المعتمد في أغمات

ومدينة أغمات كما يقول ياقوت:
مدينتان متقابلتان … كثيرة الخير … وليس بالمغرب فيما زعموا بلد أجمع لأصناف مِن الخيرات ولا أكثر ناحية ولا أوفر حظًّا ولا خصبًا منها تجمع بين فواكه الصرود والجروم١

وبين مدينة أغمات ومراكش ثلاثة فراسخ وهي في سفح جبل هناك، كانت أغمات كبرى مدن الإقليم قبل إنشاء مدينة مراكش، وفقدت مكانتها وقَل عمرانها حينما أنشئت مراكش سنة ٤٥٤ﻫ.

وقد استولى عليها المرابطون سنة ٤٤٩ﻫ، ونفوا إليها المعتمد سنة ٤٨٤ﻫ، وبها أطلال مدرسة قديمة ومقابر كثيرة، وقبر المعتمد هناك.

وهي اليوم مزارع وبساتين واسعة كثيرة الثمار، عذبة المياه وارفة الظلال.

بقي البطل ابن عباد في أغمات أربع سنوات حتى أنقذته المنية من هذه البلية، وقد ضيق عليه وأثقلت القيود على رجليه حين ثار ابنه عبد الجبار في الأندلس، وقد جزع المعتمد لهذا وتوقع أن يؤخذ بجريرة ابنه أو يخشى فراره من معتقله.

ويقول الفتح:
وقال لي من أثقه: لما ثار ابنه حيث ثار، وأثار من حقد أمير المسلمين عليه ما أثار، جزع جزعًا مفرطًا، وعلم أنه قد صار في أنشوطة الشر متورطًا، وجعل يتشكى من فعله، ويتكلم، ويتوجع منه ويتألم، ويقول: عرض بي للمحن، ورضي لي أن أمتحن، ووالله ما أبكي إلا انكشاف من أتخلفه بَعدي ويتحيفه بُعدي.٢
ويقول الفتح:

وأقام بالعدوة برهة لا يُروَّع له سرب وإن لم يكن آمنًا، ولا يثور له كرب وإن كان في ضلوعه كامنًا، إلى أن ثار أحد بنيه بأركش.

وله في أسره وبؤسه وعض الأداهم في رجليه ومنظر بناته في الأطمار عليهن الذلة بعد العزة وهن يغزلن ليحصلن القوت. له في هذه المرائي الأليمة والأحوال الحزينة، أشعار ترقق القلوب القاسية، وتسيل العيون الجامدة، وإليك طرفًا منها:

قال يذكر قصوره التي أشاد بناءها وافتن في تزيينها، وعمَر بالسرور أرجاءها، وحمد في ظل النعيم صباحها ومساءها:

غريب بأرض المغربين أسير
سيبكي عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصوارم والقنا
وينهل دمع بينهن غزير
مضى زمن والملك مستأنس به
وأصبح منه اليوم وهو نفور
برأي من الدهر المضلل فاسد
متى صلحت للصالحين دهور
أذلَّ بني ماء السماء زمانُهم
وذلَّ بني ماء السماء كبير٣
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة
أمامي وخلفي روضة وغدير
بمنبتة الزيتون مورقة العلا
يغنِّي حمام أو ترنُّ طيور
بزاهرها السامي الذرى جاده الحيا
تشير الثريا نحونا ونشير
ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده
غيورين والصبُّ المحب غيور
تراه عسيرًا لا يسيرًا مناله
ألا كل ما شاء الإله يسير٤

وقال:

بكى المبارك في إثر ابن عباد
بكى على إثر غزلان وآساد
بكت ثرياه لا غُمَّت كواكبها
بمثل نوء الثريا الرائح الغادي
بكى الوحيد، بكى الزاهي وقبته
والنهر والتاج، كلٌّ ذله بادي

ودخل عليه بناته يوم عيد وقد حالت حالهن وذوت نضرتهن — وكن قد اضطررن إلى الغزل لتحصيل قوتهن، وقيل: غزلن لصاحب شرطة كان في خدمة أبيهن — عيد بأية حال عدت يا عيد. فقال المعتمد:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا
فساءك العيدُ في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
لا خدُّ إلا ويشكو الجدب ظاهره
وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
قد كان دهرك، إن تأمره، ممتثلًا
فردَّك الدهر منهيًّا ومأمورا
من بات بعدك في ملك يُسَرُّ به
فإنما بات بالأحلام مغرورا

ودخل عليه ابنه أبو هاشم، هذا الصبي الذي ذكره حين احتدام القتال في موقعة الزلاقة، فقال كما تقدم:

أبا هاشم هشمتني الشفار
فلله صبري لذاك الأورار
ذكرت شخيصك تحت العجاج
فلم يَثنني ذكره للفرار

دخل أبو هاشم على أبيه أسيرًا سجينًا «والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساود السود» فقال:

قَيدي! أما تعلمني مسلمًا
أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شراب لك واللحم قد
أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم
فينثني والقلب قد هُشِّما
ارحم طفيلًا طائشًا لبه
لم يخشَ أن يأتيك مسترحما
وارحم أخيَّات له مثله
جرعْتهن السم والعلقما
منهن من يفهم شيئًا فقد
خفنا عليه للبكاء العمى
والغير لا يفهم شيئًا فما
يفتح إلا لرضاع فما

ومما قاله في التوجع من أسره وقيده:

غنَّتك أغماتية الألحان
ثقلت على الأرواح والأبدان
قد كان كالثعبان رمحُك في الورى
فغدا عليك القيدُ كالثعبان
متمردًا يحميك كل تمرد
متعطفًا لا رحمة للعاني
قلبي إلى الرحمن يشكو بثه
ما خاب من يشكو إلى الرحمن

وقال:

أنباء أسرك قد طبَّقن آفاقا
بل قد عمَمْن جهات الأرض إقلاقا
فأحرق الفجع أكبادًا وأفئدة
وأغرق الدمع آماقًا وأحداقا
أنَّى غُلبت وكنتَ الدهر ذا غلب
للغالبين وللسباق سباقا
قلتُ: الخطوب أذاقتني طوارقها
وكان غربي إلى الأعداء طرَّاقا
متى رأيتَ صروف الدهر تاركة
إذا انبرت، لذوي الأخطار أرماقا
ومر عليه سرب قطا وهو في معتقله، وأنقل هنا كلمات الفتح بن خاقان في تصوير هذه الحال:

ومر عليه في موضع اعتقاله سرب قطا لم يقلق لها جَناح ولا تعلق بها من الأيام جُناح، ولا عاقها عن أفراخها الأشراك، ولا أعوزها البَشام ولا الأراك، وهي تمرح في الجو وتسرح في مواقع النوِّ، فتنكَّد بما هو فيه من الوثاق وما دون أحبته من الرقباء والأغلاق، وما يقاسيه من كَبله، ويعانيه من وجده وخبله، وفكر في بناته وافتقارهن إلى نعيم عهدنه، وحبور حضرنه وشهدنه، فقال:

بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررن بي
سوارح لا سجن يعوق ولا كبل
ولم تكُ، والله المعيد، حسادةً
ولكن حنينًا أنَّ شكلي لها شكل
فأسرح لا شملي صديع، ولا الحشا
وجيع، ولا عيناي يبكيهما ثكل
هنيئًا لها؛ إذ لم يفرَّق جميعها
ولا ذاق عنها البُعد من أهلها أهل
وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها
إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل
وما ذاك مما يعتريه وإنما
وصفت الذي في جِبلة الخلق من قبل
لنفسي إلى لقيا الحِمام تشوُّق
سواي بحب العيش في ساقه حِجل
ألا عصم الله القطا في فراخها
فإن فراخي خانها الماء والظل

وسُجن جماعة من أهل فاس في أغمات فرغبوا إلى السجان أن ييسر لهم لقاء المعتمد وكان يتسلى بمجالستهم ويستريح إلى محادثتهم إلى أن أُطلقوا من سجنهم فدخلوا عليه يودعونه، فقال:

أما لانسكاب الدمع في الخد راحة
لقد آن أن يفنى ويفنى به الخد
هبوا دعوة يا آل فاسٍ لمبتلًى
بما منه قد عافاكم الصمد الفرد
تخلصتم من سجن أغمات والتوت
عليَّ قيود لم يحن فكها بعد
من الدُّهم، أما خَلْقها فأساودٌ
تلوَّى وأما الأيد والبطش فالأسد
فهنيتم النعمى ودامت لكلكم
سعادته، إن كان قد خانني سعد
خرجتم جماعات، وخُلِّفت واحدًا
ولله في أمري وأمركم الحمد

انظر كيف رقت نفسه، وتمنى لكل خلق أن يعيش حرًّا سعيدًا، فهو يغبط القطا على حريتها ويدعو لها أن يعصمها الله في فراخها، وهو يغبط من خُلي سبيلهم، ويدعو لهم أن تدوم لهم السعادة التي حُرمها، ويسألهم الدعاء للخلاص من هذا البلاء.

وتأمل في هذه الأبيات التي أنشأها حين طلب إليه رجل أن يزوده بشيء من شعره:

يا سائل الشعر يجتاب الفلاة به
تزويدك الشعر لا يغني عن السغب
زاوٍ من الريح لا ري ولا شبع
غدا له مؤثرًا ذو اللب والأدب
أصبحت صفرًا يدي مما تجود به
ما أعجب الحادث المقدور في رجب٥
ذل وفقر أزالا عزة وغنًى
نعمى الليالي من البلوى على كثب
قد كان يستلب الجبار مهجتَه
بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي
والملك يحرسه في ظلٍّ واهبه
غُلْب من العُجم أو شُم من العرب
فحين شاء الذي آتاه ينزعه
لم يُجد شيئًا قراع السمر والقضب

ويروي الفتح بن خاقان أن المعتمد لما بلغته ثورة ابنه عبد الجبار جزع وأشفق أن يؤخذ بجريرة ولده، ولكن أخبار هذه الثورة فيما يبدو أعادت إلى نفسه ذكرى القوة والسلطان، وأثارت فيه كوامن العزة والإقدام، ولوَّحت له بأمل ضئيل من خلاصه ورجوع ملكه إليه.

يروي الفتح عمن يثق به بعد أن ذكر جزع المعتمد لثورة ابنه:

ثم أطرق ورفع رأسه وقد تهللت أَسِرَّته، وظللته مسرته، ورأيته قد استجمع، وتشوف إلى السماء وتطلع، فعلمت أنه رجا عودة إلى سلطانه، وأوبة إلى أوطانه، فما كان إلا بمقدار ما تنداح دائرة، أو تلتفت مقلة حائرة حتى قال:

كذا يهلك السيف في جفنه
إلى هز كفي طويل الحنين
كذا يعطش الرمح لم أعتقله
ولم تُروه من نجيع يميني
كذا يُمنَع الطرف علك الشكيـ
ـم مرتقبًا غِرة في كمين
كأن الفوارس فيه ليوث
تراعي فرائسها في عرين
ألا شرَف يرحم المشرفيَّ
مما به من شمات الوتين٦
ألا كرم يُنعش السمهري
ويَشفيه من كل داء دفين
ألا حَنَّة لابن محنية
شديد الحنين ضعيف الأنين٧
يؤمل من صدرها ضمة
تبوئه صدر كبر مَعين٨

تأمل نفثات البطولة المصفدة، والعزة المقيدة، والهمة الحبيسة، والسيرة الماجدة، يحدها السجن، ويضيق عليها الأسر.

وليس بعيدًا أن يكون الرجل على شدة محنته، وعظم نكبته، قد أسرَّ في نفسه أملًا وأضمر في الحادثات رجاء، كما قال:

وطِّن على الكره وارقب إثره فرجًا
واستغفر الله تغنم منه غفرانا

وكان شعراؤه يبعثون في نفسه الأمل كما قال ابن اللبانة:

رويدك سوف توسعني سرورًا
إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسوف تحلني رتب المعالي
غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروان عطاء
بها، وأزيد ثَمَّ على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوع
فليس الخسف ملتزم البدور

وقال في محبسه:

قبح الدهر فماذا صنعا
كلما أعطى نفيسًا نزعا
قد هوى ظُلمًا بمن عاداته
أن ينادي كل من يهوِي: لعا
من إذا قيل الخَنَى صَمَّ، وإن
نطق العافون همسًا سمعا
قل لمن يطمع في نائله
قد أزال اليأسُ ذاك الطمعا
راح لا يملك إلا دعوة
جبر الله العُفاة الضُّيَّعا

وقد أجمل وصف الدنيا بعد أن عرف صروفها، وتقلبت على عينيه خطوبها في هذه الأبيات:

أرى الدنيا الدنية لا تواتي
فأجملْ في التصرف والطلاب
ولا يغررك منها حسن بُردٍ
له علَمان من ذهَب الذهاب
فأولها رجاء من سراب
وآخرها رداء من تُراب

على أن المعتمد بن عباد ملك إشبيلية وقرطبة وبطل الزلاقة وأسير أغمات، كان يلجأ في مصيبته إلى الرحمن، ويجد في الإيمان به كل سلوان، ويتعزى ويتصبر، ويعلل النفس بالقضاء والقدر، ويتسلى بصروف الدهر وغِيَرِه، وخطوبه وعِبَرِه … اقرأ قوله:

اقنع بحظك في دنياك ما كانا
وعَزِّ نفسك إن فارقتَ أوطانا
في الله من كل مفقود مضى، عوض
فأشعِر النفس سُلوانًا وإيمانا
أكلما سنحت ذكرى طربت لها
مجَّت دموعك في خديك طوفانا
أما سمعت بسلطان شبيهك قد
بزته سودُ خطوب الدهر سلطانا
وطِّن على الكره وارقب إثره فرجًا
واستغفر الله تغنم منه غفرانا

ويقول:

تؤمل للنفس الشجية راحة
وتأبى الخطوب السود إلا تماديا
لياليك في زاهيك أصفى صحبتَها
كذا صحبت قبلي الملوك اللياليا
نعيم وبؤس، ذا لذلك ناسخُ
وبعدهما نسخُ الليالي الأمانيا

(١) عيشة المعتمد في أغمات

مر بنا ما مر من أحوال المعتمد في شقائه وبؤسه، وما لقي من غِيَرِ الأيام في نكبته ومحنته، وحسب القارئ ما مر به، ولكن لعل قارئًا يسأل كيف كانت عيشة المعتمد؟ لا ريب أنها كانت عيشة ضنكًا، ولكن ما كان مبلغها من الضيق والحرمان؟

مر بنا أن المعتمد سأل حواء بنت تاشفين خِباء فاعتذرت إليه أن ليس عندها خباء، ومر بنا أن بناته غزلن للقوت، وأن ابنًا له عمل في حانوت صائغ ومرَّ به ابن اللبانة فأنشأ قصيدته الباكية التي أثبتُّ آنفًا.

ويقول ابن الأثير في حوادث سنة ٤٨٤:

وفعل أمير المسلمين بهم أفعالًا لم يسلكها أحد ممن كان قبله، ولا يفعلها أحد ممن يأتي بعده؛ إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة؛ وذلك أنه سجنهم فلم يُجْرِ عليهم ما يقوم بهم، حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقنها على أنفسهن، وذكر ذلك المعتمد في أبيات تَرِدُ عند ذكر وفاته، فأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صِغر نفس ولؤم قدرة.

كل هذه الأخبار تدل على بؤس المعتمد وضيق عيشته، ولكنا نجد في الأخبار كذلك أنه أعطى الحصري الشاعر حين قصده في طنجة وهو في طريقه إلى المنفى، وأنه أرسل إلى ابن اللبانة حين أزمع السفر من أغمات هدية ذات قيمة فاعتذر ابن اللبانة وردها، ونقرأ كذلك أن ابن حمديس الشاعر زاره فحجبه الخادم وأنشأ المعتمد أبياتًا يعتذر فيها لابن حمديس ويذكر غباوة خدمه وجهلهم بعد أن كان خدمه ما كانوا وهو في ملكه ودولته.

والجمع بين هذه الأخبار المختلفة أن الرجل عاش في شقاء وبؤس وضيق، لا ريب في هذا، ولا يبعد أن بعض أقاربه أو أصهاره أو أنصاره الذين سلموا من النكبة أمدوه بما يقيم أوده، ويحفظ كرامته؛ وقد قصده الشعراء ووفوا له في شدته وكربته فليس بعيدًا أن يكون غيرهم قصده أو أرسل إليه ما يخفف عنه شدة الأسر، وقسوة الفاقة، فصلحت حاله أحيانًا، ولا أقول: إن المعتمد ادخر بعض جواهره ونفائسه فأنفق منها، فلو كان عنده بقية من الأعلاق ما غزلت بناته للناس ولا نفخ ابنه في كير صائغ.

(٢) أخلاق المعتمد

أسلفنا قول المراكشي:

وكان فيه من الفضائل الذاتية ما لا يكاد يحصى؛ كالشجاعة والسخاء والحياء والنزاهة، إلى ما يناسب هذه الأخلاق الشريفة، وفي الجملة فلا أعلم خصلة تُحمد في رجل إلا وقد وهبه الله منها أوفر قسم، وضرب له فيها بأوفى سهم.

وإذا عدت حسنات الأندلس من لدن فتحها إلى هذا الوقت فالمعتمد هذا إحداها؛ بل أكبرها.

وإن يكن في هذا القول غلوٌّ فهو دليل على مكانة المعتمد عند المؤرخين في عصره والعصور التالية، ويتبين من الفصول السابقة كثير من أخلاق المعتمد بن عباد، فالقارئ يرى سيرته في نعيمه وبؤسه، تبين عن أخلاقٍ كريمةٍ وشمائلَ شريفةٍ.

وفي هذا الفصل جمع ما تفرق في الفصول الأخرى، وإجمال ما فصل فيها من شمائل الرجل ومناقبه:
  • (١)

    لا ريب أن المعتمد كان أميرًا جوادًا يرتاح إلى الجود، ويلذ العطاء، ويتوسل إلى مواساة أصحابه وقصَّاده وسائل شتى، ويفتنَّ في الإحسان إليهم كما يقول أبو الطيب في أبي شجاع فاتك:

    لطَّفت رأيك في بري وتكرمتي
    إن الكريم على العلياء يحتال

    ولهذا قصده الشعراء والكتَّاب من كل صوب.

    ولم تفارقه الأريحة للعطاء، والسماح بالمال في أيام بؤسه وفقره، وهو أحوج إلى ما في يده، فقد أعطى الحصري الشاعر حين لقيه في طنجة وهو أسير يسار به إلى معتقله، وأرسل إلى شاعره الوفي أبي بكر الواني هبة حين زاره في أغمات فردها الشاعر.

    فقد صدق المعتمد حين قال عن نفسه:

    وقد حننت إلى ما اعتدتُ من كرم
    حنين أرض إلى مستأخِر المطر
    وقد تناهت يدي عن كأسها غضب
    ومجَّت الأذن أيضًا نغمة الوتر
    حتى أملَّك هذي ما تجود به
    وأسمع الحمد بالأخرى على الأثر
    فهاتها خِلَعًا أُرضي السماح بها
    محفوفة في أكف الشرب بالبِدَر
  • (٢)

    وكان المعتمد على الله شجاعًا مقدامًا، يخوض المعارك ويقدم على الأهوال، أبيًّا يؤثر الموت على الهوان.

    وحسبنا بلاؤه في موقعة الزلاقة، وبسالته في الدفاع عن إشبيلية، وخروجه حاسرًا حين فجأه العدو في بلده، وهي الحال التي وصفها في الأبيات:

    إن تستلب مني الدنيا
    ملكي وتسلمني الجموع
    فالقلب بين ضلوعه
    لم تُسلم القلب الضلوع

    وقد تقدمت الأبيات.

  • (٣)

    وكان حسن المعاشرة، لين العريكة، يكرم أصحابه، ويتواضع لهم.

    وقد تقدمت سيرته مع أصحابه في مخاطبتهم مخاطبة الأصدقاء لا الرعية، ومداعبتهم، والتلطف معهم.

    وحسبنا قصائده في ابن زيدون، وقد أمر المعتضد أن يرفع مجلس المعتمد على مجلس ابن زيدون فكتب المعتمد:

    أيها المنحط عني مجلسًا
    وله في النفس أعلى مجلس
    بفؤادي لك حب يقتضي
    أن تُرى تحمل فوق الأرؤس

    وهكذا تجده فيما كتب لشعرائه وأصدقائه وقُصَّاده.

    وسيأتي اعتذاره لابن حمديس حينما زاره في أغمات فقال له الخادم: إن المعتمد ليس في الدار. وما كان بينه وبين ابن اللبانة من شعر هناك، وإن يُقل: هذه حاله في أسره وبؤسه أقل بل هذا كان ديدنه وهو في سلطانه ودولته. فما كذب المعتمد حين قال لابن عمار:

    متى تلقني تلقَ الذي قد بلوته
    صفوحًا عن الجاني رءوفًا على الصحب
    سأوليك مني ما عهدت من الرضا
    وأصفح عما كان، إن كان، من ذنب
    فما أشعَر الرحمن قلبي قسوة
    ولا صار نسيان الأذمة من شعبي

    وأما قتله ابن عمار فهو خلاف ما عهد أصحاب المعتمد منه، ورجوه عنده، وله سبب ذكرته فيما تقدم في الكلام عن ابن عمار، ولا يقتل المعتمد صاحبه بعد غلوه في محبته ومودته إلا لأمر أخرج المعتمد عن طبعه، وحمله على قتل صديقه بيده.

  • (٤)

    وكان وفيًّا لأصحابه، وحسبنا ما قدمنا في حديث ابن زيدون، وقد صدق المعتمد في قوله جوابًا لمن أغروه بالفتك به:

    أنَّى رجوتم غدر من جرَّبتمُ
    منه الوفاء وظلم من لا يظلم
    أنا ذاكمُ لا البغيُ يُثمر غرسُه
    عندي ولا مبنى الصنيعة يُثلَم
  • (٥)

    وكان المعتمد صبورًا، نزل به من الكوارث ما تحدث به الناس قرونًا وما زالوا يتحدثون به ويرثون لمن نزلت به هذه المصائب، ونجد المعتمد على ما أصابه وأصاب بنيه وبناته ذا طبع شاعر ينظم الشعر في طريقه إلى المنفى، يذكر شعراء طنجة الذين ألحفوا في سؤاله، ويعاتب الحصري على أنه لم يجب عن شعره، ويجيب ابن حمديس وابن اللبانة عما ينظمان له من أبيات، ويرثي بنيه، ويصف بناته في الأسر والذل، ويذكر عض القيود بساقيه، ويودِّع السجناء من أهل فاس حين أُطلقوا من السجن، وهلم جرًّا.

    ولا ينظم الشعر في هذه الأحوال، إلا صابر على بلواه، جَلد فيما دهاه، يقول أبو الطيب:

    ولكن حمى الشعر إلا القليل
    همٌّ حمى النوم إلا غرارًا

    ويقول المعري:

    ولكن القريض له مغانٍ
    وأولاها به الفكر الخلي

    وإن قيل: إن الحزن والجزع أنطقاه بالشعر، فبعض هذا الشعر ينطق به الحزن والجزع ولكن بعضه كمحاورة الشعراء لا يدل على حزن وجزع بل على تعزٍّ وتجلد.

  • (٦)

    وكان ابن عباد يتعرف أحوال رعيته، ويلاطفهم ويمازحهم.

    اقرأ هاتين القصتين كما رواهما نفح الطيب:

    مر المعتمد يومًا مع وزيره ابن عمار بباب شيخ كبير كثير التندير والفكاهة يمزج ذلك بإغراق يضحك الثكلى، فقال لابن عمار: تعالَ نضرب على هذا الشيخ الساقط بابه حتى نضحك معه. فضربا عليه الباب.

    فقال: من هذا؟ فقال ابن عباد: إنسان يرغب أن تُصلح له الفتيلة. فقال: لو ضرب ابن عباد بابي في هذا الوقت ما فتحت له. فقال: فإني ابن عباد. فقال: مصفوع ألف صفعة.

    فضحك ابن عباد حتى سقط على الأرض وقال لوزيره: امضِ بنا قبل أن يتعدى الصفع من القول إلى الفعل، فهذا شيخ ركيك.

    ولما كان من غد تلك الليلة وجه له ألف درهم، وقال لموصلها: قل له: هذه من الألف صفعة التي كانت البارحة.

    والقصة الثانية:

    كان في زمان المعتمد السارق المشهور بالبازي الأشهب، وكان له في السرقة كل غريبة، وكان مسلطًا على أهل البادية، وبلغ من سرقته أنه سرق وهو مصلوب؛ لأن ابن عباد أمر بصلبه على ممر أهل البادية لينظروا إليه، فبينما هو على خشبته على تلك الحال؛ إذ جاءت إليه زوجته وبناته، وجعلن يبكين حوله ويقلن: لمن تتركنا؟! نضيع بعدك. وإذا ببدوي على بغل وتحته حمل ثياب وأسياب، فصاح عليه: يا سيدي، انظر في أية حالة أنا، ولي عندك حاجة فيها فائدة لي ولك. قال: وما هي؟ قال: انظر إلى تلك البئر، لما أرهقني الشرط رميت فيها مائة دينار، فعسى تحتال في إخراجها، وهذه زوجتي وبناتي يمسكن بغلك، خلال ما تخرجها، فعمد البدوي إلى حبل ودلى نفسه في البئر، بعد ما اتفق معه على أن يأخذ النصف منها.

    فلما حصل أسفل البئر قطعت زوجة السارق الحبل وبقي حائرًا يصيح، وأخذت ما كان على البغل مع بناتها وفرَّت به …

    ورُفعت هذه القصة إلى ابن عباد فتعجب منها وأمر بإحضار البازي الأشهب وقال له: كيف فعلت هذا مع أنك في قبضة الهلكة؟ فقال له: يا سيدي، لو علمت قدر لذتي في السرقة خليت ملكك واشتغلت بها! فلعنه وضحك منه ثم قال له:

    إن سرَّحتك وأحسنت إليك، وأجريت عليك رزقًا يقلك؛ أتتوب من هذه الصنعة الذميمة؟

    فقال: يا مولاي، وكيف لا أقبل التوبة وهي تخلصني من القتل؟

    فعاهده وقدمه على رجال أنجاد، وصار من جملة حراس أحواز المدينة.

    هاتان قصتان لهما دلالتهما على صلة الرجل برعيته، ومعرفة أحوالهم، وتفكهه معهم.

١  الصرود والجروم: الحر والبرد، الأولى جمع صرد، والثانية جمع جرم، وكلا اللفظين فارسي معرب.
٢  نفح الطيب ج٥.
٣  ينتسب المعتمد إلى لخم قوم المناذرة ملوك الحيرة، وكان من ملوكهم ماء السماء.
٤  الزاهر والزاهي والثريا والمسعد قصور في إشبيلية.
٥  حلت به المصيبة في رجب سنة ٤٨٤.
٦  شمت الوتين بسيف المعتمد؛ إذ عجز عن قطعه بعد أن قطع ما قطع منه في الحرب.
٧  ابن محنية: السهم.
٨  في رواية: صدر كفر معين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤