الفصل السابع والأربعون

مشاكل الشباب وكيف تعالج

من أكبر مظاهر المدنية الحديثة عنايتها بمظاهر الطبيعة، وتحليلها ودرسها درسًا عميقًا، ومعالجتها على أسس علمية؛ سواء في ذلك طبيعة الكون وطبيعة المجتمع وطبيعة الإنسان، فهي تؤمن إيمانًا قويًّا بنظرية «الأسباب»، فمهما حدث في الكون فلا بد له من سبب معقول، ولا يحدث شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تسقط ورقة من أوراق الشجر ولا يهب نسيم ولا تموج موجة، إلا بسبب، وغاية الأمر أن بعض الأسباب عرفناها وفهمناها، وبعضها لم نعرفها ولم نفهمها، ونحن سائرون إلى معرفتها وفهمها.

ومما اتجهوا له اتجاهًا بديعًا نفسية الأطفال ونفسية الشبان؛ فالإنسان ككل كائنات العالم لا ينفعل ولا يتأثر ولا يؤثر إلا بسبب، وهذا السبب يمكن فهمه إذا دققنا النظر ودرسنا الإنسان على أنه جزء من طبيعة الكون، خاضع لقوانينها، سائر على مناهجها.

إذا بكى الطفل فلا بد من سبب لبكائه، وإذا مرض فلا بد من سبب لمرضه، وكذلك إذا انفعل أي انفعال، أو ساء سلوكه أو حسن، وإذا صدق أو كذب، وإذا كان هادئًا رزينًا، وإذا كان مرحًا لعوبًا، فعالم النفس يستطيع أن يعلل ذلك تعليلًا معقولًا، وإذا كان كذلك أمكن تربية الطفل على هذا المنهج الدقيق؛ فإن أنت أسلمت طفلًا لعالم ماهر في دراسة النفوس، وقلت إني أريده على نمط كذا، أمكنه أن يخرجه لك كما تريده، كما يستطيع الصائغ أن يخرج لك السبيكة من الذهب على النحو الذي تريده، وإذا هو لم ينجح في ذلك كل النجاح فلأنه لم يبلغ من الخبرة مبلغ الصائغ؛ ولأن علم النفس لم يتقدم تقدم فن الصياغة.

نعم، إن للوراثة دخلًا كبيرًا في إعداد الطفل وتحديد مواهبه، ولكن عملها كعمل الطبيعة في إعداد الذهب، ثم يصوغها الصائغ كما شاء، وليس يستعصي على المربي شيء إلا لجهله ببعض قوانين من يربيه.

وإذا ثبت ذلك فالتربية التي لا يكون أساسها معرفة قوانين النفس مقضي عليها بالفشل كتربيتنا نحن لأولادنا؛ فالأبوان يربيانهم تبعًا لتقاليد توارثاها لا حسب قواعد تعلَّماها، إذا كانت التربية حسبما اتفق خرج الطفل أيضًا حسبما اتفق، وأهم فارق بين الطفل الشرقي والطفل الأوربي أن الثاني دخل العلم إلى حد كبير في تربيته، فأصلح من جسمه ومن نفسه، ولم يدخل العلم في تربية الأول إلا بقدر قليل.

بالأمس كنت أقرأ حكاية لطيفة تدل على هذه العناية، ذهبت أم إنجليزية إلى طبيب وعالم من علماء النفس، وقصَّت عليه أن ابنها، وهو في الثامنة من عمره، أذكى طفل في الفصل في مدرسته، وخير ولد في بيته، ولكن إذا جنَّ الليل صرخ وبكى، وإذا نام قام فزعًا، ومشى وهو نائم وترنح في مشيته، وتخيل أنه يسقط على الأرض فيصرخ، وتحاول أن تفهمه أنه نائم في سريره فلا تفلح، وإذا حكت له في نهاره ما كان منه في ليله ضحك واستغرب، ولكنه يعود في ليله إلى هذه الحالة المفزعة!

فحصه الطبيب النفسي فوجد جسمه سليمًا من كل مرض، وصحته على أحسن حال، ومنظره في غاية الجمال، ففكَّر ثم فكَّر، ثم سأل الأم: من الذي ربَّى الولد في صغره، ومن كان ينيمه؟ فقالت إنها كانت تسافر مع أبي الطفل وتتركه عند جدته، فسأل الجدة: كيف كانت تنيمه؟ قالت كانت تغنيه أغنية معروفة سمعها، فوجد فيها عنفًا وفيها ريحًا عاصفة تهز الأرجوحة، وقالت إنها كانت تخبط على الأرض برجلها وقت الغناء لينام، فعلم الطبيب أن هذا هو السبب في فزع الطفل ليلًا، وعالجه بأن تغنيه وقت النوم أغنية لطيفة عذبة سارة، وتكررها في لطف ورقة حتى ينام، وقد نجح الطبيب في ذلك، فذهب عن الطفل الخوف، ونام في طمأنينة وأمن.

وكم مثل هذه الحالات تعرض لأطفالنا ولا نعيرها التفاتًا؛ لأننا لا نؤمن أن لكل شيء سببًا يمكن أن يعلم.

كذلك الشأن في شبابنا، كل ظاهرة نستحسنها أو نستهجنها فيهم لها سبب نفسي يجب أن ندرسه، والنصائح وحدها لا تغني؛ لأن الأسباب إذا ظلت باقية نتجت عنها هذه الظواهر لا محالة رغم النصائح والإرشادات، ويكون مثلنا مثل من يحارب الجيش الغازي بالدعوات، أو الأمراض الفتاكة بالرقي والتعويذات، إنما ننجح يوم نحلل هذه الظواهر إلى عواملها الأولية وأسبابها الخفية، ثم نضع العلاج لكل منها بما يناسبه.

ومن غريب الأمر أن من أكبر مشاكلنا مشكلة الشباب، ومع هذا لا نجد بحثًا علميًّا عميقًا وُضع في هذه المشكلة، إنما نقتصر على شيئين: الشكوى والنصائح، وهما لا يغنيان، يشكو الأب في بيته من الشباب، ويشكو المدرس في مدرسته من الشباب، وتشكو الجامعات من الشباب، ويشكو أصحاب الأعمال وأرباب الأموال من الشباب، وتشكو الأمة كأمة من الشباب؛ وتتعدد الشكاوي وتتنوع، ولكن لا تبحث، ولا تلمس الوقائع، ولا يستفيض الحديث ويكتفي بالنصح.

فأمامنا الآن مشكلة الحب؛ هل يسمح للشاب أن يحب؟ وهل في الإمكان نفسيًّا واجتماعيًّا ألا يحب؟ وما الحدود التي يجب أن تحد في الحب؟ وما طرق الوقاية من الغلو فيه؟ لا شيء عندنا من البحوث في ذلك إلا شكوى الآباء والأمهات ورجال الدين والأخلاق، إنما نريد بحوثًا صريحة جريئة تحلل فيها الحالة النفسية للشبان، والحالة الاجتماعية للأمة، ثم يوضع العلاج بعد ذلك لا قبله.

ولدينا مشكلة السياسة والشبان؛ هل من الواجب أن يشتغل الشبان بالسياسة؟ وإلى أي حد؟ وهل يتصلون بالأحزاب أو لا يتصلون؟ وهل يتعارض واجبهم العلمي والواجب السياسي؟ وإذا تعارضا فما الموقف؟

مسائل نواجهها كل يوم ولا باحث، وإنما الأمر فوضى من جميع النواحي، تُرك الأمر فيها للشبان يفعلون ما يشاءون من غير بحث، وكل ما يفعله الكتَّاب والأدباء هو الملق، فالشبان بنوا، والشبان أسسوا، والشبان هم عماد الأمة، ونحو ذلك من الألفاظ المعسولة، وهذا حق إلى حد ما، ولكن هناك نغمة أخرى يجب أن توقَّع بجانب النغمة الأولى حتى يتم التوازن، وهي نغمة إشعارهم بالواجب، وذلك لا يكون إلا بعد بحث عميق ومصارحة الشبان بالحقائق في غير مواربة ولا مجاملة.

ولدينا مشكلة الشباب العاطل، وقد اقتصرنا فيها على النصح للشبان أن ينزلوا ميادين العمل، ولكن لم نبحث جديًّا سبب العطل من الناحية النفسية، ومن الناحية الاجتماعية، ومن الناحية الخلقية، وكيف يمكن التغلب على البطالة.

ثم الشبان أنفسهم واقعون في أشد الأزمات ينشدون مثلًا أعلى غامضًا غير محدود، ويسلكون لهذا الغامض مسالك غاضمة، فلو سألت أكثر الشبان عن حالهم وجدتهم ساخطين، ثم إذا سألتهم عن سبب سخطهم لم يجيبوا إجابة صريحة واضحة، فهم يضطربون بين ما هم عليه وهو لا يرضيهم، وبين أملهم في الحياة وهو بعيد عنهم، وهم يضطربون بين قديم رأوا عليه آباءهم وطالبوهم به وحديث يرونه في السينما وفي الطبقات العالية وفي الجالية الأوربية، وهم يضطربون بين علم وسياسة، وحب وواجب، وإرضاء أهل وإرضاء أصدقاء، وكل ما فعلناه أننا تركناهم في أزماتهم يحلونها بأنفسهم من غير أن نقدم إليهم أية عناية، وقد عوَّدهم الآباء والمعلمون والقادة ألا يصارحوهم، فلا الشاب يجد من هؤلاء رحابة صدر في أن يبثه آلامه، ويفتح له قلبه، ويشرح له أزماتهن، ولا الآباء والمعلمون شجعوهم على مثل هذا، فكان من ذلك حاجز متين بين الابن وأبيه، والطالب ومربيه، فحمل عبئه وحده، من غير أن يسعفه من هو أكثر منه تجربة؛ ولذلك كثرت الضحايا؛ لأن الأزمات فوق مقدور الشبان، وهم وحدهم الذين يحاولون حلها بأنفسهم أو بأمثالهم من أصدقائهم.

•••

لا يمكن أن نتقدم في فهم مشاكل الشباب ووضع العلاج الصحيح لها إلا بأمور ثلاثة:
  • (الأول): توافر جماعة من الإخصائيين في علمي النفس والاجتماع على دراسة نفسية الشباب وبيئاتهم دراسة علمية عميقة تمتحن فيها الأعراض، ويرجع فيها إلى الأسباب، وتمتحن التجارب ويوضع فيها العلاج على أسس هذه الدراسة، وما لم نفعل هذا فكل علاج نضعه يكون سطحيًّا، ويكون شأنه شأن طبيب متسرع يكتفي بالمظهر الخارجي، ويكتب تذكرته بناء على ذلك، فيكون المريض عرضة لخطر كبير.

    ونحن إلى الآن لم نكوِّن علماء من هذه الناحية، فعندنا علماء نفس واجتماع، ولكنهم عالمون بما في الكتب من نظريات، وقد يكون لهم فيها آراء، ولكن الذي أتمناه درجة وراء هذا، وهو علماء قد درسوا هذه النظريات، ثم كان لهم معمل لتطبيق هذه النظريات على أطفالنا وشبابنا، يمتحنون ويجربون، ويرصدون النتائج ويضعون الإحصائيات، ولهم رأي شخصي بعد كل ذلك في حالتنا نحن ووسطنا نحن، لا في الحالات الأوربية والأوساط الأوربية، وإلى أن يكون هذا نظل متخبطين في طرق العلاج، نكتفي بموضوعات إنشائية ونصائح أدبية ووصفات أشبه ما تكون بالوصفات البلدية.

  • (الثاني): وجود عيادات للأزمات النفسية تشبه عيادات أطباء الجسم، يشرف عليها إخصائيون في النفس والاجتماع، فقيمة النفس ليست أقل من قيمة الجسم، وأمراض النفس قد تصل إلى حد أخطر من أمراض الجسم، والشبان في هذا الطور محتاجون أشد الاحتياج إلى خبراء يعرفون سر أزماتهم وكيفية دوائهم.

    وقد عنى بعض الإخصائيين في أوربا بهذه الناحية، وقصُّوا علينا حوادث كثيرة أنقذوا بها الشبان من مشاكل بعرضهم عليهم أنفسهم، حتى في حالات يصح أن نعدها نحن حالات ترف؛ قال أحدهم: جاءتني فتاة تستشيرني، وقالت إن أمها محبة للفنون الجميلة من موسيقى وتصوير، وهي تقضي كل أوقات فراغها في ذلك، وأباها رجل عمل يصرف أوقاته في إدارة متجره وأعماله، وزادت الفتاة أنها ورثت عن أمها حب الموسيقى، وورثت من أبيها حب إدارة العمل، وهي مضطربة أشد الاضطراب بين الوراثتين؛ فهي يومًا تحب أن تلبث في بيتها تعزف على آلات الموسيقى، ويومًا تكره ذلك كل الكره وتريد أن تخرج تدير عملًا اجتماعيًّا، فهي لا تستقر على حال؛ فامتحن هذا الإخصائي أي ميليها أقوى ووصف لها علاجها.

    وهكذا مئات من الحوادث تُحكَى وتُعالَج، ونحن لا نُعنى بهذه الناحية أية عناية.

  • (الثالث): ما أشرت إليه من قبل، وهو أن هناك هوَّة سحيقة بين أولى الأمر والشبان، بين المعلمين والطلبة، وبين الآباء والشبان. ولست أقصد أن بين هؤلاء جفاء في المعاملة، وإنما أقصد أن الشاب لا يفتح نفسه لمعلمه وأبيه، والمعلم والأب لا يفتحان نفوسهما للشاب، فإذا تحدثوا جميعًا فحديث عام يتصل بالدنيا العامة والدنيا التافهة، وبجوار ذلك خزانة مغلقة يكتمها الشاب عن أستاذه وأبيه، وإنما يفتحها لخاصة أصدقائه؛ في هذه الخزانة حب وغرام، وفيها خطط سياسية، وفيها أزمات نفسية، وعلى الجملة، ففيها أخطر شيء في حياة الشاب، وهو لا يفتحها لمن هو أكثر منه تجربة، وأوفى منه عقلًا، وأعرف منه بالأيام وأحداثها، لا يفتحها لعالم نفسي ولا لطبيب روحي، ولا لمعلم ولا أب، وإنما يفتحها لشاب مثله لم تعركه الأيام، ولم تعلمه الحوادث، فيشير عليه بالرأي الفاشل والفكرة الصبيانية.

    وتبعة هذا الجفاء، ووجود هذه الهوة، لا تقع على الشباب وحدهم، بل لا بد أن يتقدم الآباء والأساتذة والمعلمون خطوات في ذلك، ويشعروا الشبان أنهم يقدرون ظروفهم وحدة شبابهم، وأنهم لهم ناصحون لا مسيطرون، وأنهم يسوسونهم سياسة الطبيب لمريضه، لا سياسة الضابط لجنوده.

    وبعد، فلا بد من إيجاد هذه الأنواع الثلاثة من العلاج، والإسراع بها، وإلا استفحل الداء وعز الدواء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠