الفصل السادس عشر

أبو نواس

الشاعر المجدد

شهد العصر العباسي الأول زعيمين من زعماء التجديد في الشعر:
  • أولهما: بشار ابن برد
  • وثانيهما: أبو نواس

فأما بشار فأكبر ميزة له — استحق من أجلها أن يلقَّب بزعيم المحدثين — أنه كان فنانًا بارعًا، استطاع أن يصوِّر بفنِّه الحياة الاجتماعية الجديدة في العصر العباسي تصويرًا دقيقًا؛ فقد تغيَّر نظام الحياة الاجتماعية عما كان عليه في الدولة الأموية في جميع مناحي الحياة: في اللهو وفي الجد، وفي السياسة وفي العلم، وفي النزعات المختلفة من عصبية غريبة، وميل إلى الشعوبية، وغير ذلك، فكانت كل هذه النواحي تتطلَّب شاعرًا ماهرًا ينغمس فيها ويصوِّرها، ويغترف منها ويعرضها، لا يكون مقلِّدًا في شعره جاهليًّا ولا أمويًّا؛ لأن الحياة العباسية ليست جاهلية ولا أموية، فوجدت في بشار لسانها الناطق وريشتها الماهرة ويدها الفنانة؛ فغزله لم يكن بدويًّا متعففًا، إنما كان حضريًا متهتكًا، وفخره لم يكن بقبيلته، إنما كان بفارسيته، وهجاؤه لم يكن كهجاء جرير والفرزدق والأخطل يعيِّر بعضهم بعضًا بفعال القبائل، إنما كان يهجو بالرمي بالكفر والزندقة والقدح في الأعراض في فحش وشناعة.

وعلى الجملة، فكان يجيد صياغة ما يتحدَّث به الناس، وما يحبون، وما يكرهون، وما يعرفون، وما ينكرون، وكما أصبحت حياة الناس ناعمة رخوة أصبح شعر بشار في الكثير الغالب ناعمًا رخوًا، يفهمه الرجال والنساء، والأحرار والإماء، ويتمثَّلون به في مواقفهم، ويتغنُّون به في مجالسهم، ويشعرون أنه المعبِّر عن عواطفهم، المغذِّي لمشاعرهم.

إن أُغرِم الأصمعي وأبو عمرو بن العلاء وأمثالهما من العلماء بشعر الجاهلية وبشعر جرير والفرزدق والأخطل من الأمويين، للغته وغريبه، فإن الشعب أُغرم بشعر بشار؛ لأنه صورة صادقة له، يمثل حياته ويرسم آلامه.

من أجل هذا كله كان بشار زعيم المجدِّدين.

المجدد الثاني

وجاء بعده أبو نواس، فسار على أثره وجدَّد ما فاته، فإن كان بشار يستحق لقب «المجدد الأول» فإن أبا نواس يستحق لقب «المجدد الثاني».

ولنعرض الآن في إيجاز لضروب التجديد التي أتى بها أبو نواس:

رأى أبو نواس طائفة كثيرة من الشعراء لا يزالون يتَّبِعون منهج الجاهلية في الشعر، فيبدءون بالوقوف على الأطلال، وبكاء النؤى والأحجار، ولا أطلال في العراق ولا نؤى ولا أحجار، ويشمُّون الشيح والقيصوم، ولا شيح ولا قيصوم، ويُشعِرون شعرًا بدويًّا، وهم يعيشون عيشًا حضريًّا؛ فيصفون الإبل وسيرها، والصحراء وأرضها ونبتها، والصيد وضباعه وذئابه، والجزور وما فعلوا به، والخيام وطنبها وأوتادها، ويعدِّدون أسماء القبائل وفعالها، ولا شيء لهم في الحقيقة من ذلك، لا يصفون واقعًا، وإنما يصفون خيالًا، ولا يعبرون تعبيرًا صادقًا، ولكن تقليدًا وادِّعاء.

فصرخ فيهم أبو نواس صرخة قوية، يريد أن يردَّهم عن باطلهم، ويصدَّهم عن تصنُّعهم، ويطلب إليهم أن يصفوا أنفسهم، ويشعروا في واقعهم، فإذا لم يشمُّوا عرارًا فيجب ألا يذكروا العرار، وإنما يذكرون الورد والنرجس، وإذا كانوا يشربون الخمر، فلا يصفون شرب الألبان، وإذا كانوا يأكلون لحوم الضأن، فلا يذكرون أكل الضب، وإذا كانوا لا ينتسبون إلى قبائل، فما معنى ذكر أسد وطيء وتميم وقيس، وقد أكثر من ذلك في قصائده؛ ولا سيما الخمريات، فقلَّ أن تخلو قصيدة فيها من التنبيه على هذا المعنى.

دع الأطلال تسفيها الجنوب
وتبكي عهد جدتها الخطوب
وخلِّ لراكب الوجناء أرضًا
تحثُّ بها النجيبة والنجيب
ولا تأخذ من الأعراب لهوًا
ولا عيشًا فعيشهم جديب
ذرِ الألبان يشربها أناس
رقيق العيش عندهم غريب
بأرض نبتها عشر وطلح
وأكثر صيدها ضبع وذيب
إذا راب الحليب فبُلْ عليه
ولا تحرج فما في ذاك حوب
فأطيب منه صافية شمول
يطوف بكأسها ساقٍ أريب

•••

عاج الشقي على رسم يسائله
وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد
لا درَّ درك قل لي: من بنو أسد
ومن تميم ومن قيس ولفهما
ليس الأعاريب عند الله من أحد
لا جفَّ دمع الذي يبكي على حجر
ولا صفا قلب من يصفو إلى وتد
كم بين ناعت خمر في دساكرها
وبين باكٍ على نؤى ومنتضد

والديوان مملوء بالشواهد على هذا المعنى، فهو يريد أن يكون الشعراء واقعيين، يصفون حياتهم، ويذكرون لذاتهم، ولا لذة عنده خير من الخمر، ولا ذكر أحلى عنده من ذكر الخمر، وهو في هذا أسبق الشعراء إلى هذه الدعوة — فيما أعلم — وأصرحهم، وإن كانت دعوته لم تلقَ نجاحًا كبيرًا، فظل الشعراء بعده إلى يومنا يصفون الأطلال، ويقطعون الفيافي على ظهور الإبل، ويستعذبون ذكر الجمل والهودج، وإن ركبوا القطار والطيارة، حتى إن أبا نواس لم يلتزم مذهبه دائمًا، ووقع فيما حذَّر منه أحيانًا؛ فكان يقول مثلًا:

أرَبع البلى إن الخشوع لباد
عليك وإني لم أخنك ودادي

ويقول:

لمن دمن تزداد حسن رسوم
على طول ما أقوت وطيب نسيم

ويقول:

ألا حي أطلال الرسوم الطواسما
عفت غير سفع كالحمام جواثما

أبرز نواحيه في التجديد

وعلى العموم، فقد كان مجدِّدًا يدعو إلى الحياة الواقعية في باب اللذائذ، ويسير في كثير من الأحيان على نمط السابقين في باب المديح، وشأنه في ذلك شأنه في اللغة والأسلوب أيضًا؛ فهو في باب اللذائذ يذوب رقَّة، وينفر من الغريب، ويترك على سجيتها لا تكلُّف ولا تصنُّع، وهو في باب المديح جزل الأسلوب، جارٍ على نمط القدماء، مستعمل للغريب من الألفاظ، والرصين من الأسلوب، كما ترى في قصيدته: «أيها المنتاب من عفره».

ومن أهم ما أتى به أبو نواس أنه فلسف اللذة كما فلسف أبو العتاهية الزهد، لقد أوتي أبو نواس حسًّا مرهفًا لإدراك اللذة، وشعورًا حساسًا دقيقًا للاستمتعاع بها، ولسانًا فنانًا في التعبير عنها، يلذُّ الخمر والغلمان، ويلذُّ أن يسمع اسميهما، ويلذُّ أن يقول فيهما، فأفاض في الحديث عنهما كما أفاض في الاستمتاع بهما، وأخذ يولِّد المعاني فيهما حتى كاد لا يدع معنى لقائل.

قد شعر بشار في الخمر قبله، ولكن ما وصل إلينا من شعره فيها قليل، وهو فيه لا يكاد يخرج عمَّا استنَّه قبله الأعشى والأخطل، وقال فيها مسلم بن الوليد فأبدع بعض الإبداع، ولكن أحدًا منهما لم يدانِ ما قال فيها أبو نواس، ولقد أبدع في تصويرها وتشبيهها وفعلها في النفس، كما أبدع في كل ما يتصل بها من نديم وساقٍ وكأس وخمَّار، وكما أبدع في وصف مجلسها وما فيه من ريحان وأزهار وطرب وغناء وجوارٍ وغلمان.

يشربها صرفًا وممزوجة، وفي السرِّ والجهر، وشربًا متواصلًا ومتقطعًا، ومطبوخة بالشمس وبالنار، وفي الدور وفي البساتين، وساقيه جارية أو غلام، أو جارية في زي غلام، ويشرب في الأرطال وفي الكؤوس العسجدية قد صوِّرت عليها التصاوير، وهو في كل هذه يصف فيجيد الوصف، ويظل وراء المعنى يولِّده ويقلِّبه على أشكاله المختلفة حتى يستنفده، وما يفوته في قصيدة يتممه في أخرى، حتى أوفى في ذلك على الغاية، وخلَّف للشعراء بعده ثروة ظلوا ينفقون منها إلى اليوم.

ويطول بنا القول لو عددنا المعاني التي ابتكرها والمعاني التي أخذها من غيره فجمَّلها وزيَّنها، وأخذها — كما يقولون — عباءة وأخرجها ديباجًا.

كذلك كان شأنه في الغزل بالمذكر، هل هو منشئ هذا الباب وفاتحه على مصراعيه؟ فقد فشا حب الغلمان والحديث عن الغلمان في عصر أبي نواس أكثر مما كان في عصر بشار، وأفرط الناس فيه، وتسرَّب إلى قصور بعض الخلفاء، حتى إن زبيدة رأت هذه الميل في الأمين فاتخذت له سربًا من الجواري في زي الغلمان، وأُطلِق عليهن «الغلاميات»، فكان أبو نواس أصدق معبِّر عن هذا المرض الاجتماعي لتهتكه وفجوره، ولنشأته منذ صباه هذه النشأة، فتفنَّن ما شاء في وصف الغلمان وقدودهم وخدودهم، وكل ما يتصل بهم، وكوَّن من ذلك كله بابًا في غزل المذكر، على نمط ما قال الشعراء قبله في غزل المؤنث، وأضاف إلى أبواب الأدب بابًا جديدًا لا يزال مفتوحًا إلى اليوم.

فكاهته الحلوة

وشيء آخر كان لأبي نواس فيه الحظ الأوفر والقدح المعلى، وهو فكاهته الحلوة، ونادرته العذبة، ومجونه الفكه؛ فقد كان ينغمس — كما قلنا — في الملاهي والملذات، ويعلُّ منها وينهل، وقد كان مع هذا صريحًا إلى أقصى حدود الصراحة، لا يهاب أحدًا، ولا يرعى دينًا، فيرسل نفسه على سجيتها، ويصوغ من مجالسه وحياته وخلَّانه وندمانه شعرًا لطيفًا يستخرج العجب ويثير الضحك، ويعمد إلى من يعيبون عليه استهتاره، وإلى المتزمتين من رجال الدين ورجال اللغة، وإلى الثقلاء من أي صنف، فيهجوهم ويتنادر عليهم، ويلذعهم لذعًا فاحشًا مؤلمًا في لغة سهلة سلسلة يفهمها كل من سمعها، وفي دعابة قاسية مضحكة.

ومن أجل ذلك اشتهر أبو نواس بالفكاهة والمجون، وجرى أهل زمانه على مثاله، فداعبوا مداعبته ومزحوا مزاحه، وأرادوا ذيوع نوادرهم، وأن تقع من الناس موقعًا حسنًا، فنسبوها إليه كما نسبوا إلى «جحا» كل ما صُنع بعده من جنس قصصه ومُلَحه.

أما بعد، فقد وضع أبو نواس في الأدب العربي أسسًا إن لم ترضِ الأخلاق، فقد أرضت فن الأدب، وإن كرهها رجال الدين، فقد أحبَّها رجال الفن، على أن رجال الدين ورجال الأخلاق وإن كرهوها من أبي نواس، وشدَّدوا النكير عليها، فلم يمنعوا أنفسهم من الانتفاع بها والاستفادة منها؛ فقال الصوفية في الغزل الإلهي ما قال أبو نواس في الغزل المادي، ووصفوا خمرهم الروحية بما وصف به أبو نواس خمره الحسية، وما قاله أبو نواس صراحة، قالوه هم كناية، فكان هو المشرِّع لهم، وسالك الطريق قبلهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠