الفصل الخامس والأربعون

رسالة المرأة العربية

لا شك أن رسالة المرأة جليلة الخطر، فلا تصلح نهضة لأمة ما لم تعتمد في أساسها على المرأة؛ لا لأنها تكون نصف الأمة فقط، ولكن لأنها هي التي تربي الأمة كلها.

وإذا كانت النساء تُكثر في مؤتمراتها ودعواتها من ذكر حقوقها والمطالبة بها، فليحسن لنا أن نُكثر من ذكر واجباتهن، فخير ما يمهد لهن كسب حقوقهن عنايتهن بأداء واجبهن.

وواجب المرأة العربية ورسالتها أشق وأصعب من واجب مثيلاتها في الممالك الأوربية المتمدنة؛ إذ عدد المتعلمات المثقفات في بلاد العرب قليل جدًّا إذا قيس بعددهن عامة، ولا تنظروا إلى عدد قليل مثقف في المدن، فهؤلاء لا يمثل المرأة، إنما الذي يمثلها النساء الفلاحات في القرى والأرياف.

إن المرأة العربية التي تقدمت هي المرأة التي دخلت المدارس وتعلمت تعليمًا ثانويًا أو عاليًّا، ولكن كم عدد هؤلاء بجانب السواد الأعظم من النساء اللاتي لا زلن على حالهن منذ القرون الوسطى، بل منذ التاريخ القديم.

إن الذي يمثل مصر — مثلًا — ليس خريجات الجامعة، ولكن نساء دهشور وبوصير ونجع حمادي وشلشمون، وليس الذي يمثل مصر شوارع الأهرام «بفللها» الجميلة، ولكن أكواخ الفلاحين بجاموسها وبقرها، والذي يمثل المرأة حقًّا ليست ملابسها الجميلة خارج البيت ومظاهرها الأنيقة في المجتمعات، ولكن الذي يمثلها حقًّا هو معيشتها داخل بيتها.

فعلى هذا الأساس نرى أننا لم نتقدم كثيرًا في رجالنا ولا نسائنا، فلا تزال الجمهرة من الرجال أميين، والنساء أكثر من ذلك، ولا يزال نحو هذا العدد لا يجد الماء النظيف الذي يشربه، والمسكن النظيف الذي يسكنه، والنور الصالح الذي يستنير به؛ ولقد دخلت في قرية في سويسرة بيتًا لبقر فلاح، فرأيته على أتم ما يكون من النظافة، مضاء بالكهرباء، غُطِّيت أرضه بالخشب لينام عليه البقر، وعملت فيه مجارٍ كقنوات يجري فيها ما يخرج منه، فقلت متى يكون لفلاحينا وعمالنا وفقرائنا بيوت كبيوت البقر السويسري.

لست يائسًا، فالنهضة الأوربية ليست إلا بنت ثلاثة قرون، والنهضة النسائية في أوربا ليست إلا وليدة قرن ونصف، فقد كانت المرأة في أوربا تعد سلعة من السلع، وفي بعض الأماكن كان لزوجها الحق في بيعها، وكان خير ما ينظر فيه إلى المرأة أن ينظر إليها كما ينظر إلى الطفل يدلل ويضحك منه ولا يعتمد عليه.

وتاريخ المرأة في العالم يكاد يكون قصة قصيرة واحدة في الضعف والتحول والارتقاء، فليست أوربا عجبًا من العجب، أو أنها خلقت من طبيعة غير طبيعتنا يستحيل علينا بلوغ شأوها، فلدينا من الاستعداد الطبيعي والبيئة الطبيعية وموارد الثروة ما يمكِّننا من أن نبلغ مبلغهم في رجالنا ونسائنا، لو حفَّزنا الهمة، وبذلنا الجهد، وضاعفنا السير إلى الأمام في ثبات وحزم.

مرت الأسرة الأوربية بالدور الذي مررنا به، وهو نظام الأسرة الأبوية الاستبدادية التي كان فيها الأب السيد الأعظم الآمر الناهي المتصرف الوحيد في البيت وشئونه، والمرأة ليس لها حق بجانب حقوقه، بيده المال، وبيده الإدارة، وتخليق المرأة والأطفال بالأخلاق التي يراها، ثم تغيرت الظروف الاجتماعية فتغير مركز المرأة، ويرجع هذا التغير إلى أمور؛ أهمها التطور الاقتصادي، فانهدم النظام الإقطاعي وتقدمت الصناعات، والنظام الإقطاعي والمعيشة الزراعية تساعد كثيرًا على تثبيت سلطة الآباء، فلما انهدم النظام الإقطاعي ورقيت الصناعات ضعفت سلطتهم؛ ومنها انتشار الثقافة بين أفراد الشعوب؛ وخصوصًا نوع الثقافة الذي يُشعر الإنسان بحقوقه وواجباته: من حقها أن تتعلم ومن حقها أن تكون شريكة الرجل في البيت لا خادمته.

ومن ذلك الحين اتجهت الأسرة إلى طلب المساواة وتحقيقها شيئًا فشيئًا، حتى كاد أن يطلب الرجل المساواة، وجاءت الحرب الماضية فساهمت المرأة الأوربية في تحمل أعبائها، فنالت بعد الحرب كثيرًا من مطالبها؛ ومنها دخول الجامعات الذي لم يتم في بعض جامعات إنجلترا إلا سنة ١٩٤٥، وها هي في هذه الحرب تقدمت خطوات في المشاركة فيها، فلا بد أن تتقدم خطوات بعد الحرب في الكسب.

هذه هي قصة المرأة الأوربية، وهي بعينها قصة المرأة العربية، وإن كان جزء كبير من التقدم نشأ من العدوى أكثر من نشوئه من التطور الطبيعي للحياة الاجتماعية العربية.

ومما لا شك فيه أن تقدم المرأة في العشرين سنة الأخيرة كان تقدمًا عظيمًا، فأذكر أنه في سنة ١٩٢٦ حين عُينتُ مدرسًا في كلية الآداب، لم أرَ مصرية واحدة تستمع لدرسي إلا بنات المرحوم الدكتور علي إبراهيم رامز، وكانت أمهن ألمانية، فتساءلت هل أعيش حتى أرى مصرية تحضر دروسي في الجامعة، وكان الأمر أسرع مما كنت أتوقع؛ فالفتيات المصريات يملأن الكليات، ويسابقن الشبان في ميدان العلم.

ولكن يؤخذ على حركة التقدم هذه أمران؛
  • الأول: أنها تكاد تكون حياة محصورة في المدن لم تنتقل إلى المدن الأخرى والأرياف؛ ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الحركة النسائية شاملة، بل وُجد عندنا طبقتان متميزتان جدًّا؛ إحداهما في السماء والأخرى في الأرض، وليس كذلك الشأن في الأمم الراقية؛ فهناك تقارب في التفاهم بين نساء الشعب، ومقدار لا بد منه في الثقافة لكلهن، أما الشأن في الشرق؛ وخاصة في مصر، فنظام الطبقات واضح جدًّا: متعلمة جدًّا أو جاهلة جدًّا، ولا قدر من الثقافة إجباري عام، فمثله مثل الغني جدًّا بجانب الفقير جدًا، والقصر الشاهق بجانب الكوخ الحقير.

    ولا تكون الحركة النسائية صادقة حتى تكون عامة وإن اختلف مقدار الثقافة، ولست أبرئ الرجال من هذا العيب، فشأنهم في مصر كذلك: فيلسوف ومن لا يعرف أن يكتب اسمه.

  • والأمر الثاني: الذي يؤخذ على حركة التقدم النسائي: شعورهن بالمظهر أكثر من الحقيقة، فليس السفور معناه كشف الوجه وغشيان دور السينما والتمثيل بمقدار ما معناه ألا يكون هناك فارق في العقلية، ولا فرق في العمل بين الرجل والمرأة، فإذا جالستِ المرأة الرجل فالندُّ للندِّ، وإذا ألقي العبء على المرأة بوفاة زوجها أو عائلها استطاعت أن تعمل وتكافح في الحياة، وقد يكون المثل الصادق للسفور الحق ما قامت به النساء المصريات في مكافحة الملاريا، وجمعية مكافحة السل، والمتبرعات للتمريض ونحو ذلك، على أنه مما يبشر بالخير ما نرى من تطور طبيعي نحو شعور المرأة بمسئوليتها، ونأتي إذن إلى النقطة الجوهرية، وهي مسئولية المرأة ورسالتها.
أول رسالة للمرأة: عنايتها بالأسرة، والأسرة تقوم بوظائف عديدة اقتصادية وسياسية ودينية، ولكن أهم عمل لها أنها مربِّي للطفل، ففي الأسرة يأكل الطفل، ويلبس، ويسكن، ويحافظ عليه من الأحداث، ويتعلم دروس الحياة الأولى التي تلازمه طول حياته، وما الحياة خارج المنزل؛ في المدرسة أو المصنع أو المتجر أو الجامعة أو في الحياة العامة، بعد أن يمارسها إلا نتيجة للبذرة الأولى التي بذرتها الأم في البيت، فالأم في البيت ترسم في ذهن الطفل رسمًا ثابتًا، المثل الذي سيتبعه في حياته، فإن عدلت الحياة العامة فيه ففي العرض لا في الجوهر.

فالإصلاح الحقيقي للأمة إصلاح المرأة، إصلاح الأم، فالألماني والفرنسي والإنجليزي والروسي ليس طابعه كما نرى إلا بأمه، وأكثر العيوب التي نراها في الأمة ترجع في الحقيقة إلى البيت؛ فخصامنا في الشارع، وفي المدرسة، وفي المجتمعات، صورة لخصام الأب والأم في البيت، وعدم ضبط العواطف في المعاملة صورة لعدم ضبط عواطف الأب والأم في البيت، والكذب في الخارج من الكذب في الداخل، وجبن الابن من جبن الأم، والأنانية المفرطة في الخارج من دروس الأنانية في البيت، وهكذا وهكذا، كثرة وفيات الأطفال وكثرة أمراضهم راجع إلى البيت، إلى الأم.

في مصر الآن نحو ستة ملايين من الأطفال بين سن ٢١، ١٥، وهذه السن عادة تكون ثلث السكان، فتصوروا حالهم إذا كان كثير من أسرهم مصابين بالجهل والفقر والمرض، كيف تكون حالتهم العقلية والخلقية والجسمية، وتصوروهم وقد صلحت حال أسرهم في الثقافة والقدرة المالية والصحة الجسمية، كيف يصبح هؤلاء الأطفال نواة جيل جديد خير ألف مرة من جيلنا؟!

أكثر هؤلاء الملايين الستة يعيشون في بيوت الفلاحين القذرة الفقيرة التعيسة، وسط آباء وأمهات جهلة، يرضعونهم مع اللبن الأمراض والجهل والتخريف، ثم ليس في الأمة من يأخذ بيدهم أو يلتفت لحالهم، وجزء كبير من ميزانية الدولة يُصرف فيما يعد ترفًا بالنسبة لهذه الحال، وجزء كبير من مجهود المصلحين والعاملين إنما يذهب إلى العدد القليل من الأمة، وهو طبقة الأرستقراطية، فالأدب الذي ننشئه، والجرائد والمجلات التي نحررها، ونحو ذلك كله للطبقة الأرستقراطية ماليًّا أو علميًّا، والسواد الأعظم من الأمة متروك وشأنه للفقر والجهل والمرض، فلم يعمل شيء يذكر لهذه الملايين الستة الذين هم عماد الأمة في جيلها الآتي.

فلو وجَّهت الجمعيات النسائية جهدها إلى هذه الناحية لأتت بالخير الكثير، هي من غير شك لا تستطيع أن تقوم بإصلاح أطفال الفلاحين والصناع وحدها، ولكنها تستطيع مطالبة الرجال والحكومة بالعمل على مكافحة الأمية ورفع مستوى المعيشة، وصوتهن مسموع ما دام الرجال لا يصرخون من سوء هذه الحال.

بل إنهن يستطعن المساهمة في العمل — متى أسست الجمعيات لرعاية الأطفال — بالتطوع لتعليم الأطفال، وبإرشاد الأمهات الجاهلات في البيوت كيف يحافظن على صحة الطفل ويرعينه.

وأذكر أني قرأت مرة عن امرأة سوداء في أميركا، استطاعت أن تغير حالة السود بإنشاء جمعية من بني جنسها، كانت هي وجمعيتها تتنقل في قرى السود، فيدخلن القرى يعلِّمن أهلها كيف تُرعَى الصحة، وكيف يٌنظَّف المسكن، وكيف يُرتَّب، ويقمن بالعمل في بيت من البيوت ليكون نموذجًا، فهذا موضع للفراخ، وهذا موضع لكذا، وهذا موضع يمكن أن تنشأ فيه حديقة للمنزل، ويزرعنها فعلًا، حتى إذا وضعن النموذج للقرية، انتقلن إلى غيرها، وهكذا.

هذا مثل من أمثلة السفور الحقيقي للعمل الحقيقي، إن الرجال لصوت النساء أسمع، والإصلاح على يدهن أسهل، فمتى اتجهن إلى هذه الجهة من الإصلاح خجل الرجال من أنفسهم، وضاعفوا جهودهم، ولبَّت الحكومة طلبهن أكثر مما تلبي طلبهم.

أليس من العار علينا أن أغلب فلاحينا — وهم السواد الأعظم — لا يجدون ماء صالحًا للشرب، ولا الغذاء الضروري للقوت، ولا الكساء الضروري للملبس، في بلاد غنية كبلادنا؟! وفي هذا الوسط ينشأ الأطفال في الأسر، ومع هذا كله نفكر في توسيع شارع في القاهرة، أو غرس أشجار على جانبي الطريق، فيكون مثلنا مثل من عضه الجوع ومعه قرش فاشترى به وردة.

ما أقسى حالة الأطفال البائسين ممن يموت عائلهم ولا يترك لهم شيئًا، وممن وقعوا في أسْر أسَر فقيرة، وممن أصيبوا بأب مجرم أو أم غير صالحة، أو ممن هدمت الأسرة عليهم بسبب الطلاق! فأين هي الحكومة، أو الجمعيات التي ترعاهم؟ وقد يكون من بينهم المجرم الذي يخسر الأمة خسارة لا تقدر بإجرامه، وقد يكون منهم النابغة الذي قد يسدي إلى الأمة من الخير ما لا يقدر.

ليس أمر هؤلاء مما يصح أن يُترك، فعلى الحكومات أن تضع لهم من النظم والمال ما يكفل لهم العيشة الصالحة.

الأمر الثاني من «رسالة المرأة»: المساهمة في الخدمة الاجتماعية، والمرأة في هذا الباب تستطيع بما منحتها الطبيعة من قوة في العاطفة وفضيلة الشفقة والرحمة والعطف وإصغاء الناس لهن أكثر مما يصغون للرجال، أن ينجحن فيه أكثر مما ينجح الرجال.

وأهم أبواب الخدمة الاجتماعية ثلاثة: مكافحة الفقر، ومكافحة الجهل، ومكافحة المرض.

والفقر في مصر عدو خطير يصيب أكثر أفراد الشعب، في كل قرية أفراد معدودون هم الذي يستطيعون أن يعيشوا بدخلهم، والباقون لا يجدون ما يأكلون وما يلبسون، ولا يغرنَّكم القصور الفخمة والبيوت الكبيرة، فهي كالشعرة البيضاء في الفرس السوداء، وبعض البلاد فقرها طبيعي؛ لقلة ما تنتج، وسوء البيئة الطبيعية حولها، ولكن مصر — ولله الحمد — ليس فقرها من طبيعتها، ولكن من سوء توزيع ثروتها من ناحية، ومن عدم الاستغلال الجيد من ناحية أخرى، ومن عدم صلاحية السكان لكسب العيش من ناحية ثالثة.

وفقر الشعب هو العقبة في سبيل كل إصلاح تعليمي أو اجتماعي أو سياسي، وإذا زال الفقر في أمة صلحت وتقدمت في جميع النواحي، بل المرضين الخطيرين في المجتمع؛ وهما الجهل والإجرام، كثيرًا ما يكون سببهما الفقر، وأسباب الفقر هي أسباب انحطاط الإنسانية، والفقر قد يكون سببه من الفقير نفسه؛ لضعف كفايته العقلية والفنية والجسمية، وقد يكون سببه من الخارج؛ أعني سوء الحالة الاقتصادية في البلاد، ولا أطيل في هذا؛ فالموضوع طويل معقد أوسعه العلماء بحثًا.

ولكن موضوعنا ماذا تستطيع المرأة أن تعمل في هذا الباب: من قديم والفقر يُعالَج بالإحسان، وفكرة الإحسان مبنية على أساس أن القادر يُعِين غير القادر، ومن رزقه الله بسطة في المال يعين من حرمه منه، وهذا هو الشائع إلى الآن؛ يرى الرجل فقيرًا مسكينًا أو امرأة مسكينًا فيخرج من جيبه قرشًا وينتهي الأمر، ولكن هذه النظرة إلى الإحسان تغيرت، وأهم تغير فيها ناحيتين؛ ناحية أن المسألة لم تعد مسألة إحسان، والفقير ليس فقيرًا بالقدَر، والغني ليس غنيًّا بالقدَر، ولكنه سوء النظام الاجتماعي.

والفقير ليس يطلب إحسانًا، ولكنه يطلب حقًّا له على الأمة وعلى الحكومة، هو يطلب أن يضمن له معيشة هي أقل ما يطلب لإنسان، له الحق أن تكفل له الحكومة مستوى من المعيشة لا ينزل عنه في مأكله وملبسه ومسكنه ومشربه، هو العيش الضروري الذي لا يصح أن يعيش أقل منه، فإذا لم تفعل الأمة والحكومة ذلك فقد اغتصبته حقه لا أنها منعت عنه الإحسان.

ولا بد أن تكونوا قد سمعتم بمشروع بيفردج وغيره من المشروعات، مما أسس على هذه النظرة، ومن أهم وسائل تحقيق ذلك الضرائب التصاعدية.

ومع هذا فالناحية الأخرى لم تنعدم، وهي ناحية الإحسان، ولكنه الإحسان المنظم لا الإحسان الفردي، وقد قطعت الأمم الحية شوطًا كبيرًا في تنظيم الإحسان، وأهمه نظام «همبرج» الذي وُضع للفقراء والعاطلين، ومقتضاه تنظيم مكتب رئيسي في كل مدينة للنظر في شئون الفقراء، وتقسيم المدينة إلى أقسام، وتعيين مشرف أو مشرفة على الفقراء في كل قسم وظيفته درس أسباب الفقر في كل أسرة، وإعانة العاطلين على إيجاد عمل لهم، وإنشاء مدارس صناعية لأولاد الفقراء، ومستشفيات لمرضاهم، ومن أراد الإحسان فليحسن إلى هذه الجمعيات لا إلى الأفراد … إلخ، وقد عمِّم هذا النظام في أوربا كلها، وأُدخل عليه تعديلات كثيرة، وأهم ما عني به هذا النظام العناية بأولاد الفقراء أكثر مما عني بالفقراء الكبار؛ لأن في إصلاحهم القضاء على الداء من أساسه.

والمرأة العربية تستطيع أن تساهم في هذا الإحسان، فتنظِّمه وتقوم عليه، وقد قامت «فعلًا» بقسط لا بأس به في هذا الباب، فدعت المرأة إلى التبرعات للمشروعات الخيرية الكثيرة، وساهمت في الإحسان تبرعًا وجمعًا، ولكن ألاحظ أنها أجادت في تنظيم الدعوة إلى التبرعات أكثر مما أجادت في تنظيم الإنفاق، وحبذا لو أنشئت جمعية نسائية نموذجية تشرف على فقراء حي من الأحياء البلدية، تكون مهمتها معالجة الفقر والبؤس، حتى إذا جُرِّبت ونجحت عُمِّمت في أنحاء القطر.

أما نصيب المرأة في مكافحة الجهل فلا يزال قليلًا، وشأنهن في ذلك شأن الرجال، وقد وضعت الحكومة المصرية مشروعًا لمكافحة الأمية لم ينفذ بعد، وهو تحت نظر وزارة الشئون الاجتماعية ونرجو — عند البدء في تنفيذه — أن تساهم المرأة المتعلمة فيه بنصيب كبير، فماذا يمنعها أن تتطوع لتعليم بنات الفقراء وبنات الشارع، ويتفق كل ثلاثة أو أكثر على فتح مكتب لتعليم الأميات، ويطلبن من وزارة الشئون إعداد المكان لهن، وإمدادهن بكل وسائل التعليم وأدواته، فيكون لهن فضل كبير في مكافحة الأمية.

ثم هن يستطعن تأليف جمعيات تجوب البلاد وتلقي المحاضرات في الشئون النسائية، وهذا — من غير شك — يكون عملًا واسع الأثر لو قامت وزارة الشئون الاجتماعية بتوزيع الراديو على القرى، إلى غير ذلك من أعمال ثقافية في استطاعتهن القيام بها، فحتى الآن لم نجد مجلة نسائية تخاطب المرأة المصرية فيما يفيدها.

أما الناحية الثالثة، وهي مكافحة المرض، فإنَّا — من غير شك — نرحب بما قامت به المرأة المصرية في مكافحة الملاريا، ومكافحة السل، والتمريض في المستشفيات، ولكن لا يزال أمامهن فسيحًا في هذا الباب؛ وخصوصًا من ناحية مرض الأطفال الذين لا يستطيع آباؤهم القيام بنفقات أمراضهم.

وليس من الحق اعتذارهن بقلة المال، فكما أن من واجبهن جمع المال من طريق التبرعات، كذلك من واجبهن مطالبة الحكومة بإنشاء ما يرين إنشاءه لمصلحة الأمة.

وبقيت مسألة أخيرة في رسالة المرأة: وهي أنها الرسول الذي بعثته العناية الإلهية لنشر السعادة في المجتمع، وفي الحق أن ما لا يقل عن تسعين في المئة من سعادة الأمة يرجع إلى المرأة، وقد زرت أوربا مرتين زيارتين قصيرتين فتساءلت بعدهما ما الفرق بين الشرق والغرب؟ فكان الجواب كلمة واحدة: «المرأة».

تستطيع المرأة أن تكون سعادة الأسرة وسعادة المجتمعات، وبلسمًا لجراح الأمة، وأداة فعالة في بناء نهضتها.

المرأة هي مبعث حياة الأمة، فإذا قصَّرت فهي مبعث شقائها، هي مبعث الإصلاح السياسي والاجتماعي، هي روح الفن، هي التي تستطيع أن تجعل الرجال رجالًا، وأن تجعل الأطفال أبناء الله لا أبناء الشيطان.

أتعلم المرأة لم خلقها الله؟ إنما خلقها لتخلق من الرجال عظماء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠