الأرق

تتقلَّب سعدية فوق المرتبة الإسفنج، لا تستطيع النوم، ابنتها غارقةٌ في النوم، تقيأت أمس في الجردل، كتمت فمها بكفها، آذان الجيران وعيونهم تتلصص من شقوق الجدران، سألها الشيخ متولي وهي واقفة في الطابور، وفي عينيه الغائرتين نظرة ملتوية: ما لها بنتك هنادي؟ هي عيانة؟

– مين قالك إنها عيانة يا شيخ؟

– القيء يا سعدية من أعراض الكوليرا!

– كوليرا إيه يا شيخ يا ضلالي؟

يغمزها بنصف عين، تبصق على الأرض.

– شيوخ آخر زمن! إلهي ياخدك يا شيخ.

أيكون هو؟

لو كان هو الأب المجرم فسوف تشرب من دمه، سوف تذبحه وتقطع عضوه بالسكين، أرمل عجوز عقله بين فخذيه، تفوح منه رائحة عفنة، يبيع آيات الله بالزيت والسكر، والأصوات في الانتخابات والمسابح وإمساكيات رمضان.

ابنتها غارقةٌ في النوم وهي لا يغمض لها جفن، لكزتها برأس السكين في بطنها.

– قومي يا بت قامت قيامتك، قومي انطقي اسمه، مين هو يا بت؟

انتفضت ابنتها من النوم تدعك جفونها الحمراء المتورمة من البكاء.

– قوليلي مين هو يا بت؟

– ماعرفش ماعرفش ماعرفش، قلت لك ميت مرة ماعرفش.

– قولي اسمه وإلا دبحتك بالسكين.

في عيني أمها نظرة مفزعة، لم تعد تعرفها، تبدو امرأة غريبة لم ترها من قبل، في عينَيْها نظرة قاتلة، تخفي هنادي عينَيْها بيدَيْها وتنشج.

– انطقي يا بت.

تصرخ هنادي.

– ماعرفش.

– هو الشيخ متولي يا بت؟

– لأ.

– أمال مين يا بت؟

– مش عارفة.

وضعت حد السكين على عنقها.

– انطقي اسمه؟

تشهق البنت كأنما تلفظ النفس الأخير.

– اسمه جلال يامَّه.

– جلال إيه يا بت؟

– جلال أسعد، خلاص عرفتيه يامَّه؟ كفاية، سيبيني في حالي.

وتكوَّرت هنادي فوق الأرض تجهش بالأنين حتى غطت في النوم. أخفَتْ سعدية السكين تحت جلبابها الأسود، فتحت الباب وخرجت، قرَّرت أن تواجه جلال أسعد، أن يعترف أنه اغتصب ابنتها، تشق عنقه بالسكين وتفضحه في الحي، توقَّفت فجأة تفكر ستكون الفضيحة لها ولابنتها أيضًا.

إذا اعترف جلال أسعد بفعلته وأبدى استعداده للزواج بابنتها؟

جلال أسعد شاب محترم، سوف يتخرج في معهد الكومبيوتر، لن تتزوج ابنتها رجلًا أفضل منه، سيوفر لها شقةً وحمامًا، لن تقف في الطابور أمام الحنفية، وسيشتري لها جهاز العروسة، وسريرًا ومخدات، ومطبخًا فيه حلل وصحون، وفناجين شاي لها حواف منقوشة، واقفة في الشارع خيالها شارد مع أحلامها عن مستقبل ابنتها وزوجها جلال أسعد، انتبهت إلى الجسم الصلب تحت جلبابها، آخ السكين؟ أتقتل زوج ابنتها؟

استدارت عائدة، كانت ابنتها هنادي تغط في النوم، ابتسمت وهي ترمق ارتفاعة البطن، حفيدها سيكون اسمه مسعود؛ لأنه مسعود، يحمل اسم أبيه جلال أسعد، يكتب أبوه شهادة ميلاد رسمية باسمه الثلاثي، مسعود جلال أسعد، يدخل المدرسة والمعهد العالي، يصبح موظفًا محترمًا يجلس خلف مكتب، خرجت من الباب بدون السكين، تمشي بخطواتٍ سريعة، يندفع جسدها إلى الأمام بقوة، عاد إليها شبابها، لم تعد تحس بآلام ظهرها وركبتها، لم يكن جلال أسعد في بيته، باب الشقة مغلق بقفل، ورقة مثبتة بدبوسٍ فوق الباب الخشبي، مكتوب عليها حروف لم تستطع قراءتها، آه لو تعلمت في المدرسة! الأستاذة درَّبتها على قراءة الأرقام وبعض الحروف، التقت عيناها كلمة «معهد» من الورقة المعلقة على الباب، لا بد أنه معهد الكومبيوتر، دفعت ابنتها المصاريف وها هي في سنتها الأولى، أمامها ثلاث سنوات وتتخرج، ياه تلات سنين يا سعدية؟ يا ترى مين يعيش؟ يمكنها تزويج هنادي من جلال أسعد في شهر أو شهرين، شهرين على الأكثر حتى لا يلحظ الجيران ارتفاعة بطنها، وتصبح ابنتها ست بيت لا تخرج مثلها كل يوم للشغل، لا بد أنه معهد الكومبيوتر، كانت تمر أمامه في طريقها إلى منزل الأستاذة، يمكن أن تذهب إليه بخطوتها السريعة في ساعةٍ ونصف ساعة، لكن الأوتوبيس أسرع، وهي لا تستطيع الانتظار، أمامها مهام عاجلة، أهمها أن تشتري ملابس حفيدها من المحل الكبير في ميدان السيدة، عرفت أنه ولدٌ من رائحة قميص أمه هنادي، آه يا بنتي ربنا يمتعك بالسلامة، نزلت من الأوتوبيس أمام باب المعهد، المبنى الأبيض الضخم له أعمدة عالية، خفق قلبها، مزيج من الرهبة والفرح، جلبابها الأسود أصبح كالحًا أجرب إلى جانب الأعمدة البيضاء، الحوش كبير من الأسفلت لا يعلوه التراب، الأشجار خضراء تهتز تحت السماء الزرقاء، رائحة الهواء منعشة، الوجوه نضرة نظيفة، شباب أجسامهم طويلة ممشوقة، وشابات رشيقات يسرن بخطى سريعة، ملابسهن نظيفة أنيقة، انكمشت داخل جلبابها الأسود الذي يشبه لون التراب، سألت أحد الطلاب عن جلال أسعد، أشار إلى الركن البعيد في الفناء، وقال: ربما في «الكافيتيريا». رنَّت كافيتيريا في أذنها مثل كلمة في أغنية، أول مرة تسمعها في حياتها، راحت تتغنى بها وهي تمشي في الفناء كافيا تيريا، كافيا تيريا، يا كافيا خيرها وشرها.

كان جلال أسعد واقفًا وسط ثلة من الطلاب يستعدون للخروج في التظاهرات، رأى جلال أسعد امرأة ترتدي جلبابًا أسود تقترب منه، رأسها ملفوفٌ بطرحةٍ سوداء، وجهها طويلٌ شاحب، عيناها سوداوان تنظران إليه في وجل.

– أنت جلال أسعد؟

– أيوه أي خدمة؟

– أنا أم هنادي.

– هنادي مين؟

– ما تعرفش هنادي؟

– هي في سنة إيه؟

يغوص قلبها إلى أخمص قدميها، تنطق بصعوبة: سنة أولى.

قال أحد الطلاب: يا دوب الواحد يعرف فصله.

وقال جلال أسعد: اسمها هنادي إيه؟ اسم والدها إيه؟

أطرقت تبتلع لعابًا مرًّا: أبوها ميت.

قال أحدهم: الله يرحمه لكن اسمه إيه؟

مسحت حبات العرق فوق جبينها بكم جلبابها، لم تتوقع أن ينكر جلال علاقته بابنتها، أيكون نذلًا إلى هذه الدرجة؟ وإذا غدر بها هل يغدر بابنه في بطنها؟

ربت جلال أسعد كتفها، أزاحت يده عنها، إيه المشكلة يا أمي يمكن نحلها؟

يتجمع الغضب في حلقها كالغصة، لا تستطيع النطق، يبدو أن ابنتها غابت عن باله، وانتهى الأمر بالنسبة إليه، يتظاهر بأنه لا يعرفها، تريد أن تبصق في وجهه وتقول له: يا مجرم يا سافل. تتلفت حولها مختنقة بالغصة في حلقها، لا تقوى على التنفس، إيه مشكلة بنتك؟

تبتلع لعابًا جافًّا مرًّا وتنطق بصعوبة: تشربي شاي يا حاجة؟

– مش عاوزة شاي، عاوزة الحقيقة.

– حقيقة إيه يا أمي؟

– حكايتك مع هنادي بنتي.

– حكاية إيه؟

رفعت سعدية رأسها متحدية: ما تفتكرش إنك تعمل العملة وتهرب بجلدك.

– أنا مش فاهم حاجة.

قرَّبت فمها من أذنه وهمست بشيءٍ، صاح جلال أسعد معترضًا: أنا لا يمكن أن أخدع أي بنت، أنا عندي ضمير.

ثبت عينَيْه في عينَيْها، كانت واقفةً تنتفض، تراخى جسدها فوق المقعد، أخفت وجهها بيديها وأجهشت بشهيقٍ عميق، رأت في عينيه نظرةً مباشرة، أحس قلبها أنه مستقيم، أطرق رأسه طويلًا ثم رفع وجهه إليها، في عينيه حزن عميق: أنا عندي ضمير يا أمي. أنا عارفة يا بني. ابتلع دمعة لمعت في عينيه واختفت بسرعة. أنا عارفة إنك لا يمكن تخدع بنت غلبانة زي هنادي. أمي علمتني أقول الحق ولا يمكن أكذب على حد. وأمك عايشة؟

– أمي ماتت في السجن.

– آه يا ضنايا ربنا يبارك فيك.

تستدير سعدية لتغادر المكان، الأرض تدور بها، تستند إلى الجدار، يضع يده في جيبه، ثم يناولها بعض الجنيهات، ترفع رأسها بشموخٍ وترفض، إنتي زي أمي. أيوه يا ابني. دي مساعدة بسيطة يا أمي. عندنا شرف وكرامة زي المرحومة أمك.

يراها تمشي بظهرها المحني وجسدها المكدود، يتذكر أمه في أيامها الأخيرة، كانت تخدم في البيوت لتنفق عليه وتدفع مصاريف تعليمه من عرق جبينها، لم تقبل مساعدة من خاله شقيقها، ولا من عمه شقيق أبيه، كانت تشتغل في بيت الدكتور محمود بك في الزمالك، تساعدها على الشغل أخته الصغيرة، يعملان معًا إحدى عشرة ساعة كل يوم لدفع مصاريف تعليمه وأجرة الغرفة والطعام وملابسه الجديدة وأحذيته الجلدية، كانت أخته في الثالثة عشرة من عمرها، اعتدى عليها الدكتور البك، انكشفت الحقيقة حين ارتفعت بطنها بالحمل، أمسكت أمه سكينة المطبخ وغرزتها في قلب الدكتور، ماتت أمه في السجن، وقفزت أخته من فوق الكوبري وغرقت في النيل، في ظهرها المحني كان جلال أسعد يحملق، يكاد يناديها لتعود، صوته لا يطلع، تخنقه الدموع، يغمره الإحساس بالشفقة، عودته أمه منذ طفولته أن يشفق على الضعفاء والمساكين، يفكر كيف يساعدها؟

هل يتطوَّع مع زملائه للبحث معها عن المجرم؟

هل يبحث عن طبيبٍ يجري عملية الإجهاض ويدفع أجرته؟

هل يتطوع للزواج بابنتها ويمنح الطفل اسمه؟

كان واقفًا مثل تمثال حجري يحملق في ظهرها المحني وهي تبتعد، من حوله الطلاب يتأهبون للخروج في التظاهرة إلى ميدان التحرير، في أعماقه رغبة طفولية في التضحية، يمكن أن يضحي بحياته من أجل الوطن ويموت برصاصةٍ في التظاهرة، فلماذا لا يقدم هذه التضحية البسيطة من أجل هذه الأم المطحونة وابنتها البائسة؟

رفضت الأم نقوده بكبرياء، فهل تقبل أن يتزوج ابنتها بدافع الشفقة؟

في عينَيْها رأى الكبرياء والشموخ بالرغم من الفقر والخضوع.

اختفى ظهرها المحني في زحام الطلاب لكن طيفها لم يبرح خياله، أصبح يلوح له في النوم.

شرعت سعدية تتقلب فوق المرتبة، راح الحلم وضاع الأمل الوحيد الباقي، لن يصبح لابنتها زوج محترم، ولا بيت فيه مطبخ وحمام، ستظل ابنتها تعيش في هذا الزقاق، تقف في الطابور المزدحم لتملأ الصفيحة بالماء، لن يكون لها حفيد يذهب إلى المدرسة والمعهد العالي، ويصبح رجلًا محترمًا يجلس وراء مكتب.

آه يا ربي ليه تكسر قلبي؟ ليه تبهدلني البهدلة دي؟ ليه تاخد مني الأمل الوحيد؟ وإنتي يا هنادي يا بنتي، ليه تكدبي على أمك؟

لكزت ابنتها النائمة بطرف المكنسة: ليه يا هنادي تكدبي على أمك؟

تموء البنت بصوت قطة جريحة.

– قومي يا بت قامت قيامتك.

لم تنهض ابنتها إلا بعد أن ضربتها بالمكنسة فوق رأسها وبطنها، وهي تصيح بصوتٍ مذبوح: قومي يا بت اتأخرنا ع الأستاذة.

في الثامنة صباحًا كانَت سعدية تدق الجرس، من خلفها تقف ابنتها ترتعد، فتحت الأستاذة الباب، اتأخرتي يا سعدية.

– معلهش يا ست فؤادة.

تنظر إلى الساعة بقلق.

– العملية الساعة عشرة، يا دوب تغسلي الصحون، وتكوي قمصان البيه.

وقفت معها ابنتها أمام الحوض تساعدها، تجفِّف الصحون الصينية والكئوس الكريستال وترصها في الدولاب، أصابعها ترتعد، دخل شاكر بيه إلى المطبخ، عاوز فنجان قهوة يا سعدية.

– حاضر يا بيه.

– اعملي فنجان قهوة للبيه يا هنادي.

يلتفت شاكر بيه إليها: إزيك يا هنادي؟

أطرقت البنت ولم ترد.

انزلقت الكأس الكريستال من بين أصابعها المرتعشة إلى الأرض، وانكسرت بصوتٍ حاد، أقبلت الأستاذة بسرعة إلى المطبخ تسأل: إيه حصل؟

شهقت سعدية وهي تلملم الزجاج المتناثر فوق البلاط، معلهش يا أستاذة، مش تاخدي بالك يا هنادي، أصلها خايفة يا أستاذة من العملية، دي بسيطة يا هنادي. تختفي البنت وراء أمها، تنشج بصوتٍ مكتوم، اعملي القهوة بسرعة للبيه عشان نروح العيادة، العربية جاهزة.

ركبت الأستاذة وراء المقود في سيارتها الصغيرة، في جوارها جلس زوجها واضعًا حقيبته الجلدية فوق ركبتيه، في الخلف جلست سعدية وفي جوارها ابنتها.

كانت العيادة في شارعٍ جانبي متفرع من ميدان باب الخلق، عمارة عالية تحمل أسماء أطباء ومحامين ومحاسبين ومكاتب استيراد وتصدير وحلاقين ومدلكين وكل أنواع المهن الحرة.

أوقفت السيارة أمام باب العمارة، نزلت سعدية ومن خلفها ابنتها، بقيت الأستاذة وزوجها بالسيارة، قالت وهي تطل من النافذة: عيادة الدكتور في الدور السابع، الشقة جنب الأسانسير، كل شيء مدفوع يا سعدية، قولي للدكتور إنك من قبلنا. وانطلقت بهما السيارة.

دخلت سعدية ومن ورائها ابنتها مدخل العمارة الكبير، البلاط أبيض لامع، الجدران من المرايا، رأت سعدية نفسها في المرآة شبحًا أسود اللون، شبشبها البلاستيك يحتك بالبلاط أو البلاط يحتك بشبشبها، رأت أمامها باب المصعد ففتحته ودخلت من ورائها ابنتها.

أقبل البواب مسرعًا، دفعهما خارج المصعد وهو يزعق: الأسانسير عطلان.

بعد لحظة، رأته ينحني ويفتح باب المصعد لرجلٍ طويل مهيب، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق حمراء، اتفضل يا سعادة البيه.

ابتلعت سعدية لعابها المر، وعدتها الأستاذة أن تأتي معها إلى عيادة الدكتور، لن تتركها حتى تطمئن إلى نجاح العملية وسلامة ابنتها، تركتها أمام باب العمارة وانطلقت مع زوجها.

هل ستموت ابنتها في العملية وقد تركتها الأستاذة وحدها؟

تلهث سعدية ومن خلفها ابنتها، يصعدان السلالم إلى الدور السابع، تطرد الهواجس والشكوك، الأستاذة من أطيب الناس، لا تتخلَّى عنكِ يا سعدية بعد هذه السنين؟

ترتعش عيناها فوق أسماء الأطباء، أبواب عياداتهم مفتوحة يطل منها الموت.

– فين اسم الدكتور؟

– تعرفي القراية أكتر مني يا هنادي.

تبربش ابنتها، تتطلع إلى الأسماء بعينَيْن حمراوَيْن من بين جفونها المتورمة.

في نهاية الممر الطويل، تشير الابنة بإصبعٍ صغيرة مرتعشة إلى بابٍ أبيض مفتوح.

تدخل الأم وابنتها من خلفها، الصالة ملأى بنساءٍ ملابسهن نظيفة أنيقة، تفوح رائحة عطر في الجو، تعثَّرت سعدية بشبشبها بالسجادة فوق الأرض، أقبل نحوها التمرجي بخطوةٍ متحفزة، لهثت: إحنا من قبل الأستاذة فؤادة وشاكر بيه.

أشار إليها بقلم رصاص في يده إلى ممرٍّ داخلي أمام المرحاض وأمرها بالانتظار، وقفت سعدية مسندة ظهرها إلى الحائط الأبيض، الألم في عمودها الفقري وركبتها اليسرى، لم يكن بالممر مقاعد، تكورت هنادي فوق البلاط تلف جسمها بشال أمها الأسود، مرت ساعة ثم ساعة فثلاث ساعات، ثم أشار إليهما التمرجي بالدخول إلى غرفة العمليات.

جلس شاكر في جوار زوجته وهي تقود السيارة، يرمق أنفها المرفوع وهو يزم شفتيه، لا يعرف سبب الضيق بالضبط.

ارتفاعة أنفها غير مألوفة، كان لأمه هذا الأنف، كانت ذات إرادة قوية تتغلب على إرادة أبيه، يحب المرأة القوية كما أحب أمه وكرهها في الوقت ذاته، كره سلطة أبيه المطلقة وأحبها وأصبح يمارسها، احتقر أباه حين اكتشف أنه يكذب على أمه ويخونها في الخفاء، أصبح يكره الكذب والخيانة ويمارسهما في الوقت ذاته، كان يشعر بتأنيب الضمير فيجلد نفسه أو غيره ممن يقعون تحت سلطته، أفاق على صوت فرملةٍ حادة، كاد سائق متهور يصطدم بسيارتهما لولا انتباه فؤادة وقدرتها الفائقة على القيادة، شوارع القاهرة مزدحمة بالسيارات، لا يحترم السائقون قانون المرور والإشارات، يترك لزوجته مهمة قيادة سيارتها لكنه لا يكف عن إعطائها التوجيهات.

سوقي على مهلك، خلي بالك من العربيات، ورانا لوري، اعملي الإشارة، العربية طالعة شمال، خليكي ع اليمين، يشعر بلذةٍ وهو يعطيها التوجيهات، ينتهز أي فرصة ليوجه إليها النصائح، كان متفوقًا في كلية الحقوق، كان يمكن أن يكون أستاذًا مرموقًا في القانون أو مستشارًا في مجلس الدولة أو وزيرًا للعدل، لكن يبتلع كلمة «لكن» مع لعاب مر، تدرب في حياته ألا ينطق كلمة «لو»، لا شيء يمكن أن يقضي عليه إلا الندم، العيون في الشوارع ترمقه جالسًا في جوار زوجته، لا تقود المرأة السيارة وفي جوارها رجل، مهما ارتفعت المرأة لا ترتفع عن زوجها، عضلة صغيرة تنقبض تحت عينه اليسرى، تنقبض هذه العضلة دائمًا قبل أن يغضب، لمحتها فؤادة بجانب عينها، أصبحت تقرأ وجهه وحركة عضلاته، أوقفت السيارة في جوار الرصيف.

– سوق إنت يا شاكر.

– مين قال إني عاوز أسوق؟

– فيه حاجة عاوز تقولها؟

– مش عاوز أقول حاجة.

– زعلان ليه؟

– مش زعلان.

تضغط دواسة البنزين وتواصل القيادة.

ترمقه من الجانب، أنفه مرتفع مقوس يشبه أنف أبيه، فتحة الأنف واسعة يسدها شعرٌ يهتز مع حركة أنفاسه المسرعة، يزعق فجأة بغضب.

– كنت عاوزة تروحي معاهم العيادة؟

– كان لازم أروح معاهم يا شاكر.

– يعني إحنا ناقصين مصايب؟

– مصايب إيه يا شاكر؟

– مش عارفة مصايب إيه؟

– كنت أطلع معاهم للدكتور ع الأقل؟

– وتورطينا إحنا في جريمة؟

– جريمة إيه؟

– مش عارفة جريمة إيه؟

– دي عملية بسيطة.

– وإذا ماتت؟

– إن شاء الله تعيش.

– إن شاء الله تموت.

– حرام عليك، فين الإنسانية يا شاكر؟

– عندك إنسانية أكتر مني؟

يرتفع صوته أكثر.

– عندك شجاعة أكتر مني؟

يزعق منفجرًا بالغضب.

– عندك رجولة أكتر مني؟

تنطلق كلمة رجولة من بين شفتَيْه كالقذيفة.

فؤادة لا ترد، تدرك في صوته طبقات الكراهية المتراكمة المكبوتة على مدى السنين، المتنكرة بأشكالٍ من الصداقة أو الحب أحيانًا، تذوب مشاعره المتناقضة في شعورٍ واحد بالغضب، منذ زواجها به تنتابه لحظات غضب لم تكن تعرف مصدرها، كانت تقول لنفسها ربما السجن يتراكم فيه الغضب المكبوت؟ كان يمكن أن يكون أستاذًا بكلية الحقوق، وزيرًا للعدل، قاضيًا مرموقًا، مستشارًا قانونيًّا مشهورًا، لكنه أصبح محررًا مجهولًا في صفحة السياسة المحلية، زوجته مسئولة صفحة السياسة الدولية، اسمها معروف، تحضر المؤتمرات في الخارج، راتبها من الجورنال ضعف راتبه، قامتها أطول من قامته، كتفها وهي تمشي في جواره أعلى من كتفه، ثلاثة سنتيمترات فقط.

قالت له وهي تضحك معه قبل الزواج: معظم الرجال يفضلون المرأة الصغيرة التي تتهشم عظامها في العناق.

قال لها: بالعكس أنا أفضل المرأة القوية الطويلة القامة، شرط ألا تزيد عني بأكثر من تلاتة سنتي.

تمسك فؤادة المسطرة وتقيس المسافة بين كتفها وكتفه، وتقول: بالضبط تلاتة سنتي.

ويضحكان وهما يشربان الليمون المثلج في النادي.

في الشارع الجانبي كان الموقف الخاص بالجورنال، تركت فؤادة مفاتيح السيارة للعم عثمان، له راتبٌ كل شهر، يتشاركان في دفعه مثل كل النفقات في البيت وخارجه، حسابهما في البنك مشترك، لا تجيد فؤادة الحسابات وأعمال البنوك، يتقن شاكر هذه الأعمال، إنه دقيقٌ عملي لا يجنح مثلها إلى الخيال، أخرج المحفظة من جيبه، تقدم نحو العم عثمان وناوله بضعة أوراق، رفع الرجل كفيه إلى السماء، ربنا يخليك يا سعادة البيه.

ابتسم شاكر، تراخت عضلاته المتقلصة، تلاشى في حلقه طعم المرارة قليلًا؟

وقفت سعدية في الممر مسندة ظهرها إلى الحائط، رافعة ذراعيها إلى أعلى كالمصلوبة، تدعو الله أن يفتح باب غرفة العمليات وتخرج منه ابنتها سليمة، ذراعاها ملفوفتان حول صدرها، الخفقات تحت ضلوعها تتصاعد، يا رب أنقذها يا رب، يا رب ماليش غيرها. كلما انفتح الباب وخرجت ممرضة، تسرع نحوها تتصيد أي كلمة تطمئنها، بنتي حالتها إيه ربنا يخليكي، لم تعد تطلب من الرب إلا أن ينجي ابنتها من الموت، لا يهم أن يكون لها زوجٌ محترم أو غير محترم، يجلس خلف مكتب أو لا يجلس، أن يكون لها مطبخ فيه فناجين مزركشة أو غير مزركشة، وحمام فيه ماء أو من غير ماء، المهم يا رب أن تعيش ابنتها، أن ترى وجهها في الصبح راقدةً في جوارها، أن تلف ذراعيها حولها وتضمها إلى صدرها، مضى الوقت بطيئًا، مرت ساعتان ولم تخرج ابنتها من غرفة العمليات، الأستاذة قالت إن العملية تتم في ساعةٍ أو أقل، انتهزت فرصة خروج إحدى الممرضات وانفتاح الباب فاندفعت داخل الغرفة، رأت عددًا من الأطباء والممرضات ملتفين حول المنضدة تحت الضوء وسط الغرفة، لم تر ابنتها من رءوسهم المتلاصقة، إلا قدميها المرفوعتين في الهواء فوق الرءوس، صغيرتان بيضاوان كأنما لم يبقَ منهما قطرة دم تحت المنضدة، سقطت عيناها فوق جردل مليء بالدم وكتل صغيرة متجمدة حمراء كأنما مقطوعة من الكبد، انطلقت الصرخة من صدرها من دون أن تدري: بنتي!

تجمعت حولها بعض الممرضات وسقنها خارج الغرفة، وهي تنتفض وتصرخ: بنتي ماتت؟

– بنتك بخير يا حاجة.

– العملية نجحت؟

– أيوه نجحت يا حاجة.

– وفين بنتي؟

– خارجة حالًا بعد دقيقة، استريحي، هات لها كوباية ميه يا محمد.

وانطلق التمرجي وعاد بكوب الماء.

فوق المرتبة على البلاط رقدت هنادي تنزف وتصرخ من الألم، بقيت قطعة من الجنين ملتصقة بالرحم، تتقلص عضلاتها بقوة لتطردها مع قطع الدم المتجلطة، أمها سعدية في جوارها تسقيها الماء بالسكر، يا رب اشفيها يا رب ماليش غيرها.

غابت سعدية عن شغلها بعض أيام، جاءت الأستاذة تزورها ومعها كيس فيه تفاح، التفاح يعوضها عن الدم يا سعدية، إزيك يا هنادي؟

ترمقها هنادي بعينين حمراوين ولا ترد.

تمد يدها بتفاحة.

– كلي التفاحة دي يا هنادي.

تدفع هنادي التفاحة من يدها بغضبٍ فتسقط على الأرض، تلتقطها الأم بسرعةٍ وهي تلهث.

– عيب عليكي يا هنادي.

– معلهش يا ست فؤادة، اعذريها، نزفت دم كتير وراسها سخنة زي النار.

باين عندها حمى، خايفة عليها تروح مني.

– تروح منك ازاي يا سعدية؟ العملية نجحت والحمد لله وكلها يومين وتقوم بالسلامة، إديها قرص كل ست ساعات من الدوا ده لمدة تلات أيام، وخدي المبلغ ده سلفة تحت الحساب، اعملي لها فرخة وشوربة خضار، لازم تاكل كويس عشان تعوض الدم.

– كتر خيرك يا أستاذة ربنا يطول عمرك يا رب، أرد جمايلك دي كلها ازاي؟

– يا سعدية ما تحمليش هم، إحنا عيلة واحدة.

كان العيال في الزقاق قد تجمعوا حول سيارة الأستاذة يتحسسون سطحها الأملس الناعم، تتلصص عيون الجيران وهم يتهامسون يا بختها سعدية بالأستاذة فؤادة، يمصمصون شفاههم، ربنا ياخد بيد بنتها هنادي، ينخفض الهمس فلا يكاد يُسمع، فضيحة هنادي وأمها على كل لسان في الحي، لا تنام سعدية طوال الليل، ابنتها راقدة تهذي من الحمى، تبلل الأم منديلها بماء الصفيحة وتمسح جبهتها الساخنة، يجف المنديل فتعود تبلله بالماء، تجس الجبهة وتشهق، مولعة نار يا بنتي، ترفع كفَّيها نحو السقف الأسود من الدخان، تخاطب الرب يا رحيم يا كريم ماليش غيرها. يغلبها النوم فتغفو لحظةً وهي جالسة، ترى نفسها داخل بركة من الدم، من حولها أجسام متكورة حول نفسها بالجلاليب الدمور، ملوثة بالطين والدم، وأطفال عراة يزحفون على الأرض مثل الدود، التقطت عيناها وجه ابنتها تزحف، يُشبه وجهها وهي طفلة، مدت إليها يدها عبر أكوام اللحم والدم، فأطبقت الأصابع الصغيرة الدقيقة على إصبعها، تضمها إلى صدرها ترضعها، ثديها جاف تعتصره فلا تسقط منه قطرة لبن، ولدتها فوق الأسفلت في السجن، ضغطت بكفها على بطنها حتى خرجت المشيمة، مثل رغيف ساخن من الدم، حفرت بأصابعها حفرة في الحوش ودفنتها، قطعت الحبل السري بحجرٍ له رأس مدبب، شدَّت الدوبارة من سروالها وربطت السرة، كانوا ينادونها باسم سعدية القتالة، تقول إنها لا تقتل ناموسة، كانت تشقى في الحقل طوال النهار وهي حامل، زوجها راقدٌ في الدار يأكل ويدخن الجوزة، تخفي نصيب ابنها المريض من الخبز والجبن في حفرة بالجدار، والنقود تدخرها لتشتري له الدواء وتخبئها تحت الأرض، يسهر زوجها في الغرزة يدخن الحشيش ويعود آخر الليل، يأكل طعام ابنها المريض ويفتش عن النقود، إن لم يعثر على شيءٍ يضربها حتى تعض الأرض، في يومٍ عادت من الحقل فلم تجد النقود، ابنها راقدٌ يلفظ أنفاسه الأخيرة، مات ابنها بين يديها، لفت رأسها بالطرحة السوداء وسارت إلى الغرزة، رأته متربعًا وسط الرجال يتعاطون الحشيش، أمسكت الشومة وضربته فوق رأسه، نقلوه إلى المستشفى وأخذوها إلى السجن، كانت حاملًا بهنادي. فتحت ابنتها جفونها الحمراء الوارمة وشهقت، أمَّه إنتي فين؟ أفاقت سعدية وهتفت أنا هنا جنبك يا هنادي. عطشانة يامَّه. أسرعت الأم وناولتها كوب الماء، اشربي يا بنتي بالشفا، ناولتها قطعةً من تفاح الأستاذة، وضعتها بين أسنانها ثم بصقتها على الأرض: مش عاوزين منهم حاجة يامَّه.

– إحنا عايشين من خيرهم يا هنادي.

– مش عاوزة منهم حاجة.

– ربنا يشفيكي يا بنتي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١