الفصل السادس عشر

السجن

كانت زنزانة السجن مكتظة وشديدة القذارة. رجال ونساء كانوا محبوسين داخل هذا المكان الضيق، بعضهم مكبل إلى الحائط، والبعض الآخر مقيَّد إلى الأسِرة. ولم يتسع المكان لأحد ليتحرك في أرجائه.

عند وصولهما المكان في بادئ الأمر، كان الغضب والأسى يسيطران على مايلز، ولم يستطع التفكير بذهن صاف. فكان كل تركيزه منصبًا على جرائم أخيه ولم يستطع التفكير في أي شيء آخر. لكن بعد فترة من الوقت، بدأ مايلز يهدأ. وحاول أن يقرر هل تعرفت عليه إيديث أم لا، لكنه لم يستطع فهم الأمر. فقد كانت عودته إلى المنزل تجربة صاعقة ومخيبة للآمال.

مرت بضعة أيام، ومايلز وإدوارد يصابان بالهزال في زنزانة السجن. فقد عانيا من الأجواء القذرة والطعام الرديء. وتوقف إدوارد عن ادعاء كونه ملكًا، حيث كانت الأمور صعبة بما فيه الكفاية مع مناداة الجميع لمايلز بالمحتال.

حظي مايلز بشهرة كبيرة في السجن، فكان الحراس يتوقفون عنده في أحيان كثيرة ليهينوه. وكانوا يحضرون في بعض الأحيان أشخاصًا ربما يتعرفوا عليه، لكن لم يقل أحد إنه يعرفه. وفي أحد الأيام أحضروا رجلًا عجوزًا كان سجينًا أيضًا، وكان أحد الخدم القدامى في قصر هيندون. أشار الحراس إلى مايلز، وسألوا الرجل: «هل هذا سيدك السابق؟»

نظر الرجل العجوز إلى مايلز، وهز رأسه، وهو يقول: «ليست لدي أي فكرة عما تتحدثون عنه، فلم أر هذا الرجل في حياتي من قبل.»

ضحك الحراس مرة أخرى، وتركوا الرجل العجوز مع مايلز. وعندما أصبحا في مأمن من أن يسمعهما أحد، همس الرجل العجوز: «حمدًا لله!» وابتسم. «سيدي عاد أخيرًا. لقد ظننا أنك ميت طوال تلك السنوات.»

قال مايلز: «جورج؟ هل هذا أنت؟ ماذا تفعل هنا؟»

– «ما تفعله أنت. لقد ألقى أخوك بالكثير منا هنا. ولولا اتساخ ملابسنا وحالتنا المزرية، لتعرفتَ على الكثير منا.»

وهكذا علم مايلز قصة أسرته. توفي آرثر، كما أخبره هيو، منذ ست سنوات. ووطأة موت آرثر واختفاء مايلز أدت إلى مرض سير ريتشاد. وأراد سير ريتشارد أن ينعم هيو وإيديث بالأمان ويتزوجا، لكن إيديث ترجته الانتظار، فكانت موقنة أن مايلز سيعود أو سيبعث لهم بأخباره. ووافق سير ريتشارد، ثم وصل خطاب في أحد الأيام يوضح أن مايلز قُتل في إحدى المعارك. وشعر سير ريتشارد أنه لا جدوى من الانتظار أكثر من ذلك، وتزوج هيو من إيديث. ولم يمر وقت طويل حتى انتشرت الشائعات في الأنحاء بأن إيديث قد عثرت على عدد من مسودات الخطاب، الذي يحمل أخبار وفاة مايلز، مكتوبًا بخط يد زوجها. لكن لم يكن لديها أي أمل في الطلاق، فليس لها عائلة أخرى أو أي موارد دعم. وإذا رحلت، فسيأخذ هيو كل أموالها ولن يصبح لديها أي شيء. وعندما توفي سير ريتشارد، استولى هيو على ثروة الأسرة أيضًا. لم يحبه الناس كثيرًا، في الواقع كانوا يخافونه. كان الجميع يعلمون أنه لا يتردد في الزج بالناس في السجن. ولم يشعر أحد بالأمان في مواجهته.

قال مايلز: «هذه رواية مفزعة يا جورج. ليته كان بإمكاني فعل أي شيء لتغييرها.»

فرد جورج: «إنه زمن غريب. لقد سمعت شائعات أخرى عن أن الملك القادم مجنون، وسمعت أنهم يبعدونه عن عامة الناس.»

فجأة رفع إدوارد صوته قائلًا: «الملك القادم ليس مجنونًا! من الأفضل أن تهتم بشئونك.»

هز الخادم العجوز كتفيه وعاد إلى أفكاره.

قال جورج: «من المقرر دفن الملك خلال يوم أو اثنين، وسيتوج الملك الجديد بعد ذلك بأيام قليلة. كم كنت أتمنى المشاركة في الاحتفالات، فالمرء يفوته الكثير من الأمور وهو في السجن.»

جلس إدوارد مصدومًا؛ هل لا يزال ذلك الصبي القروي الصغير موجودًا في القصر؟ ولأول مرة يدرك إدوارد أن شخصًا آخر قد يتوج ملكًا بدلًا منه.

عند انتهاء مدة سجنهما أخيرًا، عاد مايلز وإدوارد ثانيةً للترحال على الطريق. وكان الحزن يملأ نفس مايلز، حيث كان يعلم أنه لن يستطيع العودة إلى المنزل. سوف يزج به هيو مرة أخرى ببساطة في السجن بوصفه محتالًا. كل ما كان يأمله ذهب أدراج الرياح، وكل أحبائه رحلوا عن دنياه. وكان يتساءل هل فقد قدرته أيضًا على المقاومة.

من ناحية أخرى، اكتسب إدوارد قوة جديدة، وسار على طول الطريق والتصميم يملؤه. لمحه مايلز، وللحظة نسي مشكلاته الخاصة، وشعر بالابتهاج.

قال مايلز: «لم أسألك إلى أين نحن ذاهبون؟»

– «إلى لندن بالطبع.»

عندما وصل مايلز وإدوارد إلى المدينة بعد بضعة أيام، اكتشفا أنهما وصلا في الوقت المناسب. فالملك هنري دُفن، وسيتُوج توم ملكًا في اليوم التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١