من نابلي إلى رومة

لما فرغنا من زيارة أهم مشاهد نابلي ومتاحفها أزمعنا السفر إلى رومة قصبة مملكة إيطاليا، فذهبنا إلى محطة السكة الحديدية، ومنها أخذنا جواز السفر (التذكرة) بعد أن دفعنا ثمنها إحدى وسبعين ليرة (أحد وسبعين قرشًا صاغًا)، ولما أردنا الدخول إلى القطار أشار العامل المكلَّف بمراقبة المسافرين بأن حقيبتين من حقائبنا يجب وزنهما، فانتحى الحمَّال بنا ناحية وقال: يمكنني أن أدخلهما بدون وزن على شرط أن آخذ عشر ليرات. فقبلنا منه ذلك، وقد فعل، وأعطينا له ما شرط، وقد قلت فيما سبق إن أهل إيطاليا لهم استعداد لقبول الرشوة متى وجدوا لذلك سبيلًا. ولما دخلنا القطار لاحظنا أن حجره ضيقة تحوي ثمانية مقاعد متقابلة يفصل كل مقعدين منها حاجز، ولها بابان من جانبها يقفلهما العامل عند سيره، وليس بها نوافذ غير نافذتين تعلوان هذين البابين ولا طرقة أمامها. وحُجَر القطر في إيطاليا أقل مما في مملكة سويسرة وفرنسا وإنكلترا نظافة وزخرفًا، والمقاعد مكسوة بنوع من المخمل الرمادي. وقد اكتظ القطار بالمسافرين مما أفضى إلى وقوف بعضهم زمنًا طويلًا.

وقد قام القطار بنا من المحطة الساعة السادسة والنصف وسار بنا في أرض ليست ذات خصوبة، تارة يعلو تلالًا وروابي وتارة ينحط، وأخرى يدخل في نفق وطورًا يساير جبالًا شامخة.

وما زلت واقفًا في نافذة القطار أمتع النظر بتلك المشاهد الجميلة البديعة حتى خيَّم الظلام، وعدت لا أرى إلا الأنوار في القرى المشيدة على التلال وسفوح الجبال، إلى أن لاحت لنا من بُعْد أنوار مدينة رومة بمنظرها الغريب الذي يأخذ بمجامع القلوب. وقد وصلنا محطتها الساعة الحادية عشرة والنصف مساء، فحمل حقائبنا حمَّال ذهب بنا إلى فندق الكونتيننتال، وهو فندق جميل واقع في واجهة المحطة كثير الحُجَر واسع الردهات المزينة بالأشجار والأزهار، وهو من أعظم الفنادق في إيطاليا يشرف على ميدان المحطة وعلى شارع من أهم شوارع المدينة، وأجرة المبيت فيه خمس وثلاثون ليرة، وإذا أُضِيف إلى ذلك الأكل فيه ضُوعِف الأجر.

ومما لفت نظري أن كل نازل في فندق من فنادق أوروبا يلزمه ضريبتان؛ ضريبة الخدم وضريبة الحكومة، وكل واحدة لا تقل عن عشرة في المائة من أجرة المبيت، كما أنه يُزاد على هاتين الضريبتين ضريبة ثالثة هي ضريبة الترف إذا كان الفندق راقيًا كالذي نزلنا به.

figure
منظر كلب متحجر.

ومما يدعو إلى العجب والدهشة كثرة السائحين الأمريكان، فإني رأيت منهم في رومة وغيرها من الممالك التي زرتها سيلًا جارفًا يملأ كل مكان نزلنا به، وأكثرهم من الفتيات اللائي لا يصحبن معهن رجالًا إلا قليلًا، بل يعتمدن في جميع رحلاتهن على أنفسهن، وإنك لترى فيهن زينة الفنادق والردهات يرقصن ويغنين ويعزفن ويقمن بألاعيب منوَّعة؛ ملابس غاية في البساطة يشبهن تمام المشابهة الفتيات الإنكليزيات لونًا ولغة لا يكاد يفرق الإنسان بينهن. وعجائزهن غاية في النشاط والخفة يقمن بما تقوم به الفتيات من الإسراع إلى زيارة الآثار والمتاحف ويقيدن الغريب منها، ويأخذن المناظر بآلة التصوير الشمسي (الفتوغرافيا)، فلا تزور أثرًا لا تجده غاصًّا بهن.

وأغلب الأمريكان يعتمدون في سياحتهم على شركة كوك، تقلهم سياراتها إلى المتاحف والآثار وغيرها مما يهم السائح زيارته مصحوبين بمترجميها العديدين.

وهي تقوم بخدمات كثيرة تسهِّل على السائحين رحلاتهم من تقديم أدلة للبلدان والممالك بالمجان ومُصَوَّر كل مدينة؛ يوضح أماكنها وآثارها ومتاحفها ومحالَّ الزيارة فيها ومعلومات عن فنادق المدن وأجورها وحالة المعيشة في الأسر (البنسيونات)، فلا يجد السائح أقل صعوبة في الوصول إلى غرضه. ولها مكاتب في كل مدينة حتى القرى، تسهل كل نوع من المعاملة والقيام بصرف «القطع» لكل ممالك العالم، ولذا لا تخلو محالُّه من السائحين المختلفي الأجناس واللغات.

تجد السيدة الأمريكية وهي في أخريات أيامها لا تقوى على السير في المتاحف والآثار، فيحملها العمال على كرسي أُعِدَّ لذلك حتى لا تُحرَم رؤيتها وتنفق في ذلك المال الكثير صابرة على مشاقِّ السفر والتنقل برًّا وبحرًا، كلُّ ذلك في سبيل حب الاستكشاف والاطلاع مما يدل على علو مكانة الأمريكان وضربهم في العلوم والمعارف بسهم كبير. وبهذه المناسبة أجدني آسفًا جد الأسف لعدم اهتمام المصريين بشأن السياحات والاطلاع على آثار الممالك ومتاحفها والوقوف على أخلاق الأمم وعاداتهم، فقد يذهب كل سنة منهم إلى أوروبا عدد كبير ومع هذا فلا تجد لأسفارهم أثرًا يُذكَر في بلادهم، لأنهم يفضلون الراحة واللهو واللعب والإقامة في مكان واحد عن الجَوَلان في الممالك والبلدان. ولو علموا أن أيام السائح من ألذِّ أيام حياته لمَا تأخروا عن قضاء أوقاتهم متنقلين يرون كل يوم منظرًا جديدًا وخُلقًا نافعًا وموعظة حسنة وعبرة مرشدة وحكمة بالغة وعلمًا واسعًا لا يحصلون عليه بغير ذلك.

(١) رومة

هي عاصمة بلاد الرومان، مرت عليها أعوام كانت فيها سيدة عواصم الممالك، وحاكمة العالم المتمدين، تاريخها القديم من أشهى التواريخ وأكثرها فائدة للقارئين، يعرض أمامك العبر، ويوضح لك تقلبات الزمان، ويملي عليك حكمة لقمان، وما زالت إلى الآن عاصمة إيطاليا مع ما مر عليها من حوادث الأيام وعبر الدهور والأعوام. اجتمع فيها قديمًا عظماء الشعوب المختلفة، فكان منهم الأمير، ومنهم طالب العلم، ومنهم المتَّجِر. وكانت مركز الملك والرياسة الدينية معًا، فلم تبلغ مدينة من مدن العالم ما بلغته رومة في العالم القديم.

وباعتبار ما طرأ عليها من التغييرات أصبحت تنقسم إلى قسمين؛ رومة الحديثة ورومة القديمة.

فرومة القديمة كانت محاطة بسور لا يقل عن اثني عشر ميلًا تقريبًا، وله سبعة وثلاثون بابًا معدَّة لخروج الجنود ودخولهم. ولقد اشتُهِرت من قديم الزمان بردهاتها الواسعة، وشوارعها الكبرى.

أما رومة الحديثة فإنها قد بُنِيت على أطلال رومة القديمة، أُقِيمت على اثني عشر تلًّا، فهي كثيرة المرتفعات والمنخفضات فلا تكاد تجد فيها شارعًا مستويًا. ويشطرها نهر تيبر شطرين عظيمين، شُيِّدت على ضفافه المنازل العالية والقصور الفخمة، وفي ميادينها العامة كثير من التماثيل البديعة الصنع.

وأهمها نافورة بقرب ميدان المحطة آية في الإبداع وحسن المنظر، وإذا رأيتها رأيت دائرة عظيمة محاطة بالتماثيل الكثيرة المتعددة الأنواع المختلفة الأشكال، وفي وسط هذه الدائرة تمثال لرجل ضخم يضم إليه تمثال غلام يصعد الماء من قمة رأسه فينصب عليهما بكثرة. وجميع التماثيل المقامة على حافة هذه الدائرة بأشكال الرجال والنساء تقبض على تماثيل من الأسماك والحيوانات، يخرج من أفواهها الماء بقوة عظيمة منعكسًا إلى جو هذه الدائرة، ويقابل هذا الماء المنعكس ماء مقذوف بقوة يخرج من أنابيب وسط هذه الدائرة، فيتكون من ذلك منظر حسن يسر النفس ويشرح الصدر.

ويلي هذه النافورة في المرتبة نافورة أخرى تُسمَّى «بريفي» من النافورات الرومانية القديمة أُقِيمت وسط رومة، يخرج الماء من اثنتي عشرة فتحة فيها، يُسمَع لها دوي كدوي القناطر لكثرة المياه المتحدرة على الأحجار والصخور من تلك الفتحات، ويعلو هذه الفتحات تمثال كبير لرجل يكتنفه تمثالان على صورة امرأتين؛ أحدهما رمز للصحة والآخر للخصب والنماء بيده صورة عنقود من العنب العظيم. وبأسفل هذه التماثيل تمثالان لفارسين قويين يقبض كل منهما على عنان جواد جامح يعانيان في كبح جماحهما أشد العناء، والمياه المتحدرة من هذه الفتحات جميعًا تنصبُّ بقوة عظيمة في حوض واسع جدًّا نُضِّدت حوله المقاعد لجلوس من يشاهد انحدار هذه المياه.

ومما سُطِّر في دليل رومة من المضحكات عن مياه هذا الحوض أن السائح إذا شرب من مائه ولم يقذف فيه «صلدًا» سحرته مياهه واضطرته إلى الرجوع إليها في العام المقبل، فشربت من مائه ولم أقذف فيه صلدًا لعلي أرجع إليه مرة أخرى!

وشوارع رومة أغلبها كثيرة الحركة والزحام ولكنها أقل حركة من شوارع «نابلي»، وحوانيتها أكثر ضخامة وسلعًا، مرصوفة بالأحجار المستوية أو الآجُرِّ (الأسمنت). ومما يزيدها فخامة وعظمًا علوُّ العمائر الضخمة بها، فإن غالبها يتكون من ست طبقات أو سبع مما يكسب الشوارع بهجة وعظمة، وأغلب شوارعها محلَّاة بالتماثيل التي تقابلك أينما سرت إما في الشوارع وإما في شرفات المنازل أو مزدانة بها الحوانيت وميادينها العامة أو مزخرفة بها الكنائس الكثيرة المنتشرة في جميع نواحيها. والمركبات الكهربائية تنساب في تلك الشوارع تارة تعلو وتارة تنخفض تبعًا لحالة الشوارع، ولها سائقون مهرة يجلسون على كرسي يفصله عن الواقفين حاجز من الحديد، فلا يزاحمه أحد مهما كثر الواقفون، وكل مركبة فيها عدة أجراس يقرعها الراكبون إذا أرادوا النزول، وهو لا يفوق المركبات الكهربائية برمل الإسكندرية من حيث النظافة والترتيب. والسيارات أجورها رخيصة جدًّا، كما أن العجلات لها عداد (تكس) يجرها جواد واحد، وإذا زاد الراكبون على اثنين دفع عنه ليرة «قرشًا صاغًا» عما يستحقه العداد، والحوذيون لا يمسون الخيل بسياطهم شفقة ورحمة بالحيوان. ومما يُضحِك أننا ركبنا عجلة وأراد الحوذي أن يوجه الجواد إلى ما يريد فلم يقبل أن يسير إلا اتِّباعًا لهواه ولم يجسر الحوذي أن يمسه بأذى، فكان ينزل ويجره مسافة كبيرة ولكنه يأبى أن يسير إلا حسبما يريد، فأخذ منا التعب مأخذه وقلنا: هذا حال حوذي مع جواد لم يجرؤ على إيذائه، ونحن في بلادنا نقيد إرادة خدمنا وإرادة أبنائنا، والويل ثم الويل إذا تأخر الحيوان عن الركض لثقل حمله أو لمرضه أو تعبه، فإن سائقه ينقض عليه انقضاض الصاعقة فيوسعه وكزًا وضربًا ونخسًا حتى يسيل دمه!

ولهذه المناسبة أذكر أني ما رأيت في سياحتي هذه سيدًا يلفت نظر خادمه بل كل خادم يقوم بواجبه، وقد رأيت في لندن خادمات الفنادق يقمن بالخدمة أكثر من اللازم ينظفن درجات السلم وهن جاثيات على ركبهن لشدة اعتنائهن بالنظافة وقيامهن بالواجب، كما أن للخدم أوقات راحة لا يُسألون فيها عن عمل شيء مطلقًا يرتدون ملابس نظيفة ويخرجون للنزهة سواء في ذلك الفتيان والفتيات، فإذا قابلت أحدهم في الخارج قابلت شخصًا جميل البزة حسن الطلعة لا يتسرب إلى عقلك أنه خادم له حُسن حديث وذوق وأدب.

ولم أرَ مدة إقامتي في رومة ما كنت أسمعه عن الطليان من الفظاظة والغلظة والشدة والطيش إلا قليلًا جدًّا في الطبقات الواطئة، إنما الذي يُؤاخَذون به عدم التحديد في أثمان السلع فلا يدل الثمن المكتوب عليها على الحقيقة، فإذا كنت أجنبيًّا عن البلاد ابتعت الشيء كما هو مكتوب عليه. وقد أرشدنا أحد أصدقائنا إلى أن المساومة واجبة، فكنا ننقص من الثمن المكتوب على السلع الثلث أو الربع، ولم نرَ أمة من الأمم في أوروبا تفعل مثل هذا، وهو ليس حسنًا من أمة أوروبية راقية، فإذا تمكن بعضهم من الغش لا يتأخر.

مثال ذلك أننا دخلنا مطعمًا وتغذينا فيه فقدم لنا صاحب المطعم بيان الحساب، فوجدنا الثمن المطلوب لا يتفق مع طلبنا فبحثنا الأثمان فوجدناه قد أضاف الليرات إلى البنسات وجعلها جميعها ليرات، فلما أرشدناه إلى غلطه خجل واعتذر عن فعلته.

كما أنه أعجبني في إيطاليا ما سمعته من تشدد حكومة موسوليني على النساء المتبرجات في الشوارع، فإنه شدد في عقوبتهن إن كن إيطاليات وإلا نفاهن إلى الخارج، وقد أخذ يضيق عليهن الخناق في الشوارع والمنازل، وتتبَّع منازل السر وصادرها ووقَّع على أصحابها العقاب مما جعلهم يفرون من أمام الشرطة ويختفون عن الأنظار. وقد ساعده على ذلك معاضدة قداسة البابا فأصدر أمرًا بابويًّا يمنع كل امرأة عارية السواعد من دخول الكنيسة، فاتفقت السلطتان الدينية والمدنية على ذلك مما جعلهن يخشين العقاب.

فما كان أجدر بحكومتنا السنية أن تبذل جهدها في مطاردة البغايا اللاتي انتشرن في البلاد انتشار الجراد يعثن في الأرض فسادًا لا رادع ولا زاجر، حتى انتشرت بيوت الدعارة والفجور بين بيوت الأحرار، وقد كتب الكاتبون في ذلك فلم يجدوا أُذنًا صاغية، وليست مقالات أخي الأستاذ محمود أبي العيون عن القُرَّاء ببعيدة.

فأين ذوو الغيرة في بلادنا يتابعون تنبيه الحكومة حتى تعير تلك المواخير جانبًا من عنايتها فتطهر البلاد من أرجاسها؟ وإننا ننتظر من حكومة إسلامية رشيدة مثل حكومة مصر أن تقوم بهذا الأمر العظيم لتكسب بذلك تاريخًا محمودًا يدور مع الزمان.

(١-١) أهم آثار رومة ومتاحفها

كنيسة ماري بطرس الكبرى

لما كان لرومة المركز الأول في العالم الكاثوليكي أصبح لكنائسها الشهرة الفائقة والصيت الذائع والقيمة الكبرى، وأشهر كنائسها بل أشهر كنيسة في الأرض وأوفرها قيمة وأكثرها تحفًا وآثارًا هي كنيسة «ماري بطرس الكبرى» وهي بجوار الفاتيكان تتصل بمبانيه من ناحية، لها منظر مهيب يملأ القلب عظمة وجلالًا، أمامها ميدان فسيح على شكل دائرة هائل المنظر، يحيط به رواق تحمله أربعة صفوف من الأعمدة، يتكون منها ثلاث طرق، يبلغ عدد هذه الأعمدة سبعين وثلاثمائة، أُقِيمت على هيئة هندسية فلو وقف الإنسان في مركز هذا الميدان لخُيِّل إليه أنه لا يوجد إلا صف واحد من الأعمدة، مما يدل على إحكام وضعها وبراعة تنسيقها. وفي وسط هذا الميدان أُقِيمت مسلة مصرية، بجانبها نافورتان تقذفان الماء بشكل بهيج.

figure
ميدان كنيسة القديس بطرس برومة.

ومما قيل لنا عن هذه المسلة: إنها وقعت على الأرض فحُطِّمت قريبًا من قاعدتها، فأقامتها بركة البابا ليلًا وقد أصبح أهل رومة وهم ينظرون إليها كأنها لم تُصَب بسوء، فكانت موضع غرابة وإعجاب تدل على مقدار تصرف البابا بالأمور.

وعرض واجهة الكنيسة يبلغ نحو مائة واثني عشر مترًا، ولها سُلَّم عريض جدًّا يوصل إلى باب الكنيسة المصنوع من البرنز الدقيق الصناعة، وعن يمينه باب آخر مسدود بالرخام يُسمَّى الباب المقدس يُفتَح كل خمس وعشرين سنة مرة، ويُعتقَد فيه أن الدخول منه يوصل إلى الجنة مباشرة، ولذا يقصد الحجاج رومة إبان فتحه للحصول على هذه النعمة، ويوجد باب مثله بكنيسة «ماري بولس» التي سنتكلم عليها فيما بعد.

وإذا عجبت لشيء في حياتي فعجبي عظيم جدًّا لرؤية داخل هذه الكنيسة التي جمعت كل أنواع الفن التصويري والتمثالي، وضخامة البناء وزخرف الحوائط وارتفاع القباب التي يعجز الكاتب القدير عن وصفها وما تدل عليه من الرموز الدينية التي تدخل في القلب روعة وجلالًا. منها تمثال من البرنز للقديس ماري بطرس جالسًا على كرسي البابوية وقد بُلِيت أصابع رجله اليمنى من التقبيل.

ويبلغ طول هذه الكنيسة نحو مائة وسبعة وثمانين مترًا في عرض مائة وسبعة وثلاثين، مقامة على أعمدة ضخمة، مرتكزة على قواعد عظيمة من الرخام تشبه عمد جامع الرفاعي بمصر مموَّه أسفلها وأعلاها بالذهب، تماثيلها من الرخام القديم الأبيض والمرمر وجميع سقوفها مغشاة بالذهب، وحوائطها محلاة بالتماثيل الدينية الكثيرة التي تُعَد من أعاجيب فن التصوير، وبها ألواح معلَّقة بحوائطها تمثل أهم أدوار حياة المسيح والحواريين والقسيسين وكلها من الفسيفساء فيراها الناظر كأنها زيتية وليست بزيتية.

وعن يمين الداخل عرش مرتفع عظيم الأبهة والجلال، به صورة السيدة مريم أمامها الشموع المضاءة ليل نهار في أنابيب من الذهب والفضة. وفي وسط هذه الكنيسة قبة مرتفعة تحملها أربعة أعمدة حلزونية الشكل من البناء، وتحتها سرير من البرنز أيضًا به أربعة أعمدة من البرنز المذهب، وتحته المكان الذي يقف فيه البابا وقت الصلاة ويسمونه المذبح وهو خاص بصلاة البابا، وبالعرش خارجة كالكنة (الترسينة) يشرف منها البابا ليلقي مواعظه ونصائحه وإرشاداته على الشعب.

وقريب من هذه القبة دائرة عظيمة في أرض الكنيسة محلَّاة جوانبها بفروع من الفضة المموَّهة بالذهب مُنارة بالشموع ليلًا ونهارًا، في أحد جوانبها باب إذا نزل منه الإنسان نحو عشر درجات يرى أمامه بابًا صغيرًا إذا فُتِح رأى فيه صورة السيدة مريم والمسيح من الذهب عليهما تاجان من الأحجار الكريمة وأمامهما صندوق من الذهب الخالص، تُوضَع فيه النذور والصدقات والنور الكهربائي من خلفهما يزيدهما بريقًا ولمعانًا يخطف الأبصار. ومن حُسن المصادفات أننا رأينا عروسين وراءهما جمع كبير قد قصدا إلى هذه الدائرة ونزلا إلى الحجرة التي فيها صورة السيدة مريم والمسيح، وجثوا أمامهما يؤديان الإخلاص الزوجي وباركهما القسيس القائم بحراسة هذه الحجرة، وقبل أن يبرحا المكان أديا التحية لهذين التمثالين بخضوع وخشوع تامَّيْن مع من يصحبهما من الجمع، فكان المنظر جميلًا مؤثرًا.

وأدهشني كثيرًا ما رأيت من تخضُّع الناس وخشوعهم أمام التماثيل الدينية الرمزية والتفاني في اعتقادها كأنها تضر وتنفع مما نسميه عبادة وثنية عندنا. وإنك لترى ذلك المعنى ماثلًا في خروج الناس بعد الزيارة إلى الوراء موجِّهين أنظارهم إليها بخشوع حتى يبعدوا عنها، ولا ينصرفون إلا بعد أداء الركوع إليها من بُعد.

وفي جنوب الدائرة التي مر وصفها دهليز صغير يُدخَل منه إلى كهف فيه كثير من قبور البابوات، وآخر «بابا» رُسِمت صورته من المرمر ووُضِعت فوق غطاء الصندوق المدفون هو فيه واضعًا ذراعيه على صدره بهيئة صليبية. وفي نهاية الكنيسة من الجهة الغربية عرش كبير جدًّا يكتنفه من الجانبين أربعة تماثيل من البرنز المموَّه بالذهب تدل على العظمة والرهبة. ويمتد من هذا العرش طرق كثيرة محوطة من الجانبين بسياج من الخشب مثبتة فيها مقاعد يجلس فيها المطارنة والقسوس والعظماء حين يمر البابا من هذا العرش إلى العرش الذي مر وصفه ليصلي فيه والشعب أمامه ينتظر دعواته الصالحة وتبركاته.

وأرض هذه الكنيسة جميعها من الرخام الجيد يبلغ مسطحها ستين ومائة وخمسة عشر ألف متر، ويقال إنها تسَع خمسة وعشرين ألف نفس. وأغلب ما بها من التماثيل يدل على رموز دينية تاريخية تبين فضل البابا وتسلطه على الملوك والعظماء وانتصاراته الإلهية التي تدل على مكانته واحترامه ونصر الله له على جميع مخالفيه من الملوك وإتيانهم إليه صاغرين خاضعين، لما يرونه من المعجزات البينات التي تدعو المخالف إلى الطاعة والخضوع والخشوع، كرسم مَلَكين عظيمين خلف البابا أحدهما شاهر سيفه والثاني قابض على مطرقة يهددان مليكًا خالف رأيه وهو يتضرع إليهما، ويرجع إلى البابا ليغفر له خطيئة مخالفته جاثيًا على ركبتيه مادًّا ذراعيه يتوسل إليه بأنواع التوسلات.

ثم سرنا حتى وصلنا إلى باب كبير في ناحية الكنيسة من الجهة الجنوبية داخله يدفع خمس ليرات ليرى ما فيها من النفائس والعجائب والهدايا، فدخلنا فيه فرأينا نحو سبع حجر يقف الإنسان أمام ما فيها حائرًا مذهولًا، بها جميع هدايا الملوك والأمراء والعظماء إلى البابوات في العصور المختلفة، وبها أيضًا ملابس البابا التي يلبسها في الحفلات الرسمية الدينية، وكذا لبس المطارنة والقسوس كلها آية في الغرابة والإبداع. وأغلب تيجان البابا محلاة بأحجار الماس الكبيرة وأنواع الأحجار الكريمة التي يقل نظيرها، وكل ملك من ملوك الأرض له هدايا للبابا حتى ملوك العثمانيين والخديويين بمصر. وهذه النفائس الغريبة تُقدَّر بملايين الجنيهات، ولا أبالغ إذا قلت إنه مهما مُنِح الإنسان دقة الوصف وإتقانه فليس في مقدوره أن يصل بوصفه إلى تمثيل الحقيقة، ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليشاهد بنفسه ليرى ما لا عين رأت.

ثم صعدنا فوق سطح الكنيسة ومنه دخلنا بابًا يوصل إلى سُلَّم عددت درجاته فألفيتها عشرين وثلاثمائة درجة ولقد كلَّت قوانا في صعودها، حتى إذا وصلنا إلى نهاية علوها الشاهق أشرفنا على رومة وضواحيها فرأينا الشوارع والناس تسير فيها كأسراب النمل، ورأينا حديقة البابا الخاصة التي يقضي فيها أوقاته غاية في الإبداع والاتساع، سنتكلم عنها عند ذكر قصر الفاتيكان.

وعلى الجملة فإن كنيسة ماري بطرس تُعَد من عجائب الدنيا، ولا يتسنى لواصف أن يدخل وصفه إلى نفس القارئ مهما أُوتِي من القدرة على الوصف، فإن ما تحويه من الزخارف والنفائس والهدايا التي قُدِّر بعضها بنحو مليونَي جنيه لهو أكبر دليل على تقدير الناس وتعظيمهم لهذه الكنيسة دون سواها.

كنيسة ماري بولس

هي أهم كنيسة بعد كنيسة ماري بطرس التي مر وصفها، وهي في ضواحي رومة وصلنا إليها بعد نصف ساعة بالمركبة الكهربائية «الترام»، خارجة عن سور المدينة القديم، وهي من أعمال قدماء الرومانيين، احترقت مرتين في حوادث سياسية وأُعِيد بناؤها بشكل جميل يشبه بناء الجوامع الإسلامية. أُقِيمت على خمسة وثمانين عمودًا من الأعمدة الضخمة الصوانية والرخامية، بها بهو عظيم جدًّا مستطيل على جانبيه صنفان من العمد الضخمة، وبها خمسة أروقة منها الرواق القائم على هذه العمد بأعلاه صور جميع البابوات بهيئتهم الطبيعية وأزيائهم المنوَّعة في عصورهم المختلفة، زُخرِفت صورهم بالفسيفساء مرتَّبِين بحسب قدمهم من ظهور أول بابا إلى البابا الحالي. وقد هُيِّئَت عدة أمكنة لوضع صور من يموت في المستقبل من البابوات، وهي لا تقل عن الثلاثين مكانًا داخلة في الحائط ومحاطة بدائرة من نحاس أصفر. وبالقرب من الباب عمودان عظيمان من الرخام الأصفر الجميل الشكل أهداهما إلى البابا والي مصر محمد علي باشا الكبير مع أربعة أعمدة صغيرة وعدة ألواح أخرى، وكلها من نوع الرخام الذي بُنِي منه جامع القلعة.

وبها عشرة شبابيك كبيرة من الزجاج الملون عليها رسوم القديسين والملائكة ورجال الدين دالَّة على حياتهم الدينية وأعمالهم، وبها عدة مذابح مُنارة بالشموع. وفي جميع نواحيها التماثيل الدينية الكثيرة وصور عدة للسيد المسيح والسيدة مريم. وسقفها مموَّه بالذهب الوهَّاج.

وليس بها مقاعد ولا كراسي مثل بقية كنائس رومة، فالناس فيها يحضرون الصلاة وقوفًا أو ركوعًا. ومدخلها من أحسن مداخل الكنائس عظمة وجلالًا، رُسِم على أعلى بابها من الخارج عدة صور جميلة تمثل بعض الحواريين ورجال الدين المشهورين يرعون الأغنام ويداوون منها الكسير والمسيح يرعى الجميع من فوقهم، وعن يمينه ويساره رسولان من رسله المقربين إليه. وبالجملة فهي غاية في الإبداع وحُسن المنظر، لها جلال وعظمة خاصَّان بها لا يوجدان في كنيسة أخرى.

كنيسة ماري حنا

هي الثانية من الكنائس القديمة، أمامها متنزه واسع غُرِست فيه أنواع الأشجار والأزهار يقصده كثير من الناس لاستنشاق الهواء النقي.

وإذا دخلت هذه الكنيسة يهولك منظر ما فيها من التماثيل الرمزية الدينية المختلفة أنواعها وأشكالها.

ويقابل الداخل من الباب ثلاثة سلالم، الوسط منها مقدس لا يصعده الإنسان إلا جاثيًا على ركبتيه يُقبِّل ما أمامه من درجاته فيعاني في ذلك صعوبة كبيرة، وهكذا يستمر في الصعود وتقبيل أرض الدرجات حتى يصل إلى النهاية، وقد عددتها فألفيتها نحو الثلاثين درجة. والناس يفعلون ذلك لاعتقادهم أن المسيح صعد منه، وقد رأيت ستة من الرجال والنساء يصعدون عليه بالهيئة المتقدمة، فاستوقف نظري هذا المنظر الغريب الذي يدل على وجود الخزعبلات الدينية في عقول بعض الناس مع انتشار العلوم الحقة وعدم الاكتراث بخرافات الأديان القديمة، التي كانت تسوق الناس سَوْق الأغنام إلى أعمال لا تنطبق على عقل ولا دين.

ولما كان ذلك مخالفًا لتعاليم الدين الإسلامي صعدتُ في أحد السُّلَّمَين الآخرين.

وقد أُخبِرنا أن درجات هذا السُّلَّم المقدس كانت بقصر حاكم أورشليم أيام المسيح وقد كان صعد عليه وقت محاكمته، ثم نقلتها إلى رومة القديسة هيلانة. ولشدة تقديس القوم لهذا السلم لا يسمحون لأحد بالصعود عليه إلا جاثيًا على ركبتيه حتى إذا صعد إلى أعلاه نزل من أحد السُّلَّمين المجاورين له.

كنيسة السيدة مريم

هي خلف بناء الجندي المجهول، ويقال إنها أول كنيسة شُيِّدت برومة باسم السيدة مريم. بردهتها الواسعة كثير من التحف والتماثيل والنفائس القديمة ما ليس له مثيل في كنيسة ماري بطرس، وشكل مبانيها ونظامها وهيئة تماثيلها تخالف بقية الكنائس الأخرى من حيث دقة التماثيل وعظمتها. بها مذبح عظيم أُقِيم فيه تمثال للسيدة مريم غاية في العظمة والجلال لا نظير له في الكنائس التي زرناها، فإذا وقف الإنسان أمامه شعر برهبة واحترام، يجلس أمامه راهب قد أكل عليه الدهر وشرب بإزائه صندوق تُوضَع فيه النذور والصدقات، وكثير من الزائرين يقبِّلون يده. ومما لفت نظري في هذه الكنيسة حجرة صغيرة يحرسها قسيس لا تُفتَح إلا بالطلب محلاة بالنقوش البديعة غاية في الزخرفة والجمال، يقابل الداخل باب صغير في نهايتها فتحه لنا القسيس، فانكشف عن حجرة صغيرة مُنارة بالشموع وبها تمثالان ليوسف النجار والسيدة مريم وبينهما تمثال يمثل المسيح وهو صغير، وقد أدار القسيس يدًا جعلت تمثال المسيح يخرج من بينهما أمامنا.

وهنا يأخذك العجب ويستوقف نظرك التاج الذي على رأسه المرصع بالماس الكبير والأحجار الكريمة اللامعة التي تخطف الأبصار بريقًا ولمعانًا، ويكسو جسمه طبقة كبيرة من أنواع الحلي من سلاسل وساعات ذهبية وخواتم وخلاخيل وجميع ما يمكنك أن تتصوره من أنواع الحلي المستعمل الآن. وهذه نذور وهدايا قُدِّمت لتمثال المسيح وهي تُقدَّر بمبالغ طائلة، إذا استُعمِلت في عمل عادت بالفائدة وأنقذت كثيرًا من الفقراء وأهل الحاجات والمعوزين.

هذا ولو أردتُ استقصاء كنائس رومة ووصف ما فيها لاستحال عليَّ ذلك ولفات الغرض من هذه العجالة، ولا يتسنى لشخص أن يأتي على وصف نحو ثلاثمائة كنيسة تحويها رومة وحدها، وكل كنيسة مختصة بميزة لا توجد بالأخرى، لأنها بُنِيت يوم أن كان للدين سلطان قوي على النفوس واحترام أكبر شأنًا وأعظم قيمة منه في العصر الحالي. وليس في الإمكان الآن أن يؤثر الدين على الناس فيغريهم كما أغراهم قديمًا لجمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فيشيدون بها كنائس تشابه كنائس رومة وغيرها من الكنائس التي لا تُعَد ولا تُحصَى في أوروبا خصوصًا في إيطاليا وروسيا.

ولقد شاهدت من أهل رومة حين زياراتهم الكنائس ووقوفهم أمام الهياكل والتماثيل خاشعين خاضعين تائهين في بحار الأفكار، كأنهم في يوم حشر أكثر مما يدعو إليه الدين؛ لأن ذهاب أصابع رجل تمثال ماري بطرس من تقبيل الزائرين وصعود الناس جاثين على ركبهم في بعض سلم الكنائس، وتقبيل أحجار درجاته وعدم السماح لأي زائر بالنزول منه ولا الصعود فيه إلا بالهيئة التي مر ذكرها، ووفود الناس من جميع جهات الأرض لحضور فتح الباب المقدس في كنيسة ماري بطرس، واعتقادهم أن المرور منه يوصِّل إلى الجنة مباشرة، وغير ذلك من الأعمال البعيدة عن التعاليم الدينية السماوية على اختلاف أنواعها. وكنت أعتقد أن بعض عامتنا حين زياراتهم للأضرحة يأتون بأعمال ليست من الدين في شيء، وأنهم انفردوا بها دون غيرهم من الأمم الأخرى، فإذا بهم دون غيرهم بمراحل كبيرة، وإن أعمالهم وخرافاتهم إذا قيست بأعمال أهل إيطاليا مع انتشار التعليم في بلادهم وتقدمهم ورقيهم لا تُعَد شيئًا مذكورًا.

figure
صورة المسيح مغطًّى بالأحجار الكريمة.

قصر الفاتيكان

قصر الفاتيكان أكبر قصور العالم، له مدخل بجوار كنيسة ماري بطرس غاية في الفخامة والعظامة، محروسة أبوابه وطرقه وردهاته الواسعة بجنود ضخام الأجسام، حسان الوجوه، لهم أزياء مختلفة وأشكال منوعة. والقصر فسيح الأرجاء لا يدرك الطرف آخره لسعته وكثرة مبانيه الداخلة والخارجة، يحوي نحو ألف حجرة تختلف ضيقًا وسعة، كلها آية في الزخرف والجمال، إلا أنها غير متناسقة الأجزاء فإنها لم تُبْن دفعة واحدة وعلى أنموذج واحد، بل بُنِيت أجزاء متفرقة في أزمنة مختلفة، ولذا لا يجد الزائر تنسيقًا وترتيبًا ونظامًا ما يجده في القصور الأخرى، ولكن مهارة مهندسيها جعلت هذا النقص غير ظاهر.

كان هذا القصر صغيرًا، وكان مع صغره مسكن البابوات، لأن الدين على بساطته وتعاليمه القويمة كان مرتبطًا بالنفوس أشد الارتباط، وكان البابوات بعيدين عن زخارف الدنيا، متجردين عن حطامها ومتاعها، سائرين على قدم السيد المسيح، فقد سُئِل مرة عليه السلام: لماذا لم تبنِ لك دارًا تأوي إليها؟ فقال ما معناه: هل يحسن بالمسافر أن يبني دارًا في طريق سفره؟

وأهم ما فيه مصلى لأحد البابوات يُسمَّى «سكستين» نسبة إلى البابا سكسيت السادس الذي شيده. وهو غرفة مستطيلة يبلغ طولها نحو عشرين مترًا في عرض أربعة عشر، جدرانها مغشاة بنقوش أشهر النقاشين مثل «ميشل أنج» يمثل فيها كيفية خلق الدنيا كما ورد في التوراة، وخلق حواء من أضلاعه والملائكة من حوله، وسفينة نوح وهي تمخر عباب البحار، وكيفية رسوها على الجودي، وغير ذلك من خيالات المصورين.

وبجدرانها تاريخ موسى عليه السلام، وتاريخ المسيح وصلبه وتقيده وسيلان الدم من رجليه، وصعوده إلى السماء.

وللقصر باب آخر خلف كنيسة ماري بطرس، وهو الذي أُعِد لدخول السائحين، يدفع الداخل منه خمس ليرات ليرى ما جُمِع من تحف أهم بلاد الآثار، ففيه عدة حُجَر كبيرة جُعِلت للآثار المصرية، غاية في الإبداع تبذُّ كل الآثار جمالًا. وبه بهو مستطيل جدًّا رُسِم فيه كثير من الصور الرمزية والحوادث التاريخية، وألواح كثيرة كبيرة منوعة رُسِمت فيها الأشكال والأزياء قديمًا، وعدة ألواح كبيرة أيضًا رُسِمت فيها أشهر أنهار العالم حتى النيل بفروعه القديمة، موضَّحًا فيها كيفية الملاحة بالسفن الشراعية. وإذا نظرت إلى بعض صوره من بُعد يُخيَّل إليك أنها حقيقية، وتماثيل من الرخام والمرمر والجص منوعة كذلك بل لا حصر لها. وفي نهاية هذه الردهة الطويلة التي يبلغ طولها نحو الخمسين مترًا عدة حُجَر يفتح بعضها في بعض، غاصَّة بالصور والتماثيل الغريبة التي تدل على كثير من الحوادث التاريخية، وعلى كيفية تسلط البابوات على جميع العالم وإتيان الناس إليهم صاغرين خاضعين. وفي بعض هذه الحجر عدة مصورين رُخِّص لهم في نقل بعض الصور، فتراهم مجدِّين لا يلتفتون إلى الزائرين لكثرة تأملهم وحصر أفكارهم فيما يصورونه.

ومما هو جدير بالذكر من هذه الصور الكثيرة المنوعة صورة حريق في أحد محال رومة يندلع لهيبه، والناس يفرون منذهلين خائفين تلوح على وجوههم سيماء الذعر والاضطراب والبابا يشرف عليها من حجرة فوق كنيسة ماري بطرس مشيرًا إلى النار بإصبعه، فتأخذ في الهبوط حتى تخمد، مما يدل على مقدار اعتقاد الناس فيه وعلو منزلته عند الإله.

وبهذه الحجرة عدة صور تمثل العلوم الرياضية والحكمة والفلسفة، وللبابوات أن يفتخروا بما جمعوه في قصرهم من معجزات الفنون الغريبة التي لا تُعَد ولا تُحصَى، مما يحسدهم عليه الأمراء والعظماء والملوك، لأن من يكون لديه صورة من صنع المصور العظيم روفائيل أو ميشل أنج يعتبر نفسه أسعد الناس، فما بالك بمن جدران غرف قصره وسقوفها مغطاة من صنع هؤلاء المصورين الذين بلغوا في فنهم درجات الإعجاز؟

وبقصر الفاتيكان مجموعة من الصور والتماثيل من صناعة الرومانيين القدماء، سواء وُجِدت في المعابد الوثنية أو في أطلال رومة القديمة أو في مدينة بومبي، وتزيد كل سنة مما يُستكشَف من أعمال الرومان، تدل على أن المتأخرين من النحَّاتين والمصورين لم يأتوا إلى الآن بمثل ما أتى به الرومانيون خصوصًا ما وُجِد منها في مدينة بومبي ونُقِل إلى متحف نابلي، فإن الواصف يعجز عن وصف حسنها وإتقانها وإبداعها وجمالها الفني.

ومما يلفت النظر حجرة كبيرة مقفولة لا تُفتَح إلا في أوقات معينة، نزلنا إليها من الدور العلوي عدة درجات لا تقل عن الثلاثين، آية في الغرابة، كانت مصلى لأحد البابوات، مُثِّل فيه الناس يوم الحشر وعرضهم على الخالق، وظهور الجنة والنار، والمقترفون للذنوب في حالة الاضطراب التي تعتري الإنسان عند قدومه على أمر عظيم، وأهل الجنة يلوح على وجوههم الفرح والسرور. وقد أُتِيحت لنا فرصة لم تُتَح لبعض السائحين وهي رؤية إصطبل البابا، فترى على يمين الداخل سيارة كبيرة، يطوف بها البابا حديقته الواسعة التي تكاد لا تُحَد اتساعًا، ثم رأينا نحو تسع عشرة سيارة وعجلة مصفوفة عن يمين الداخل ويساره، كلها آية في الزخرف والزينة، وكل عجلة داخلها كرسي مطلي بالذهب يجلس عليه البابا، وأمامه كرسيان لجلوس المقربين إليه من الكرادلة. وقد انتهى بنا المطاف إلى أم العجلات وواسطة عقدها ويبلغ ارتفاعها نحو ثلاثة أمتار، وهي مغشاة من الخارج بالذهب، ومحلاة بالتماثيل البديعة التي يعجز الواصف عن وصف جلالها وعظمتها، وهي التي يركبها البابا أيام الأعياد والاحتفالات الدينية، وقد رأينا سرجًا أهداه السلطان عبد المجيد أحد سلاطين آل عثمان إلى البابا غاية في الجمال محلًّى جميعه بالذهب والماس الكريم الذي يخطف الأبصار بريقًا ولمعانًا. وكل هذه العجلات والسيارات لها سُلَّم مطوي ينبسط عند ركوب البابا، فيصعد عليه ليجلس على الكرسي المعد له. وقد سُمِح لنا بالركوب في العجلة الكبيرة فداخلنا حينئذٍ الغرور وأحسسنا الخيلاء. وإذا أشرفت على حديقة الفاتيكان من أعلى قبة كنيسة ماري بطرس رأيت حديقة لا يحدها البصر، بها كثير من التلال المكسوة سقوفها وأعلاها بأنواع الأزهار والأشجار، تتخللها البحيرات الجميلة الترتيب والتنسيق، تحفها الخضرة النضرة والأزهار الجميلة المتنوعة، يصدق فيها قول شاعر الشرق الكبير شوقي بك:

ولقد تمر على الغدير تخاله
والنبت مرآة زهت بإطار

يقطع البابا وديانها وروابيها، وأنجادها وأغوارها بسيارة خُصِّصت للسير فيها، فهو يقضي أغلب أوقاته في متنزهاتها، مستغنيًا بها عما عداها فلا يخرج للنزهة إلا فيها، ولا يركب زورقًا إلا في بحيراتها ومجاريها. وأعتقد أن أكبر ملوك الأرض ليس بقصره حديقة تشابهها أو تدانيها، فهي جنة عالية، قطوفها دانية، أكلها دائم، ظلها ممدود وطلحها منضود.

وبالجملة فالواصف القدير يعجز عن أن يوفي قصر الفاتيكان حقه من الوصف، مما يدل على ما للبابوات من السلطة على نفوس البشر، وعلى مقدرتهم التي فاقت مقدرة الملوك العظام، وعلى ما لهم من المكانة والمنزلة في قلوب المسيحيين.

الكلوزيوم

عندما تشرف على ظاهر البناء من بُعد يهولك منظره ويأخذك العجب لقيام الرومانيين بمثل هذا البناء الضخم، وتستدل منه على ما كان لهم من صبر وجلد وعلو همة.

figure
داخل الكلوزيوم برومة.

وهو بناء ضخم جدًّا شُيِّد على هيئة أسطوانة، ويبلغ ارتفاعه عن سطح شوارع رومة ثمانية وأربعين مترًا في عرض سبعة وثمانين ومائة، وهو يؤلَّف من أربع طبقات، وفي وسطه مسرح يبلغ طوله نحو خمسة وثمانين مترًا، وداخله مدرج «أنفتياترو» يسع نحو الخمسين ألف متفرج، وقد شُيِّد خارجه بالأحجار الضخمة التي تقرب من أحجار الأهرام بالجيزة وداخله بالآجُرِّ (الطوب الأحمر)، وهو مقام على عدة حنايا (بواكٍ) بُنِيت بالأحجار الضخمة، يفصل كل حنية عن الأخرى ممر متسع يبلغ نحو ستة أمتار. وله أربعة أبواب ضخمة جدًّا، في كل واحد منها سلم عريضة يصعدها الإنسان ليصل إلى درجات المدرج داخل الكلوزيوم فيشرف على المسرح، وبين كل حنيتين باب أقل ضخامة من الأول. وكله نوافذ من الخارج، تصغر كلما ارتفع هذا البناء حتى تصير كوة صغيرة. ويخيل إليك بادئ ذي بدء أنه قلعة عظيمة جدًّا شُيِّدت لصد أكبر غارات الفاتحين.

وقد تهدم أكثره الآن، وأُخِذت أحجاره لبناء القصور والكنائس، كما أُخِذ منه جميع ما كان به من الرخام والبرنز والتماثيل. وبأسفله عدة أسراب شُيِّدت بالأحجار الكبيرة، أُعِدت لسجن أشد الناس إجرامًا، وكذا لاعتقال الأسرى وبعض الحيوانات المفترسة التي أُعِدت لافتراس المذنبين والمجرمين. وقد كان الكلوزيوم مشهدًا عظيمًا لاقتتال بعض المصارعين أو مصارعتهم الوحوش الكاسرة، فإذا تغلب المصارع على رفيقه وطرحه أرضًا لا يمسه بأذى إلا بإذن من الشهود الذين أشرفوا على المصارعة، فإن كان المغلوب قد أحسن الدفاع عن نفسه أشاروا بالإبقاء عليه، وإن أظهر الجبن والخور ولم يحسن الدفاع أشاروا عليه بقتله بلا رحمة.

ومن عادة المصارعين أن يحيوا الإمبراطور عند دخولهم المصارعة بقولهم: «إن الذين سيموتون يقرئونك السلام.»

وقد هُيِّئت فيه أمكنة لاعتقال المسيحيين وتعذيبهم وتقديمهم للوحوش المفترسة التي كانت تمزقهم شر ممزَّق على مرأى ومسمع من الرومانيين ولا تأخذهم بهم رحمة، ليقتلعوا أصول الدين من نفوس هؤلاء المساكين، إلا أن هذا الاضطهاد وذلك التعذيب الشديد وتلك الأعمال الوحشية القاسية لم تأتِ بفائدة، ولم تضعف من قوة هذا الدين الذي كانت تعاليمه الحقة عالقة بنفوس القوم، بل أنتجت عكس ما يريدون فإنه أخذ ينمو شيئًا فشيئًا إلى أن اعتنقه الإمبراطور قسطنطين وزوجته هيلانة المعتبرة في نفس القوم قديسة يتبركون بها، ولها عيد مخصوص يحتفلون به كل سنة، وقبرها برومة في كنيسة «سان جواني دي لتران».

وكذلك كان مستعمَلًا لمصارعة الثيران كما هي الحالة في إسبانيا الآن، فكان ملهى للإمبراطور وعظماء الرومانيين يقضون فيه وقتًا طويلًا لرؤية هذه المناظر الوحشية، يميلون طربًا ويصفقون عجبًا لمشاهدة الدماء تسيل من الحيوان أو بني الإنسان، وسُمِّي بالكلوزيوم أو كلسيوم لوجود تمثال نيرون الجبار في جواره، فقد كان يُسمَّى «كلوس» أي الضخم العظيم، وهذا التمثال موجود الآن. ويقال إن الذي قام بتشييد هذا البناء العظيم هم أسرى اليهود.

على أني لا أعجب كثيرًا إذا ضاهيت هذا الأثر العظيم بأهرام الجيزة العظيمة، وآثارنا الكثيرة المنتشرة في الصعيد وفخامة القبور وزخرفها، إلا أن هذا لا يمنعني من الاعتراف للرومان القدماء بالسبق في النحت والتصوير وإتقان التماثيل والبلوغ بها في الحسن والجمال إلى درجة الإعجاز، فإن ما يوجد بقصر الفاتيكان برومة ومتاحف نابلي وفلورنس والكنائس وغيرها من القصور، لمما يحيِّر الإنسان ويجعله عاجزًا عن وصف حسنها.

حمام الإمبراطور كركلا

هذا الحمام الكبير الواقع في أطراف رومة يصل الإنسان إليه بعد سير نصف ساعة بالعجلة، وقد امتطينا عجلة أوصلتنا إليه، وهناك هالني منظره لكبره وسعته وضخامة بنائه مع أن أكثره قد تهدم.

figure
حمام كركلا برومة.

يدخله الزائر بعد أن يدفع خمس ليرات (خمسة قروش صاغًا)، فيرى عن يمينه ردهة واسعة جدًّا تبلغ مساحتها نحو ستمائة متر، أُعِدَّت لخلع ملابس المستحمين كما أخبرنا بذلك المترجم. وعن اليسار ردهة أخرى أكبر من الأولى اتساعًا، يدخل إليها الزائر من باب ضخم عظيم الارتفاع والاتساع يناسب هذا البناء، كانت تُستعمَل بعد الاستحمام للألعاب الرياضية بأنواعها، وفي أعلاها عدة شرفات (بلكونات) يشرف منها الإمبراطور «كركلا» والأمراء والوزراء على اللاعبين. ومن هذه الردهة يصل الإنسان إلى بناء واسع خلفها يحوي أربعة مغاطس للماء مصنوعة من الرخام في زوايا هذا البناء، ومن هذا البناء يُفتَح باب يوصل إلى ردهة واسعة جدًّا تبلغ مساحتها نحو سبعمائة متر، تُستعمَل لرياضة النساء وألعابهن المنوعة، وقد رأينا فيه آثار فرن كبير يولِّد تيارًا من البخار الساخن، فيه يُدْهَن الجسم بالزيوت العطرية ثم يدلَّك بطريقة فنية كالتي تُستعمَل الآن في بعض الأمراض؛ وحمام حار وآخر بارد يُستعمَل للسباحة، وكانوا يستغرقون في استحمامهم زمنًا طويلًا.

وقد كان للحمامات أيام الرومانيين شأن كبير، فكان الناس يقصدونها من جميع الجهات فيقضون فيها عامة اليوم، وكان بها محالُّ كثيرة للسباحة ومكاتب للمطالعة وقهوات، وغير ذلك مما يسهِّل على المستحم قضاء يومه في سرور وفرح عظيمين.

وحمام كركلا أكبر حمام وُجِد قديمًا وحديثًا، فإنه يشغل مكانًا مربعًا طول كل ضلع من أضلاعه ثلاثون وثلاثمائة مترًا في عرض أربعة عشر ومائة، وكان به على ما ذكر بعض المؤرخين ستمائة وألف حجرة إفرادية عدا الأروقة العمومية، وكانت كل جدرانه مكسوة بالرخام وأرضه بالفسيفساء، وكان مزينًا بالنقوش والتماثيل البديعة، وقد أفرغ فيه الإمبراطور أقصى همته ليجعله أكبر ملهى يقصده أعاظم الناس من جميع الجهات، ولكن لم يبق الآن منه شيء إلا حوائطه المتداعية وأرضه الوعرة ورخامه المتكسِّر، سطت عليه يد الزمان فقوضت منه الأركان، وامتدت إليه يد الإنسان فسلبته ما كان له زينة وفخرًا، فأصبح في خبر كان بعد أن كان زينة البلدان.

وقد كان يسع على ما قاله بعض المؤرخين ستة عشر ألف مستحِمٍّ في وقت واحد، وكان أهل رومة يقصدونه للهو واللعب والاستحمام، وكذا ملوك نابلي للإقامة فيه بعض أيام تُعَد من أيامهم اللذيذة.

الفورم

مبنى عظيم الاتساع تتخلله عدة ردهات، وطرق واسعة مقامة على عدة أعمدة من الرخام وغيره غاية في الفخامة والعظامة، وهو منخفض عن سطح شوارع رومة، طغت عليه يد الحدثان فحطمته تحطيمًا وأُخِذ ما فيه من العمد الكثيرة والتماثيل المتعددة لاستعمالها في تشييد الكنائس وبناء قصور الملوك، ولم يبقَ منه الآن إلا أنقاضه وبعض أعمدة محطمة، فإذا أشرفت عليه من بعض نواحيه العالية رأيت عظمته وفخامته. ينتشر السائحون في نواحيه يتأملون سعته ومبانيه، وقد رُخِّص لكثير من المصورين في رسم ما بقي من أطلاله فتراهم منكبين على تصوير مناظره، تارة باليد وأخرى بآلة التصوير الشمسي. شيده قدماء الرومانيين ليكون محل اجتماع أفراد الأمة للمناقشة والمباحثة في أمورها وأحوالها العامة، وللانتخابات الدورية والمظاهرات السياسية وكل أمر يهم الأمة ويرقيها ويعود عليها بالفائدة المادية والأدبية.

وكان به عدة محال للعبادة، وبعضها لاجتماع أشهر تجار البلد، وبعضها لاجتماع كبار رجال الحكومة.

ويشطره ممر كبير مرصوف بالأحجار، وعلى جانبيه طواران (تلتواران)، وعلى ذلك الممر أُقِيمت عدة أقواس للنصر، أقامها الرومانيون عقب انتصاراتهم على الأعداء تخليدًا لانتصاراتهم وبقاءً لذكرهم على ممر الدهور والأعوام. وبعضها باقٍ للآن بحالة جيدة ترى على سطحه عدة نقوش ورسوم غاية في الإبداع، وهو قوس قسطنطين أول من اعتنق النصرانية من الملوك الرومانيين وهو الذي بنى القسطنطينية. وقد ذكر بعض المؤرخين سبب تنصره ننقله للقراء استطرادًا؛ قالوا: «إنه كان يحارب منافسًا له على الملك اسمه «مكسنس» وكاد هذا يتغلب عليه، وقبل ليلة الموقعة الفاصلة ظهر له السيد المسيح عليه السلام، ووعده بالنصر والفوز إن هو اعتنق الدين المسيحي، فاستيقظ قسطنطين من نومه معتقدًا ألوهية المسيح، فحارب عدوه فكان النصر حليفه فتنصر هو وجيشه.»

ومن ذلك العهد ارتفع الضغط والاضطهاد عن المسيحيين، وقد حوَّل كثيرًا من معابد الوثنيين إلى كنائس وبنى هو كنيسة في جانب من الفورم باقيًا منها إلى الآن ثلاث قباب غاية في التناسب والزخرف، ويقال إن كنيسة ماري بطرس بقيت على حالها.

وعلى جميع سطوح الأقواس الباقية إلى الآن نقوش بارزة، تمثل الوقائع الحربية وانتصاراتهم المتعددة.

وما بقي من تماثيل الفورم سالمًا نُقِل أغلبه إلى متحف الفاتيكان وإلى متاحف المدن الأخرى، وهي أجمل ما في المتاحف.

وأغلب ما في رومة من أعمال الرومانيين القدماء خربته الأمم الشمالية التي أغارت على رومة، وما بقي منه امتدت إليه الأيدي فسلبت محاسنه، والبعض منه طمسته الأتربة والأنقاض وبقي زمنًا طويلًا، حتى قام جماعة من المغرمين بالبحث عن آثار رومة القديمة فأخذوا يحفرون الأرض ويرفعون الأتربة المتراكمة، وأقاموا ما وجدوه من الأعمدة حتى يعيدوا إليه منظره وبهاءه، ونقلوا كثيرًا من النفائس ذات القيمة التاريخية.

قصر الملك

يُرَى القصر من الخارج معطَّلًا من الحلية والزخرف والتماثيل التي تكثر عادة في قصور الملوك خصوصًا في إيطاليا، إلا أن داخله يذهل العقل ويحير اللب ويستوقف النظر.

وللسائحين اهتمام خاص بمشاهدته، ولكنه لا يُفتَح لهم إلا مرتين في الأسبوع مقابل كل زائر ليرتين. وإنك لترى مدخله فخمًا جليلًا، وله سلم عريض من الرخام البديع مكسوة درجاته كلها. والترخيص يسبق الزيارة بيوم أو يومين. ويرى الزائر له حجرة هي غاية في الزينة والزخرف، مموَّهة بعض جدرانها وسقوفها بالذهب، محلَّاة بالتماثيل والصور البديعة الصنع والإتقان، والتي تدل على رموز مختلفة بين حربية ودينية وسياسية. وبالحُجَر الأثاث الفاخر من البسط والثريات الضخمة والطنافس والأرائك والتحف التي لا تُعَد ولا تُحصَى، ولا سيما في الحُجر المعدة لجلوس الملك والوزراء فإنها آية في الغرابة والإبداع.

figure
تمثال فكتور عمانويل الثاني برومة.

وقد أدى بنا المطاف إلى حجرة الجلوس بعد الفراغ من تناول الطعام، وهي حجرة يقف الزائر أمامها حائرًا ذاهلًا لكثرة المرايا والتماثيل الكثيرة تحمل سقفها أعمدة محلَّاة بالذهب. وكلما وصلنا إلى حجرة نعتقد أنه لا يوجد أحسن منها، فلا تلبث أن تظهر لنا الغرائب والعجائب من حُسن الحجر وزخرفها وجمال تماثيلها وتنسيقها وترتيبها، ولذا تجد أبصار السائحين معلقة شاخصة إلى سماء الحجر كأنهم قوم موسى ينظرون إلى الصخرة التي هددهم الباري بها، لا يلتفتون إلى من بجوارهم لكثرة التأمل والتفكير، وكيف وصلت يد الإنسان وفكره إلى ابتداع ما وُجِد فيها من التماثيل والصور والنقوش التي ترمز لحياة كثير من ملوك رومة، وما كانوا عليه في حروبهم واحتفالاتهم وانتصاراتهم، ومن أين أتت كل هذه الأموال التي ساعدت على إبراز هذا الحسن والكمال والجمال.

والذي يلفت النظر بنوع خاص حجرة الملك التي فيها يقابل الزائرين، فإن الواصف مهما أُوتِي من سعة الاطلاع ودقة الوصف لا يتسنى له أن يوفيها حقها من الوصف، ولا تقل عنها كثيرًا حجرة انتظار الأمراء والعظماء. وما زلنا ننتقل من حجرة إلى حجرة وسط زحام السائحين نتناكب ونتساند يدفع بعضنا بعضًا لشدة الزحام حتى وصلنا إلى حجرة كبيرة جدًّا مستطيلة فخمة أُعِدَّت لصلاة الملك، قد رُسِمت في صدرها صورة السيد المسيح عليه السلام عن يمينه ويساره الحواريون بصور بديعة، يُخيَّل للناظر إليها أنها خارجة عن الحائط وهي ليست بخارجة، ولذا كنت لا أصدق أنها صورة حتى ألمسها بيدي فتظهر لي الحقيقة كلها، وهي مصنوعة من الفسيفساء الجميلة. وقد دخلنا بعد ذلك حجرة واسعة مربعة الشكل رُسِم على جدرانها صورة حرب الإيطاليين والطرابلسيين، وكيفية انتصارهم وأخذ بعض أهل طرابلس رجالًا ونساءً وأطفالًا وأمراء وعظماء وقوادًا أسرى بأزيائهم وعاداتهم بحالة ذل وهوان، وغير ذلك مما لا قدرة لواصف على وصفه وتصوير حقيقته للقارئ. وبالقصر حديقة اشتُهِرت في رومة بالحسن والجمال، وهي غاية في حُسن التنسيق والترتيب.

وقد كان معنا في هذه الزيارة كثير من المصريين، منهم حضرة الدكتور الشوربجي وحضرة إسماعيل محمد بك ممثل مصر في إيطاليا، وحضرة الشيخ الخولي إمام السفارة في رومة. وإن ما في هذا القصر من الصور والتماثيل والنقوش البديعة والزخرف والزينة لا يقل كثيرًا عما في قصر الفاتيكان.

ميدان الشعب

ميدان فسيح الأرجاء، متسع النواحي، واقع شمالي رومة، أُقِيمت في وسطه مسلة مصرية بجانبها نافورتان تقذفان الماء من أفواه تماثيل من السباع، والمسلة مقامة على قاعدة واسعة جدًّا كالمسطبة يجلس عليها الناس لمشاهدة صعود المياه من النافورتين المذكورتين، وفي شرقي الميدان وغربيه نافورتان أخريان يخرج الماء منهما على منبسَط من النحاس (صينية) لينحدر من جميع النواحي. ويحيط بهذا الميدان سور من الشرق والغرب، أما من الجهة الشمالية فتُفتَح فيه ثلاثة أبواب ضخمة، وسطها باب عظيم الاتساع كان يُقفَل قديمًا من الساعة السادسة مساء فلا يدخل أحد من السكان ولا يخرج، ويتفرع من جهته الجنوبية ثلاثة شوارع مهمة الأوسط منها أطولها وأعظمها ويُسمَّى شارع «الكورسو»، وبه أهم الحوانيت المكتظة بالسلع الغالية والقهوات الجميلة فهو مركز حركة المدينة، وفي طرفه الآخر ميدان البندقية وبه مجتمع خطوط الترام، وبالقرب من هذا الميدان تمثال هائل للملك فكتور عمانويل الثاني.

وفي الشمال الشرقي من الميدان المتقدم متنزه متسع جميل جدًّا يُسمَّى «بتشو» غُرِست أشجاره الضخمة وأزهاره الجميلة المنوعة على تلال عالية، يُصعَد إليه بطريق حلزوني سهل الميل تصعد فيه العجلات بسهولة، وإذا صعدت إلى أعلاه أشرفت على المدينة كلها ورأيت سطوحها ومبانيها تحت نظرك ذات منظر بهي جميل.

figure
ميدان الشعب برومة.

مشاهدة الاحتفال في ميدان الشعب

وبعد تناول العشاء ذهبنا لنرى احتفال الأمة والحكومة بمساعدة الإنسانية في أشخاص من أُصِيبوا في الحرب بعاهات مستديمة، فوجدنا الشوارع الثلاثة الموصلة لميدان الشعب مسدودة بثلة من الجنود والشُّرَط الفاشستي لا يسمحون لأحد بالدخول إلا بعد أن يدفع خمس ليرات إذا لم يكن من الجنود، فدفعنا ما يدفعه الأهالي ودخلنا الساحة حيث كانت الساعة التاسعة والنصف مساءً، فوقفنا في الساحة بين الجماهير الذين لا يُحصَوْن عددًا، وقد حدث من العامة في هذا الاحتفال الكبير الصفير والصراخ والجلبة كما يحدث عندنا في الاحتفالات العامة.

وما زلنا منتظرين بين هذه الجموع التي لا تقل عن مائة ألف نفس ما بين رجال ونساء وأطفال، والصغار يلحون في أثناء ذلك بالبدء في الألعاب كما يفعلون في مسارح التمثيل عندنا حتى وافت الساعة العاشرة، وهنا انطلق مقذوف في الجو أحدث فرقعة هائلة اضطرب لها كل المتفرجين، ثم ابتدأت النيازك (السواريخ) تتابع كما يُفعَل عندنا في مولد النبي ، وإنما ظهرت أشكال وأنواع في هذه الألعاب لم أرها من قبل؛ ظهر فيها صور راكبي الدراجات يتسابقون حول دائرة فمنهم من سبق ومنهم من وقع ومنهم من عثرت دراجته فصار يعالجها معالجة كبيرة، مما جعل المتفرجين يغرقون في الضحك، وبعضها تسبح الأسماك فيها، وصور الطيور من النار تحلق في الجو. وفي لعبة ظهرت صورة الملك وبجواره السنيور موسوليني ورجال الفاشستي، فأخذ الناس هنا في التصفيق الحاد. وغيره مما لفت الأنظار. وفي أثناء ذلك تشق مقذوفات نيازك أخرى بطون الجو، ويتولد منها عدة كرات مختلفة الألوان والأشكال تُحدِث فرقعات منوَّعة، ثم تنتهي بفرقعة هائلة لها دوي يزعج الناس ويجعلهم ينكمشون من شدة دويِّها، وتتخلل كل ذلك أنغام الموسيقى المشجية. ثم انصرفنا حين وافت الساعة الحادية عشرة ولم تنته بعد.

فقلت: بالله ما أسرع الأمم المتمدينة الراقية إلى مدِّ يد المعونة إلى أبنائها البررة الذين فقدوا لذة الحياة من أجلها وأُصِيبوا بداء عضال في ميدان التضحية والمدافعة عنها! فهم الآن يقابلونهم بعطفهم، ويخففون ويلاتهم بجودهم وكرمهم، ويجففون دموعهم بسخائهم وذهبهم، ويردون غائلة الفقر عنهم بحنوِّهم، وينزعون من صدورهم الغل بمساعدتهم.

فِلَّا برجيزي

وبجوار ميدان الشعب متنزه «برجيزي» وهو متنزه واسع لا يدرك الطرف آخره، ذو أشجار ضخمة وأزهار كثيرة وطرق متسعة وحشائشه جمة، يقصده كل من يريد استنشاق الهواء العليل، به محالُّ للحيوانات البرية المتوحشة يحيط بها سياج من الحديد المتين، وبه متحف جميل يدخله الزائرون مجانًا فيرى فيه ما اخترعه أهالي إيطاليا من المصنوعات داخل بلادهم وخارجها، مما يدل دلالة واضحة على ذوق الإيطاليين في الرسم والتصوير، واعتنائهم بعرض ما يصنعه المهاجرون الإيطاليون حتى يتمثل أمام الناظر صورة الجمال الفني الإيطالي.

figure
بحيرة حديقة برجيزي برومة.

والمتنزه كبير المرتفعات والمنخفضات داخله قهوات وبارات وملاهٍ كثيرة متعددة منوَّعة وبحيرات تسبح فيها الطيور والأسماك، وبه عاديات الرومان القديمة المشتملة على أدق التماثيل وأحسنها وأكبرها حجمًا، وتنتشر به الناس عصرًا انتشار الجراد يستظلون بظل أشجاره الوارف ويوغلون في عطفاته ومنحنياته، ويصعدون سلالم جميلة ليصلوا إلى أشجاره وأزهاره المغروسة فوق تلاله وهضابه ثم ينزلون من أخرى، وتخترق فجاجه المتسعة وطرقه المتعددة السيارات والدراجات والعجلات، وقد يضل السائر فيه لسعته وكبره وكثرة مسالكه وتشعب طرقه.

وقد عُنِي بالجزء المجاور لميدان الشعب فنُسِّق أحسن تنسيق ورُتِّب أحسن ترتيب وظهرت أزهاره بجمالها البديع ورونقها الجميل، يشتمل على أبهى المسالك وأحسن الطرق المرصوفة بدِقاق الحصى ومستوي الأحجار، وأُقِيمت في طرقه وجوانبه أفخم التماثيل لأعاظم الرجال.

ومن حُسن المصادفة أني دخلته يوم الأحد وهو يوم احتُفِل فيه بإعانة من أصابتهم الحرب بعاهة مستديمة، فانتشر في طرقاته الشرطي الفاشستي بملابسه الزرقاء والسوداء فلبس حلة من الزينة وبرز في أبهى مناظره، وهم يغدون في طرقاته ويروحون. وقد علمت من هذا أن الاحتفال سيكون الليلة في ميدان الشعب.

وهنا أختتم الكلام على مشاهد رومة مقتصرًا على ما يهم القارئ، مقرًّا بعجزي عن وصف ما رأيت معترفًا بتقصيري، لأن للرومان من الآثار والمتاحف ما يملأ وصفها المجلدات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١