الفصل السادس والعشرون

ميادين القتال بين الأجناس والأمم والطبقات

أحب الحديث إلى النفوس ما وافق الظروف، فمن اللياقة أن نتحدث في الكوارث والمصائب والصبر عليها في المآتم، وأن نتحدث في السعادة والسرور والهناء في حفلات العرس، فإن أنت عكست فغنَّيت نغمة حزينة في عرس، أو نغمة سارة في مأتم، رُميت بضعف الذوق وقلة اللياقة.

والناس الآن كلهم في حالة حرب، وحديث حرب، واستعداد لحرب، فلنختر موضوعًا للكتابة يتفق وهذه الحالة النفسية، وإلا كان الكلام غثًّا باردًا وحديثًا سمجًا، والكاتب كالمغني، يجب أن يساير الشعور، ويراعي العواطف، ويتخيَّر لكل مقام مقال، ولكل موقف أنشودة، ولكن إن كان الكاتب موظفًا وجب أن يبتعد عن السياسة، فهو إذا اختار موضوعًا سياسيًّا كعنوان هذه المقالة، وجب أن يكتب فيه علميًّا أو أدبيًّا، ويترك للساسة أن يعالجوه سياسيًّا، فهم به أعرف، وعليه أقدر، وبحكم ظروفهم أصرح.

والعالم كله ميادين قتال؛ فحيثما التفتَّ وجدت ميدانًا، ووجدت حروبًا، ووجدت ضحايا، فكأن الذي خلق الخلق سلَّط بعضهم على بعض، فهم في نزاع مستمر وحرب دائمة؛ إن نظرت إلى الحيوانات فهي تتناطح دائمًا، ويفترس القوي الضعيف دائمًا: ذئب يفترس شاة، وسبع يفترس ذئبًا، وهكذا، وميدان قتالهم فسيح لا حد له.

وإن نظرت إلى الإنسان والحيوان وجدت ميدانًا آخر للقتال بديعًا: إنسان يفترس دجاجًا وشياهًا وأنعامًا، وأسد يفترس إنسانًا، وميكروب يفترس هؤلاء جميعًا، وإن نظرت إلى عالم الإنسان وحده وجدت ميادين القتال أروع، والحرب فيها أبرع، ووجدت ما كان في الميادين الأخرى عن غريزة ساذجة، وانفعال فطري، هو في الإنسان وليد الغريزة والعقل معًا، برز العقل في الميدان، فكان أبرع ما كان، عرف كيف يستخدم العلم والطبيعة وكل شيء في الحياة في حروبه، فكان فتكه ذريعًا، وحصده شنيعًا، وسلاحه مبيدًا، واختراعه وبيلًا.

وكل يوم يمد العقل ميادين القتال بصنوف المهلِكات والمدمِّرات، ويعم الميادين من الأرض إلى السماء ومن البر إلى الماء، ويمعن في اختراع الآلات من حجر إلى رصاص، ومن رصاص إلى غازات، ومن غازات إلى ما لا يعلمه إلا الله خالق العقل، ثم هو لا يكتفي بما عرف عن الحيوان من قتال، بل يقاتل في المعاني كما يقاتل في الأجسام؛ فهناك ميادين للقتال في الأخلاق، وميادين في الشهوات، وميادين في النظم الاقتصادية والاجتماعية، فكانت ميادينه لا تحصى، ولا يمكن أن تستقصى!

فإن قلت إنك في كل خطوة تخطوها، وفي كل حركة تتحركها، وفي كل معاملة خلقية ومالية واجتماعية تصدرها، فأنت في ميدان حرب، وإنك كاسب في كل منها أو خاسر، وإنك تظفر بعدو لك أو يظفر بك عدوك، لم تَعْدُ الصواب، ولم تخطئ القول.

ولكن إن اتسعت الميادين بهذا الشكل لم يستطع الكاتب أن يشملها بالكتابة، وأن يعمها بالقول جملة، فخير أن يختار منها ميدانًا يصفه، ويقتصر على شرحه، فلنكنف اليوم بأهم أنواع القتال بين بني آدم.

(١) ميادين القتال

إذا دققنا النظر وجدنا أنها أنواع ثلاثة: القتال بين الأجناس، والقتال بين الأمم، والقتال بين الطبقات.

القتال بين الأجناس

فالعداء بين الأجناس سببه الاختلاف الطبيعي والاجتماعي بينهم؛ فالإنسان من طبيعته العطف والميل والتعصب لمن يشاركه في لونه وملامحه وشعره وملبسه، وقد جرَّ هذا العطف إلى التعاون بينه وبين أمثاله من هذا القبيل، فتقاربوا كذلك في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فتأكدت بينهم الصلة، كما أن من طبيعته الكره والبغض والتعصب على من لا يشاركه في تلك الخصائص الجسمية، فجرَّ هذا الكره إلى عدم التعاون، فتباعدوا في الأخلاق، وفي العقلية، وفي المظاهر الاجتماعية، فبعدت مسافة الخلف بينهم.

وعملت الوراثة والبيئة عملهما في توثيق الصلة بين الأولين، وشدة التنافر بين الآخرين، وأصبح الخلاف بين السود والبيض — مثلًا — ليس خلافًا في اللون وحده، بل خلافًا في العقلية، والأخلاق، وفي الحياة الاجتماعية، وفي النظر إلى الأشياء وتقويمها، وفي الحياة الاقتصادية وغيرها.

وليس القتال بين الأجناس المختلفة الألوان مقصورًا على القتال لتحصيل العيش، بل هو كذلك قتال على السيادة؛ فالجنس الأبيض — مثلًا — يرى أن له من المزايا والصفات ما يؤهله أن يحكم الجنس الأسود ويسيطر عليه؛ وأكبر مظهر لحرب الأجناس المشكلة التي بين البيض والسود في أمريكا؛ فقد بدأ النزاع بينهما من القرن السابع عشر، وما تزال هذه المشكلة إلى اليوم أهم مشاكل الولايات المتحدة.

والنظريات العلمية تتنازع بينهما تنازع الجنسين أنفسهما؛ فنظرية ترى أن استعداد السود لا بأس به، وأنهم يصلون في الأعمال الاقتصادية والحكومية وفي الفنون إلى درجة ليست بالمنحطة، وأنهم إن لم يبلغوا شأو البيض، فليس لقصر في استعدادهم، وإنما هو لما أحاط بهم من ظروف، ولعزلتهم وعدم معاونة البيض لهم، ونحو ذلك من أسباب، ونظرية ترى أن استعدادهم الفطري ضعيف، وعقليتهم منحطة مهما هيِّئ لهم من ظروف، وأنه مهما أعينوا وسوعدوا فلن يصلوا إلى درجة البيض بحال؛ وعلى هاتين النظريتين ثارت مشاكل فرعية: هل يصح تزواج السود والبيض؟ وإلى أي حد يسمح للسود بالاشتراك في المسائل الاجتماعية والسياسية؟ إلى كثير من أمثال ذلك.

وليس النزاع بين السود والبيض في أمريكا هو المثل الوحيد في النزاع بين الأجناس، فالحقيقة أن هذا النزاع دائرته أوسع مما يظن، فحركة مصر والهند نحو الاستقلال، والعداء بين أمريكا واليابان، وحركة الأمم الشرقية جميعًا نحو التحرر من الاستعمار والانتداب، من أسباب الاختلاف بين الأجناس، ولست أقول إنه هو السبب الوحيد.

وكثير من العلماء يرى أن هذا النحو من النزاع آخذ في الضعف؛ لأنه يرجع إلى العواطف الموروثة التي تبعث على الكراهية، فإذا حلَّ محلها العقل وحسن التقدير وسعة النظر قلَّ هذا العداء، وضبطت هذه العواطف، وأدرك الناس أن هذا النزاع ليس في مصلحة أحد المتخاصمين، ولا في مصلحة الإنسانية، وأن تعاون الأجناس خير لكل مرافق الحياة؛ سواء كانت اقتصادية، أم علمية، أم سياسية، أم اجتماعية.

القتال بين الأمم

وهذا النزاع بين الأمم يرجع عادة أيضًا إلى سببين: سبب نفسي، وسبب اقتصادي؛ فالنفسي منشؤه الاختلاف بين الأمم في الأخلاق والعادات والمميزات والثقافة والتاريخ، والسبب الاقتصادي منشؤه قلة الحاجات بالنسبة إلى سعة الرغبات؛ فخيرات الدنيا أقل من شهوات الأمم؛ ولذلك يشتد النزاع وتتسابق الأمم للحصول على أكبر قسط منها، فيكون الاصطدام.

وهذا النزاع الذي بين الأمم هو بعينه الذي كان بين القبائل أيام البداوة، وبين الأشراف أيام حكم الإقطاع، فلما تكوَّنت الأمم بحكم الظروف بدأ هذا النزاع القبلي والإقطاعي يتحول إلى نزاع أممي، وعظم شأنه بعظم المتحاربين؛ فالقبيلة قليل عددها، ضعيف دخلها، محدودة قدرتها، فلما حاربت قبيلة قبيلة أخرى مثلها كان القتال بنسبة قوتهما، فلما قوي المتحاربون، وأصبحت وحدة الجبهة هي الأمة لا القبيلة، زادت ويلات الحروب وعظم خطرها.

والغرض الذي ترمي إليه الحروب بين الأمم كذلك نفسيٌّ، واقتصاديٌّ؛ فالاقتصادي تحصيل خيرات الأمم المغلوبة وإذلالها وإخضاعها لحكمها، وهذان الغرضان كانا وما زالا يعذِّبان نفوس الشعوب، ويدفعان أفراد كل أمة للتعصب الشديد لأمتهم، والعداء الكامن لغيرهم.

ولكن أخذ يتجلى للناس شيئًا فشيئًا أن هذا القتال لا يحقِّق الغرض منه؛ فمن الناحية الاقتصادية قلَّ أن تساوي نتائج الحرب ما ضاع بسببها؛ سواء في ذلك الغالب والمغلوب، وكل أمة هي في الواقع عامل من عوامل الثروة في العالم، فإذا أُضعفت ضعف إنتاجها، فيتضرر العالم من ضعفها.

ومن الناحية النفسية، لا خير في هذا العداء ولا في هذا التعصب، فهو نفسه يزيد الحالة الاقتصادية سوءًا، ويزيد النار وقودًا، والعلماء القائلون بهذا يتفاءلون بأن العالم صائر إلى أن يفهم هذه الحقيقة فهمًا جليًّا، فتقلُّ الحروب أو تنمحي، فكما كان في القديم إذا خاصمت أسرة أسرة حاربتها، وإذا خاصم فرد فردًا بارزه، ثم ترقَّى الناس فأحلُّوا التفاهم محل القتال، وإذا لم يكن تفاهم فهناك محاكم يخضع لها المتخاصمون، فكذلك يجب أن يكون الشأن في الأمم، لا تتحاكم إلى السيف، وإنما تتحاكم إلى العدل؛ ولكن كلما أمل المتفائلون خيرًا أتت حوادث العالم فخيَّبت ظنهم وأقصت أملهم.

القتال بين الطبقات

كل أمة جاوزت طور البداوة نشأ فيها جماعات ممتازة، وأوضح شيء في هذا الامتياز هو الثروة أو الملكية، وهذه الثروة هي السبب في كل الامتيازات الأخرى؛ فالغنى ينشأ عنه سعة أوقات الفراغ، فليس يصرف الزمن كله في تحصيل القوت، ومتى وجد الفراغ استطاع صاحبه أن يتفرَّغ للعلم أو الفن، وبذلك يكبر عقله، ويرقى ذوقه، فتصبح الطبقات متميزة في الثروة والثقافة جميعًا، والثروة والثقافة تسببان قوة، وهم يستخدمون هذه القوة في مظاهر مختلفة، فتتمايز الطبقات في الثروة والثقافة والقوة وما ينشأ عنها.

وهذا التمايز يورث في الأسر؛ فالأسرة ترث عن عميدها ثروة، وترث جاهًا وقوة، وترث ثقافة، ويمضي الزمان واستمرار الإرث يزيد الفواصل بين طبقات الأمة، فتجد طبقةٌ من الشعب أن ليس لها من الوسائل ما يثقِّفها، ولا من الوسائل ما يحييها حياة طيبة صالحة، ولا من الوسائل ما يمكِّنها من أن تكون لها مكانة في المجتمع، وترى طبقة الأغنياء ممتَّعة بكل هذه الوسائل، فيكون هناك ميدان ثالث من ميادين القتال؛ فكان قتال بين ملوك الأراضي وعبيدهم، وكان قتال بين أصحاب رءوس الأموال والعمال، وكان قتال بين أصحاب الآلات الحديثة والصانعين بأيديهم.

وعلى الجملة، كان هناك قتال بين الأرستقراطيين والديمقراطيين؛ فالأستقراطيون يريدون أن يحتفظوا بثروتهم وبقوتهم وبجاههم، والديمقراطيون يريدون أن يحيوا حياة خيرًا من حياتهم، وهم لا يرضون أن يكونوا عبيدًا، ولا يقنعون بالفتات الذي يتبقَّى من موائد الأغنياء، ولا أن يعيشوا في جهل وظلام، فكان من ذلك صراع، أي صراع، يمتاز عن حرب الأجناس وحرب الأمم بأنه حرب دائم مستمر، لا يظفر أحد الجانبين ظفرًا إلا ويستعد للموقعة التي تليها، وهكذا تنتهي الحياة بين حرب واستعداد للحرب وتوزيع للغنائم.

وقامت النظريات الاشتراكية وغير الاشتراكية تتنازع في المبادئ تنازع الطبقات في الحياة، وكان ظفر الديمقراطية — على الجملة — أكبر، وانتصارهم أنمُّ وأبهر، فحسُنَ مركزهم في الهيئة الاجتماعية، واستطاعوا أن ينالوا حظًّا من التربية والتعليم، وكانوا كلما ظفروا بشيء استخدموه في الموقعة التي تأتى بعده؛ فاستخدموا تعلُّمهم، واستخدموا القوانين المشروعة لهم في تنظيم ساعات عملهم ورفع أجورهم في المطالبة بأكثر مما نالوا، وبحقهم أن يعيشوا خيرًا مما عاشوا، وحاربوا الأفكار الشائعة أن طبقة من الناس خلقت لتحكم وتنعم بالثروة، وطبقة أخرى خلقت لتحكم، وقالوا إن في كل طبقة مزاياها وعيوبها، وفي كل طبقة أناسًا متميزين بفطرتهم واستعدادهم يستطيعون أن يتبوءوا أحسن المراكز ويتحملوا أشق التبعات لو أتيحت لهم الظروف، وهؤلاء موجودون بين الفقراء كما هم بين الأغنياء.

وأهم مظهر للنزاع بين الطبقات كان في تولي شئون الحكم؛ كالنزاع بين طبقة المحافظين وطبقة العمال عند كثير من الأمم، كما كان في كسب الرأي العام بعرض كل فريق حججه وأدلته، وشرح قضيته شرحًا مستفيضًا؛ ليكسب الناس بجانبه ويفوز بتأييدهم له.

وكان أكبر نصر نشأ من هذا النزاع بين الطبقات تقرير حقوق الإنسان، وسيادة المبادئ التي تقرر أن الحكومة إنما وظيفتها أن تخدم كل الطبقات على السواء لا طبقة خاصة، وألا تعير أي التفات إلى انقسام الناس إلى طبقات، وأن تتجه إلى الرأي العام من غير تمييز ولا تحيُّز، وأن تتيح الفرص في التعلُّم والكسب والمناصب للناس على السواء، وأن تنظِّم الشئون الاجتماعية على أساس المساواة لا على أساس الطبقات، وأن تفهم الناس أن قيمة كل فرد إنما هي في شعوره بالواجب وأدائه، لا في الفخر بأجداده وآبائه.

(٢) أساليب القتال

الصراع العقلي أليق الأساليب بالإنسان

أبنت في المقال السابق أهم ميادين القتال، وهي: الحرب بين الأجناس، والحرب بين الأمم، والحرب بين الطبقات، ووعدت القراء أن أذكر في هذا المقال أساليب القتال.

وأساليب القتال كذلك متنوعة الأشكال، متعددة النواحي، ولكن أهمها أيضًا ثلاثة، فلنحصر كلامنا فيها: وهي الحرب، والصراع الاقتصادي، والجدل والمناقشة والحجج والبراهين.

الحرب

لسنا ننكر ما للحرب في تاريخ العالم من أثر كبير في تقدم الإنسان، فالحرب بين الأفراد كان لها أقوى الأثر في تقوية أخلاقهم، والحرب بين القبائل أدت إلى قوة المجتمعات، وإنشاء المدنيات، والحرب بين الأمم أدت إلى شحذ الهمم، والتسابق إلى المجد، والتسامي إلى الكمال.

فالحرب تدمِّر وتفني، ولكن من يبقَ بعدها يكن أصلح للبقاء، وأقوى على احتمال الآلام، فكم من ملايين الأرواح أكلتها، وكم من كنوز الأموال ابتعلتها، ولكنها مع ذلك كله قوَّت أخلاق الشعوب، وعلَّمتها البذل والتضحية، والأمم التي لم تساهم في الحرب ولم تتخلَّق بأخلاق الحرب تفنى وتموت، وقديمًا قالوا: «ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».

وكان أهم ما قدَّمته الحرب للإنسانية أنها علَّمت الشعوب النظام والخضوع لأوامر سلطة قوية تهيمن على شئونها، وتدبر أمورها، فكان من أثر ذلك أن انتقل المتوحشون من حالة همجية إلى حالة استقرار وخضوع لنظام، فتكوّنت الأمم، وتقدَّمت المدنية.

ولكن بتقدُّم الناس في المدنية عظمت ويلات الحروب، وصارت الموازنة بين منافعها ومضارها محل تفكير العلماء، فالحرب عمادها الفتح، وطمع الفاتح في الثروة من مال «المفتوح»، ولكن هذا الأسلوب في تحصيل الثروة — إذا نظر إليه من الناحية الإنسانية — أسلوب فاسد؛ فالثروة المشروعة هي الثورة بالإنتاج أو في مقابل إنتاج؛ كالذين يربحون من تجارة أو صناعة أو نحو ذلك، أما ثروة الحرب، فثروة من جنس ثروة الغاصب أو السارق أو المقامر، وهي كذلك تحرِّك في نفوس الفاتحين نزعات الطمع والقسوة والبغض وحب التدمير وغير ذلك من أوصاف تحتقرها الإنسانية، ثم هي تشغل الأمم المتحاربة وتصدها عن التقدم الحقيقي، فهي تقضي زمانها الحربي في حرب، وزمنها السلمي في استعداد للحرب وإصلاح لما أفسدته الحرب، وفي ذلك بلاء عظيم.

ولقد كانت الحرب العظمى الأخيرة مجالًا صالحًا لدراسة العلماء نفعها وضرها؛ إذ كانت مواد الدراسة فيها متوافرة، وكانت أسبابها ونتائجها ماثلة بين أعينهم، وكانت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية قد تقدمت تقدمًا عظيمًا، فاستطاعوا من ذلك كله أن يلقوا ضوءًا قويًّا على مقدار ما استفاد العالم منها وما خسر.

لقد رأوا أن خسارة العالم منها كانت أكثر من الربح بدرجة عظيمة، وأن أضرارها تفوق ما كان في الحروب السابقة، وأكبر سبب في ذلك قوة الجبهتين المتحاربتين؛ نعم، إن في كل حرب كان تدمير وخراب، ولكن هذه الحرب كانت أكثر تدميرًا وخرابًا؛ فقبل هذه الحرب كانت الأسس الاقتصادية لكل أمة تكاد تكون مستقلة، فإذا حاربت أمة أمة انتقلت مزايا الأمة المغلوبة إلى الأمة الغالبة في سهولة، وبقدر الغلبة، أما الآن فالأسس الاقتصادية ليست وحدتها الأمة، ولكنها مشتركة بين الأمم — كشركة النفط في العراق تشترك فيها إنجلترا وفرنسا وأمريكا، وهذا هو الشأن في أهم منابع الثروة من صناعة وتجارة؛ فالحرب لا تنقل المغانم من يد إلى يد، ولكنها تهدم البناء على الجميع؛ على الأعداء والحلفاء، وعلى الغالبين والمغلوبين، وعلى المدافعين والمهاجمين، ومن ثم كان الخراب في الحروب الحديثة أتم، والبلاء أعم، هذا إلى اتساع رقعة القتال وعدد المقاتلين؛ فلم يعد القتال بين أمة وأمة — غالبًا — بل إن المصالح المشتبكة جعلت القتال بين نصف العالم ونصفه الآخر تقريبًا، وبذلك كان الخراب في الأنفس والأموال لا يقاس به كل ما سبق من قتال.

لقد أحصى الأستاذ إروين (Irwin) مقدار الخسارة المالية في الحرب العظمى، فكانت حسب تقديره ١٨٦٠٠٠٠٠٠٠٠٠ دولار، وهذا — كما يقول هو — مقدار الخسارة المالية المباشرة، فإذا أضيفت إليها الخسائر غير المباشرة من مثل تخريب الأملاك ووقوف حركة الإنتاج، كان المجموع ٣٣٧٠٠٠٠٠٠٠٠٠ دولار، وكانت الخسارة المالية المباشرة في اليوم الواحد في السنة الأخيرة من الحرب تكلِّف الأمم المحاربة ٢٤٠٠٠٠٠٠٠ دولار، وأحصى بعضهم الخسارة في الأنفس فكانت نحو عشرة ملايين من الجنود قتلى، وبين مليونين وثلاثة ملايين عجزة!

وليس يستطيع كاتب بليغ ولا شاعر مفلَّق أن يصف ما أصاب الناس فيها من هول وفزع وكرب، حتى كان كثير ممن نجا من القتل والجرح غير صالح نفسيًّا لمداومة الحياة، وكثرت بعد الحرب الوفيات، وزادت إحصاءات الأمراض، وورَّث الآباء القاتلون أبناءهم أعصابًا مريضة، وأوصافًا سيئة، ولم يقف الأمر عند هذا، بل إن الحرب هزَّت النظم الاجتماعية من أساسها، فبلبلت الآراء والأفكار في القانون وفي العقائد وفي الأخلاق، وأفقدت الناس ثقة بعضهم ببعض، فساءت الحالة الاقتصادية؛ لأن مبناها الثقة، فكان مصيبة الناس في تزعزع النظم الاجتماعية والمثل الأخلاقية والثقة الاقتصادية، أكبر من مصيبتهم في الأنفس والأموال.

وتحوَّلت كل القوى من قوى بانية إلى قوى مخربة؛ فالعلماء وجَّهوا مجهودهم لاختراع المخرِّبات والمهلِكات، وأموال الأمم التي كانت تعد للبناء صرفت في التسلح واقتناء المدافع المدمرة والغواصات والطيارات، وانتشر الميل إلى التخريب بين أفراد الشعوب، فقد كانت الحروب الماضية حروبًا بين الجنود فحسب، فأصبحت الحرب الأخيرة بين طبقات الشعوب كلها من أطفال ونساء وشيوخ، كلٌّ يعمل أعمالًا حربية تلائمه، فانحل بذلك كثير من أسس المدنية؛ لأن المدنية تقوم على البناء لا على الهدم والتخريب.

أفبعد هذا يستطيع أن يؤمن منصف بخير الحروب ومزاياها؟

لا شك أن العالم الآن في حاجة قصوى إلى تغيير في الآراء السياسية، والنظم السياسية، وإلى تأسيس مشاعر إنسانية لا قومية، وعادات إنسانية لا قومية، وتفكير إنساني لا قومي، وعواطف إنسانية لا قومية، وعلاقات اقتصادية إنسانية لا قومية، وحكومات ترعى هذه المشاعر والعواطف والعادات الإنسانية لا القومية، فبذلك وحده يختتم العالم فصول الحرب، ويحلُّ البناء والتعبير محل الهدم والتخريب، ويسير العالم إلى الرقي بخطى لم يكن لها نظير في الماضي.

الصراع الاقتصادي

وهذا هو النوع الثاني من أساليب القتال، وهو كثير الدوران بين الناس في كل ساعة وأوان؛ فالبائع يصارع المشتري، والمشتري يصارع البائع، والمستهلك والمنتج يتصارعان دائمًا، والعمال وأصحاب رءوس الأموال في صراع دائم، وكذلك ملاك الأرض والمستأجرون، ثم كل طائفة متحدة العمل يتصارع بعضهم مع بعض؛ فالباعة يتنازعون على المشترين، وأصحاب رءوس الأموال يتنازعون على العمال وغيرهم، والملَّاك على المستأجرين وهكذا.

وقد نشأ من هذا الصراع الاقتصادي نتائج كثيرة، بعضها نافع؛ كتحسين الإنتاج وتخفيض الأسعار على المستهلكين؛ إذ لو انعدم هذا الصراع لكان الاحتكار، وفي ذلك ضرر على الناس كبير؛ وبعضها ضار؛ كالذي نشاهد من النزاع العنيف بين العمال وأرباب رءوس الأموال، ومشكلة العاطلين، ومشاكل إضراب العمال، وغيرها.

ومن مظاهر الصراع الاقتصادي بين الشرق والغرب، فمن أهم أسبابه أن الغرب يريد أن يستغل الشرق إلى أقصى حدود الاستغلال، فهو يريده مزرعة والشرق يريد نفسه حرًّا، يريد الغرب أن يرقّي الشرق، ولكن كما يرقِّي المالك مزارعه؛ فهو يساعد على حفر الترع وتنظيم الري وتسهيل المواصلات ونحو ذلك مما يزيد في الثروة؛ لأن هذه الثروة نتيجتها في الغالب وفي النهاية للغرب، ويريد الشرق أن يثقِّف أبناءه على النمط الذي يريده، ويضع لنفسه نظام الحكم الذي يتفق ومصلحته، فيأبى الغرب عليه ذلك؛ لأنه ليس في مصلحة الاستغلال، فيكون من ذلك صدام وصراع كالذي نشاهد الآن؛ نعم، إن هناك أسبابًا لذلك الصراع غير اقتصادية، ولكن السبب الاقتصادي في النهاية أهم الأسباب.

وإذا تغيرت الأنظار الإنسانية التي أبنَّاها من قبل في هذا المثال سهلت هذه المصاعب، وقلَّ هذا الصدام، وساعد الضعفاء على حسن الإنتاج وحسن الانتفاع.

الجدل والمناقشة

وهذا الصراع أدق أنواع الحرب وأظرفها، تقوم فيه الآراء مقام الجنود، وتقوم الحجج مقام السلاح، وتقوم العقول مقام مصانع الذخائر والأسلحة، وفي هذا الصراع الخير كل الخير؛ فقد نتج عنه خير المخترعات، وخير النظريات، وخير العلوم والمعارف، وكان من أثر النزاع بين الآراء معرفة جيدها من رديئها، وصحيحها من زائفها، وكان من أثر النزاع بين النظريات التعادل بينها، وأخذ القدر الصالح من كل منها.

وهذا الجدل والمناقشة بدأ في أول أمره فوضى لا ضابط له ولا نظام، ثم دخله النظام فرقَّاه؛ ففي النواحي السياسية نُظِّمت البرلمانات والأحزاب، كما نُظِّمت المناقشات في الانتخابات، وفي النواحي الاجتماعية الأخرى نُظِّمت جماعات الأديان وجماعات التربية، وفي المحاكم نُظِّمت المناقشة في المحاماة وفي منصة القضاء، ونُظِّمت المؤتمرات لتبادل الآراء، فكان هذا التنظيم داعيًا لحسن التفاهم وزيادة الإنتاج العقلي؛ نعم، قد يشوِّه الجدل التحزب والتعصب واتهام الخصوم بعضهم بعضًا ونحو ذلك، ولكن كلما رقي النوع الإنساني تضاءلت هذه الأشواك، وتجلَّت المناقشة في أحسن مظاهرها.

ثم هذا النوع من الصراع أليق الأنواع بالإنسان، وهو الأمل الوحيد في أن يحلَّ محل كل نزاع وصراع، فيحلُّ بالرأي ما كان يحلُّ بالحرب، ويحلُّ بالجدل والمناقشة ما كان يحلُّ بالإضراب، وما كانت «عصبة الأمم» في أسمى أشكالها وأرقى مناهجها إلا ضربًا من هذا، ونزوعًا إلى تحكيم العقل بدل تحكيم السلاح، وإحلال الرأي محل السيف.

لقد كان التباهي قديمًا بقوة العضلات وكبر الحجم، فكانت المشاكل تحل بالقوة؛ بقوة الجسم والسلاح، ثم نمت في الإنسان قوة عليا غطَّت على القوة الأخرى، وهي «قوة العقل»، فلمَ لا يكون التحاكم إليها والقول الفصل لها؟

إنما الحرب أثر من آثار القوة المادية، ونزعة عتيقة من نزعات القرون الأولى، ولم يعد يليق بمقام الإنسان من أنواع الصراع إلا صراع الآراء والأفكار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١