الفصل التاسع

الكدُّ والإلهام

التحضير التدريجي ثم الاستنارة المفاجئة، أو العمل الدءوب المتبوع بلحظة استبصار، أو الكدُّ المُفْضِي إلى الإلهام — أيًّا كانت طريقة الوصف التي نختارها — كلها ملامح تصف العبقرية. قال شاعر يوناني قديم غير معروف عاش قبل زمن أفلاطون (ربما كان هيسيود): «أمام بوابات التفوق وضعَتِ الآلهةُ العليا الكد.» وفي مقولة إديسون التي يُستشهَد بها كثيرًا، والتي تعود إلى عام ١٩٠٣ تقريبًا: «إن العبقرية واحد بالمائة إلهامًا، وتسعة وتسعون بالمائة كدًّا.» ثم تكررت هذه الفكرة ثانية في قول يُنسَب إلى جورج برنارد شو لكنه يغيِّر النِّسَب إلى: «تسعين بالمائة كدًّا، وعشرة بالمائة إلهامًا.» وقد أشار داروين في أواخر حياته إلى نفس هذه الفكرة الأساسية بكلمات أقل جلاءً لكن بنفاذ بصيرة ثاقب في رسالة إلى ابنه هوراس، على النحو التالي:

في الليلة الماضية كنتُ أتفكَّر فيما يجعل الرجل مكتشفًا لأشياء غير مكتشفة، ويا لها من معضلة محيرة! فكثير من الرجال غاية في الذكاء، أذكى بكثير من المكتشفين، ومع ذلك لا يبتكرون أي شيء أبدًا. في ظني، تتمثل الحيلة في الدأب على البحث عن أسباب كل ما يحدث أو معناه، وهذا يتضمن الملاحظة الجادة ويتطلب أقصى قدر من المعرفة بالموضوع قيد البحث.

مما لا شك فيه أن العباقرة، مثل داروين، يعملون على نحو دءوب ومتواصل. فقد نال إديسون ١٠٩٣ براءةَ اختراع، بمتوسط براءة اختراع جديدة كل أسبوعين من حياته بعد البلوغ، وباخ كان يؤلِّف ما متوسطه ٢٠ صفحة من الموسيقى المُنَقَّحة يوميًّا؛ أي: ما يَكْفِي لِأَنْ يشغل أي ناسخ طوال ساعات العمل القياسية من حياته في كتابتها بخط اليد، وبيكاسو أبدع أكثر من ٢٠ ألف عمل فني، وهنري بوانكاريه نشر ٥٠٠ بحث و٣٠ كتابًا، وأينشتاين نشر ٢٤٠ عملًا، وفرويد ٣٣٠ عملًا. وفي كتاب «أمام بوابات التفوق: محددات العبقرية الإبداعية» علَّق أوكسي على هذا قائلًا: «هذه الأرقام تَقُود المرءَ لإدراك حقيقةٍ هامةٍ جدًّا؛ وهي أن هؤلاء الأشخاص قد أنفقوا بالضرورة الجزء الأكبر من ساعات يَقَظَتِهم وطاقتِهم في عملهم.»

fig13
شكل ٩-١: توماس إديسون بجانب الدينامو الأصلي الذي اخترعه في عام ١٩٠٦ تقريبًا، بعد فترة ليست طويلة من إبداء ملاحظته بأن «العبقرية واحد بالمائة إلهامًا، وتسعة وتسعون بالمائة كدًّا.»1
يَمِيل العباقرة لِأَنْ يكونوا غزيرِي الإنتاج، مقارنةً بمعاصريهم، وأن يواصلوا العطاء حتى آخِر يوم من حياتهم، كما حَدَثَ في حالتَيْ أينشتاين وموتسارت. وقد ظلَّ توماس يونج يعمل على دراسة براهين كتابه «أساسيات قاموس اللغة المصرية» بينما كان يُحتضَر عام ١٨٢٩ وهو في منتصف العقد الخامس من عمره، ولا يقوى إلا على الإمساك بقلم رصاص بدلًا من قلمه المعتاد. ولما كان يونج طبيبًا محترفًا، كان أفضل درايةً من معظم المرضى بحالته الصحية، لكن حينما عاتبه صديقٌ مقرَّبٌ له بأن الكتابة ستستنفد قُواه، قال له:

إنه عَمَلٌ لو قُدِّرَ له أن يَظَلَّ على قيد الحياة لِيُنْهِيَه لَأَشْعَرَه ذلك بالرضا، لكن إذا حدث خلاف ذلك، وهو الأمر الأكثر احتمالًا نظرًا لكونه لم يشهد قطُّ علةً أسرع تدهورًا من علته هذه، فسيظل يشعر برضًا بالغ؛ لأنه لم يقضِ يومًا من حياته دون عمل.

ومع ذلك، ليس هناك إجماع بين المبدعين — العباقرة أو غيرهم — على ما إذا كان الكدُّ منفصلًا عن الإلهام أم لا؛ إذ يرى ساتياجيت راي أن «مسألة الإبداع كلها، والأفكار التي تأتي في لحظة تجلٍّ، لا يمكن تفسيرها بواسطة العلم. لا سبيل لذلك. لا أعرف ما يمكن أن يفسِّرَها لكنني أعرف أن أفضل الأفكار تأتي حينما لا تكاد تفكِّر فيها. إنه أمر غاية في الخصوصية حقًّا.» والواضح أن الإلهام يأتي «دون دعوة، وعلى نحو غير مفهوم بالنسبة للشخص المُلهَم» (وفقًا لما كتبه الطبيب النفسي كريس مكمانوس) نتيجةً للعمل المكثَّف على مسألة ما، وللأعمال الأخرى التي قد تبدو غير ذات صلة. وأغلب الظن أن الإلهام والكدَّ توءمان لَصِيقان. وقد لاحظ المؤلِّفُ الموسيقيُّ إليوت كارتر أنه «إذا حضر الإلهام، لا يأتي في مُستهلِّ اللحن، وإنما يأتي أثناء كتابته. وكلما ركزت في اللحن يزداد الإلهام — حسنًا؛ أنا لا أدري تحديدًا ما معنى الإلهام — لكنني أرى بمزيد من الوضوح والحماس والانفعال أشياءَ جديدةً، ولا أكون في حالة أود فيها أن ألقي بعدد هائل من الألحان التي لا أود تلحينها.» من ناحية أخرى قال ملحن آخَر، هو آرون كوبلاند:

ليس في وسعك أن تختار اللحظة التي تَرِد لك فيها الأفكارُ، وإنما هي التي تختارك، وحينئذٍ قد تكون مستغرقًا تمامًا في تلحين مقطوعة أخرى … أعتقد أن الملحنين سيقولون لك إن الأفكار تَرِد إليهم في الوقت الذي قد لا يستطيعون فيه العمل عليها. إنهم يسجِّلونها حيث يمكنهم العثور عليها عندما يحتاجون البحث عن الأفكار، ولا تَرِد إليهم الأفكارُ بسهولة.

أما عن منبع الفكرة، فتبدو الاحتمالات متنوعة تنوُّع الأفراد المبدعين. قال النحَّات أنتوني كارو متحدثًا عن نفسه:

إنها تأتي بطرق متعددة. قد تأتي من التفكير في الفن، قد تأتي من النظر إلى الفن، وقد تأتي من حديث أجريته، أو تأتي من آخِر عمل فني أنتجته، أو تأتي مما يصنع المعماريون، أو من لوحات شاهدتها، أو من رؤية قطعتين من الصلب على الأرض معًا، أو تأتي من المرور بشيء ثم قول: «تلك بداية، الآن انتظر لحظة، ما الذي ينبغي إضافته إليها؟»

على مدى القرن الماضي، حاول العديدُ من علماء النفس مثل جراهام والاس وآرثر كستلر وميهاي تشيكسنتميهاي، وديفيد بيركنز، ودين كيث سيمونتن، وروبرت ستيرنبرج، وروبرت وايزبيرج صياغةَ نظريات عن الإبداع، لكنَّ أيًّا منها لم يكن تفسيريًّا حقًّا؛ ولهذا السبب أهملها هذا الكتاب حتى الآن. لكن يجدر بنا أن ننظر إلى كيفية فشل هذه النظريات، وذلك بأن نركِّز على اثنتين من النظريات الأكثر بروزًا: نظرية تشيكسنتميهاي، ونظرية الاقتصادي ديفيد جالينسن.

في النموذج الذي وضعه ميهاي للإبداع والذي يتضمن (المجال/الوسط/الشخص)، ليس الإبداع متأصلًا في الشخص، وإنما ينبثق من تفاعُل عمل الشخص في مجالٍ ما (الموسيقى مثلًا) مع وسط من الخبراء (الملحنين والنقَّاد في هذه الحالة). إذ يقترح تشيكسنتميهاي ألا يكون السؤال الذي ينبغي طرحه: ما الإبداع؟ وإنما: أين الإبداع؟ قد تبدو النقطة المتعلقة بالخبراء واضحةً، إلا أنها تتناقض مع إيماننا الراسخ بأن الإبداع والعبقرية قد يكونان موجودين لدى بعض الأفراد — بل حتى لدينا نحن — ومع ذلك يظلان غير مكتشَفَين. ويلقي تشيكسنتميهاي الضوء على هذا التعارض؛ إذ يقول:

الطريقة المعتادة للنظر في هذه المسألة هي أن شخصًا مثل فان جوخ كان عبقريًّا مبدعًا عظيمًا، لكنَّ معاصريه لم يدركوا هذا. ونحن — لحسن الحظ — اكتشفنا الآن أخيرًا مدى روعة هذا الرسَّام، ومن ثَمَّ فإن إبداعه قد تَمَّ إثباته. ما نعنيه هو أننا نفوق معاصري فان جوخ — البرجوازيين الجَهَلَة — كثيرًا في كيفية تمييز الفن العظيم. لكن ما الذي — إلى جانب غرورنا اللاشعوري — يبرِّر هذا الاعتقاد؟ إن الوصف الأكثر موضوعيةً لعمل فان جوخ هو أن إبداعه ظهر للنور لما رأى عددٌ ليس بالقليل من الخبراء أن في لوحاته شيئًا مهمًّا من شأنه أن يضيف إلى مجال الفن. من دون هذه الاستجابة، كان فان جوخ سيبقى على حاله التي كان عليها، مجرد رجل مضطرب يرسم على القماش لوحات زيتية غريبة.

بالإضافة إلى ذلك، وفقًا لنموذج تشيكسنتميهاي، لا يستطيع الشخص أن يكون مبدعًا في مجالٍ، إذا لم تكن له خبرة في هذا المجال — إما بالتعليم النظامي أو بتعليم الذات (كما في حالة فان جوخ). فضلًا عن أن الإبداع لا يتضح إلا في المجالات الموجودة بالفعل.

يمتاز نموذج تشيكسنتميهاي ببعض المزايا، ليس أقلها أنه يلعب دورًا تصحيحيًّا متمثلًا في إنهاء الابتذال الشائع لكلمة الإبداع باعتبارها تعني أي تعبير مبتكر يصدر من فرد، ولكنه محدود للغاية بحيث لا يمكنه الاشتمال على العبقرية. لكن كيف يقيِّم النموذج، مثلًا، مساهماتِ فاراداي الجوهرية في مجال الفيزياء مع قلة معرفته بالرياضيات، أو تحوُّلَ الشاعر طاغور إلى أهم رسَّام حداثي في الهند، أو فكَّ المعماري فنتريس رموزَ الكتابة الخطية «ب»؟ إن فاراداي وطاغور لم ينالا التعليم النظامي اللازم في مجالي الرياضيات والرسم، وفنتريس كان يعمل في مجال لم يكن له وجود (لم تكن أي جامعة تحوي بعدُ قسمًا متخصِّصًا في فكِّ الرموز). وهكذا فإن كلَّ مَن يتخطَّى حدود تخصُّصه الصارمة، ويتمكَّن من تحقيق إنجاز، ويصنع مجالًا جديدًا — مثلما فعل داروين بالاعتماد على علم الأحياء، وعلم الحفريات والجيولوجيا وعلم الاقتصاد لوضع نظريته عن التطور بالانتخاب الطبيعي — لن يكون على ما يبدو أهلًا لِأَنْ يُعتبَر مبدعًا في نظر نموذج تشيكسنتميهاي.

والجانب الأكثر قيمةً من نموذج تشيكسنتميهاي يتمثَّل في التنبؤ بأن صفة «عبقري» ينبغي أن تُمنَح وتُمنَع وفقًا لتبدُّل آراءِ الخبراء. بعبارة أخرى، قد يُوصف البعض بصفة العبقرية أو يُجرَّدوا منها على مدار الوقت، وكل حالة تُنسَب فيها صفة العبقرية لشخص ما تكون حالةً مؤقتةً. هذا يتوافق مع الأدلة المستمدة من الدراسات المتعلقة بمنزلته. ففي الفصل الأول، رأينا كيف صار باخ يُصنَّف في أكثر الأحيان في المرتبة الأولى بين عباقرة الموسيقى خلال العقود الأخيرة، رغم أنه كان أدنى مرتبةً إلى حدٍّ ما خلال النصف الأول من القرن العشرين، حينما كان بيتهوفن يُعَدُّ أعظم ملحن في نظر قطاع واسع من الناس. لكن هذا كان أبعد ما يكون عن الحقيقة خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، عندما أُهمِلت موسيقى باخ عقب وفاته عام ١٧٥٠ من الجميع عدا عدد قليل من الملحنين، أجدرهم بالذكر موتسارت وهايدن وبيتهوفن. بدأ تغيير منزلة باخ بعد عام ١٨٠٠، ثم انطلق عام ١٨٢٩، في الذكرى المئوية لتأليف باخ لمقطوعته «الآلام بحسب القديس متى»، وذلك بفضل قيام الملحن فيليكس مندلسون، الذي كان آنئذٍ في العشرين من عمره، بأداء هذا العمل الكورالي العظيم لأول مرة منذ وفاة باخ في حفل موسيقي بمدينة برلين. كان ما أعقب ذلك من بعث لأعمال باخ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أول مثال بارز على إحياء الموسيقى القديمة، المصحوب بدراسات هامة وأخرى عن السيرة الذاتية، وقد أوحى ذلك لاحقًا بإحياء أعمال مؤلِّفين موسيقيين آخَرين. وهكذا يتبيَّن أن منزلة باخ الجديدة بصفته «عبقريًّا» كانت ناجمةً عن إعادة تقدير الخبراء لأعماله.

تعتمد نظرية جالينسون عن الإبداع، التي تنسجم مع كونه خبيرًا اقتصاديًّا، على الأسعار المدفوعة لقاء لوحات رسَمَها فنانون معروفون، وهو الأمر الذي يستند إليه ليشير إلى بلوغ الفنان منزلةَ الإبداع. ففي كتاب «أساتذة مسنون وعباقرة شباب»، يشير جالينسون إلى أن أعلى سعر تُثمَّن به أعمال بيكاسو في سوق مزادات الفن يكون من نصيب اللوحات التي رسمها حينما كان في العشرينيات من عمره؛ إذ تبلغ الأسعار ذروتها لقاء لوحاته التي رُسِمت إبَّان الفترة التي رسَمَ فيها «آنسات أفينيون» عام ١٩٠٧؛ أي: حينما كان في السادسة والعشرين من عمره. أما في حالة بول سيزان، فالأمر على عكس ذلك؛ لأن أعلى سعر تثمِّن به السوقُ أعمالَ سيزان يكون من نصيب اللوحات التي رسَمَها في العقد السادس من عمره. فاللوحة التي رسمها بيكاسو في السابعة والستين من عمره تُباع بأقل من ربع سعر اللوحة التي رسَمَها في السادسة والعشرين، واللوحة التي رسَمَها سيزان في السابعة والستين من عمره تُباع بسعر يَفُوق بنحو خمس عشرة مرة سعرَ اللوحة التي رسمها من نفس الحجم وهو في السادسة والعشرين. وقد لُوحِظ نمط مماثل في الجيلين المتباينين فنيًّا من الرسامين الأمريكيين الذين بلغوا النضج خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. فأعلى أسعار أعمال الفنانين التعبيريين التجريديين؛ أمثال: مارك روثكو، وآرشيل جوركي، وفيليم دي كوننج، وبارنيت نيومان، وجاكسون بولوك. تكون من نصيب لوحاتهم التي رسموها إبَّان أواخر حياتهم المهنية، في حين أن أعلى أسعار أعمال الفنانين المفاهيميين؛ أمثال: روي ليتشنستاين، وروبرت راوشنبيرج، وآندي وارهول، وجاسبر جونز، وفرانك ستيلا. تكون من نصيب اللوحات التي رسموها خلال أوائل حياتهم المهنية. ومن هنا جاء عنوان الكتاب، الذي يمنح جالينسون فيه سيزان «وروثكو» لَقَبَ «الأستاذ المسِنِّ» الذي بلغ أَوْجَ حرفيته في خريف حياته المهنية، ويمنح بيكاسو «وليتشنستاين» لَقَبَ «العبقري الشاب» الذي قدَّمَ أفضل ما لديه في مقتبل حياته المهنية.

من هذه الحقائق، خلص جالينسون إلى أن العصر الحديث شهد نوعين مختلفين جدًّا من الفنانين، ليس وسط الرسامين فحسب وإنما وسط الشعراء والروائيين ومخرجي الأفلام أيضًا. النوع الأول يمثِّله: بيكاسو، وتي إس إليوت، وجيمس جويس، وأورسون ويلز — ويصفهم جالينسون بأنهم «مفاهيميون». والنوع الثاني يمثِّله: سيزان، وروبرت فروست، وفيرجينيا وولف، وجون فورد — وهم فنانون «تجريبيون». في الأصل، يُفترَض أن الفنانين المفاهيميين يعثرون على أفكارهم في مخيلتهم، ويَعْتَنون بالتخطيط لأعمالهم من خلال اسكتشات تحضيرية، وينفِّذونها بسرعة، ويوقِّعونها دون تردُّد (مثل بيكاسو)، في حين أن الفنانين التجريبيين يُفترَض أنهم يستمدون أعمالهم من الطبيعة من دون اسكتشات تحضيرية، وينشدون المادة أثناء تنفيذ العمل، ويستغرقون وقتًا طويلًا لإنهاء أعمالهم، وأحيانًا لا يوقعونها (مثل سيزان). ونتيجة لهذين الموقفين المختلفين من الإبداع، غالبًا ما يبرع الفنانون المفاهيميون في الابتكار وهم في مرحلة الشباب، لكنهم يعدمون الإلهام فيما بعدُ ويكررون أنفسهم، في حين أن الفنانين التجريبيين أقل منهم خروجًا على التقليد في بداياتهم، لكنهم مع المثابرة الطويلة يواصلون التطور مع التقدم في العمر.

النظرية مغرية، لكن الحقيقة أكثر واقعيةً. على سبيل المثال، كانت أكثر اللوحات التي جرى نَسْخها للفنانين ليوناردو ومايكل أنجلو ورمبرانت وتيشان وفيلاثكيث وفرانس هالس، هي تلك التي أبدعوها حينما كانت أعمارهم على التوالي هي: ٤٦، ٣٧، ٢٦ / ٣٦، ٣٦ / ٣٨، ٥٧، ٧٩ / ٨٤، وهذا وفقًا للبحث الذي أجراه جالينسون. لكن برغم هذا التباين الواسع في السن، يحاول جالينسون أن يجادل بأن جميع الرسامين الستة ينبغي أن يُوصَفوا بأنهم فنانون تجريبيون (على النقيض من فنانين آخَرين يُفترَض أنهم مفاهيميون؛ مثل: رفاييل، وفيرمير). وهو يصنِّف أيضًا فان جوخ ضمن فئة المفاهيميين، على أساس أن فان جوخ كان يُعِدُّ اسكتشات تحضيرية للوحاته، على الرغم من أن أفضل أعماله رُسِمت خلال العامين الأخيرين من حياته، لا في سنوات مقتبل حياته المهنية. لكن جالينسون يتجاهَل ببساطة الحقيقةَ الأكثر بروزًا والمتمثلة في أن فان جوخ كان يستمد عمله دائمًا من الطبيعة، لا من خياله (على عكس معاصره جوجيه)، وهو الأمر الذي ثبت على نحوٍ لا شكَّ فيه عن طريق رسائله. في الواقع، سيكون الأصح أن نقول إن فان جوخ كان فنانًا تجريبيًّا في الأساس مع شيء من الميول المفاهيمية، مثل كثير من الفنانين الآخَرين، وهو ما بات جالينسون مدفوعًا — بدليله الذي ساقه — لأَنْ يعترفَ به في نهاية المطاف بقوله: «كلتا الفئتين اللتين وصفتهما تمثِّل في الحقيقة نطاقًا دائمًا من التنوع عند التطبيق.»

ما من «قانون» للإبداع يحظى باحترام واسع النطاق سوى ذلك الذي يُطلَق عليه «قانون العشر سنوات». وقد عرَّفه لأول مرة جون هايز عام ١٩٨٩، ثم سرعان ما نال تصديقَ عددٍ كبيرٍ من علماء النفس الآخَرين؛ مثل: هوارد جاردنر. وينص على أن الشخص لا بد أن يواظب على تعلُّم الحرفة أو مجال التخصُّص وممارسته لنحو عشر سنوات قبل أن يتمكَّن من تحقيق إنجاز. والواضح للعيان أن قليلًا جدًّا من الإنجازات هي التي أُنجِزت بعد فترة تقل عن هذه.

جاءت الأدلة العلمية المبدئية على صحة قانون العشر سنوات من دراسات أُجرِيت في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، على لاعبي الشطرنج الذين يستغرقون عشر سنوات وأكثر كي يبرعوا في اللعبة. ثم بدأت الدراسات تُطبَّق على الرياضيين مثل السبَّاحين الأوليمبيين، وعلى الموسيقيين مثل عازفي البيانو في الحفلات الموسيقية. ثم جاء مزيد من الدعم من دراسات لاحقة أُجرِيت على علماء وعلماء رياضيات وملحِّنين ورسَّامين وشعراء، أحياء أو أموات. صحيح أن ما من قانون في علم النفس البشري يحظى بما تحظى به قوانين الفيزياء والكيمياء من صحة ودقة شاملتين، وهذا القانون له بعض الاستثناءات الجديرة بالملاحظة، إلا أن عدد إنجازات العلماء والفنانين التي تطابِق قانون العشر سنوات كافٍ لأن يجعلنا نأخذ هذا القانون على محمل الجد.

في مجال العلوم، يشكِّل أينشتاين نموذجًا جيدًا. فقد بدأ يدرك أساس النسبية الخاصة في حوالي عام ١٨٩٥، ثم وضع نظريته ونشرها عام ١٩٠٥. وكذلك داروين، الذي وضع نظريته عن الانتخاب الطبيعي عام ١٨٣٨، بعد أن غمر نفسه لعشر سنوات في دراسة العلوم بجامعة كامبريدج بدءًا من عام ١٨٢٨. ورين وَضَعَ تصميمَه لِصَرْح كاتدرائية سان بول — وهو التصميم المعروف باسم التصميم العظيم لعام ١٦٧٣-١٦٧٤ — بعد عشر سنوات من أولى مهماته المعمارية فيها عام ١٦٦٣. وفاراداي أثبت مبادئ الكهرومغناطيسية في الموتور والدينامو عام ١٨٢١، بعد عشر سنوات من بدء دراسته للعلوم عام ١٨١٠. وكيكولي نشر نظريته عن حلقة البنزين عام ١٨٦٥، بعد نحو عشر سنوات من المرة الأولى التي راوده فيها حلم نظريته البنيوية على متن إحدى حافلات لندن. وبولينج نشر نظريته عن الميكانيكا الكمية للرابطة الكيميائية عام ١٩٣١، بعد عشر سنوات من بدء دراسته هذه المشكلة في الجامعة عام ١٩٢٠-١٩٢١. وبيرنرز-لي اخترع شبكة الويب العالمية عام ١٩٩٠، بعد عشر سنوات من إنشائه أول برنامج كمبيوتر يحاكي الويب. إن إيجاد المزيد من هذه الأمثلة ليس بالأمر الصعب.

في مجال الفنون أيضًا، كثيرًا ما يظهر القانون على نحو عملي؛ فقد حدث التفجر الإبداعي لبيرسي شيلي عام ١٨١٩-١٨٢٠ (قصيدتي «قناع الفوضى» و«بروميثيوس حرًّا»، وغيرهما من الأعمال الشعرية) بعد عشر سنوات من أول مرة يكتب فيها الشعر والرواية وينشرهما عام ١٨٠٩-١٨١٠. ورواية إرنست همنجواي «الشمس تشرق أيضًا» كُتِبت عام ١٩٢٥-١٩٢٦، بعد عشر سنوات من بدئه نشر أعماله الروائية والصحفية في مجلة مدرسته. ولوحة بيكاسو «آنسات أفينيون» رُسِمَت عام ١٩٠٧، بعد عشر سنوات من بدئه التدريب على الرسم في برشلونة عام ١٨٩٦. ولوحة «في ملهى الطاحونة الحمراء» التي رسمها هنري دي تولوز لوتريك عام ١٨٩٢، بعد عشر سنوات من التحاقه بمرسم أول معلم علَّمه فن الرسم عام ١٨٨٢. وأول أفلام المخرج ساتياجيت راي «أغنية الطريق»، أُنجِز عام ١٩٥٥، بعد عشر سنوات من تصميمه كليشيهات خشبية لصور طبعة موجزة من الرواية الأصلية عام ١٩٤٤، وبدئه كتابة سيناريوهات. وأوركسترا «طقوس الربيع» للموسيقار إيجور سترافينسكي أُلِّفت عام ١٩١٢، بعد عشر سنوات من بدئه التدريب لدى نيكولاي ريمسكي كورساكوف عام ١٩٠٢. والظاهر أن حتى أعضاء فريق البيتلز يخضعون لهذا القانون، فقد طرحوا ألبوم «السرجنت ببر ونادي القلوب الوحيدة» عام ١٩٦٧، بعد عشر سنوات من بدء جون لينون العزف بصحبة بول مكارتني عام ١٩٥٧.

أرى أن أفضل تناوُلٍ لقانون العشر سنوات يكون بتصنيفه في ثلاثة أشكال: الضعيف، والمتوسط، والقوي. (حتى علماء الفيزياء يستخدمون أحيانًا مثل هذا التمييز.) الشكل «الضعيف»: حينما يتطلب الإنجاز عشر سنوات كحد أدنى من العمل الشاق والممارسة في مجالٍ ذي صلة، وقد يستغرق الإنجاز وقتًا أطول من ذلك بكثير. الشكل «المتوسط» أكثر تقييدًا: حينما يتطلب الإنجاز عشر سنوات كحد أدنى من عمل شاقٍّ وممارسةٍ يركِّزان على مشكلة بعينها تُحَلُّ بهذا الإنجاز. الشكل «القوي» أكثر تقييدًا من الثاني: حينما يتطلب الإنجاز قرابة العشر سنوات — لا أكثر ولا أقل — من عمل شاقٍّ وممارسةٍ يركِّزان على مشكلة بعينها تُحَلُّ بهذا الإنجاز. بالطبع توجد العديد من الحالات شذَّتْ عن الشكل القوي لقانون العشر سنوات، لكن الحالات التي شذت عن الشكل الضعيف للقانون — حينما يحقِّق عالم أو فنان إنجازًا بعد «أقل» من عشر سنوات من العمل الشاق والممارسة في مجالٍ ما — نادرة للغاية. لا أينشتاين ولا موتسارت ينطبق عليهما هذا الاستثناء الأخير، برغم ما يمكن أن يتبادر إلينا من توقعات غريزية لمثل هذين الشخصين العبقريين.

fig14
شكل ٩-٢: لوحة لإسحاق نيوتن بريشة سير جودفري نيلر عام ١٦٨٩. كان نيوتن ضمن حفنة ضئيلة من العباقرة الذين حقَّقوا إنجازًا في فترةٍ تقلُّ عن عشر سنوات.2

فقد اكتشف هايز ثلاث حالات شاذة فقط وسط الملحنين الكلاسيكيين، لم يكن أي منهم من فئة ملحني القمة، هذه الحالات هي: إريك ساتي الذي لحَّنَ رائعة موسيقية خلال ثمانِ سنوات من مسيرته الفنية، ونيكولو باجانيني وديمتري شوستاكوفيتش اللذان لحَّنَ كلٌّ منهما رائعةً موسيقيةً في السنة التاسعة من مسيرته الفنية. ويعرِّف هايز «الرائعة الموسيقية» بأنها تمثِّل العمل الذي تتوفر له خمسة توثيقات مختلفة في أيٍّ من الأدلة الموسيقية المهمة؛ وهكذا فإن أولى روائع موتسارت الموسيقية بحسب هذا التعريف، أعني كونشرتو البيانو التاسع، أُبْدِعَتْ في العام الثاني عشر من مسيرته الفنية.

في مجال الفنون البصرية، رسم فان جوخ بعض أعماله الكلاسيكية عام ١٨٨٨ بعد ثمانِ سنوات من بدء ممارسته الرسم، لكنه كان قد قضى قبل ذلك ستَّ أو سبعَ سنواتٍ يعمل لدى تجار الأعمال الفنية في لاهاي ولندن وباريس، حيث كان في احتكاك يومي بروائع فنية درَّبَتْ عينيه وأثارت حساسيته، ومن ثَمَّ فإن فان جوخ حينما بدأ الرسم عام ١٨٨٠ لم يكن بالتأكيد يبدأ من الصفر. في مجال العلوم، أنشأ عالم الفيزياء النظرية فيرنر هايزنبرج، أحد روَّاد نظرية الكم، ميكانيكا الكم عام ١٩٢٥، وهو في سن الثالثة والعشرين، بعد نحو خمس سنوات فقط من بدء دراسته الجامعية لعلم الفيزياء، لكنه كان خلال هذه الفترة قد نال العلم مباشَرَةً عن اثنين من كبار علماء الفيزياء، هما ماكس بورن ونيلز بور. ولعل بول ديراك، وهو عالم آخَر من كبار الفيزيائيين النظريين يمثِّل استثناءً آخَر؛ ففي عام ١٩٢٨ صاغ النظرية النسبية للإلكترون التي تنبَّأ من خلالها بوجود البوزيترون، وهو في سن الخامسة والعشرين، بعد حوالي ست سنوات من بدئه تدريبه الجامعي على الرياضيات التطبيقية، لكنه كان قد حصل قبل ذلك على دبلومة علمية لمدة ثلاث سنوات في الهندسة الكهربائية. قد يكون نيوتن هو المثال الوحيد الذي كسر بجدارة وعلى نحو مباشِر قانون العشر سنوات في مجال العلم؛ فقد حلَّتْ «سنة حظه» ١٦٦٥-١٦٦٦ بعد أقل من خمس سنوات من عكوفه على الدراسة المنعزلة في جامعة كامبريدج، وهو لم يكد يتجاوز الثانية أو الثالثة والعشرين من عمره.

إن هيمنة الفيزيائيين النظريين على حفنة الاستثناءات التي ذكرناها قد لا يُضعِف انطباق قانون العشر سنوات على الإبداع الاستثنائي. ففي مجال الفيزياء النظرية، ليست هناك حاجة لسنوات المراس المختبري، ولا لاستيعاب وحفظ أي مجموعة من الحقائق حول الطبيعة كما هي الحال بالنسبة لعلوم أخرى؛ مثل: الهندسة، والكيمياء، والجيولوجيا، وعلم الأحياء. ومن ثَمَّ فإن الفيزيائي النظري يحتاج إلى وقت أقل من الكد مقارنةً بأيِّ عالم آخَر، قبل أن يتمكَّن من بلوغ صدارة هذا العلم وربما من تحقيق إنجاز فيه. والحقيقة أن قانون العشر سنوات يبدو بالنسبة لي تبيانًا تجريبيًّا يُثبِت فكرة الكدِّ والإلهام ويكافئ التخمين الذي طرحه إديسون، وهو لا يكافئه فقط من حيث مبرِّراته الأساسية، بل يقترب أيضًا من النسبة المقترحة فيه. فبدلًا من نسبة «تسعة وتسعين بالمائة كدًّا مقابل واحدٍ بالمائة إلهامًا» التي أشار إليها إديسون، يمكن أن نمنح الفرد عن كل عشر سنوات (١٢٠ شهرًا) من العمل الشاق، قيمةَ شهر أو اثنين (١٪) من «الإلهام المفاجئ». قد يكون هذا محبطًا في جانب منه، لكنه أيضًا قد يعني أن ما من عبقري على مر التاريخ — ولا حتى داروين أو أينشتاين أو ليوناردو أو موتسارت — تسنَّى له اختصار المسار الطويل والتدريجي نحو الإنجاز الإبداعي.

هوامش

(1) Courtesy of the Library of Congress.
(2) Uckfield House. © Lebrecht Music and Arts Photo Library/Alamy.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١