أسباب المنح والمنع

يفهم من دستور الجوائز، ومن الموضوعات التي اشتهر بها مستحقوها في نظر اللجنة السويدية أن هذه اللجنة تتقيد بالاتجاه الذي يتحراه الأدباء، ولا تتقيد بالموضوعات التي يشملها عنوان الأدب على أوسع نطاق.

فلا بد من تحقيق الاتجاه إلى السلام والرخاء، أو السعي إلى المَثل الأعلى والمقاصد المثالية، وهذا هو الشرط الذي لا مَحِيدَ عنه ولا اختيار للَّجنة في قبوله أو اجتنابه.

أما الموضوعات فلا قيد لها، ولا ترجيح لموضوع منها على سواه ما دام من موضوعات الفنون الأدبية، وما دام له نصيبه من جمال الفن وجودة الأداء.

وقد أجيز الشعر الغنائي كما أجيز شعر الوصف الطبيعي، وأجيزت القصة كما أجيز التاريخ، وأجيز النقد كما أجيز الإنشاء والابتكار، وأجيزت المباحث الاجتماعية كما أجيزت الفلسفة، وكاد اختيار اللجنة يطَّرد على مقياس واحد قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنه تباين واختلف بعد ذلك فلم يطَّرد على وتيرة واحدة في جميع الأحوال؛ لأسباب تظهر من مراجعة الترشيحات بين ظروف الحرب والسلام.

بدأت اللجنة جوائزها الأدبية منذ السنة الأولى في القرن العشرين، ونشبت الحرب العالمية الأولى بعد أربع عشرة سنة، ونشبت الحرب العالمية الثانية بعد خمس وعشرين سنة، فمضى عليها جيل كامل في هذه الأثناء، تكشَّفت فيه طريق الحرب والسلام، وتبيَّن فيها منهج اللجنة في التوفيق بين رعاية الشروط الفنية الأدبية ورعاية شروط الاتجاه إلى الوجهة المقصودة بإقامة المؤسسة كلها، وهي وجهة السلام والرخاء.

•••

كان العالم الأوروبي عند مطلع القرن العشرين يتجاوب بأسماء الأعلام النابهين من أصحاب الشهرة العالمية في طبقة تلستوي وهاردي وزولا وإبسن، ومن يلحق بهم في شأوهم من كبار الأدباء في لغات الحضارة، ولكن اللجنة السويدية تجاوزتهم — لأسباب سيأتي ذكرها — إلى الشاعر المفكر الفيلسوف (رينيه سولي برودوم) عضو الأكاديمية الفرنسية، وصاحب جائزة ﭬﻴﺘﻴﺖ Vitet للشعر في فرنسا، وهو يزيد قليلًا على الأربعين من عمره، وقالت إنها منحته الجائزة «تقديرًا لتفوقه في الأدب، ولا سيما الشعر الذي يتسم بالروح المثالية السامية، والإتقان الفني والتوفيق النادر بين الضمير والعبقرية».

وكان صاحب الجائزة في السنة التالية مؤرخًا ألمانيًّا فخم الأسلوب راجح الفكرة نافذ البصيرة هو تيودور مومسن مؤلِّف الأسفار المستفيضة في تاريخ الرومان «لأنه أعظم أساتذة المؤرخين الأحياء في زماننا مع التنويه بعمله في تاريخ رومة»، وكانت لهذا المؤرخ الكبير مشاركة قيمة في نظم الشعر وترجمته من اللغات الأخرى إلى الألمانية.

واختصت اللجنة السويدية بجائزتها للسنة الثالثة شاعر الأمم الشمالية بجورنسون Bjornson النرويجي، الذي كان يومئذٍ يجاوز السبعين من عمره، وقالت إنها تمنحه جائزتها «تقديرًا لعمله الشعري العظيم النبيل في جوانبه المتعددة، مع امتيازه بالوحي المبتكر وصفاء الروح»، وقد كان جواب الشاعر على خطاب استقباله حملة صارمة على الذين يستبيحون — باسم الفن للفن — مخالفة الشاعر لمبادئ الخير والصلاح.
وعادت اللجنة إلى ميدان الشعر الفرنسي، فاختارت في السنة التالية — سنة ١٩٠٤ — شاعرًا من إقليم (برفنس) ينظم قصائده بلهجة الإقليم، ويتفرغ للنظم بعد تخرجه في دراسة القانون. هذا الشاعر هو فردري مسترال Mistral الذي منحته الأكاديمية الفرنسية جائزتها لسنة ١٨٦١، وهو يومئذٍ في الحادية والثلاثين من عمره، وقالت إنها تجيزه «لسلاسته الرائعة، وإجادته الفنية التي صوَّر بها مناظر وطنه وحياة الريف فيه تصويرًا صادقًا، أضاف إليه عنايته بدراسة لغة الإقليم»، وقد أشركت معه شاعرًا إسبانيًّا من شعراء المسرح وكُتَّابِه هو الأديب النائب السياسي جوزي إشيجاري Echegaray «لبراعته وإحاطته واقتداره — في استقلال وإبداع — على إحياء تراث الدرامة الإسبانية».
ومنحت جائزة السنة التالية — سنة ١٩٠٥ — لهنريك سينكفيش Sienkiewicz الروائي البولوني الأشهر، الذي أودع رواياته تاريخ وطنه وسيرة أبطاله، واستحق التقدير من جامعات الأمم السلاڨية، كما استحق من الجمهورية الفرنسية وسام «فرقة الشرف» تنويهًا بفضله وجهاده، وكان توجيه الجائزة إليه في تلك السنة التي ناهز فيها الستين «تقديرًا لعظمته في تأليف الملاحم التاريخية».
وكان كردوتشي Carducci شاعر إيطاليا في القرن التاسع عشر صاحب الجائزة لسنة ١٩٠٦، وقالت اللجنة: «إنها تمنحه الجائزة بصفة خاصة إجلالًا لمثابرته وروعة أسلوبه، ومَلَكَته الغنائية التي بدت في آياته المنظومة، فضلًا عن سعة معارفه ومباحثه النقدية.»

وفي سنة ١٩٠٧ تنبهت اللجنة إلى شاعر إنجليزي وصفته بأنه «عالمي الشهرة»، وهو رديارد كبلنج الذي قدرت فيه «قوة الملاحظة، والتخيُّل المطبوع، والوعي المتيقِّظ، والتصوير الصادق».

وكان رودلف يوكن Eucken الألماني أول فيلسوف استحق الجائزة الأدبية في تقدير اللجنة السويدية؛ لأنه عرف «بالجد في البحث عن الحقيقة، وبالنظر الثاقب، والبصيرة الواسعة، والتصوير الذي يجمع بين الحرارة والقوة، واستخدم ذلك كله في جلاء العالم على الصورة المثالية».
وأول من منح الجائزة من أمة السويد شاعرتها وناظمة ملاحمها سلمى لاجرلوف Selma Lagerlof، التي أصبحت بعد ذلك أول عضو في الأكاديمية السويدية، وهي الهيئة المشرفة على توزيع الجوائز واختيار مستحقيها، وقد قال رئيس الأكاديمية وهو يوجه الجائزة إليها: «إن الساعة قد حانت لبروز السويد إلى الطليعة بين الأمم الكبرى المتنافسة في حلبة الأدب.» وإنها جديرة بالتكريم لأنها لمست أشرف شمائل (أُمِّنَا) السويد كما لمست أكرم الشمائل الإنسانية.
ونال الجائزة لسنة ١٩١٠ بول فون هيس Heyse الأديب الروائي الألماني، الذي ألف نحو مائة قصة بين تاريخية واجتماعية، وعني مع كتابة القصص بترجمة أشعار الأمم اللاتينية من الإيطالية والإسبانية، ونظم في لغة قوية نخبة من لطائف الشعر الغنائي تسلكه في أكبر شعراء اللغات الجرمانية في هذا الشعر، وقد نال الجائزة وترقَّى إلى مراتب النبلاء في سنة واحدة، وأطنبت لجنة نوبل في الثناء عليه فقالت إنها تقدر «فنه الممتاز بالجودة والروح المثالية، الذي توفر عليه في جهاد طويل قيم، وهو يدأب على نظم الشعر الغنائي وكتابة الدراما والرواية والنوادر القصار ذوات الشهرة العالمية».

وكانت الجائزة لسنة ١٩١١ من نصيب إحدى الأمم الأوروبية الصغيرة، وهي الأمة البلجيكية، فنالها موريس مترلنك الذي ارتقى إلى رتبة «كونت» لمناسبة بلوغه السبعين من عمره، وهو شاعر يكتب للمسرح «الفكري»، ويبحث في الأسرار الدينية، ويشتغل بدراسة النحل من الوجهة الاجتماعية، واستحق الجائزة من اللجنة «لخصب ملكاته الأدبية، وبخاصة مبتكراته المسرحية التي اتسمت بالتخيُّل الفني والروح المثالية الشاعرة التي تنم أحيانًا في قالب الأسطورة المسرحية عن بصيرة عميقة تمس وجدان القارئ وأشواقه النفسية».

وأجيز الكاتب الألماني جرهارت هوبتمان في سنة ١٩١٢ لجهوده في فن المسرحية العصرية على التخصيص، مع التنويه بصدقه في تصوير الطبيعة، وبراعته في الوصف، وفي رسم المناظر والشخوص.

وأجيز «تاجور» في السنة التالية، وهو الشاعر الشرقي الوحيد الذي اختصته اللجنة بجائزتها «لنظمه العميق الرفيع الذي وُفِّقَ في صيغته الإنجليزية لإحلاله بالمقام الكريم بين الآداب الغربية».

ونشبت الحرب العالمية الأولى في سنة ١٩١٤، فتوقفت فيها اللجنة عن إعلان جائزتها، ثم استأنفت عملها بعد عام، فوجهت الجائزة إلى بطل من أبطال السلام بين حمَلة الأقلام، أصابه العنت الشديد بين قومه من جرَّاء دفاعه عن السلم واستنكاره للحرب، وحملته على ذوي المطامع من عُبَّادِ المال والسلطان، وذلك هو الكاتب الفرنسي المجيد «رومان رولان» أكبر النقاد الفنيين في الموسيقى بين أبناء جيله، ومؤلف الروايات التي ارتفعت بالرواية من طبقة التسلية وتزجية الفراغ إلى طبقة الإلهام والإرشاد، وقد جاءته جائزة نوبل بعد تكريمه بالجائزة العليا من الأكاديمية الفرنسية بسنتين، وقالت اللجنة السويدية إنها تقدر في أدبه «الروح المثالي المجيد، والتصوير الزاخر الأمين للشخصيات الإنسانية الذي يدل على بُعد الغَور وعمق العاطفة».

وبلغ الشاعر الناقد السويدي فيرنر فون هيدنستام Heidenstam سنته الخامسة والسبعين حين آثرته اللجنة في إبان سنوات الحرب — سنة ١٩١٦ — بجائزة الأدب الفعال في خدمة السلام، وقالت في تحيتها له إنها تقدر «عظمة شأنه في الدعوة إلى عهد جديد في فنوننا الجميلة»؛ لأن هذا الشاعر قد اشتهر بمذهب في علم الجمال يبشر بالقيم العليا في الآداب والفنون، وينحى أشد الأنحاء على إسفاف الأدباء والفنانين إلى التبذُّل الرخيص باسم «الواقعية الطبيعية».

وكأنما شاءت اللجنة في سنوات الحرب أن تبتعد عن جوانب الدول الكبرى المشتركة فيها؛ فكانت جوائز السنوات (١٩١٧ و١٩١٨ و١٩٢٠) من نصيب أدباء الأمم الصغيرة التي التزمت الحِيدة خلالها.

فأجازت الدنمركي كارل جلروب Giellerup سنة ١٩١٧، وقالت إنها تقدر في هذا الشاعر المفكر «وفرة محصوله في فن القصة مع التنوع والنزعة المثالية»، وأشركت معه في جائزة السنة أديبًا دنمركيًّا آخر هو الروائي الحكيم هنريك بنتوبدان Pontoppidan، الذي أسهب في بحث مشكلات الروح الإنسانية كما تمثلت له بين أبناء قومه، وقدرته اللجنة السويدية لما امتاز به من «الأوصاف القيمة للحياة الحاضرة في بلاده».
وأجازت في سنة ١٩١٩ الأديب السويسري كارل سيتلر Spitteler، صاحب الملاحم المطولة والمقالات الكثيرة في الوصف والنقد والملاحظات الاجتماعية.

وكان صاحب الجائزة في سنة ١٩٢٠ نمطًا فريدًا بين مستحقيها من سنتها الأولى إلى هذه السنة في أعقاب الحرب العظمى، إذ وجهتها اللجنة إلى أديب من العصاميين في الأدب لم تتيسر له دراسة منتظمة بمعهد من معاهد التعليم، ولكنه قضى سنوات صباه يتكسَّب من صناعة الأحذية تارة، ومن العمل في السفن تارة أخرى، ويتنقل من بلد إلى بلد بين أوروبة وأمريكا، مشتغلًا بكل ما تهيَّأ له من الأعمال في الترام أو القطارات أو المزارع أو مصائد الأسماك، ويطالع في أثناء ذلك ويجرب قلمه فيما يعنيه من شدائد العيش، حتى نشرت له قصة صغيرة في صحيفة دنمركية عنوانها «الجوع»، فتلقَّفها القراء في بلاد الشمال؛ لأنها صادفت «موضوع الساعة» بينهم وبين معظم الشعوب التي أوقعتها الحرب في جرائرها المتلاحقة من أزمات الفقر وثورات الطبقات المحرومة، وقد كان شعور الكاتب بمتاعب العيش منزَّهًا عن آفة النقمة والتهجُّم على قواعد الحياة الاجتماعية ومبادئ الأخلاق، فغلبت فيه عاطفته الإنسانية على رذائل الحسد والبغضاء، ولقيت صيحته حقها من الإصغاء والتلبية بين المنصفين في جميع الطبقات والآراء، ثم تتابعت قصصه وفصوله والتفت إلى المسرح كما التفت إلى الرواية المطوَّلة والنادرة الصغيرة، وتابع الطواف بين بلاد المغرب والمشرق، مستفيدًا من التجربة والرحلة مسجلًا لثمرات هذه التجارب والرحلات في آثاره الأدبية على اختلاف موضوعاتها، ملزمًا في أسلوبه أصول الكتابة على منهج المحافظين من بلغاء السلف من رواد الثقافة والأدب؛ خلافًا لنظرائه من العصاميين في ميادين الأدب واللغة.

ذلك هو الكاتب النرويجي العالمي كنوت هامسون Hamsun أو كنوت بدرسين كما كتب في شهادة الميلاد، وأشهر ما اشتهر به فيما عدا ذلك المحصول الضافي من الزوايات والملاحم والأقاصيص: نداؤه البليغ بعنوان «اللغة في خطر» تحذيرًا لأبناء الشمال من فوضى الكتابة باسم التقدم والتجديد.

•••

وقد اتسع مجال الاختيار بعد انعقاد الصلح وتبادُل العلاقات السلمية بين الأمم المتقاتلة، فعادت اللجنة إلى الترشيح من جميع الأمم، وبدأت مرة أخرى بفرنسا فاختارت أناتول فرانس «لبراعته التي تتسم بالأسلوب الرفيع والإنسانية الكريمة وجمال الأداة، مطبوعًا بطابع العبقرية الفرنسية الصحيحة».

واختارت (سنة ١٩٢٢) الشاعر الروائي الإسباني جاسنتو بينافينتي Jacinto Benavente لاتفاق الناطقين باللغة الإسبانية في وطنها وفي أمريكا الجنوبية على اعتباره عنوانًا لبلاغة هذه اللغة في فن الدراما.
واختارت (سنة ١٩٢٣) الشاعر الأيرلندي وليام بتلر ياتس Yeats لشعره الملهم الذي يعبر بصورته الفنية عن روح أمته.
واختارت (سنة ١٩٣٤) شاعرًا بولونيًّا لمثل هذا السبب، وهو لاوسلو ريمونت Reymont، ولوحظ في اختيار الشاعرين الأخيرين — على ما يظهر — أنه كان بمثابة التحية الأدبية لأمتيهما في نهضة المطالبة بالحرية.

واختارت (سنة ١٩٢٥) أشهر أدباء اللغة الإنجليزية يومئذٍ الكاتب الأيرلندي برنارد شو لجهوده الأدبية القائمة على أساس من الطموح المثالي والعاطفة الإنسانية، يقترن بالنقد الشامل الذي يمتزج أحيانًا بنفحة شعرية خاصة بصاحبها. وقد تبرع الكاتب بقيمة الجائزة لتشجيع العلاقات الثقافية بين السويد والبلاد الإنجليزية.

واختارت (سنة ١٩٢٦) الكاتبة الإيطالية جراتسيا بليدا Beledda؛ لأنها وصفت بأسلوبها الرفيع حياة أبناء وطنها في جزيرة سردينية، وتناولت شئون الإنسان جميعًا بحرارة وحمية.

واختارت (سنة ١٩٢٧) هنري برجسون الفيلسوف الفرنسي «لأفكاره الواسعة المثمرة التي صاغها في قالبها الفني البارع».

واختارت (سنة ١٩٢٨) الكاتبة النرويجية سيجريد أوندست Undset بصفة خاصة لاقتدارها على تصوير حياة الأمم السكندنافية خلال القرون الوسطى.

واختارت (سنة ١٩٢٩) الكاتب الروائي توماس مان تقديرًا على الخصوص، لقصته المطولة (آل بودنيروك) التي نالت من الإعجاب على توالي الأيام ما جعلها ملحمة كالملاحم السلفية في تصوير العصر الحاضر.

واختارت (سنة ١٩٣٠) الكاتب الأمريكي سنكلر لويس، لفنه العظيم الحي الذي استخدمه في وصف الحياة وصفًا يدل على ملكة مقتدرة على خلق النماذج البشرية تشملها الفكاهة الذكية.

واختارت (سنة ١٩٣١) إريك آكسل كارفيلد Karlfeldt السويدي عضو الأكاديمية السويدية، وعضو اللجنة الموكَّلة بالحكم في الترشيحات الأدبية، ولكن اختيارها له كان بعد وفاته؛ لأنه رفض الجائزة حين وُجِّهَتْ إليه قبل ذلك معتذرًا بجهل قراء الأدب بمؤلفاته خارج البلاد السويدية، ثم قبلها لانتهاء مدته في وظيفته، وابتدأت إجراءات الترشيح على هذه النية، ولكنه توفي قبل إعلان النتيجة في موعدها.
واختارت (سنة ١٩٣٢) الكاتب الإنجليزي جون جالزورثي Galzworthy، وهو أول من نال الجائزة من صميم الإنجليز لوصفه الممتاز الذي بلغ الذروة في روايته المطولة عن الحياة العصرية.
واختارت (سنة ١٩٣٣) الكاتب الروسي المنفي من وطنه (إيفان بونين) Bunin «لملكاته الفنية الناطقة التي اقتدر بها على تصوير طبائع الأمة الروسية».

واختارت (سنة ١٩٣٤) لويجي بيراندلو الإيطالي، لما اتصف به من «الشجاعة والإبداع في تجديد الدرامة وفن المسرح».

واختارت (سنة ١٩٣٦) مؤلف المسرحيات الأمريكي يوجين أونيل Eugen O’neill، الذي نال جائزة بولتايزر الأمريكية ثلاث مرات، قبل أن ينال جائزة نوبل لاقتداره على تزويد المسرح الحديث بروائعه الناجحة، وقد جاء اختياره لجائزة العام بعد سنة لم تُمنح فيها جائزة الأدب السويدية وهي (سنة ١٩٣٥).

واختارت (سنة ١٩٣٧) القصصي الفرنسي مارتن دي جارد الذي نال في تلك السنة جائزة مدينة باريس عقب إنشائها حديثًا، ولم يكن أحد من وطنه قد رشَّحه للجائزة السويدية اكتفاءً بترشيحه للجائزة الفرنسية على ما يظهر، ولكنه مُنِحَ جائزة نوبل «لقدرته الفنية، وصدقه في وصف النقائض الإنسانية، وتصوير بعض السمات البارزة في حياة العصر الحاضر»، وهي السمات التي أراد بها أن يبين في أسلوب القصة كيف كانت أخلاق الناس ممهِّدة لوقوع الحرب العالمية لا محالة.

واختارت (سنة ١٩٣٨) الكاتبة الأمريكية بيرل بك Buck، «لأوصافها ذات المسحة «الملحمية» الصادقة التي صورت بها في رواياتها حياةَ الريف في الصين»، مع تقدير آياتها في كتابة التراجم والسير.
واختارت (سنة ١٩٣٩) أديبًا فنلنديًّا على أثر الدفاع الذي صمدت له أمته في وجه الغارة الروسية على أرضها، فاختصت اللجنة أديبها فرانس أميل سلانبا Sillana، لجمال أسلوبه في تصوير الحياة الإنسانية والمناظر الطبيعية في وطنه.

ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، فصدر في السويد مرسوم ملكي بوقف توزيع الجوائز، مع مثابرة اللجنة على عملها إلى أن يتيسَّر لها تنفيذ برنامجها بغير حرج من مراسم العلاقات الدولية أثناء القتال.

ثم أُعِيدَ توزيع الجوائز منذ سنة ١٩٤٤ فنالها من تلك السنة إلى نهاية سنة ١٩٥٩ خمسة عشر مرشحًا أشهرهم: أندريه جيد الفرنسي، وإليوت وفولكنر الأمريكيان، وبرتراند رسل الإنجليزي، ومورياك الفرنسي، وشرشل الإنجليزي، وهمنجواي الأمريكي، وخيمنيز الإسباني، وكامي الفرنسي، وبسترناك الروسي، وقد تنحى عن شهود الاحتفال بتسليمه الجائزة بعد قبوله إياها وشكر اللجنة على توجيهها إليه.

ولم تختلف شروط الإجازة الفنية بعد الحرب العالمية ولا بعد الحرب العالمية الثانية، فهي في مجموعها تتلخص في الإجادة واستقلال المَلَكة في كتابة نوع أو أكثر من أنواع الكتابة الأدبية.

وكذلك لم تختلف شروط الإجازة من حيث الوجهة التي يتجه إليها الأديب بحملة كتاباته؛ فهي على الدوام تتلخص في تحقيق السلام والرجاء.

ولكن الملاحظ في الحالتين أن التفاوت كبير بين مستحقِّي الجوائز، سواء في حالات السلم أو حالات الحرب، أو الحالات المنذرة بالخطر والشقاق.

فمن أصحاب الجوائز من يُعَدُّ في طليعة الأقطاب العالميين أركان الأدب ورواد المدارس في موضوعاته المنوَّعة، ومنهم من يحسب من الأتباع المتفوقين في باب واحد محدود بموضوعه وشهرته بين قرائه.

وقد أجازت اللجنة أناسًا لهم وجهتهم الواضحة في الطموح إلى المثل الأعلى والإيمان بمصير الإنسان، ثم أجازت معهم أناسًا لا يزيد عملهم على المحاولة التي لا تصمد إلى غاية معروفة، بل لا تزيد على الحيرة بين المسالك المتعارضة، وغاية فضلهم أنهم لا يستسلمون لليأس، ولا يخلو التشاؤم عندهم من عطف وطيبة ضمير.

وصرحت اللجنة غير مرة بتقديرها لسيرة الأديب وكرامته الخلقية، ولكنها أغفلت هذا الجانب مرات، وأجازت آحادًا من الأدباء بين حين وحين لا يبالون العُرف والحياء في مسلكهم الاجتماعي، بل لا يكتمون في كتاباتهم أنهم مستخِفُّون بالعرف والحياء.

وممَّا لا جدال فيه أن العالم لم يخلُ في أكثر السنوات من أديب أو أدباء أفضل من صاحب الجائزة في تقدير اللجنة، ولم يكن عُذرُ اللجنة أنها تجهله، أو أن الاطِّلاع على كتابته لم يكن ميسورًا لقُرَّاءِ اللغات الأوروبية.

ومن البديهي أن اللجنة ليست بالمعصومة من الخطأ، ولا من الأهواء النفسية، فمن هذا التفاوت ما يرجع — ولا ريب — إلى خطأ في مقاييسها الفنية، أو إلى هوى من أهواء السياسة وغواية الميول العارضة التي تشيع بين الأمم في إبانها، ولكن النظرة المنصفة ترينا — بعد المقابلة بين الترشيحات ودواعيها — أن ضرورات الظروف — قبل كل شيء — كافية لتفسير التفاوت الكبير بين أصحاب الجائزة في الأغلب الأعم من الحالات.

فلا يخفى أن اللجنة بدأت عملها والمقاييس العالمية على اتفاق أو على تقارب يشبه الاتفاق، وطريق السلام بادِي المعالم للمفكرين، والقادة يعرفون فيه غرضًا واحدًا وهو اجتناب النزاع بين الأمم، واجتناب الفتن التي تناقض مبادئ الأخلاق ودعائم الاجتماع، وحدث فيما قبل الحرب العالمية الأولى أن تقدير الأديب من قبل اللجنة يوافقه تقدير دولته، أو تقدير هيئاتها العلمية، فيجمع بين المكافأة الأدبية وبين المكافأة «الرسمية»، أو المكافأة الشعبية بإجماع الآراء، أو بما يقرب من الإجماع، واستطاعت اللجنة أن تختار على سعة قبل الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرت إلى حصر اختيارها أثناء الحرب في نطاق محدود من الأمم الصغيرة التي التزمت الحيدة بين الطرفين؛ لأن عمل اللجنة لم ينقطع أثناء الحرب، كما انقطع أثناء الحرب العالمية الثانية لاحتلال المقاتلين معظم بلاد الشمال.

فلما انحصر اختيار اللجنة في ذلك النطاق المحدود هبط الميزان من أفق المكانة العالمية إلى ما دونها بكثير، وتعذَّر في هذا النطاق المحدود أن تجتمع للأديب شروط الفن وشروط السلام والطموح إلى الأمثلة العليا، التي تتفق عليها مقاييس الأفكار والأخلاق.

ثم أسفرت نهاية الحرب العالمية الأولى عن وجهات شتى في ميدان السياسة الدولية، وميدان المذاهب الاجتماعية، وميدان التفكير، والنقد الفني على الإجمال؛ فظهرت مذاهب الشيوعية والفاشية والنازية، واندفع كل فريق من أتباع هذه المذاهب إلى التأهب بالدعاية وبالسلاح لاتقاء الخطر أو للثأر من الهزيمة، واقترنت خصومات السياسة والاجتماع بالخلاف على المشارب والعادات ومبادئ السلوك وضوابط الأخلاق بين المحافظة والإباحة وبين التَّزَمُّتِ والانطلاق. فلم يكن يسيرًا على اللجنة بين هذه المنازع المتعارضة أن توحد المقاييس بينها وبين الأشتات المتفرقة من حملة الأقلام المضطربين في هذا الخضم المريج من الدعايات والرد على الدعايات، وقنعت اللجنة بقسمتهم جميعًا إلى قسمين: أحدهما يكثر في كلامه ترديد لهجة العداء والنقمة إلى الطرفين، والآخر — وهو أصغر القسمين — يقف عند حدود الحيدة، ولا يتورط في حملات الدفاع والهجوم بين المعسكرين، وقَلَّمَا يتفق أن يكون هؤلاء المحايدون المنعزلون على القمة العالية من قمم النبوغ والمكانة العالمية.

ولا مناص للجنة بعد توزيع الجوائز سنوات متوالية أن تلاحظ نصيب الأمم الكبيرة وزيادة النسبة في بعضها أو نقصانها عن القدر الذي يبرئها من تهمة المحاباة والإجحاف، فإذا شعرت بالزيادة في نصيب أمة من الأمم، فقد يلجئها ذلك إلى قبول المرشح من أمة أخرى، ولو لم يكن له حق من الشروط الفنية أو الشروط الإنسانية كحق منافسيه.

وقد برزت مع الخصومات الدولية قضايا الحرية في بعض الأمم الصغيرة المغلوبة على أمرها، فلم يكن التفات اللجنة إليها هذه المرة كالتفاتها إليها خلال الحرب العالمية؛ إيثارًا لها بجوائز السلام لوقوفها موقف الحيدة بين المتقاتلين، بل كان التفاتها إليها تحية لها في المطالبة بالحقوق الإنسانية، وسدًّا لباب من أبواب الحرب تفتحه مطامع الدول الكبار، وتدفعها إليه المغالبة على السيادة والسلطان، ومن هذا السبيل وصلت الجائزة إلى أدباء أيرلندة وبولونيا وفنلندة، ووصلت إلى أدباء بعض الأمم المستقلة التي طغى عليها المستبدون من أبنائها وأقاموا حكمهم فيها على مبادئ سياسية أو اجتماعية تناقض مبادئ العدالة والسلام.

وينبغي أن نذكر أن الأدباء المتأخرين في تاريخ نيل الجائزة لم تكن لهم هذه المكانة قبل ذلك بسنوات، فلا تفاوت في التقدير — مثلًا — بين برنارد شو (سنة ١٩٢٥) وهيس (سنة ١٩١٠)؛ لأن خمس عشرة سنة بين التاريخين تفسر هذا التفاوت، ولا ترجع به إلى اختلاف المقاييس.

ولا ننسَ أن اللجنة نفسها تتطور في نظراتها إلى الأدب وفي مقاييسها التي تقدر بها الأدباء، وأنها تتطور كذلك في حكمها على الأخلاق، وما تستوجبه منها في الأديب الذي تتوافر له أمانة الفكر ولا تتوافر له أمانة السلوك؛ فلا جرم يرجح لديها في منتصف القرن من لم يكن راجحًا لديها عند مطلعه، ويتقبل الناس حكمها الأخير ولم يكن مقبولًا لديهم قبل ذاك.

•••

إلا أن هذه العوارض الضرورية قد تُعْطِي حقها من الاعتبار، ولا تنفي الغرابة التي قوبل بها إهمال اللجنة تلك الفئة التي ارتفعت إلى قمة الذروة العالمية، قبل أن تبدأ اللجنة عملها في مطلع القرن العشرين، ونذكر منها أسماء تولستوي الروسي، وإبسن النرويجي، وزولا الفرنسي، وهاردي الإنجليزي. وقد قوبل بمثل هذه الغرابة إهمالها لفئة أخرى من الأعلام والأقطاب لم تزل تصعد درجات الشهرة خلال الربع الأول والربع الثاني من القرن العشرين، حتى استقرت قبل منتصفه على مثل تلك القمة من الشهرة العالمية، ومنهم كروشة الإيطالي، وإبانيز وأنامونو الإسبانيان.

وقد عَمَّ هذا الاستغراب أرجاء العالم الثقافي لأول وهلة بعد إعلان الجائزة الأولى، وكان مظهره في بلاد السويد أَشَدَّ وأصرح من مظهره في البلاد الغربية التي كانت تترقب جميعًا أن يكون الفائز الأول تولستوي دون برودوم الذي وُجِّهَتْ إليه على غير انتظار.

ولم يَسَعِ اللجنة أن تُغْفِلَ هذا الاحتجاج العالمي، فاعتذرت له بأعذارها يومئذٍ، ثم توسَّعت في شرحه وشرح عوامل الترشيح والإجازة على العموم في أول كتاب أصدرته المؤسسة لمناسبة انتصاف القرن العشرين، وقد يزيل الاطِّلاع عليه بعض الغرابة، وينفع في إيضاح العوامل التي تحيط بمواقف الهيئات التي تتصدى لأمثال هذه المهمة العالمية، ومنه ما تشاؤه باختيارها، أو تنساق إليه ولا مشيئة لها فيه.

بعد إعلان الجائزة لأول مرة غَضِبَ أدباء السويد ومؤلِّفوها لتخطي اللجنة اسم تولستوي، فاجتمع اثنان وأربعون منهم وكتبوا تحيتهم إلى الكاتب الكبير احتجاجًا على عمل اللجنة، واعتذارًا عن الأمة السويدية، وأيَّدهم المثقفون من السويديين في هذه التحية وهذا الاعتذار.

أما اللجنة فقد تبيَّن من أقوال المطَّلعين على أعمالها أنها استجابت في الترشيح الأول لتزكية متعددة من جانب أعضاء الأكاديمية الفرنسية، وهي الهيئة التي تعتبر الأكاديمية السويدية وليدة لها وتقتدي بها في أعمالها، فلم يسعها — كما قالت — أن تعرض عن هذه التزكية، وتتخطى برودوم إلى كاتب آخر لم يرشحه أحد من المسئولين، ولم يكن في برنامج اللجنة يومئذٍ أن تستقل بالترشيح والتفضيل، كما تقرر بعد سنوات من التجربة تكررت فيها مخالفة اللجنة لآراء الهيئات الرسمية التي قصر عليها حق الترشيح.

واتجهت النية عند فريق من أعضاء اللجنة إلى استدراك هذا الإهمال في السنة التالية، ورأى فريق آخر من أعضائها أن شروط الجائزة توافق أعمال تولستوي الأدبية، ولكنها لا توافق آراءه الاجتماعية التي ينادى فيها بتقويض معالم الحضارة، وإنكار الحكومة بأنواعها، وإسقاط حق الحكومات في معاقبة الجناة، وحق الساسة والقادة في تعليم الناس على أسس الثقافة العصرية؛ لأنها — في رأيه — قشور لا تنتهي إلى لباب.

وتوسط بين الفريقين طائفة من ذوي الرأي بدا لهم أن التوفيق بين الجانبين يسير، إذا نصت اللجنة على بيان أسباب الجائزة، ولم تذكر فيها آراءه الاجتماعية.

على أن المشادَّة حول هذه المسألة قد بلغت غايتها في هذه الأثناء، وكان على رأس اللجنة السويدية رجل مشهور بقوة الشكيمة، واستقلال الرأي إلى حَدِّ الإصرار والعناد، وهو الأستاذ كارل ويرسن Wirson الذي كان استقلاله هذا سببًا لاختياره في مقام الحكم المنزَّه عن مؤثرات الضغط والإكراه حيث تضطرب الأغراض، ويكثر الرجاء والإلحاح من مختلف الجهات، وكان ويرسن يرى أول الأمر أن التوفيق بين الجانبين مستطاع على الوجه الذي انتهوا إليه، وهو استثناء آراء تولستوي الاجتماعية عند التنويه بمزاياه التي استحق بها جائزة الفن والسلام، ولكنهم فوجئوا جميعًا بحديث من أحاديث تولستوي أنحى فيه على الجوائز المالية، وأنكر فيه أن يكون المال مكافأة لفكرة المفكر وأدب الأديب، فكتب ويرسن تقريره الأخير إلى اللجنة يشرح فيه الموقف بتفصيلاته، ويقترح فيه العدول عن تسمية تولستوي لجائزة تلك السنة؛ لأنه يخشى أن يرفضها لاستنكاره مبدأ الجوائز المالية، وأن يرفض التقدير الأدبي إذا قيدته اللجنة بأسبابها وصرَّحت في بيانها باعتراضها على فلسفة الكاتب الاجتماعية وأقواله عن نظام المجتمع والحكومة في ظل الحضارة.

•••

وكان اسم هنريك إبسن أقرب الأسماء إلى الترشيح في اللجنة السويدية؛ لأنه من أبناء الشمال، ولم يكن أقل في الشهرة العالمية من تولستوي بين رواد المسرح وطلاب المباحث الاجتماعية، ولكن انتسابه إلى أمم الشمال أخَّره ولم يقدمه في تقدير اللجنة عند افتتاح عملها «العالمي الإنساني»، الذي يشترط فيه التسوية بين الأمم، واتقاء شبهات العصبية الجنسية، فأشفقت أن تفتتح عملها بما يلقي عليها شبهة التعصب لأبناء عنصرها، فلما زال الحرج من توجيه الجائزة إلى أحد من أدباء الأمم السكندنافية، بعد إجازة أديب من فرنسا وأديب من ألمانيا، كانت مشكلة الدعوى إلى الانفصال بين النرويج والسويد على أشُدها وأعنفها، ولاح لبعض أعضاء اللجنة أن تأخير منح الجائزة لواحد من الأدباء السكندنافيين الكبار قد يُعزى إلى سوء النية، ويحمل على محمل اللدد في الخصومة السياسية، على حين أن اختصاص أديب من أبناء النرويج بها يبرئ اللجنة من شبهة العصبية لوطنها، ويلطف كثيرًا من توتر الخصومة بين القطرين الشقيقين، وكان في النرويج علمان من أعلام الأدب العالمي هما إبسن Ibsen وبجورنسون، أحدهما مشترك في الحركة السياسية، والآخر منعزل عنها أو قليل الاكتراث بها، أحدهما من أنصار النزعة المثالية، والآخر أقرب إلى الواقعية والترخُّص في القيم الأخلاقية، وأحدهما يتسنم أوج الشهرة، والآخر قد استنفد جذوته — كما قال فريق من أعضاء اللجنة — فرجحت كفة بجورنسون لأنه أوفى بالشروط المطلوبة، ولأنه إذا تخطّضاه الاختيار لم يفهم من تخطيه إلا أنه عقوبة له على اشتراكه في الحركة الوطنية، ولجاجته في الخصومة التي تسعى اللجنة إلى تلطيفها وجبر كسورها، ثم مات إبسن بعد انفصال النرويج عن السويد، ولم يكن من الميسور منح الجائزة لأديب نرويجي سنتين متواليتين لو أُرِيدَ ذلك، فأخطأته الجائزة وظهر في أمره كما ظهر في أمر تولستوي أن ظروف الحوادث عامل من العوامل التي تغلب المختار على اختياره في موازين الأدب العالمية، كلما اتصلت بالأمثلة العليا وأزمات السياسة.

•••

أما توماس هاردي الشاعر القَصَّاص، فقد كان موقف اللجنة منه سليمًا من الوجهة الحرفية ضعيفًا من الوجهة النفسية، وقد أثبت هذا الموقف حقيقة واضحة عن تقديرات اللجنة لا تحب أن تثبت عنها؛ لأنها تغض من شأن موازينها، وتلك الحقيقة الواضحة هي أنها قد تحرم الأديب من تقديراتها سنة بعد سنة في أوجه شهرته، ثم لا يحط ذلك من قدره في موازين الأدب، ولا في موازين الإنسانية.

قال كارفلد أمين سر اللجنة عن هاردي: إنه يجل عمله، ويزكي اقتداره على تصوير مناظر الطبيعة في بلده، وخصائص الأخلاق بين قومه، ويشفق من سوء أثر إهماله في نفوس أبناء وطنه، ولا يرى غضاضة على الشاعر ياتس من إرجاء تقديره إلى سنة أخرى لصغر سنه.

وقال مؤلِّف القسم الأدبي من كتاب «نوبل: الرجل وجوائزه» إنه كان من المؤيدين لترشيح هاردي، ويرى وجوب الالتفات بصفة خاصة إلى شعره الأخير الذي يعد فتحًا أدبيًّا جديدًا من رجل في مثل سنه، ولكن الفكرة التي كانت شائعة بين الأكثرين من أعضاء اللجنة أنه شديد التشاؤم والاستسلام للقدَر المقدور على نحو لا يلائم روح الجوائز ومنحاها. ولم تتغير هذه الفكرة — لسوء الحظ — مع ترداد الترشيح عامًا بعد عام، حتى أصبح كِبَرُ سِنِّهِ أخيرًا أكبر العوائق دون توجيه الجائزة إليه، لما سيبدو في هذه الحالة من أنها قد جاءته بعد فوات أوانها وفقدت معناها.

والخطأ هنا أن تشاؤم هاردي لم يكن أسوأ من تشاؤم أناطول فرانس الذي أجازته اللجنة لجمال أسلوبه وجودة فنه، وأن الموازين الآلية في فهم التشاؤم عَجْزٌ يقع فيه من لا يفرقون بين تشاؤم العطف والأسى على الإنسانية، وتشاؤم الفتور وقلة الاكتراث، أو تشاؤم النفور وجمود الوجدان؛ إذ لا يتساوى في التشاؤم كاتبان: أحدهما يرثى للإنسان عطفًا عليه وأسفًا لقصوره أو شقائه، والآخر ينعي عليه عيوبه كأنه يتقصَّاها ويستريح إليها، ولا يريد أن يهتدي إلى حسنة بينها تقدح في سوء ظنه بها وحرصه على تسجيلها وإثباتها، ونحن لا نسمي الأب متشائمًا إذا صدمته الخيبة في وليده، فصاح به أنه لم يفلح، ولا نَخَالُهُ مفلحًا في حياته، ولكننا نحسب من التشاؤم أن يقال ما هو أهون من ذلك عن الطفل الغريب أو القريب كراهة للخير، واستراحة إلى الشر، حيث يكون وحيث يعم في مواطن الأمل ومواطن اليأس على السواء، ولعل تشاؤم هاردي فيه من الحب للإنسانية والتشوُّق إلى إسعادها ما ليس في المرح الرخيص الذي يتغنَّى به جمهرة «المتفائلين»، وليس عندهم من التفاؤل إلا عفو الساعة من المتعة المبذولة والغفلة عن مصائبهم ومصائب الناس، وهي غفلة مريحة ولكنها لا تُحْمَدُ ممَّن يريد الخير ويطلبه لبني الإنسان.

•••

وكيفما كان حكم اللجنة على هؤلاء الأعلام الثلاثة — تولتسوي وإبسن وهاردي — لقد كان لهم فيها أنصار مؤيدون، وكان لمعارضيهم حجة تستند إلى نصوص دستور اللجنة أو إلى تفسير تلك النصوص، فلم تتجاهلهم اللجنة، ولم تعتبر إهمال أدبهم أمرًا مفروغًا منه غنيًّا عن المناقشة والتأويل.

فالغرابة في موقف اللجنة منهم أقل من غرابة موقفها من نظرائهم الذين بلغوا مبلغهم من الشهرة العالمية ووافقوا في كتابتهم شروط النزعة المثالية، بل تعرَّضوا في سبيل مبادئهم وآرائهم لمحنة الشدة والاضطهاد، فثبتوا عليها ولم يتزحزحوا عنها، وعرف لهم العالم — كما عرف لهم ذوو الرأي من أبناء وطنهم — حق الجهاد وفضل الثبات عليه إلى ختام حياتهم، ومنهم من صمد لمقاومة العدوان في أزمات الحربين العالميتين، ومن قضى نحبه بعد الحرب العالمية الأولى في منفاه.

أحد هؤلاء «إبانيز» Ibanes الكاتب الإسباني، داعية الإصلاح والتعمير على قواعد الاشتراكية العادلة قولًا وعملًا في وطنه وفي أمريكا الجنوبية، وقد ناهض الحرب العالمية الأولى، وعاش بعد انقضائها بضع سنوات ذاعت في خلالها كتبه ورواياته، وترجمت إلى اللغات الأوروبية، وعرضت على اللوحة البيضاء، ومات (سنة ١٩٢٨)، وله من الشهرة العالمية غاية ما يبلغه الكاتب باللغة الإسبانية في العصر الحديث، وقد آثرت عليه اللجنة أحد مواطنيه وهو في أوج شهرته بعد الحرب العالمية (١٩٢٢)، فكان أغرب ما في هذا التمييز أنه حدث دون أن يسمع معه صوت واحد يقابل بين الأديبين، ويذكر وجه التفضيل والرجحان لسبب من الأسباب، وقد يقال في تفسير ذلك إن إبانيز كان معدودًا من «المهيجين» السياسيين في عرف حكومته وجماعة المحافظين من أبناء قومه، ولكنه على أيَّة حال كان خليقًا أن يرشح وأن يقال في الاعتراض على ترشيحه ما عسى أن يقال من هذا القبيل.

ولا ندري نحن علة لهذا الموقف الغريب، إلا أن يكون مرجعه إلى رأي إبانيز في حكم أبناء الشمال لوطنه وتصريحه عند المقارنة بينه وبين الحكم العربي بأنه قد خرب في سنوات كل ما بناه العرب في عدة قرون.

وتجاهلت اللجنة مواطن إبانيز الفيلسوف أنامونو Unamuno على هذا النحو من التجاهل الصامت، حتى قضى نحبه في معتقله (سنة ١٩٣٦)، واسمه يتردد على الألسنة حيث تنطلق اللغة الإسبانية في العالمين القديم والحديث، وحيث تقرأ روائع الفلسفة والأدب البليغ في سائر اللغات، ولعله كان بين الفلاسفة المحدَثين صاحب القلم الذي لا يجاريه كاتب مفكر في طلاوة اللفظ وبلاغة التعبير، بل لعله كان أوفى كُتَّابِ الفكر والفلسفة بشرط النزعة المثالثة المقدم على غيره من شروط الجائزة؛ إذ كان يبغض الاستنامة إلى عقيدة من العقائد والجمود عليها، دون أن ينبعث المعتقد بها مع أشواق التطلُّع والطموح إلى الآمال التي تفوقها والأسرار التي تكمن في أعماقها، وهو القائل في كتابه عن الجانب الفاجع من الحياة: «إن عملي — وأكاد أقول رسالتي — أن أزعزع عقيدة كل معتقد يثبت، وكل معتقد ينفي، وكل معتقد يتشكك، وكل معتقد يكف عن البحث والتفكير؛ وذاك لأنني أومن بالإيمان لذاته، وأعتقد العقيدة في جوهرها، وأناقض كل من يركن إلى مذهب من المذاهب في استسلام وتفويض سواء دان بالكثلكة، أم بالعقل، أم تردد على مذهب الشكوكيين.»

فهو ينكر الجمود حيث كان، ويريد المثالية عملًا وسعيًا، كما يريدها فكرًا وشعورًا، ما دام بقيد الحياة، ويجوز أن تكون هذه النزعة المثالية على خلاف شرط اللجنة فيما تفهمه من معنى النزعات المثالية، ولكن الذي نستغربه أن يكون هذا الرأي مسكوتًا عنه مفروغًا منه، وأن يتقرر الحكم فيه بغير بحث وبغير حجة من طرفي الخلاف.

وموقف اللجنة من أنامونو شبيه بموقفها من قرينه ومعاصره الفيلسوف الإيطالي «كروشه»، نصير الحرية وعدو الفاشية، الذي ثبت على مقاومتها طول حياته إلى أن توفي سنة ١٩٥٢، وهو في السادسة والثمانين، ومذهبه في الفن وفي علم الجمال مذهب المقبل على الحياة والمؤمن بالواجب وبالقدرة على أدائه. ولم يكن إيمانه هذا مجرد عقيدة في أطواء الضمير، أو دعوة من فيلسوف يقول ولا يعمل، ويشرح النظريات ولا يعنيه ما تئول إليه في حيز الوقائع والعمليات، بل كان يدين بالواجب كما اعتقده ويؤديه على النحو الذي يرتئيه. وقد اعتزل منصبه في وزارة التعليم، ثم اعتزل الحياة العامة يوم حِيلَ بينه وبين الجهر برأيه والعمل على منهجه، والتزم هذه العزلة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ إذ كُتِبَ له أن يعيش حتى يشهد بعينيه مصداق نبوءاته عن عواقب الحروب والمنازعات في كتابه الذي سماه (التاريخ سياق الحرية)، ولم يُبالِ أن ينشره بعد تمام تأليفه (سنة ١٩٣٨)، ولم تستطع الفاشية أن تمنعه؛ لأنها لم تشأ أن تشهد على نفسها بمناقضة الحرية في الحال والمآل.

•••

إن إهمال هؤلاء الأعلام وغيرهم من نظرائهم غير مفهوم، وأغرب منه أن يكون إهمالهم بغير مناقشة بين أصحاب الآراء المتباينة، وبغير حُجَّةٍ يستند إليها فريق، وينقضها فريق كما يحدث في أمثال هذه الترشيحات.

فليس في الأسباب الأدبية سبب يَقِفُ في تفسير ذلك الإهمال المسكوت عنه، ويخطر لنا إذن أن هذا الصمت المتفق عليه أشبه بصمت السياسة الذي يتم التفاهُم عليه، ولا يجري التصريح به في كتابة أو مقال.

فلا يخفى أن جوائز نوبل ترتبط بمراسم الدولة، ويشترك رجالها المسئولون في حفلاتها، ويتبادلون الخطب والتصريحات حول موضوعها وأسباب منحها، فمن الجائز أن يتم التفاهم بين المسئولين من قِبَل اللجنة وقِبَل الحكومة على اجتناب الأمم التي تنقسم على نفسها، وتتولى الحكم فيها سلطة مستبدَّة يثور عليها بعض أهلها، ويؤيدها من يؤيدها على غير رضا من سائر رعاياها، وفي هذه الحالة تلتزم اللجنة خطة السكوت على تفاهم بينها وبين المسئولين من رؤساء الدولة، وتتحاشى أن يكون ترشيحها للأديب دخولًا منها بين أحزاب الأمة، وتأييدًا للثائرين على نظام الحكم فيها؛ فإن الحكومة السويدية تتصل على أية حال بجميع الحكومات وتبادلها التمثيل السياسي والعلاقات التجارية والاقتصادية، فلا يستغرب منها أن تتحرج من مناصرة الخارجين عليها، وبخاصة حين يدعو الأمر إلى بيان عمل الأديب ووجهته ومقاصد أدبه وتفكيره، وقد كان الأدباء الثلاثة — إبانيز وأنامونو وكروشة — على موقف صريح بالعداء للفاشية وللحكومة المطلقة في إيطاليا وإسبانيا، وكانت شهرتهم الأدبية مقارنة لاشتهارهم بالمعارضة أو الثورة وهم منفيون أو معتقلون.

وما من سبب أدبي أو سبب سياسي غير هذا السبب يغني في تفسير ذلك السكوت المتفق عليه.

•••

بقي أمر الأدباء الشرقيين وهم يكتُبون بلغات شتَّى، يبلغ عدد المتكلمين ببعضها خمسمائة مليون، ولا يقل عدد المتكلمين بأضيقها انتشارًا عن عشرة ملايين، وهو قريب من عدد المتكلمين ببعض اللهجات من اللغات الأوروبية التي أجيزت مرات.

ومن هذه الأمم جميعًا لم يَنَلْ جائزة نوبل الأدبية في ستين سنة غير أديب واحد وهو رابندرانات تاجور. ولما أجازته قالت في بيان مزاياه: إن أدبه قد أصبح جزءًا من الآداب الغربية، حيث تقول: «إنه جعل أفكاره الشعرية كما عبَّر عنها بأسلوبه في اللغة الإنجليزية جزءًا من الأدب الغربي.»

فهل يفهم من ذلك أن اللجنة لا تجيز أدبًا غير الأدب الغربي، أو الأدب الشرقي الذي يصبح جزءًا منه؟

إننا إذا لم نفهم هذا فهِمنا أن ستين سنة في الشرق العريق بآدابه وفنونه لم تنجب من مئات الملايين مثل ما أنجبته أُمَّةُ السويد على انفراد، وقد نالت الجائزة منها أديبة وثلاثة أدباء.

وقد شوهد أن اللجنة تبحث عن الأدباء المستحقِّين، ولا تنتظر اشتهارهم بشهادة الصحف أو دور النشر أو أقلام النقاد، ومن أمثلة ذلك أننا اطَّلعنا على صحف الأدب الإنجليزي التي أصدرت سجلاتها الدورية عند منتصف القرن العشرين لتاريخ الأدب الغربي خلال خمسين سنة، فلم نقرأ فيها اسم (لاكسنس) صاحب الجائزة (سنة ١٩٥٥)، ولا اسم (خيمنيز) صاحب الجائزة سنة (١٩٥٦)، ولا اسم (كواسيمدو) صاحب الجائزة سنة (١٩٥٩). وقيل عقب إعلان الجائزتين الأخيرتين إن الإسبان والطليان أنفسهم فوجئوا بهذا الاختيار، وجاء في تعبيرات أحد النقاد أن اللجنة تحفر عن مرشحيها كأنهم من خبايا الأحافير!

وأيسر من هذا البحث كان خليقًا أن يهدي اللجنة إلى شاعر من أبناء الهند معاصر لتاجور، ومؤمن مثله بطلب الكمال وبالنزعات المثالية، وهو الشاعر الصوفي الفيلسوف محمد إقبال.

نعم إن محمد إقبال شاعر متدين يمتزج الكثير من قصائده بالتسبيح الصوفي والابتهالات الإلهية، ولكن الشعر الوجداني غير قليل في منظوماته المطوَّلة أو القصيرة، يتلوه من يشاء من المؤمنين بالأشواق الروحية على اختلاف الأديان والآراء، ومنهم برهميون وبوذيون ترنَّموا بشعره كما ترنَّم تاجور نفسه بشعر المتصوفة الأولين من المسلمين، وليس الاعتراض على «روحانياته» بحائل مع هذا بينه وبين الجائزة العالمية؛ لأن اعتراضًا مثله وجه إلى روحانيات تاجور فلم تأخذ به اللجنة، وانتهت بعد النظر فيه إلى إقرار الترشيح.

ففي أثناء الموازنة بين المرشح الشرقي تاجور ومنافسيه الغربيين، كتب الأستاذ هرالد هجان رئيس اللجنة الجديد تقريره، فقال فيه إن شعر تاجور لا يتيسر التفريق فيه بين ما هو من وحي عبقريته وما هو من وحي العبقرية السلفية الموروثة، وهي حافلة بالتراث الديني في الأمة الهندية من أقدم عهودها «ولا بد من زمن يمضي لتمييز هذه الوشائج التاريخية للاستعانة بذلك على صحة التقدير واستقلاله، والعلم بما هو مطبوع من كلام تاجور، وما هو من تلقين الصوفية الدينية والشعر القديم …»

ونظرت اللجنة في هذا الاعتراض من رئيسها، فرجحت جانب الإقرار على جانب الرفض؛ لأنها لم تشأ أن تضيع المناسبة التي وضعت بين يديها اسمًا شرقيًّا لا يرد عليها نظيره في كل مناسبة.

ولسنا نذكر الحرج السياسي في أمر إقبال؛ فإن ظروف إقبال لا تختلف من ظروف تاجور في اعتبارات السياسة التي تنظر إليها الدولة السويدية، فقد مُنِحَ كلاهما مرتبة الفروسية، ولقب (سير) عرفانًا بمكانته الأدبية، وقد يكون هذا التقدير السياسي للمكانة الأدبية منبهًا للجنة إلى البحث في هذا الجانب دفعًا لشبهة التفرِقة بين أديبين — أو بين أدبين — لا موجب للتفرقة بينهما.

•••

هذه البواعث التي تحيط بأسباب منح الجائزة ومنعها قد تصلح لتعميم الحكم على منهاج هذه الجوائز جميعًا أيًّا كان الدستور الذي تتقيد به لجان الجوائز العالمية في شروطها؛ فإن البواعث العملية تجري على وتيرة واحدة بحكم الضرورة التي لا اختيار فيها لواضعي الشروط الأدبية أو منفذيها.

فكل لجنة من لجان الجوائز العالمية على غرار اللجنة السويدية عرضة للتفاوت في تقريرها عامدة أو غير عامدة، وقد تكون اللجنة السويدية في طليعة اللجان الموثوق بسداد رأيها وسلامة عملها، جهد الثقة من الإنسان بعمل الإنسان.

فمن الطبيعي أن يتفاوت الاهتمام بين القريب والبعيد، وبين اللغات المتداولة في بيئة المحكمين واللغات التي تنقل إليهم أو يفهمونها على السماع والرواية، وبخاصة حين تتباعد الأقطار، وتتباين الأمزجة، وتمتزج الفوارق الفكرية بالفوارق التاريخية، أو فوارق العنصر والسلالة.

ومن الطبيعي أن يتفاوت التقدير، حيث يتَّسع مجال النظر بين عشرات الأمم على اختلاف ثقافتها، واختلاف تقاليد الثقافة فيها حسب ما يعرض لها من الأطوار الاجتماعية.

ومن الطبيعي أن يتفاوت التقدير بين أدباء الأجيال المتعاقبة، وأن يحدث هذا التفاوت طفرة كما يحدث تدريجًا، وأن يحدث في موضوع واحد من موضوعات الكتابة، كما يحدث في جملة هذه الموضوعات.

ومن الطبيعي أن يتفاوت ميزان النقد بين المحكمين أنفسهم، ولو لم يتغيروا في الجيل أو الجيلين، فإن تغيروا فالتفاوُت مرتقب غير مستغرب، ولو كان من قبيل التفاوت في تطبيق القاعدة الواحدة والمقياس الواحد حسب اختلاف الوسائل والأساليب في التطبيق والتعقيب.

ولا مناص من التفاوُت مع التزام شرط غير الشروط الأدبية وغير شروط الإجادة والإتقان في الكتابة؛ إذ يضطر المحكمون في هذه الأحوال إلى تفضيل الوسط الذي تجتمع له شروط الفن، وشروط الأخلاق والمطالب الإنسانية على الراجح الممتاز الذي تعلو به كفة وتهبط به أخرى في الميزان المشترك بين الفنون والأخلاق.

بل لا مناص من التفاوت مع توافر الشروط الفنية والإنسانية، إذا وجب في حساب المحكمين سنة من السنين أن ترعى جانب أمة طال إهمالهم إياها، ثم أتيحت لها الفرصة النادرة لتقديم من تُرَشِّحُهُ في تلك السنة، ولا يتاح تكرار هذا الترشيح بعد فوات الأوان؛ فإن أديب هذه الأمة قد يُقَدَّمُ على سواه لهذا الاعتبار، وإن لم يكن مقدمًا عليه بجودة الفن وسمو الغاية.

وخير ما ينتظر من لجان الجوائز العالمية بين هذه الاعتبارات أن تضمن الحسن، ولا تدعي أنه الأحسن في جميع الموازين، وحسبها من رضا الناس بحكمها أن يقال إنه هو الأحسن على قدر الإمكان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤