الفصل الثاني

العبقرية والأسرة

توجد في جميع الحضارات عائلات تشتهر بالموهبة مثل عائلات باخ في ألمانيا، وبرنولي في سويسرا، وداروين وهكسلي في بريطانيا، وطاغور في الهند، وتولستوي في روسيا. لكن حتى وسط جملة الأشخاص البارزين الذين يحملون لقب باخ أو برنولي أو داروين أو طاغور أو تولستوي يوجد في كل عائلة شخص واحد يتعارف الناس بوجه عام على عبقريته: يوهان سباستيان باخ، ودانييل برنولي، وتشارلز داروين، ورابندرانات طاغور، وليو تولستوي.

وقد أوضح الفنان جورجيو فاساري أن العبقرية لا تسري في العائلات في عمله الأدبي «سِيَر» الذي ألَّفَه في القرن السادس عشر عن كبار فناني عصر النهضة، الذين خَلَتِ الأصولُ العائلية لمعظمهم من القدرات الإبداعية بمَن فيهم ليوناردو دا فينشي، ومايكل أنجلو، وتيتسيانو فيتشيليو المعروف باسم تيشان (كل من الثلاثة كان سليلًا لعائلة متواضعة؛ الأول عملَتْ عائلتُه في المجال القانوني، والثاني عملَتْ عائلتُه في الصيرفة، والثالث كان ينتمي لعائلة من الموظفين). وقد دلَّلَ جالتون على ذلك — ولو أنه فعل ذلك دون قَصْد — في كتابه «العبقرية المتوارثة» بأن وضَّحَ أن الموهبة، لا العبقرية، على ما يبدو متوارثةٌ جزئيًّا (لا سيما وسط رجال القضاء الإنجليز). صحيح أن أسماء عظيمة؛ مثل: شكسبير، وبرنيني، ونيوتن، وبيتهوفن، وفاراداي، وبايرون، وجاوس، وسيزان، وأينشتاين. تظهر لكنها لا تتكرر ثانية أبدًا ضمن قائمة العباقرة؛ إذ لم يحدث قطُّ أن أَنْجَبَ عبقريٌّ عبقريًّا آخَرَ.

على النقيض من ذلك، قد يَحْدُث من آنٍ لآخَر أن تُنْجِب عائلةٌ مبدعةٌ متميزةٌ أَحَدَ العباقرة، وتشكِّل عائلةُ داروين أَحَدَ أشهر الأمثلة على ذلك. كان تشارلز داروين حفيدًا لاثنين من الشخصيات البارزة؛ هما: الفيزيائي والبيولوجي والكاتب إراسموس داروين، والخَزَّاف جوزايا ويدجوود. توجد عائلة أخرى هي عائلة الكاتبة فيرجينيا وولف التي انحدرت من سلالة من العلماء والكتَّاب من ناحية عائلة أبيها — عائلة ستيفنز — كان أبرزها والدها ليزلي ستيفنز المحرِّر المؤسِّس ﻟ «معجم السِّيَر الذاتية الوطنية»، ومن ناحية عائلة والدتها كانت هناك المصورة الفوتوغرافية جوليا مارجريت كاميرون. أما طاغور فلا يعرف الكثيرون أنه ابن رابندرانات طاغور أحد أبرز رجال الدين البنغاليين، وحفيد دواركانات طاغور أول رجل صناعة في الهند.

ومن ثَمَّ فإن مسألة وجود علاقة بين الوراثة والإبداع الاستثنائي أمر مثير للجدل، على الرغم من أن ثمة علاقة توجد بينهما على نحو واضح في بعض الأحيان. ماذا عن تأثير البيئة، ورعاية الأبوين للولد، أو نبذهما له؟ هنا أيضًا يمكننا أن نتوقع وجود بعض الروابط بين هذه العوامل والعبقرية.

أحد أكثر الأنماط إثارةً للاهتمام بين العباقرة يتعلق بتأثير فَقْدِ أحد الأبوين في سن مبكرة؛ فقد كَشَفَ مَسْحٌ أجراه العالِمُ النفسيُّ جيه مارفن أيزنشتات عام ١٩٧٨ على ٦٩٩ من أشهر الشخصيات التاريخية البارزة، عن أن ٢٥٪ من هذه الشخصيات قد فقد أحد أبويه على الأقل قبل سن العاشرة، و٣٤٫٥٪ قبل سن الخامسة عشرة، و٤٥٪ قبل سن العشرين، و٥٢٪ — أكثر من النصف — قبل سن السادسة والعشرين. وتشمل الأمثلة على ذلك جون سباستيان باخ، وروبرت بويل، وصامويل تيلور كوليردج، ودانتي، وداروين، وأنطوان لافوازييه، ومايكل أنجلو، ونيوتن، وبيتر بول روبنس، وتولستوي، وريتشارد فاجنر، وأورسون ويلز الذين فَقَدَ كُلٌّ منهم أحدَ أبويه أو كلَيْهما خلال العقد الأول من حياته، وهانز كريستيان أندرسون، وبيتهوفن، وماري كوري، وهمفري ديفي، وإدجار ديجا، وفيودور دوستويفسكي، وجورج فريدريك هاندل، وروبرت هوك، وفيكتور هوجو، وأوجست كيكولي، وطاغور، ومارك توين، وفيرجينيا، وولف الذين فَقَدَ كُلٌّ منهم أَحَدَ أبويه أو كلَيْهما خلال العقد الثاني من حياته. لا شك أن هذه النِّسَب لن تخبرنا شيئًا مقطوعًا بصحته عن علاقة اليُتْم بالعبقرية إذا لم نكن على علم بمعدلات وفيات عموم السكان إبَّان الفترة نفسها، وهذه التقديرات المتعلقة بأمد العمر المتوقع من الصعب تقديرها تقديرًا دقيقًا إذا لم تكن تتناول عصورًا حديثةً إلى حد بعيد.

لكن هذه التقديرات تدعمها نِسَبٌ تعبِّر عن الفترة المبكرة من القرن العشرين، كنِسَب المسح الذي أجرته آن رو عام ١٩٥٣ على كبار العلماء الأمريكيين، والذي أشار في أغلب الحالات إلى أن وفاة الأم أو كلا الوالدين بحلول سن الخامسة عشرة تكرَّرَ بين الأفراد البارزين بنسبة ٢٦٪ (الثلث تقريبًا) مقارنةً بنسبة ٨٪ بين الأفراد العاديين من جملة السكان. وهذه النسبة تكاد تماثل معدل وفاة أحد الوالدين في حالة مَن يصبحون فيما بعدُ أشخاصًا مجرمين أو مكتئبين معرضين للانتحار من بين جملة مجموع السكان.

هذا يُثِير بطبيعة الحال السؤالَ عن السبب في أنَّ بعض الأطفال يكتسب صلابةً بينما يُمنَى البعضُ الآخَرُ بالضعف أو حتى الانهيار بفعل فَقْدِ أحد الوالدين. يعبِّر وينستون تشرشل (الذي لقي أبوه راندولف حَتْفَه على نحوٍ مأساويٍّ عام ١٨٩٥ حينما كان هو في الحادية والعشرين من عمره) عن ذلك بقوله:

إن الأشجار الوحيدة، إذا قُدِّرَ لها أن تنمو أصلًا، تنمو قوية، والصبي الذي يُحرَم رعايةَ والده يصبح في أغلب الأحيان مستقلًّا ونَشِطَ الفكر على نحوٍ يمكن أن يعوِّضه في حياته التالية عن الخسارة الفادحة التي مُنِي بها في بداية حياته، هذا إذا نجا من مخاطر الشباب.

كانت فيرجينيا وولف قد أُصِيبت بأول انهياراتها العصبية إثر وفاة والدتها المبكرة عام ١٨٩٥، أعقب ذلك توترًا مضنيًا عانَتْه بسبب أبيها الأرمل، أفضى في نهاية المطاف إلى التعجيل بانهيارها العصبي التالي عقب وفاته عام ١٩٠٤. ما الشيء الذي امتلكته هذه المرأة وأتاح لها أن تتعافى، على الأقل لفترة من الزمن، وأن تحقِّق نجاحًا في الكتابة بدلًا من أن تنسحب من الحياة فتغرق في اليأس وعقم الإبداع، أو ما هو أسوأ من ذلك، في سنوات مراهقتها؟

لا شك أن أسباب ذلك صعبة التفسير، وتختلف باختلاف الفرد، تبعًا لتطوره والظروف السائدة في وقت حدوث الفجيعة التي أصابته. وقد ذكر داروين في سيرته الذاتية أنه لم يكن يعي وفاة والدته حينما كان طفلًا في الثامنة من عمره، بينما غمر ماري كوري — التي كانت في نفس السن عندما تُوفِّيَتْ والدتُها — «اكتئابٌ حادٌّ» بحسب ما جاء في سيرتها الذاتية. لا بد أن ردة الفعل إزاء الوفاة المبكرة لأحد الوالدين تنطوي حتمًا على خليط من المشاعر والدوافع المتضاربة التي تتراوح من القلق إلى الغضب، ومن الرغبة في الحفاظ على الذات والشعور بالأمن إلى الرغبة في الإعلان عن الذات والشعور بالحب. لكن لماذا ينبغي أن ينبثق الإبداع — وحتى العبقرية — أحيانًا من هذه التجربة القاسية في هذه السِّنِّ الغضَّة؟

اقترح علماء النفس تفسيرات متنوعة، أحدها أن الإنجاز الإبداعي والجنوح والانتحار لا بد أن يُنظَر إليها ثلاثتها باعتبارها ردود أفعال ساخطة إزاء المجتمع الذي سلب حياة أحد الأبوين. فمن خلال استهجان المعتقدات والممارسات الاجتماعية السائدة أو مهاجمتها يُمَكِّن الإنجازُ الإبداعي المرءَ من التطور بطريقة مستقلة ومتمردة رافضًا قواعد المجتمع وقوانينه. ثمة تفسيرٌ آخَر يذهب إلى أن الإنتاج الإبداعي يوفِّر مخرجًا للتغلب على مشاعر العزلة والحزن والذنب وانعدام القيمة النابعة من رحيل الوالد المتوفى، وهذا الرحيل كان ليؤدي إلى تدمير الذات لولا توفُّر هذا المخرج. ثمة احتمال ثالث وهو أن الإعجاب والمكانة الرفيعة والنفوذ التي من شأنها أن تُستمَد من الإنجاز الإبداعي قد تمكِّن المنجزين الناجحين من استغلال مَن حولهم والسيطرة عليهم، الأمر الذي يمنحهم شعورًا بالسيطرة على مصيرهم وبقدرتهم على حماية أنفسهم من التعرض لصدمات أخرى.

ذهبت الطبيبة والمحللة النفسية كارين هورني إلى أن ردود الفعل المحتملة لفقدان الأعزاء في مرحلة عمرية مبكرة تكون لها أهداف أساسية ثلاثة؛ فمن خلال «الاقتراب من الناس» يلتمس الفردُ حبَّهم له وقبولَهم إياه وإعجابَهم به وحمايتَهم له، تمامًا مثل حالة داروين الذي اتسم بكونه اجتماعيًّا في شبابه؛ ومن خلال «الابتعاد عن الناس» ينسحب الفرد ويسعى إلى الاستقلالية والاكتفاء الذاتي والكمال والمنعة من الهجوم، تمامًا مثل أينشتاين الذي كان «وقحًا» في شبابه (بحسب وصفه هو لنفسه)؛ وأخيرًا، من خلال «التحوُّل ضد الناس»، يسعى الفرد إلى السلطة والمكانة الرفيعة والسيطرة على الناس أو استغلالهم، وهذا بالتأكيد مثل حالة نيوتن حاد المزاج وربما دا فينشي أيضًا. إن الإنجاز الإبداعي قادر على جعل كل هذه الأهداف في متناول الأفراد. ويلخِّص عالِمُ النفس ميهاي تشيكسنتميهاي هذا الأمرَ في الدراسة التي أعَدَّها عن الإبداع، والتي استندت إلى مقابلات أُجرِيَتْ في تسعينيات القرن العشرين مع ما يقرب من ١٠٠ شخص مبدع (١٢ منهم فازوا بجائزة نوبل)؛ إذ يقول:

مع أن البالغين المبدعين كثيرًا ما يتغلبون على مصيبة اليُتْم، تشكِّل مقولةُ جان بول سارتر المأثورةُ عن أن أعظم هدية يمكن أن يُهدِيها أبٌ لابنه هي أن يرحل عن الحياة مبكرًا؛ نوعًا من المبالغة. فعدد أمثلة المبدعين الذين خرجوا من بيئات عائلية دافئة ومحفزةٍ كبيرٌ بدرجة لا تبعث على القطع بأن المشقة أو الصراع ضروري لإطلاق الحس الإبداعي. في الواقع يبدو أن الأفراد المبدعين هم إما الذين حظوا بطفولة مشجِّعة على نحو استثنائي، أو الذين واجهوا قدرًا استثنائيًّا من الحرمان والتحدي. أما الفئة التي تتوسطهما فيبدو أنها هي الغائبة.

ومع ذلك، تُشِيرُ دراساتٌ استقصائيةٌ أخرى إلى زيادة عدد المبدعين الذين عانوا من طفولة محرومة عن أولئك الذين حظوا بطفولة مشجعة؛ إذ كَشَفَتْ دراسةٌ أُجْرِيَتْ على ٤٠٠ شخصية تاريخية بارزة بعنوان «مهود التفوق» — ونَشَرَها عام ١٩٦٢ العالمان النفسيان فيكتور وميلدريد جورتزل — عن أن ٧٥٪ من الشخصيات البارزة ذاقوا مرارة التفكُّك الأسري والرفض من جانب آبائهم، كما كان أكثر من واحد من بين كل أربعة منهم يعاني إعاقة جسدية ما. وكَشَفَتْ دراسةٌ أَحْدَثُ أُجرِيت على ٣٠٠ شخصية بارزة من شخصيات القرن العشرين — أجراها أيضًا الأَخَوان جورتزل — عن أن نسبةً أكبرَ منهم، (٨٥٪) جاءت من أوساط أسرية شديدة الاضطراب، وأن أعلى نِسَب الاضطراب (٨٩٪) موجودة في أُسَر الروائيين وكتَّاب المسرح، وأدنى النِّسَب (٥٦٪) في أُسَر العلماء. من المعروف أيضًا أن الحائزين على جائزة نوبل من المنتمين لأصول فقيرة أكثر عددًا في مجال الأدب منهم في مجال العلوم، وأن مَن يعانون إعاقة جسدية يزيد عددهم في الفئة الأولى عنه في الفئة الثانية. جاء في دراسة آر إيه أوكسي الرائعة التي تناولت محددات العبقرية: «استنادًا إلى الشواهد، يستطيع المرء أن يفترض بدرجة وافرة من اليقين أن أغلب المبدعين عانَوا بعض الحرمان والحزن خلال طفولتهم.» ويضيف قائلًا:

بعضهم فُجِع في والديه، وبعضهم عانى إحساس الرفض، وبعضهم رُبِّيَ تربية صارمة. وبعضهم تعرَّض لاضطرابات عاطفية أو لانعدام الأمن المالي أو للإيذاء البدني. وبعضهم عانى الإفراط في الحماية أو الوحدة أو عدم الأمان، وبعضهم كان قبيحًا أو مشوَّهًا أو يعاني إعاقةً جسدية ما. وكثير منهم عانى عددًا مجتمعًا من هذه البلايا.

تَمِيلُ أدلة قصصية يرويها بعضُ الروائيين إلى تأكيد هذه الصورة، حتى بعد أن يعالجها الروائي الناضج رقيق الشعور بما يلزم من تنميق لِيُجَمِّل ذكريات الطفولة. فتشارلز ديكنز حفلت طفولته بمآسٍ عديدة، وجوزيف كونراد يستدعي ذكريات طفولته في الفترة بين عمر الثامنة والثانية عشرة — وهي الفترة التي فَصَلَتْ بين وفاة والدته ووفاة والده نتيجةً لإصابتهما بمرض السل — بقوله:

لا أعرف ما كان سيئول إليه حالي لو لم أكن صبيًّا قارئًا. حينما كادت دراستي الإعدادية تنتهي، لم يكن لديَّ ما أفعل سوى أن أجلس وأراقب السكون المريع لغرفة المرضى يتدفَّق عبر بابها الموصد ليغلِّف قلبي المرتاع في برود. أظن أن الحياة الصبيانية الجوفاء كانت لتدفعني إلى الجنون. كنت في كثير من الأحيان، وليس دائمًا، أظل أبكي إلى أن يغلبني النعاس.

وأنطون تشيكوف الذي كان ابنًا لبقال مكافح كان عبدًا، له ذكريات مؤلمة — وإن كانت خصبة إبداعيًّا — عن طفولته؛ إذ كتب يقول: «لقد شوَّهَ الاستبدادُ والأكاذيبُ طفولتَنا إلى حَدٍّ يجعلني أشمئزُّ وأرتاعُ من مجرد التفكير فيها.» ويُضِيف قائلًا:

أذكر أن أبي بدأ يُؤدِّبني، أو بالأحرى يَجْلِدُني بالسوط، ولم أكن قد تجاوزْتُ الخامسة. كان يجلدني بالسوط ويكيل اللكمات لأُذُني ويضربني فوق رأسي، وكان أولُ سؤالٍ يتبادَرُ إلى ذهني حينما أستيقظُ كُلَّ صباحٍ هو: «هل سأُضرَب بالسوط اليوم؟» كنتُ ممنوعًا من أن ألعب أو ألهو.

إنَّها لفكرة جذَّابة أن نعتقد أن العبقرية تترعرع في هذه الظروف المتطرفة في الطفولة، سواء ظروف المحنة والصراع أو ظروف الدعم والحب. ومن اليسير أن نظن أن الإبداع الاستثنائي ناتج بالضرورة عن انفعالات استثنائية. لكن الظروف الأُسَرية للعباقرة لا تؤكِّد صحة هذه الصورة إلا بدرجة جزئية، وتزيدها تعقيدًا في الوقت نفسه.

من ناحية، ما من شك في أن ليوناردو دا فينشي عانى أقصى درجات الإهمال من جانب والديه؛ فقد تخلَّى عنه والدُه ووالدتُه في صِغَره، لكن يُستثنَى من ذلك ما اتخذه والدُه من خطوةٍ أثَّرَت بالغ التأثير فيما بعدُ على مسار ليوناردو، حينما قدَّمه خلال سنواتِ مراهقتِه إلى الفنَّان أندريا ديل فيرُّوكيو وألحقه بمرسمه. ومن ناحية أخرى مناقضة، نال موتسارت تدليل أبيه وأمه وأخته خلال كل لحظة عاشها من الطفولة حتى أوائل العشرينيات من عمره، وبفضل ما كان والده يقدِّمه طوال الوقت من تحفيز وتعليم، نالَتْ موهبةُ موتسارت الموسيقيةُ كُلَّ تشجيع ممكن كي تزدهر. ويحتل أينشتاين مكانًا ضمن الفئة الوسطى التي تحدَّثَ عنها العالِمُ النفسيُّ ميهاي تشيكسنتميهاي، حيث لم تكن أسرته تُفْرِط في إهماله أو تشجيعه؛ إذ لم يَحْدُث قطُّ أنْ أَقْدَمَ وَالِدَا أينشتاين أو أقاربُه المقرَّبون على تثبيط اهتمامه الفتيِّ بالرياضيات والفيزياء النظرية، لكنهم أيضًا لم يُشجِّعوا قطُّ هذا الأمْرَ في حماسٍ (فلا وجود مثلًا لرسائل منه إلى والده المهندس ورجل الأعمال يحدِّثه فيها عن الفيزياء)، بل كان هذا الدور من نصيب أصدقاء من خارج الوسط العائلي لأينشتاين.

بدلًا من أن نُصنِّف العباقرةَ إلى فئة حَظَتْ بطفولة «مُشجِّعة» وفئة أخرى عانَتْ طفولةً «محرومة»، من الأصح أن نقول إن إبداعهم ينبع على ما يبدو من نوع من التوتر أو الصراع بين التشجيع والحرمان. وإذا أردنا أن نُفْرِط في التبسيط يمكن القول إنه ما من شك في أنَّ دا فينشي الصغيرَ حُرِم حُبَّ والديه وتوجيهَهما، لكنه تمتَّعَ نتيجةً لذلك بحريةٍ غير اعتيادية أتاحتْ له أن يستكشف الدنيا بنفسه، على المستوى الفعلي في فينشي وفلورنسا، وعلى المستوى الرمزي أيضًا في الفن والعلوم. وإن ما نالَهُ موتسارت من رعاية متطرفة من جانب والده كَبَحَتْ دون شك تطوُّرَه كفردٍ مستقلٍّ، لكنها أتاحَتْ له أن يُزهِر كموسيقيٍّ وعازِفٍ، ثم لم يُدْرِك ذاتَه إدراكًا كاملًا كمُلَحِّن إلا بعدما انفصل في منتصف العَقد الثالث من عمره عن والده. وإن حرمان أينشتاين من صحبة والديه وتمرُّده على اختيارهما مدرستَه وعلى قِيَمهم الاجتماعية التقليدية، ساعَدَ دون شك في تمهيدِ طريقِهِ ومَنَحَهُ الثِّقَةَ لإحداث ما أَحْدَثَهُ في مجال الفيزياء مِنْ تحوُّلٍ ثَوْرِيٍّ أَحْدَثَ انقلابًا في الفهم التقليدي للضوء، والفضاء، والزمن.

fig4
شكل ٢-١: لوحة لعائلة موتسارت بريشة الفنان يوهان نيبوموك ديلا كروتشي رسمها عام ١٧٨٠-١٧٨١. وأفراد العائلة من اليسار إلى اليمين: ماريا آنا (نانرل)، وفولفجانج أماديوس، وليوبولد موتسارت. وتظهر في الصورة البيضاوية الموجودة في خلفية اللوحة السيدة آنا ماريا والدة موتسارت المتوفاة.1
إنَّ الدَّعْمَ عَمَلٌ اجتماعيٌّ يُثِيرُ جانبًا آخَرَ من جوانب العلاقة بين الأسرة والأصدقاء من ناحية، والشخص العبقري من ناحية أخرى: مسألة دور الاندماج الاجتماعي في مقابل العزلة في الإبداع الاستثنائي. كتب المؤرخ إدوارد جيبون في مذكراته ما يلي: «الحوار يثري العقل، لكن العزلة هي مدرسة العبقرية.» ومن الواضح أن معظم العباقرة اتفقوا مع هذا القول. فمهما كان الآخَرون نافعين في تحفيز عقول العباقرة، فإن أفضل الأفكار يتفتَّق عنها ذِهْنُ العبقريِّ حينما يكون وَحْدَه. فتمثال نيوتن الموجود في كنيسة «كلية الثالوث» بكامبريدج، بحسب كلمات ويليام ووردزوورث في قصيدة «المقدمة» يمثِّل «الشاهد الرخامي على عقل ظلَّ يمخر أبدًا عُباب بحر الفكر وحيدًا.» ورغم أن توماس ألفا إديسون كان على وعي تام بأهمية الطلب المجتمعي وإمكانية تسويق المخترعات، فقد قال: «إن أفضل التفكُّر هو ما مُورِس في العزلة.» وكتب بيير كوري في يومياته حينما كان شابًّا (بحسب ما روته ماري كوري):

كلما حاولتُ الإسراع وأنا أُركِّز داخل نفسي ببطء، كانتْ أتْفَهُ الأمور — كلمةٌ أو خبرٌ أو صحيفةٌ أو زيارةُ شخصٍ ما — تَسْتَوْقِفُني وتَمْنَعُنِي من أن أتحوَّل إلى جيروسكوب أو خُذروف، وربما تؤجِّل تلك اللحظةَ التي — حينما أتمتَّع بالسرعة الكافية — قد أتمكَّن فيها من التركيز داخل نفسي على الرغم ممَّا يدور حولي، أو تؤخِّرها إلى الأبد.

وقد ذكر فاجنر أنَّ «العزلةَ والانفرادَ التامَّيْن هما عزائِي الوحيدُ وخَلاصِي.» وقال بايرون: «إنَّ المجتمعَ يضرُّ بأي إنجاز عقليٍّ.» في حين أَلْقَى صديقُه صامويل تيلور كوليردج باللوم في عرقلة تأليف قصيدته المستلهمة من رؤيا في المنام «قبلاي خان»، على «شخص كان يؤدي عملًا من مدينة بورلوك.» وكان إف إس نيبول يعتقد أن: «الكتابة تأتي من أكثر أعماق المرء سِرِّيَّةً، والكاتب نفسه لا يدرك تلك الأعماقَ؛ لذا فإنَّ الكتابةَ نوعٌ من السِّحْر.»

تحدَّثْنا كثيرًا عن عزلة العباقرة في مرحلة النضج، فهل كانوا منعزلين في مرحلة الطفولة أيضًا؟ غالبًا ما كانوا كذلك، بحسب ما ذكرَتْهُ دراسةُ أوكسي: «إن العزلة الاجتماعية والوحدة تُشكِّلان عنصرًا متكرِّرًا فيما كُتِب عن طفولة المنجزين المبدعين.» ويُضِيف قائلًا:

كان عدد كبير من المنجزين المبدعين منعزلين عن غيرهم من الأطفال بسبب ما كان يَفْرِضُه عليهم الآباءُ والأمهاتُ من قيود، أو بسبب المرض، أو انتقال الأسرة المستمر من مجتمع إلى آخَر، أو عدم وجود أشقاء، أو الخجل الفطري. وأيما كان السبب، يبدو أن المبدعين كانوا عادةً ما ينخرطون في أنشطة فردية خلال طفولتهم.

على سبيل المثال كان كونراد وَحِيدَ أَبَوَيْهِ، واضطر للهجرة من مسقط رأسه بولندا في سن الرابعة هو ووالدتُه حينما جرى نَفْيُ والدِهِ المُنَاضِلِ إلى منطقة قاسية المناخ في شمال روسيا، ثم عانى اليُتْمَ بعد وفاة كلا والِدَيْه. حتى موتسارت، مع كُلِّ حُبِّه للعزف على الملأ في حداثة سِنِّه، ربما كان انعزاليًّا وهو طفل؛ فقد حكى ليوبولد موتسارت عن حادثة وَقَعَتْ خلال إحدى جولاته عام ١٧٦٥، عندما كان موتسارت في التاسعة من عمره، مفادها أن نانرل الأخت الكبرى كانت طريحة الفراش وتوشك على الموت جرَّاء الحمى، يرعاها والداها القَلِقان، في حين كان «فولفجانج الصغير في الغرفة المجاورة يسلي نفسه بموسيقاه.»

وهكذا، لم يكن التعاون والعمل الجماعي من سمات حياة المبدعين الاستثنائيين في أغلب الأحيان، رغم ما يمكن أن تشكِّله هذه الحقيقة من ضِيقٍ لدعاة «العصف الذهني» و«الإبداع الجماعي» في الشركات التجارية وغيرها من المؤسسات. فالصحبة لا تلائم العبقري. وربما من نافلة القول أن أعظم القصائد والروايات واللوحات والمقطوعات الموسيقية، وحتى الأفلام، تكاد دائمًا تكون من نتاج رؤية شخص واحد، ومن ثَمَّ لم يحدث أن مُنِحَتْ جائزة نوبل في الأدب لأكثر من فرد واحد إلا في حالات شديدة الندرة. من الواضح أن هذا لا ينطبق على مجال العلم وعلى جوائز نوبل في العلوم؛ فالعِلْمُ بطبيعته تعاونيٌّ، لا سيما في العقود الأخيرة، وهناك بعض الشراكات العلمية المعروفة؛ مثل: شراكة ماري كوري وزوجها بيير كوري، وشراكة ويليام براج وابنه لورانس براج (تصوير البلورات بالأشعة السينية)، وفرانسيس كريك وجيمس واتسون (التركيب الجزيئي للحمض النووي دي إن إيه)، ومايكل فنتريس وجون تشادويك (فك طلاسم الكتابة الخطية «ب»). ومع ذلك، تظل الشواهد تشير إلى أن أكثر العلماء عظمةً — جاليليو ونيوتن وفاراداي وداروين وأينشتاين وغيرهم — قدَّمَ أهم أعماله منفردًا.

ويشكِّل الدورُ الذي يَلْعَبُه الشَّرِيكُ أو النَّجْلُ النموذجَ الأخيرَ الذي سنتناوله في دراسة مسألة الأُسْرَة والعبقرية؛ فالزوجات والأزواج والأبناء، بصرف النظر عمَّا كان يمكن أن يميِّزهم من مواهب حقيقية، وعمَّا قدَّموه من مساهمات فعلية في حياة العباقرة، عادةً ما اعتُبِروا شخصيات بلا قِيمة أو منسيَّة تمامًا في نظر الأجيال التالية؛ إذ غالبًا ما يجري تهميشهم في الموسوعات والمراجع بذكرهم في مجرد جملة أو عبارة، هذا إذا وَرَدَ ذِكْرُهم بالأساس، حتى في حالة داروين الذي كانت زوجته الوفية إيما ويدجوود «الجندي المجهول وراء كفاحه المتواصل لبلوغ الكمال.» (على حدِّ تعبير كاتبة السير جانيت براون) بمنزلة المحرِّر الهامِّ والضروريِّ لِمَا كان زوجُها تشارلز يُنْتِجُه من كتابات معقَّدة في كثير من الأحيان بما في ذلك كتابه «في أصل الأنواع»، وناقَشَتْ معه العديدَ من أفكاره، وأَثْبَتَ أبناؤه في بعض الأحيان تَفَوُّقَهم في مجال العلوم. ربما كان هذا أمرًا حتميًّا، لا سيما حينما يحاول شَرِيكُ الحياةِ والأبناءُ تحقيقَ إنجازٍ ما في نفس المجال الذي برع فيه الشريك أو الوالد، مثلما حدث في حالة زوجة أينشتاين الأولى ميليفا ماريتش التي حاولَتْ أن تحقِّق إنجازًا في مجال الفيزياء، وحالة الابن الثاني لليوبولد موتسارت، واسمه فولفجانج أماديوس أيضًا، الذي حاوَلَ أن يُنْجِز شيئًا في الأداء الموسيقي. (تعمَّد ابن أينشتاين الأول، هانز ألبرت، أن يتجنَّب مجالَ الفيزياءِ النظريَّةِ وصار متخصِّصًا في الهندسة الهيدروليكية.) سيظل هؤلاء الشركاء والأبناء يُقارَنون بذويهم العباقرة، فيُنظَر إليهم باعتبارهم أدنى مرتبةً.

لكن حتى هنا توجد استثناءات مهمة؛ فقد تزوَّجَتْ كلٌّ من ماري كوري وفيرجينيا وولف من شخصَيْن مبدعَيْن متميزَيْن صارا شريكَيْن محفِّزَيْن لعبقريتهما. قدَّمَتْ ماري كوري أَفْضَلَ ما لديها بفضل تعاوُنِها مع بيير كوري، وهذه حقيقة سلَّمَتْ بها علنًا، مثلما سلَّمَتْ بها الأكاديميةُ السويديةُ عند مَنْحِهما جائزةَ نوبل في الفيزياء لاكتشافهما معًا عنصرَ الراديوم؛ يُضاف إلى ذلك أن الابنة الكبرى للزوجَيْن كوري شاركتْ زَوْجَها في وقتٍ لاحِقٍ جائزةَ نوبل في الكيمياء. أما الكاتب والصحفي ليونارد وولف فكان ببساطة أكثرَ أهميةً من ذلك بكثير بالنسبة لفيرجينيا وولف؛ إذ كان ناقدًا ومحرِّرًا حسَّاسًا وأمينًا لأعمالها (بحسب حُكْمِها عليه في ملاحظاتها بشأنه الواردة في مذكراتها الشهيرة)، وأنقذها من الانتحار حينما كانَتْ تَكْتُبُ أُولى رواياتها عام ١٩١٣، بعد سنة واحدة من زواجهما. في رسالة فيرجينيا الأخيرة التي كَتَبَتْها قبل أن تُغْرِق نَفْسَها في النهر عام ١٩٤١، والتي كثيرًا ما يُستشهَد بأجزاء منها، ذَكَرَتْ ما يلي موجِّهَةً حديثَها إلى ليونارد:

ما أودُّ قولَه هو أنني أَدِينُ لكَ بكلِّ سعادة عِشْتُها في حياتي. كنتَ صبورًا معي للغاية وبارًّا بي على نحوٍ لا يمكن تصوُّرُه. أودُّ أن أقول إن الجميع يعلم ذلك. ولو كان لأحد أن ينقذني لكان أنت. لقد ضاع مني كل شيء إلا اليقين في طيبتك. لا يَسَعُني أن أمضي قُدُمًا في إفساد حياتِكَ أكثر من ذلك، ولا أظنُّ أنَّ شخصَيْن آخَرَيْن سوانا كانا سيسعدان أكثر مما سعدنا.

فيرجينيا

وهكذا فإن تأثير التنشئة الأسرية والبيئة على تطوُّر العبقرية يعمل — كما نتوقع — بطرق عديدة إيجابية وسلبية على حدٍّ سواء. وقد ازدهرت العبقرية حينما كان الوالدان شبه غائبين، وكذلك حينما توفَّر حضورهما المحب. لكن بخلاف مَيْل العباقرة للعزلة في جميع الأعمار، هذا التأثير ليس قابلًا للتعميم.

هوامش

(1) Mozart Museum, Salzburg, Austria. © Alinari/The Bridgeman Art Library.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١