الفصل الثامن والعشرون

عبادة الماضي

أتظن أن الناس يعبدون إلههم وحده؟ ويقيمون له الشعائر وحده؟ ويطيعونه ويعظمونه وحده؟

كلا، إن هناك معبودًا آخر للناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، يطيعونه ويخضعون له، ويقدسونه ويصدرون عنه فيما يفعلون ويتركون، وهو الماضي الحافل بتقاليده وأفكاره وأعماله.

لئن كانت ميزة الإنسان الكبرى هي تطوره وقدرته على التغيير والتحسين والتجديد، فإن فيه عنصرًا قويًّا موروثًا من أصله الحيواني، هو عنصر الثبات والاستقرار، وبقاء القديم على قدمه.

هل رأيت القطيع من الغنم يسير أمامه حمار يهديه ويرشده، فإن سار الحمار يمينًا سار القطيع يمينًا، أو يسارًا فيسارًا، وإن قفز عقبة قفز كل القطيع وراءه، واحدة بعد أخرى؟

في الإنسان شبه كبير من هذا المنظر، فهو في أغلب أعماله لا يعمل العمل أو يتجنبه لأنه وزن منافعه ومضاره وحسب نتائجه، ولكن لأن من قبله من الناس عملوه أو تركوه، والجيل اللاحق يتبع الجيل السابق بالتقليد؛ كقطيع الغنم في سيره وفي قفزه.

•••

ماذا نأكل وماذا لا نأكل، وماذا نشرب وماذا لا نشرب، وكيف نأكل ونشرب، وماذا نلبس وكيف نلبس، وكيف نحترم وكيف نحتقر، وكيف نبدأ التحية وكيف نردها، وما الأعداد التي نتشاءم منها والتي نتفاءل منها، ولمَ نحارب وكيف نحارب، ونظام الحكومة وكيف يكون، وأساليب الشعراء في شعرهم وبحور الشعر وأوزانها، وأساليب النثر، وآداب اللياقة، واحترام الأغنياء واحتقار الفقراء، وآلاف الآلاف من الأمثلة في الحياة المادية والسياسية والفنية والاجتماعية والعقلية والاقتصادية، لم نفعلها لأننا درسناها وعرفنا خيرها وشرها، ولكن هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وإنَّا على آثارهم لمقتدون.

وليس يستطيع أن يظهر فوق لجة الماء، ويكافح ضد التيار، إلا أفراد أقلَّ من القليل، يظهرون على توالي الأجيال، ويستطيعون أن يكفروا بعبادة الماضي، وأن يزنوا الأمور بقيمتها الذاتية، لا بالتقاليد المرعية، ويفرقوا بين السخيف والمعقول، وما يستحق البقاء وما يستحق الإعدام من النظم والأفكار والعادات؛ كم من آلاف السنين مضت قبل أن يرى الناس عبادة الأصنام سخف، وأن استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان عار … وكم من آلاف السنين مرت ولمَّا يدرك قادة الأمم أن الحرب وحشية! وهكذا.

من البديهيات أن كل نظام يوضع يجب أن يكون لخير الأمة، وأنه يجب أن يُبحث ليُتبيَّن خيره، وأنه إذا تبيَّن نفعه يجب أن يبقى، وإذا تبين ضرره يجب أن يُلغى، ولكن هذه البديهيات العقلية في ناحية، والعمل الذي يجري عليه الناس في ناحية أخرى، وقلَّما يعملون ما يعقلون، إنما يعملون ما يقلدون.

تقدم الغرب في هذا الباب خطوة، فوضع كثيرًا من الأشياء المادية في «المعمل»، وأجرى عليها الاختبار والتجارب، وأصغى إلى نتيجة الاختبار والتجارب، فقلب زراعته وجعلها على أساس العلم لا على أساس التقاليد، وكذلك فعل في الصناعة، واخترع أدوات الحضارة، ولكنه لم يضع في «المعمل» النظم الاجتماعية والآراء السياسية والاقتصادية ووسائل السلم والحرب، ولم يجرِ عليها الاختبار والتجارب كما فعل في المادة، ولا يزال يصغي فيها إلى صوت التقاليد ولا يزال يعبد الماضي.

•••

أما الشرق، فغلبت عليه عبادة الماضي في الماديات وغيرها، فلا يزال يزرع كما كان يزرع أجداده، ويصنع كما يصنع أجداده، ويخضع للنظم المالية والسياسية والاقتصادية، كما كان الشأن في القديم، إلا في القليل النادر، ومع هذا، فكلٌّ من الشرق والغرب يعبد الماضي، وإن اختلف مقدار العبادة ووجهها … ولو وفِّق الناس إلى من يهديهم أن يضعوا كل شيء، وكل مشروع، وكل اقتراح في «أنبوبة الاختبار»، ويقيسوه بمقياس المنفعة العامة، لا بمقياس عبادة الماضي، لقفز العالم إلى الأمام قفزة واسعة، وحقَّق كثيرًا مما يرجو من سعادة.

•••

إن العالم الآن مختل التوازن، وسبب هذا الاختلال أنه وزن بعقله بعض الأشياء، وسار عليها بمقتضى العقل، ووزن بعض الأمور بميزان الشعور الصحيح الصادق، وسار عليها بمقتضى الشعور، ولكنه في نواحي السياسة والاجتماع والاقتصاد لا يزال مقيَّدًا بعبادة الماضي، فكان كمن فُكَّت يداه، ولا تزال مغلولة قدماه.

ما هذا الفزع الذي استولى ويستولي على نفوس الناس؟ ما هذه الضحايا التي بذلت في الحروب؟ ما هذه الفوضى والاضطرابات المتفشية في كل أنحاء العالم؟ لا سبب لهذا كله إلا أصنام يعبدها الناس؛ وخاصة قادة السياسة ورؤساء الحكومات وزعماء رجال الأعمال والأموال؛ وأحد هذه الأصنام وأضخمها، صنم اسمه الاستعمار والتوسع في الفتح والملكية، فالأمم الفائزة في الحرب تتسابق في عبادة هذا الصنم من غير تفكير، إلا أن السابقين عبدوه من قبل فليعبدوه هم، ولكن هل بحثوا بحق وعدل واطمئنان فوائد الاستعمار ومضاره حتى للمستعمرين أنفسهم؟

ما هي النتيجة لو حسب ما يستغله الفاتحون من أموال المفتوحين، وماذا يكلِّفهم ذلك من نفقات الجيوش والأسلحة في السلم والحرب، وما يكلفهم من ضحايا في الأنفس بجانب الضحايا في المال، فضلًا عن الحزازات النفسية الدائمة؟ الاستعمار لهذا الغرض — والنتيجة لا محالة أن الأضرار أكبر من المنافع — أم الاستعمار للحصول على المواد الخام من الأمم المفتوحة؟ فهل حسب حساب الفروق بين احتكار المواد الخام، وجعلها عرضًا مشاعًا للجميع فيشتريه كل من قدر عليه، وما يسببه الحل الأول من حرب، وما يسببه الحل الثاني من سلم؟ وهل بُحثت العلاقة بين الاستعمار وسعادة الأمم فرئي أن سعادة الأمة بقدر ما تستعمر؟

الحق أن هذه المسائل وأمثالها كلها تُبحث في «المعامل» كما بٌحثت المسائل المادية، وإنما فعلها الأولون لبقايا وحشية فيهم، وفعلها الآخرون عبادة للصنم القديم.

•••

وقلْ هذا في النظم الاقتصادية، فهي لمنفعة الأقوى لا منفعة الأحق، وهي تساعد السلَّاب النهَّاب على السلب والنهب، أكثر مما تساعد المستقيم العفيف على نيل حقه.

وإنما يمنع من تغييرها مع ظهور خطئها أنها صنم قديم يعبد، وليس من يشجع على تكسير الأصنام.

ومن عجيب الأمر أن عبَّاد الأصنام القديمة أسعد بالًا وأكثر اطمئنانًا، ويصفِّق لهم ويرحِّب بهم مَن يشقى بنظامهم، فإذا دعا داعٍ إلى كسر الصنم، ووزن الأمور بميزان العقل، ووضع المسائل في «المعمل» تحت التجربة والاختبار، فهو المغفل، وهو الخائن، وهو الذي يُرجم بالحجارة، ومما يزيد الأمر سوءًا، أن زمام العالم في يد حفنة من الناس تسيِّرهم النزعات القديمة وعبادة القديم؛ إما عن اعتقاد منهم أو لضغط البيئة عليهم، ودعاة «المعمل» والاختبار لا شيء في أيديهم، ودعاة الأصنام القديمة كل شيء في أيديهم.

ألا تستطيع كل الأهوال التي لقيها الإنسان في هذه الحرب — وما كان أقساها! — وما يجد الآن من وفوضى وقلق واضطراب وفزع، أن تكشف الغطاء عن بصره، فيرى أنه كان مفتونًا بعبادة أصنام لا تضر ولا تنفع، وأن عبادتها سبب كل ما هو فيه من شقاء، فينتقم منها ويحطمها، ويرى أن الحق وحده — لا القديم — أولى بالعبادة؟!

هذا هو الأمل الوحيد، وإلا فويل للإنسان!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠