الفصل التاسع عشر

بطولة الفاروق تتمثل في أخلاقه وعقليته

لعمر بن الخطاب نوعان من البطولة، كان كل واحد منهما يكفي ليكون بطلًا عظيمًا، وفي التاريخ أمثلة كثيرة من الأبطال كانت بطولتهم من ناحية واحدة، أما بقية نواحيهم فعادية، أو أقل من العادية.

في الناس مَن بطولته من ناحية علقه؛ فهو يرى أبعد مما يرى الناس، ثم هو في غير هذه الناحية كسائر الناس، وفيهم مَن بطولته من ناحية شجاعته؛ فإذا جاوزت الشجاعة وجدته كأوساط الناس، أو أقل من أوساطهم، وفيهم مَن بطولته من ناحية مهارته السياسية، ثم هو لا شيء بعد ذلك.

ولكن عمر كان بطلًا في أخلاقه، وليس في خلق واحد منها، وكان بطلًا في عقليته، وليس في ناحية واحدة منها أيضًا.

أما ناحية الأخلاق، فكان رجلًا بكل ما تحتمله كلمة الرجل من المعاني، كان رجلًا في كفره، ورجلًا في إسلامه، لا يميل إلى الدنية، ولا ينظر إلى الصغائر، كان كافرًا فكان الكفر يعتز به، ثم كان مسلمًا فكان الإسلام يعتز به، وكان رسول الله في أول دعوته يقول: «اللهم أعزَّ الإسلام بأحب الرجلين إليك؛ عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فاستُجيب دعاؤه في عمر، فلمَّا أسلم رنَّ إسلامه في الأوساط الوثنية، وأحدث حسرة وأسفًا وانخذالًا، ورنَّ في الأوساط الإسلامية فأحدث فرحًا وسرورًا واغتباطًا؛ لأن كفر عمر وإسلامه ليس كسائر الناس؛ ففي الناس من إذا وُضع في كفة أو في أخرى لم تتأثر الأولى ولا الثانية، وفيهم من إذا وُضع في كفة رجحت، ورجحت حتى النهاية، ومنهم عمر، ومن أجل ذلك قال ابن عباس: «لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا»، وأنزل الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

أسلم عمر فغيَّر حياة المسلمين الاجتماعية، كانوا لا يجرءون على الجهر بشعائر دينهم فجهروا بها منذ أسلم عمر، وكانوا يتستَّرون في الدعوة فأعلنوها، وخرج المسلمون على أعين المشركين في صَفَّيْن؛ في أحدهما حمزة، وفي الآخر عمر، حتى دخلوا المسجد، فلو أن آلافًا من عامة الناس أسلموا ما عدلوا عمر، وصدق ابن مسعود إذ يقول: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».

كان الحق متقنِّعًا فأبى عمر لما أسلم إلا أن ينبلج، وكانت الدعوة إلى الإسلام من وراء حجاب، فأبى عمر إلا أن تكون علانية، وعلى سمع الناس وبصرهم، فكان ما أراد.

وهكذا كان بطلًا في صراحته، بطلًا في شجاعته، حمل نفسه على كفه دفاعًا عن عقيدته، فلم يخشَ بأسًا ولم يخشَ قتلًا، وصمَّم أن يموت أو تعلو كلمة الإسلام، فكانت الثانية.

هاجر الصحابة مستخفين من أذى قريش واضطهادهم، أما عمر فلمَّا أراد أن يهاجر إلى المدينة تقلَّد سيفه وتنكَّب قوسه وانتضى في يده أسهمًا، ومضى نحو الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلَّى متمكِّنًا، ثم طاف على جماعات قريش واحدة واحدة يعلنهم بهجرته، ثم قال: «من أراد أن تثكله أمه وييتِّم ولده ويرمِّل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي»، فما تبعه أحد منهم.

لم تكن المسألة مسألة قوة في بدنه واستكمالٍ لآلات قتاله، فقد كان في قريش من هو أعلم منه بالقتال، وأشد منه في النضال، ولكن نفس عمر كانت دونها كل نفس من هؤلاء المحيطين بفناء الكعبة، وكانت هذه النفس القوية الكبيرة تشعُّ رهبة، وتبعث إجلالًا، حتى تُستخذى أمامها النفوس، كذلك كانت نفسه في جاهليته، ثم زادت قوة في إسلامه، «والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام».

ثم تنجلي بطولة عمر الأخلاقية في العدل التام أيام خلافته.

لقد كان يَتصوَّر العدل تصورًا دقيقًا بديعًا، ثم مُنح من الإرادة القوية ما استطاع به أن ينفذ هذا العدل الذي يتصوره في دقة وقوة وحزم، قلَّ أن يكون لها نظير.

طبَّق العدل في كل شيء، ومع الجميع، إلا مع نفسه وأهله، فقد تحامل عليهم، وحرمهم حتى مما أحلَّه الله، وضحَّى بنفسه وبهم ليردَّ طمع العمال والولاة، ويقيم سيرته مثلًا لمحاربة الأنانية وتضحية الشهوات والملذات في سبيل الله والمصلحة العامة.

يعدل مع العمال في كل صغيرة وكبيرة، ولا يرحم من تبدر منه بادرة أو يزل زلة، وينصف الرعية من العمال، ويبعث المفتشين يستقصون أخبار الرعية وأخبار العمال.

ويعدل في أهل الذمة من يهود ونصارى فيوصي العمال والرعية بهم خيرًا.

ويعدل مع الجنود فيوفِّر عليهم رزقهم، ولا يطيل مدة غربتهم.

وهكذا يقدِّر المسئولية تقديرًا في منتهى الدقة، ويخشى أن يقع ظلم ما على امرأة نائية في أقصى الأرض فيحاسبه الله عليها، يضاف إلى ذلك ما مُنح من فراسة صادقة في اختيار الولاة والعمال، ينظر النظرة في وجه الرجل فإذا هو كأنه صحيفة مكتوبة يقرأ فيها كل ما يخفيه الرجل في نفسه، يعرف مواضع القوة في رجاله، ومواضع الضعف فيهم، ثم يعرف كيف يستغل ضعف هذا وقوة ذاك في خير الناس.

صراحة في القول والعمل إلى أقصى حدٍّ، وشجاعة تستهين بالموت في سبيل العقيدة، وعدل دقيق في كل أمر، ومهابة تملأ صدر كل من رآه أو سمع به، وفراسة صادقة تخترق الحجب لترى ما وراءها، وسهر على مصالح الرعية، وعظم تقدير ما عليه من مسئولية؛ كل هذه بعض خصال عمر التي تكوَّنت منها بطولته وجعلته موضع الإعجاب على اختلاف الأجيال، ممن كان من أهل دينه، وممن خالفه في دينه.

•••

وليست تقلُّ بطولته العقلية عن بطولته الخلقية، فما نشأة عمر هذا؟ لقد كان في صباه يرعى غنم أبيه أحيانًا، ويحتطب أحيانًا، فلمَّا شبَّ كان يتاجر في ماله القليل، ولكنه مع هذا مُنح عقلية في منتهى الغرابة في الصفاء وبُعد النظر، وإدراك الحقائق، تجلى هذا في أول إسلامه، فكان رأيه موفقًا، وكثيرًا ما يرى الرأي فينزل فيه القرآن موافقًا له، حتى بلغ هذا أكثر من عشرين موقفًا؛ من ذلك رأيه في الخمر وتحريمها، وقد روى في هذا الباب أن رسول الله قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (أي ملهمون) فإن يكُ في أمتي أحد فإنه عمر».

أغرب من هذا كله أن هذا الراعي الصغير، والتاجر الصغير، ومَن لم يجلس في حياته في مدرسة، ولم يتعلم درسًا في الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والحرب، ينظم الجيوش لفتح أعظم مملكتين في العالم؛ وهما فارس والروم، ويعرف مواقع البلاد، ومن أين تؤتى، ويبعث بالأوامر تلو الأوامر للقواد، كيف يقاتلون، وأين يتوجهون، ويرسم لهم الخطط كيف ينتصرون، حتى يتم له القضاء على هاتين المملكتين العظيمتين.

وكان يكون الأمر سهلًا لو كانت المسألة مسألة فتح وغزو كما تفعل الأمم المتبربرة في غزو الأمم المتحضرة، ولكن ليس الأمر كذلك، فهو فتحٌ منظم، وإدارة للأمم المفتوحة، وحكم لهم بأساليب خير مما كانوا يحكمون، هذه العقلية الجبارة العجيبة هي التي نظمت الدواوين في بلاد فارس والروم، ووضعت نظم زرع الأرض وريِّها وخراجها، ووضعت التعاليم التي تنظِّم علاقة الفاتح بالمفتوح، حتى كانت تعاليم عمر في الجهاد وفي الفتح وفي الخراج وفي نظام الكنائس والأديرة وفي معاملة أهل الذمة هي المصدر الذي يعتمد عليه الخلفاء والفقهاء والقضاة في شئون الدولة على مر العصور.

هذا العقل الذي يعلِّم فارس والروم نظام الحياة الاجتماعية، وهم هم أبناء المدارس النظامية، والنظريات القانونية، والتعاليم الحربية، والمبادئ الاقتصادية، هو — ولا شك — عقل جبار خارق للعادة، خارج عن مألوف ما نرى ونسمع في تاريخ الأمم.

تدفَّقت الأموال على جزيرة العرب،فعرف كيف يضبطها وينظمها ويوزعها في مصالح المسلمين، وأنشأ لذلك الدواوين.

وفُتحت الفتوح الواسعة فعرف كيف يقسِّمها إلى إمارات حربية، وإمارات سياسية، وكيف يوزِّع الاختصاص حتى لا تتعارض المصالح.

ويسافر إلى الشام فيرتب الجند التي تغزو في الصيف، والتي تغزو في الشتاء، وينظم المصالح، ويأمر بإقامة الحصون، وترتيب المقاتلة.

ويرتب البريد حتى تصل إليه الأخبار عن البلاد النائية في أسرع ما يمكن، ويمصِّر البلدان كما فعل في البصرة والكوفة، ويستفتي في كل ما يعرض من مشاكل الفتح الحربية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، فيأمر فيها بالرأي الصادق والنظر البعيد.

يضاف إلى ذلك معرفة دقيقة بطبيعة الأمة الفاتحة وأخلاقها، وما يصلح لها وما لا يصلح، والأمم المفتوحة وكيف تساس على اختلاف نزعاتها وعقلياتها.

•••

إن أخلاقًا كالتي وصفنا، وعقلية تتسع لكل ما عددنا، تبتكر في النظم وتعدل — مع نشأتها البدوية — مناهج السياسة الفارسية والرومية، وترقِّيها إلى مستوى أعلى كثيرًا مما كانت عليه، لهي جديرة حقًّا بكل إعجاب، وخليقة أن تُذكر في أوائل سجل الأبطال، على مرِّ الأجيال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠