الفصل الثالث والعشرون

قوانين الحرب في الإسلام

في الوقت الذي تحمل إلينا فيه الأنباءُ تدميرَ المدن الأوربية الآهلة بالسكان١، واحتمال عودة حرب الغازات السامة، وتخريب الطيارات والغواصات لكل ما تصل إليه، بكل ما تستطيع من قوة، ونحو ذلك من ويلات الحروب التي يعجز القلم عن وصف هولها — يلذ القارئ أن يعود إلى التاريخ يستعرض فيه التشريع المختلف للحرب، والأنظار المختلفة في تقدير الإنسانية.

ولعل من أروع هذه القوانين قانون الحرب في الإسلام، فمنذ ثلاثة عشر قرنًا ونصف شرع الإسلام قوانين بلغت الغاية في تقدير الإنسانية، وبثِّ الرحمة في النفوس، والدعوة إلى الرفق.

من ذلك أن لا حرب قبل الدعوة؛ لأن غرض الإسلام من الحرب ليس المال ولا الغنائم ولا الاستعمار، وإنما غرضه نشر دعوة يرى فيها الخير للإنسانية، فمن قَبِلها، أو قَبِل الخضوع لأحكامها، أو لم يمانع في سبيل نشرها، كان آمنًا على نفسه وعلى ماله، وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، لا عبرة باللون من أبيض وأسود، ولا عبرة بالدم ولا بالجنسية، ولا بنحو ذلك مما تُعيره الأمم الحديثة أكبر اهتمام، فالمسألة ليست حرب أجناس ولا حرب أوطان ولا حرب أمم، إنما هي في نظر الإسلام حرب مبادئ صالحة تنفع الإنسانية لمبادئ تضر الإنسانية، فالأخوَّة في نظره أخوَّة مبادئ، لا أخوَّة دم، ولا أخوَّة جنس، ولا أخوَّة وطن.

وكان مما أوصى به أبو بكر الجيش الذي بعثه في حروب الردة: «أن يؤذِّنوا إذا نزلوا منزلًا، فإن أذن القوم فكُفُّوا عنهم … وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقرُّوا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم».

ولذلك لما تسرَّع خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة بعد أن أظهر الإسلام، كان في ذلك موضع المؤاخذة، وطلب عمر من أبي بكر أن يقتصَّ منه، ولكن أبا بكر قبل عذره وودى مالكا من بيت مال المسلمين، وأسرَّها عمر في نفسه، حتى إذا ولي الخلافة عزل خالدًا عن الإمارة.

•••

فلا تكون حرب حتى تكون دعوة، وحتى يكون رفض ممن وجِّهت إليهم الدعوة، فإذا وقعت الحرب فهناك قيود للجيش المحارِب ينبغي ألا يعدوها، ولعل أوضحها وأجمعها ما روي أنه: «لما بعث أبو بكر يزيد بن أبي سفيان إلى الشام خرج معه أبو بكر يوصيه، ويزيد راكب، وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد، إنكم ستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع (يعني الرهبان) فاتركوهم وما حبسوا أنفسهم له … ولا تقتلوا كبيرًا هرمًا، ولا امرأة، ولا وليدًا، ولا مريضًا، ولا راهبًا، ولا تخربوا عمرانًا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلًا ولا تغرقنه، ولا تغدر ولا تمثِّل، ولا تجبن، ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله لقوي عزيز، أستودعك الله وأقرئك السلام، ثم انصرف».

وقال عمر: «اتقوا الله في الفلاحين، فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب»، ومرَّ رسول الله () في غزوة من غزوات المشركين بامرأة مقتولة ذات خلق، اجتمع الناس عليها، فقال رسول الله: «ما كانت هذه لتقاتل!» وسأل: «من قتل هذه؟» فقال رجل أنا أردفتها خلفي، فأرادت أن تقتلني فقتلتها، فأمر النبي () بدفنها.

وروى ابن عباس أن رسول الله () «كان إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع».

وقال رسول الله () مرة: «لا تقتلوا الذرية في الحرب»، فقالوا: يا رسول الله، أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟».

من كل هذا نرى أن القانون الإسلامي حصر الحرب في دائرة من جُنِّدوا للحرب، ومنع حرب من لم يُجنَّد، إلا أن يكون له من الوسائل ما يساوي القدرة على الحرب، كأن يكون شيخًا، ولكنه يساهم في إبداء الرأي وتدبير المكايد، فإنه إذ ذاك يعد محاربًا، كما فعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بدريد بن الصمة؛ لأنه كان مع تقدُّم سنه يمدُّ قومه بالرأي في الحرب، فأمر رسول الله بقتله، أما من عدا هؤلاء فقد حُفظت دماؤهم، وحوفظ على حقهم في الحياة.

ويعجبني في ذلك تعليل الفقهاء لهذا الرأي بقولهم: «إن الآدمي خلق معصوم الدم ليمكنه تحمل أعباء التكاليف، وإباحة القتل عارض بمحاربته لدفع شرٍّ، فمَن لم يتحقَّق شرُّه بقي على أصل عصمة دمه»، بل تجاوز الإسلام حرمة المحاربين إلى حرمة ملكية الأمم المحاربة، فأمر باحترامها والمحافظة عليها؛ فمنع قطع الأشجار وهدم البنيان، وكان من وصايا أبي بكر: «لا تقطع شجرًا مثمرًا، ولا تخرِّب عامرًا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله».

•••

ثم أمر الإسلام أمرًا باتًّا حازمًا حاسمًا بالتزام ما يُعقد من معاهدات، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، ووَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وقال: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِي.

ولما عقد النبي () الصلح مع قريش، وكان فيه إجحاف بالمسلمين؛ إذ قد اصطلحوا «على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكفُّ بعضهم عن بعض، على أن من أتى محمدًا من قريش من غير إذن وليِّه ردَّه عليه، ومن جاء قريشًا ممَّن مع محمد لم يردوه عليه»، فارتاع بعض المسلمين من ذلك الصلح، ودخل على الناس من ذلك أمر عظيم، وصرخ المسلمون الذين رُدُّوا إلى قريش؛ قال رسول الله: «إنَّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنَّا لا نغدر بهم».

وانظر إلى عمر لما اضطر إلى إلغاء عهد من العهود ماذا صنع؟ قَدِم عليه عمير بن سعد الأنصاري وقال له: «إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها «عربسوس»، وإن أهلها يخبرون عدونا بعوراتنا، ولا يظهروننا على عورات عدونا، ولهم علينا عهد، واستشاره في أمرهم، فقال عمر: «فإذا قدمت فخيِّرهم أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين، فإذا أُرضوا بذلك فأعطهم إياه وأجْلِهم واخربها، فإن أبوا فانبذ إليهم وأجِّلهم سنة ثم اخربها».

فالقوم هم الذين نقضوا العهد وأساءوا المعاملة، وعمر هو هو الذي رحمهم واحتال عند إلغاء العهد؛ ليكون أعدل ما يكون وأرحم ما يكون، وتاريخ العهد الأول من المسلمين مملوء بمثل هذه الشواهد.

فلم يسمع المسلمون الأوَّلون مطلقًا، ولم يخطر لهم ببالٍ ما عبَّر عنه بعض الممدَّنين المحدثين بأن المعاهدات قصاصات أوراق، ولم يُخضِعوا المعاهدات — كما يفعل كثير من الممدنين — لمقياس في المنفعة، فإن كان في نقضها منفعة لهم نقضوها، وإلا احتفظوا بها، بل لم يكن العربي يفرِّق في التقدير، ووجوب المراعاة بين العقد يمضي، والكلمة الشفوية ينطق بها؛ كلاهما ملزم، وكلاهما واجب التنفيذ.

•••

ثم دعا قانون الإسلام إلى تلبية الدعوة إلى الصلح فقال: وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا؛ لأن الغرض إذا تحقَّق كان القتال عبثًا، ثم كان أساس الصلح لا يستفز عاطفة، ولا يترك في النفوس حقدًا، ولا يبعث على تحفُّز للقتال، فكتب عمر إلى أبي عبيدة في حصاره حلب: «ومن صالحك منهم فاقبل صلحه، ومن سالمك فسالمه»، وكتب لأهل إيلياء (بيت المقدس): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها ولا من حيِّزها ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضارُّ أحد منهم».

وجاء في عهد حذيفة بن اليمان: «هذا ما أعطى حذيفة بن اليمان لأهل (ماه دينار)؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم، لا يغيرون عن ملة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنعة ما أدوا الجزية كل سنة إلى من وَلِيَهم من المسلمين، على كل حالمٍ في ماله ونفسه على قدر طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل وأصلحوا الطرق وقَرَوا جنود المسلمين مَن مَرَّ بهم فآوى إليهم يومًا وليلة، ونصحوا، فإن غشُّوا وبدَّلوا فذمتنا منهم بريئة»، وأمثال هذا كثير.

•••

فليت المدنية الحديثة في القرن العشرين — وقد برعت في العلم، وتفنَّنت في المخترعات، وتقدَّمت في كل مرفق من مرافق الحياة — تعود بنظرها إلى قرون عدة حيث الفتح الإسلامي، فترى قانون الحرب وقانون السلم على أسمى ما يكون من الإنسانية فتلتزمه، ولو تمَّ ذلك لأمنت المدن البريئة من الغزوات، وأمن غير المحاربين من الغارات، وأمنت السفن التجارية من الغواصات، وأمن سكان القرى والمدن من الطائرات، ولو تمَّ ذلك أيضًا لوُضع الصلح يوم يوضع على أساس القومية، ولخير العالم لا خير أمة، ولاستلال الضغائن لا لوضع بذور الضغائن.

لقد مرَّت على الإنسان دروس حروب كثيرة، ولكنه لم يتعلم منها؛ نعم، تعلَّم في تقدُّمه في فن الحرب وكيفية التغلب على الخصم، واختراع المخترعات وإنشاء الاستحكامات، ولكنه لم يتعلم من ويلات الحرب كيف يقضي على الحرب، فلعل الحرب الأخيرة تكون الدرس الأخيرة، فيتعلَّم جاهل، ويصلح فاسد، وتتعزى الإنسانية عما يصيبها في حاضرها بالخير العام في مستقبلها.

١  كتبت هذه المقالة سنة ١٩٤٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١