الفصل السادس

مدرسة القياس في اللغة

من طبيعة الأشياء أن يكون في كل جماعة بلغت شأوًا ما من الرقي طائفةٌ من المحافظين، وطائفةٌ من الأحرار؛ فالمحافظون بطبيعتهم ميَّالون إلى السير على القديم، من غير تفكير في تغييره ولا الخروج عليه، ويدعوهم إلى ذلك: إما خمودهم الذهني، وفقدان النشاط العقلي الذي يبعث على التفكير ويدعو إلى التغيير، وإما حب السلامة وعدم تنغيص الحياة بما يستوجبه التجديد من الاضطراب والتعرض للنقد، وإما منفعتهم الشخصية من النظام القديم على وجه ما، وإما إخلاصهم للقديم وإجلالهم له؛ لما أسبغ عليه من تقديس.

والأحرار ميَّالون إلى التجديد، يدعوهم إلى ذلك نشاط ذهنهم، وما يرونه في القديم من عيوب تدعوهم إلى نقدها وتغييرها، ولهم من الشجاعة والغيرة ما يحملهم على مجابهة القديم والدعوة إلى الجديد.

هذا هو الشأن دائمًا في تاريخ الحياة الإنسانية؛ وقد كان هذا عند العرب كما كان عند غيرهم؛ فالدعوة إلى الإسلام نفسه دعوة إلى التجديد، وكان في الصحابة أنفسهم محافظون وأحرار، قد يمثلهم جميعًا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله.

وُجد هؤلاء الأحرار والمحافظون في الفقه؛ فكان أهل الحديث الذين يقفون عند جمعه واستنباط الأحكام منه، وأهل الرأي أو أهل القياس، وهم الذين يقيسون ما لم يرد فيه نصٌّ على ما ورد فيه نصٌّ، وهذا هو الشأن في كل جماعة يشتغلون بكل علم: منهم من يقف عند ما قرره العلماء، ومنهم من يبتكر ويستنبط ويبيِّن خطأ مَن قبله ويصححه.

وكذلك الشأن في اللغة حتى بين الأدباء؛ فمن الشعراء والأدباء مَن كان يلتزم ما ورد في اللغة ولا يخرج عنه بحال من الأحوال، ومنهم من كان يجيز لنفسه أن يجدِّد؛ فيحكون عن العجاج وابنه رؤبة أنهما كانا يصوغان ألفاظًا لم يُسبقا إليها، ويروى عن بشار أنه كان يقيس ما لم يرد على ما ورد؛ فرأى العرب تصوغ فَعَلى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا: جَمَزَى لسرعة السير، فقاس عليها وقال:

والآن أقصر عن سمية باطلي
وأشار بالوَجَلَى على مشير

وقال:

على الغَزَلَى مني السلام فربما
لهوت بها في ظل مخضلة زهر

وعابه المحافظون على ذلك، فقالوا: لم يسمع من العرب وَجَلى ولا غَزَلى. وأنشد الخليل رجل فقال:

ترافع العز بنا فارفنععا

قال الخليل: فقلت هذا لا يكون، فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول:

تقاعس العز بنا فاقعنسسا

على كل حال، بدأ العلماء يجمعون اللغة من أفواه العرب سواء في ألفاظها وأساليبها، وقد بذلوا في ذلك جهدًا مشكورًا، وتحمَّلوا في ذلك من العذاب ما لا يستطيعه إلا أولو العزم، وفضَّلوا أن يأخذوا عن العرب العرباء الذين لم تفسدهم الحضارة ولا الاختلاط، وعُدُّوا أصحَّ من تُؤخذ عنهم اللغة؛ وهم: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يأخذوا عن غيرهم من سائر قبائلهم، كما لم يأخذوا عن حضري، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم.

ولكن يؤخذ عليهم أنهم ساروا في الجمع حيثما اتفق؛ فلم يفردوا كل قبيلة بما أُخذ عنها، ولو فعلوا ذلك لأفادونا فائدة كبرى، وفي رأيي أن كثيرًا من الاضطراب في اللغة — كالذي نراه في أوزان جموع التكسير المختلفة، وجمع الكلمة على أشكال عدة؛ مثل جموع ناقة وعبد — سببه اختلاف لغات القبائل، وأن كل لغة كان لها موازينها القياسية المطردة غالبًا، وكذلك اختلاف أوزان الأفعال الثلاثية كثير منها كان سببه هذا، وكذلك تعدُّد المصادر للفعل الواحد؛ ففعل لقي — مثلًا — له أكثر من عشرة مصادر، وما أظن أن قومًا عقلاء يجعلون للغتهم مصادر أكثر من عشرة لكلمة واحدة، وهذا ما جعل اللغة العربية تنوء بالمترادفات، فلو أن جامعي اللغة جمعوها على نمط منظَّم لأفردوا كل لغة بمجموعة، وكان هذا يفيدنا كثيرًا في تنظيم لغتنا، وحذف ما يحذف، وإثبات ما يثبت.

كما يؤخذ عليهم أنهم لم يفرِّقوا في جمعهم بين اختلاف الكلمات الواحدة من حيث مادتها وبين الكلمات المختلفة بحسب اللهجات؛ فقد تكون الكلمة واحدة في الأصل، ولكن اختلفت لهجات القبائل في وضع حرف مكان حرف، أو تقديم حرف وتأخيره؛ مثل أن تقول قبيلة: نكف عن الشيء، وقبيلة: كنف؛ ومثل: عاث يعيث، وعثا يعثو، والشيء الشائع، والشيء الشاعي، وبضا بالمكان وباض؛ أي: أقام؛ ومثل: كدر وكدل وكدن، إلى كثير من أمثال ذلك.

والمعاجم مملوءة بها وبتعدادها، مع أن الواضح فيها أن أصل المادة شيء واحد، واختلفت فيها اللهجات، فلمَّا جاء أصحاب المعاجم جمعوا هذا حيثما اتفق أيضًا، وكان الواجب أن يكون بعد هذا الجمع الترتيب والتبويب والغربلة والدراسة، كما هو الشأن في كل علم تُجمع مادته الخاصة حيثما اتفق، ثم تُفحص وتُرتَّب حسبما يدل عليه العلم؛ فمثلًا: جمع المشتغلون بالحيوان أصناف حيوانات البحر وسمَّوها سمكًا؛ اعتمادًا على سكنى الماء وتماثل الصورة، وجعلوا صنفًا يسمى الرهيل من السمك لهذه الشواهد الظاهرية، فلما عُني علماء الحيوان بالبحث وجدوه من ذوات الثدي، فألحقوه بالخيل والبقر، وأخرجوه من دائرة الأسماك.

وعَدَّ الأقدمون الأجرام السماوية من ذوات النفوس، لمَّا شاهدوا في حياتهم الأرضية من أن المتحرِّك من غير محرِّكٍ محسوسٍ لا يكون إلا ذا نفس وإرادة، فجعلوا للنجوم نفوسًا وإرادات، وعدُّوها أرقى من الإنسان؛ لأنها في السماء وهم في الأرض، فلما اكتُشف قانون الجذب، وتقدَّم العلم، تبيَّن أنها ليست بذات أنفس وإرادات، وإنما هي مادة جامدة كالأرض، إلى كثير من هذه الأمثلة.

وقد قصر أصحاب المعاجم في بحثهم المستقصي عن النمط العلمي.

وكان هذا الجمع هو المادة الخامة للغويين والنحويين؛ فأما النحويون والصرفيون فقد برعوا في القياس إلى أقصى حدٍّ، فكل علمهم قياسي؛ نظروا إلى الأعم الأغلب فجعلوه قاعدة، وجعلوا ما جاء على خلافها شاذًّا لا يصح لنا الإتيان بمثله؛ فالعرب لم تلتزم — مثلًا — نصب اسم إن، ولا رفع خبرها، ولا عطف المرفوع على المرفوع، والمنصوب على المنصوب، وهكذا، بل ورد في القرآن رفع اسم إن في قوله تعالى: إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ، وجاء فيه: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ، فقعَّدوا قواعدهم على الكثير الغالب.

وكذلك الصرفيون في قواعد الإعلال والإبدال، واشتقاق صيغ اسم الفاعل والمفعول والزمان والمكان … إلخ، فضبطوا بذلك اللغة في اختصاصهم، وكل هذا عن طريق القياس.

أما اللغويون، فسادت عليهم المحافظة، وقلَّت فيهم الحرية، وليس الاختلاف في أن اللغة توقيفية أو غير توقيفية إلا مظهرًا من مظاهر المحافظة والحرية؛ فمن قال بأنها توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع الله، أسبغ عليها حلَّة من التقديس، والتزمها من غير تصرُّف فيها، ومَن قال إنها غير توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع البشر، كان أكثر حرية في التصرُّف فيها.

على كل حال، نرى كثيرًا من اللغويين وقفوا عند ما ورد، وكانوا محافظين، ومن هؤلاء جامعو اللغة؛ كالأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة، أو يشتقُّوا اشتقاقًا، إلا عن سماع، ومن هؤلاء أيضًا أصحاب المعاجم؛ كالجوهري، والفيروزابادي، وابن منظور، فلم يقيسوا على ما رووا، وإن اختلف بعضهم عن بعض في زيادة الكمية المروية أو نقصها، وكثرة الاستشهاد وقلته، وذكر أسماء البلاد والأعلام أو عدمه، ونحو ذلك.

وبجانب ذلك قلَّةٌ من القياسيين، أو بعبارة أخرى: مدرسة القياس، وربما كان من أعلام هذه المدرسة أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني؛ فأما أبو علي الفارسي، ففارسي الأب عربي الأم، مات ببغداد سنة ٣٧٧ في أيام الطائع لله عن نيف وتسعين سنة، طَوَّفَ كثيرًا في بلاد الشام، وأقام بحلب مدة، وخدم سيف الدولة بن حمدان، ثم رجع إلى بغداد وخدم عضد الدولة، وبقي بها إلى أن مات.

وقد كان معاصرًا لأبي سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد هذا أكثر من الفارسي رواية، وكان الفارسي أكثر منه قياسًا، حتى لقد قال أبو علي الفارسي: «لأن أُخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أَحَبُّ إليَّ من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية»، وقد قال فيه بعض تلاميذه: «أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا»، وما العلل إلا مقدمة القياس.

وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عَرَّبتُ لفظة أعجمية أَجريتُ عليها أحكام الإعراب وعددتُها من كلام العرب، وأُجيز الاشتقاق منها، كما عرَّب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منه درهمت الخبَّازي؛ أي: صارت كالدراهم؛ وقالوا: رجل مدرهم؛ أي: كثرت دراهمه.

وكان يقول: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسمًا أو فعلًا أو صفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خرجج أكرم من دخلل، وضربب زيد عمرًا، ومررت برجل ضربب وكرمم، ونحو ذلك، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.

قال: فرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولًا على كلامها ومنسوبًا إلى لغتها.

وكان جريئًا إلى حدٍّ لم نصل إليه إلى اليوم، فكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتب ألفًا مطلقًا؛ سواء أكان أصلها واوًا أم ياءً، وقد علَّل ذلك بحمل الحظ على اللفظ.

وأما ابن جني، فهو من أب رومي، وكان من أمهر العلماء في التصريف، مات في سنة ٣٩٢ في خلافة القادر، اجتمع بالمتنبي في بلاط سيف الدولة، وكان المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وكتابه الخصائص نحا فيه منحًى جديدًا طريفًا يدل على تذوُّقه للغة، وتعمُّقه في فهم أسرارها ومحاولة فلسفتها.

وقد صحب أبا علي الفارسي أستاذه أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلًا وتعليلًا وتدليلًا، وقد رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولًا، والمتكلِّمين وضعوا للعقائد أصولًا، فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولًا، فكان بذلك واضعَ علمٍ جديد يقول فيه: «إنه من أشرف ما صنَّف فيه من علم العرب، وأذهبه في طريق القياس والنظر، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة»، ووصف ما كان يعاني في ذلك الباب من إمعان النظر، وطول التفكير، ومقارنة الأشياء بالأشياء، وموازنة النظائر بالنظائر، فكان له من ذلك كله اكتشاف كثير من حقائق اللغة، وسر الوضع، ورسم مناهج القياس.

وكذلك له فضل كبير فيما سمِّي الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا الاسم، وقد تنبَّه إليه أستاذه أبو علي الفارسي؛ قال ابن جني: «إن أبا علي (رحمه الله) كان يستعين به ويخلد إليه، لكنه مع ذلك لم يسمِّه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه»، فجاء ابن جني فوسَّعه ونمَّاه وسمَّاه، وسمِّي الاشتقاق المعروف في أيدي الناس بالاشتقاق الصغير؛ كأن نشتق من كتب: يكتب وأكتب وكاتب ومكتوب ومكتب وكتاب … إلخ.

أما الاشتقاق الكبير، فيعنون به حصر أصول الكلمة وتقليبها على وجوهها المختلفة، وأن نستخرج منها التباديل والتوافيق ونقرن بينها؛ كأن نأخذ كلمة كلم ونحوِّلها إلى: ك م ل، م ك ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وتمعن النظر فيها لتنظر هل هذه الحروف إذا جُمعت كلها على نحو ما، دلَّت على شيء واحد يتنوع بتنوع تركيب هذه الحروف، فتستخرج — مثلًا — أن هذه الحروف الثلاثة إذا اجتمعت دلَّت على القوة، وتستخرج معنى القوة من كل ما دلَّت عليه في أشكالها المختلفة، وهذا باب عظيم من أبواب أصول اللغة تفوَّق فيه ابن جني.

ومما يؤسَف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها حتى تؤتي ثمارها؛ فإن النكبة التي أصيب بها المعتزلة نكبةٌ أصيب بها العلم العربي كله؛ فقد كانت الحرب بين المعتزلة والمحدثين حربًا أيضًا بين منهجين للعلم: منهج تحكيم العقل مع المحافظة على أصل الدين — وهو الذي دعا إليه المعتزلة — وهو منهج البحث والتجربة والاستدلال العقلي والشك والقياس، وما إلى ذلك، كما يظهر في منهج النظَّام والجاحظ وأشباههما، ومنهج الذين يقتصرون على الرواية والجمع والتخريج والتعديل، وما إلى ذلك، وهو منهج المحدثين؛ فلمَّا نصر المتوكل المحدثين ونكَّل بالمعتزلة سادت طريقة المحدثين المؤسسة على الرواية، وانكمشت طريقة المعتزلة المؤسسة على العقل والقياس، وأثَّر ذلك في وقوف جميع العلوم ومنها اللغة.

وقد كان للمعتزلة أثر كبير في القياس في اللغة، يظهر في قولهم بأن اللغة اصطلاحية من وضع البشر، لا توقيفية، كما يظهر في تحرُّر الجاحظ وأمثاله من المعتزلة في تشقيقهم الكلام، واستعمالهم للمولَّد من الألفاظ، بل والأعجمي، وكما يظهر أيضًا في أن زعيمي مدرسة القياس؛ وهما أبو علي الفارسي وابن جني، كانا من المعتزلة، وكما يظهر في البحوث اللغوية الطريفة التي حقَّقها الزمخشري في كتبه، وتفريقه بين دلالة الألفاظ عن طريق الحقيقة، ودلالتها عن طريق المجاز، وهو معتزلي أيضًا، فلما ذهبت دولتهم غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، فإن قلت إن العلم العربي وقف عند نكبة المعتزلة أو بعدهم بقليل — لأن أثرهم لم يمحَ مرة واحدة، بل ظل قرنًا أو أكثر يعمل بحكم دفعتهم القوية — وقلت إن العلم أصبح في الأعم الأغلب جمعًا ورواية وتأليفًا لمفترق وتفريقًا لمجتمع من غير نظر عقلي قوي أو ابتكار، لم تكن بعيدًا عن الصواب.

•••

ونحن إذا أيَّدنا القول بالقياس في اللغة ودعونا إليه، فما الذي نريده؟ وما الذي نستفيد منه في مثل موقفنا؟

يمكننا أن نستفيد من القول بالقياس في اللغة فوائد كثيرة، من أهمها في نظرنا:
  • (١)

    أننا نجد كتب اللغة كثيرًا ما تذكر المصادر ولا تذكر أفعالها أو العكس، أو يُذكر الفعل ولا يُذكر من أي باب هو، فالقول بالقياس يمكننا من تكميل هذا النقص بحمل المجهول على المعلوم، فمتى رأيناهم يكثرون من المصادر على وزن خاص إذا كان الفعل على وزن خاص في الأعم الأغلب، أمكننا أن نقيس ما لم يذكروا على ما ذكروا، وأن نعدَّه من كلام العرب، وهكذا، وهذا الباب يكمل نقصًا كبيرًا في المعاجم.

  • (٢)

    أننا إذا وجدناهم يشتقُّون وزنًا خاصًّا، ويستعملونه للدلالة على شيء خاص، أمكننا أن نقيس عليه ما لم يذكروا؛ فإذا وجدناهم — مثلًا — يصوغون «فعَّال» للدلالة على محترف الحرفة أو المهنة؛ كنجَّار وحدَّاد وقفَّال، أمكننا أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن والحرف ما لم يذكروه.

  • (٣)

    الاعتراف بالمولَّد والدخيل، وعدُّه عربيًّا، وإدخاله في معاجمنا ما دام يجري على الصيغ العربية، ويسير على نمط العرب في وضعهم أو اشتقاقهم؛ مثل: كلمة الوزائع، وقد استعملها ابن خلدون بمعنى الضرائب التي يوزِّعها الحاكم على الرعية؛ ومثل: تندَّر، إذا جاء بالنادرة، وتنادر عليه، إذا جعله موضع نادرته؛ وقد استعملها صاحب الأغاني؛ ومثل: المقيِّدة، وهي الدفتر الذي يكتب فيه الرجل ما يمر به تذكرة لنفسه؛ ومثل: تفرَّج، بمعنى اطلع على الشيء ليتسلَّى به، ومثل مئات الكلمات التي استُعملت في العصور المختلفة للدلالة على معانٍ جديدة من مثل ما أثبته دوزي في معجمه؛ فما بالنا لا نثبته في معاجمنا قياسًا على ما فعل العرب؟

  • (٤)

    أننا نجد العرب أحيانًا يلحظون في الشيء معنى من المعاني، فيسمونه باسم مشتق من الكلمة التي تدل عليه؛ فقد سموا القارورة؛ لأنهم لحظوا أن الشيء يقرُّ فيها، وسموا الدار دارًا؛ لأنه يكثر فيها الدوران، فلماذا لا نستعمل هذا الباب فيما يقابلنا من كثير من ألفاظ الحضارة والمصطلحات العلمية الكثيرة التي نقف أمامها حائرين ولا نشتق من الكلمات العربية كلمات تدل عليها، ملاحظين ما نلمحه من معنى فيها؟

  • (٥)

    وهناك باب أخطر من ذلك وأجرأ، وهو التفهُّم في عمق وأناة، كيف وضع العرب لغتهم؟ فنرى — مثلًا — أن العرب كان لها ذوق مرهف في وضع الكلمات استنفادًا على محاكاة الأصوات؛ تارة بتقليد الأصوات، كما سموا صوت الماء خريرًا، وصوت الحجر صكًّا، وصوت الريح هبوبًا، والضفدع نقيقًا، واللبن درًّا، والمريض أنينًا … إلخ؛ محاكاة للأصوات التي يسمعونها أو يتخيلونها من صوت هذه الأشياء، ثم صاغوا من هذه الأسماء أفعالًا، ثم توسعوا في الاشتقاق منها للدلالة على ما يشبهها وما يقرب منها.

    فاللغة عند حدوثها الأول كانت أصواتًا يُحدِثها المتكلم حاكيًا للأصوات المسموعة، ثم صارت تلك الأصوات المحكية علامة لِمَا يُسمَع بالأذن، أو يُبصَر بالعين، أو يُلمَس باليد، أو يُشمَّ بالأنف، أو يُعقَل بالعقل، شأنها في ذلك شأن الخط؛ كانت عند حدوثه تصويرًا للمجسمات؛ فالباء للبيتن والعين للعين، ثم صارت علامة للأصوات المسموعة، ولكن عادة يكون صوت الحاكي أقصر من المحكي، فيكتفي في الحكاية بالرمز، أما النحت والتصوير فتكون الحكاية كاملة.

والأمر في دلالة الكلمات على الأصوات أدق مما يُتصور، وكثيرًا ما تعتمد الكلمة في حكاية الصوت على حرف يدل عليه، وتكمل بقية الحروف لخدمته؛ فحرف السين أساسي في كلمة التنفس والحس واللمس؛ لأنه يتخيَّل في مدلولها صوت السين عند الاحتكاك، وحرف الراء هو الأساس في البحر والنشر والفجر والنحر والبذر والغر؛ لأنه يتخيل في هذه الأشياء كلها صوت الراء، وحرف النون هو الأساس في الظن والرن والفن، وحرف القاف في الدق والشق والطرق، وهكذا.

وعند تحرِّي هذا الباب نراهم يحاكون — أولًا — صوت المسموع بالأذن، ثم ينقلونه إلى المبصر بالعين، ثم ينقلونه إلى المحسوس بباقي الحواس الخارجية، ثم إلى المعقول بالعقل؛ فمثلًا: لو نظرنا إلى كلمة: حس، وتتبعناها، وجدنا أن المصدر الأصلي لحس كان صوتًا سينيًّا تخيلوا أنه يُسمع عند الحس؛ أي: عند المس باليد، ثم انتقلوا من الإحساس باليد إلى الإحساس بغيرها، فسموا كل ما يشعر به محسوسًا، وسموا الآلات التي يحس بها حواس، ثم أطلقوها على العلم الحادث من الحواس، وعلى اليقين الحاصل من العلم بها، واشتقوا أحس بالشيء؛ أي: أيقنت به، ولو تتبعت المادة لوجدتها كلها من هذا القبيل متدرجة على نحو ظريف.

ثم نوَّعوا هذا الصوت السيني فجعلوه مرة حسًّا ومرة لمسًا ومرة مسًّا … ولو تقصينا هذا الباب على هذا النمط لأفادنا فائدة كبرى، ولدلَّنا على أن مصادر اللغة التي تحاكي الأصوات في منبعها الأول كانت مصادر محصورة تُعدُّ بالعشرات، فإن توسَّعنا قليلًا قلنا بالمئات، ثم تضخَّمت هذه المصادر بالاشتقاق الصغير والاشتقاق الكبير على مدى الأزمان، وعلى حسب ما يجدُّ من المعاني وما يقرب من المصادر الأصلية، وهو باب يفيدنا عندما يفسِّر أصحاب المعاجم أو المفسِّرون للقرآن والحديث والنصوص الأدبية اللفظ بتفسيرات مختلفة، فنستطيع به أن نرجِّح قولًا على قول، ورأيًا على رأي، كما نستفيد منه استكشاف بعض الأغلاط التي وردت في معاجم اللغة ومنشؤها خطأ في النقل، أو تصحيف في الكتابة، أو نقل عن ألثغ، أو نحو ذلك، وهذا باب عظيم يحتاج الكلام فيه إلى أكثر من محاضرة، وإذا كان ابن جني قد سمَّى هذا ما اكتشفه الاشتقاق الكبير فيصحُّ أن نسمِّي هذا الضرب الاشتقاق الأكبر.

وتارة كانوا يلحظون ما بين الحرف والمعنى من مناسبة؛ فيلحظون في الحاء إذا أتت في آخر الكلمة دلالة على الاتساع والانتشار؛ مثل: ساح وباح وصاح وشرح ومرح، والكلمة المبدوءة بالشين على التشتت والتفرق؛ مثل: شتت وشطر وشعث وشعَّ … إلخ، والكلمات المبدوءة بالغين على الغموض؛ مثل: غمض وغابت الشمس وغبش الليل وغار الماء وغطى الشيء … إلخ، وقد فطن بعض كبار اللغويين إلى هذا الأمر، ونبَّهوا عليه كما يفعل الزمخشري كثيرًا في تفسيره.

وهذا الأمر، وإن لم يصرح العرب به، فقد كان مركوزًا في طبيعتهم، مقدسًا في أذواقهم، يعتمدون عليه في وضع الكلمات والاشتقاق منها، فمن بلغ من قوة الحس مبلغهم، ومن دقة الملاحظة دقتهم، كان له بمقتضى القياس مثل ما لهم.

ولكن مَن الذي يجوز له هذا؟ إننا إذا قلنا بجوازه لكل فرد كان الأمر فوضى، وتعرَّضت اللغة للاضطراب، ولكنَّا نقول كما قال الفقهاء، ونحذو حذوهم؛ ففي عصورهم الزاهية كان الاجتهاد، وكان البحث في المجتهد والقول في شروطه، وحصروا قياس الأحكام وتقويم العدالة وصحة الحكم في يد المجتهدين، وشرطوا للمجتهد شروطًا تتلخص في أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، متمكنًا من وسائل النظر فيها والاستنباط منها، وعلى الجملة، يكون — فضلًا عن مواهبه الذهنية — مثقفًا ثقافة شرعية وما يلزمها من ثقافة لغوية ونحوية … إلخ.

وعلى هذا القياس يجب أن نقول في المجتهد اللغوي، فلا بدَّ أن يكون مثقفًا ثقافة لغوية وأدبية واسعة، متمكنًا من النحو والصرف؛ لأنهما وسائل من وسائل إتقان اللغة، وفوق ذلك أن يكون له ذوق قد أرهف بكثرة القراءة اللغوية والأدبية، ومعرفة بسرِّ الوضع على النحو الذي أبنَّا؛ حتى يستطيع أن يدرك بحسه الذي كوَّنته الثقافة وعلمه العميق، الجيد من الرديء، وما يصح وما لا يصح، ونحو ذلك، كما يستطيع بهذه المؤهلات كلها أن يتخيَّر اللفظ المناسب للمعنى المناسب؛ إما بوضع جديد، أو اشتقاق من لفظ قديم، فإذا بلغ هذا المبلغ كان له الاجتهاد اللغوي، كما كان لنظيره الاجتهاد الفقهي.

وكما أن للهيئات القضائية مركزًا هامًّا يستند إليه فيما يصدر عنه من أحكام، ويستأنس بما وصل إليه في القضايا المعروضة من اجتهاد، فكذلك يجب أن يكون الشأن في اللغة — في الاجتهاد، وشروط المجتهد، والجمعيات اللغوية التي تتمثل في المجامع وأشباهها — لا يمكن أن تحيا أمة حياة صحيحة إلا بالاجتهاد؛ الاجتهاد في التشريع، والاجتهاد في كل علم من العلوم، والاجتهاد في اللغة؛ ودعامة الاجتهاد التي يرتكز عليها هي القياس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠