر؟!

أفي ذلك بخس للجمال؟! ما الجمال إلا صبغة لا تُفارق الجسوم، فكيف نوفق بين احتقار الجسم وتنزيه صبغته؟!

هذا كلام لا يرضى به عشاق الجمال ولا يروقهم أن يكون حبهم له نوعًا من جس النبض وفنًّا من الفراسة، فإن كان إرضاؤهم لا بد منه فليذكروا أن جمال أجدادنا لا يستحق أكثر من ذلك، وأننا لم نرث جمالنا وعواطفنا من غير أولئك الأجداد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠