الفصل السابع

البِنَى الكونية

المجرات هي الوحدات البنائية الأساسية للكون. بَيْدَ أنها ليست أكبر البِنَى التي يمكن رؤيتها. فالمجرات لا تميل إلى الوجود على نحو منعزل، وإنما تحب التجمع معًا، شأنها في هذا شأن البشر. والمصطلح المستخدم لوصف الطريقة التي تتوزع بها المجرات عبر المسافات الكونية هو «البنية واسعة النطاق». ويعد أصل هذه البنية أحد أكثر موضوعات علم الكونيات احتدامًا، لكن قبل أن نفسر السبب وراء ذلك، من الضروري أولًا أن نصف الماهية الفعلية لهذه البنية.

أنماط في الفضاء

يتحدد توزيع المادة على النطاقات الواسعة عادةً بواسطة عمليات المسح الطيفي التي تستخدم قانون هابل في تقدير المسافات إلى المجرات من خلال إزاحتها الحمراء. وقد كان وجود البنية معروفًا لسنوات عديدة قبل أن تصير عمليات المسح بواسطة الإزاحة الحمراء قابلةً للتطبيق. وتوزيع المجرات على السماء يتسم بعدم التناسق الشديد، وهو ما يمكن رؤيته في أول مسح منهجي كبير لمواضع المجرات، والذي نتج عنه «خرائط ليك». لكن رغم ما تتسم به هذه الخريطة من إبهار دون شك، فلا يسع المرءَ أن يكون متأكدًا مما إذا كانت البِنَى التي يراها بها بِنًى حقيقية مادية أم أنها محض تأثيرات إسقاط عشوائية. فعلى أي حال، كلنا يعرف كوكبات النجوم، بيد أن هذه الكوكبات ليست ارتباطات مادية. والنجوم الموجودة بها تقع على مسافات مختلفة من الشمس. ولهذا السبب، صارت الأداة الأساسية لعلم وصف الكون هي الإزاحة الحمراء.

fig20
شكل ٧-١: سديم أندروميدا. تُعَدُّ أندروميدا — أقرب مجرة حلزونية إلى مجرة درب التبانة — مثالًا طيبًا على هذا النوع من المجرات. ليست كل المجرات حلزونية، والعناقيد المجرِّية الثرية كعنقود الهلبة المجرِّي تحتوي بالأساس على مجرات بيضاوية ليست لها أذرع حلزونية.
fig21
شكل ٧-٢: «خريطة ليك». تُظهِر «خريطة ليك»، التي أُنتجت بواسطة العدِّ البصري الدقيق للمجرات على أسطح المسح، توزيعَ حوالَيْ مليون مجرة عبر السماء. إن نمط الخيوط والعناقيد مبهر، والكتلة الدائرية الكثيفة قرب المركز هي عنقود الهلبة المجري.

ثمة مثال شهير على هذا النهج، وهو المسح الذي أجراه مركز هارفرد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، والذي نَشر أُولى نتائجه عام ١٩٨٦. كان هذا مسحًا للإزاحة الحمراء لعدد ١٠٦١ مجرة موجودة في شريط ضيق من السماء في مسح بالومار الأصلي للسماء، المنشور عام ١٩٦١. وقد تم التوسع في هذا المسح ليشمل المزيد من الشرائط على يد الفريق عينه. وحتى عام ١٩٩٠ كانت عمليات مسح الإزاحة الحمراء بطيئة ومُجْهدة؛ لأنه كان من الضروري توجيه التليسكوب صَوْبَ كل مجرة في المرة الواحدة، ثم أخْذ القياسات الطيفية الخاصة بها، وحساب الإزاحة، ثم الانتقال نحو المجرة التالية. وكان الحصول على عدة آلاف من الإزاحات الحمراء يستغرق شهورًا من وقت التليسكوب، وهو الوقت الذي كان ينتشر على مدار سنوات عدة؛ بسبب توزيع وقت التليسكوب على عمليات الرصد المختلفة. وفي وقت قريب نسبيًّا مكَّن اختراع أجهزة الرصد المتعددة الألياف في تليسكوبات الحقول المفتوحة علماءَ الفلك من التقاط ما يصل إلى ٤٠٠ طيف في التوجيه الواحد للتليسكوب. ومن بين أحدث أجيال عمليات مسح الإزاحة الحمراء تلك المسماةُ عمليةَ مسح «حقل الدرجتين»، التي تديرها كلٌّ من المملكة المتحدة وأستراليا باستخدام التليسكوب الأنجلو-أسترالي. وسوف ترسم عملية المسح هذه في نهاية المطاف خريطة لمواضع نحو ٢٥٠ ألف مجرة.

المصطلح العام المستخدَم لوصف التجمع المادي للعديد من المجرات هو «عنقود المجرات» أو «العنقود المجرِّي». ومن الممكن أن تتفاوت العناقيد المجرية بشدة من حيث الحجمُ والثراء. على سبيل المثال، مجرتنا — درب التبانة — عضو فيما يسمى «المجموعة المحلية» من المجرات، وهي عنقود صغير نسبيًّا من المجرات، المجرة الوحيدة الكبيرة بينها هي مجرة أندروميدا M31. وعلى النقيض تمامًا، يوجد ما يسمى «العناقيد المجرية الثرية»، والمعروفة أيضًا باسم «عناقيد أبيل»، والتي تحتوي مئاتٍ عدةً أو حتى آلاف المجرات في منطقة لا تتجاوز ملايين قليلة من السنوات الضوئية عرضًا؛ ومن الأمثلة البارزة القريبة على هذه الكيانات عنقودَا الهلبة والعذراء المجرِّيَّان. وفيما بين هذين النقيضين، يبدو أن المجرات موزَّعة في منظومات متفاوتة الكثافة على نحو تدريجي (أو هرمي). وأشد عناقيد أبيل كثافة هي أجرام منهارة على نفسها تحافظ جاذبيتها الخاصة على تماسكها معًا. أما المنظومات الأقل ثراءً والأكثر انتشارًا مكانيًّا فقد لا تكون مترابطة بهذه الطريقة، وإنما قد تعكس ببساطة ميلًا إحصائيًّا عامًّا لتجمُّع المجرات معًا.
fig22
شكل ٧-٣: عملية مسح «حقل الدرجتين» للإزاحة الحمراء للمجرات. من المخطط أن تقيس عملية المسح هذه، والتي لا تزال جارية، الإزاحاتِ الحمراءَ لنحو ٢٥٠ ألف مجرة. ورغم عدم الانتهاء من بعض أجزاء عملية المسح، وهو ما يتسبب في قِطَع ناقصة في الخريطة، فإنه بمقدورنا أن نرى ظهور شبكة معقدة من البِنَى الممتدة حتى مسافة مليارات السنوات الضوئية من موضعنا.
ومع ذلك ليست العناقيد المجرية المنفردة أكبر البنى التي يمكن رؤيتها. فتوزيع المجرات على نطاقات تزيد عن حوالي ٣٠ مليون سنة ضوئية يكشف أيضًا عن درجة بالغة من التعقيد. وقد بيَّنتْ عملياتُ المسح الرصدية الحديثة أن المجرات ليست موزَّعة في «فقاقيع» شبه كروية، شأن عناقيد أبيل، وإنما أحيانًا ما تمتد كذلك في بِنًى شبه خطية تسمى «الخيوط»، أو في بِنًى مسطحة أشبه بالألواح على غرار تلك البنية المسماة «السور العظيم». وهذه البنية أشبه بتجميعة ثنائية الأبعاد تقريبًا من المجرات، واكتُشفت عام ١٩٨٨ على يد علماء الفلك بمركز هارفرد سميثسونيان للفيزياء الفلكية. و«السور العظيم» لا تقلُّ أبعاده عن ٢٠٠ مليون سنة ضوئية في ٦٠٠ مليون سنة ضوئية، بينما يقل سُمكه عن ٢٠ مليون سنة ضوئية. وهو يحتوي آلافًا عدة من المجرات وله كتلة لا تقل عن ١٠١٦ مرة قدر كتلة الشمس. والعناقيد الثرية نفسها متجمعة في تجميعات ضخمة مترابطة على نحو غير محكَم، تسمَّى «العناقيد الفائقة». والعديد من هذه العناقيد معروف، وهي تحتوي على نطاق واسع يتراوح بين عشرة عناقيد ثرية إلى ما يزيد عن الخمسين عنقودًا. وأشهر العناقيد المجرية الفائقة ذلك العنقود المسمى «عنقود شابلي الفائق»، أما أقربها إلينا فهو «العنقود الفائق المحلي» الذي مركزه عنقود العذراء المجري المذكور سابقًا، وهو بنية مسطحة توجد في المستوى الذي تتحرك فيه «المجموعة المحلية». ومن المعروف أن العناقيد المجرية الفائقة تصل أحجامها إلى نحو ٣٠٠ مليون سنة ضوئية، وتحتوي كتلةً تصل إلى ١٠١٧ مرة قدر كتلة الشمس.

يُكمِّل هذه البنى مناطقُ شاسعة من الفضاء الخاوي تقريبًا، والعديد من هذه المناطق يبدو كرويَّ الشكل تقريبًا. وهذه «الفراغات» تحتوي عددًا من المجرات أقلَّ بكثير من المعتاد، وقد لا تحتوي أيةَ مجراتٍ على الإطلاق. وقد رُصدت فراغاتٌ في عمليات مسح الإزاحة الحمراء الواسعة النطاق لها كثافة تقل عن ١٠ بالمائة من متوسط الكثافة على نطاق يصل إلى ٢٠٠ مليون سنة ضوئية. وليس وجود هذه الفراغات الكبيرة بالأمر المفاجئ، في ضوء وجود العناقيد المجرية والعناقيد المجرية الفائقة على نطاقات كبيرة للغاية؛ وذلك لأنه من الضروري أن توجد مناطق ذات كثافة أقل من المتوسط كي توجد مناطق أخرى ذات كثافة أكبر من المتوسط.

إن الانطباع الذي يحصل المرء عليه عند النظر إلى خرائط البنى الواسعة النطاق هو أنه توجد «شبكة» كونية شاسعة؛ شبكة معقدة من السلاسل والألواح المتفاعلة. لكن من أين جاء كل هذا التعقيد؟ إن نموذج الانفجار العظيم مبني على افتراض مفاده أن الكون متَّسق ومتجانس؛ أي إنه يتوافق مع المبدأ الكوني. ولحسن الحظ يبدو أن البِنى تختفي بالفعل في النطاقات الأكبر من نطاق تلك الشبكة الكونية. وقد تأكد هذا أيضًا من واقع المشاهدات الخاصة بإشعاع الخلفية الميكروني الكوني، الذي يأتينا من الكون المبكر بعد أن انتقل عبر خمسة عشر مليار سنة ضوئية. إن الخلفية الكونية تبدو متجانسة على نحوٍ شبه تام في السماء، وهو ما يتفق مع المبدأ الكوني. لكنها متجانسة على نحو «شبه» تام، لا على نحو تام.

تكوُّن البِنى

عام ١٩٩٢ نشر القمر الصناعي المسمى «مستكشف الخلفية الكونية» لاقطاته الحساسة بهدف رصد ورسم أي تفاوتات في درجة حرارة الخلفية الكونية في السماء. فمنذ اكتشاف الخلفية الكونية عام ١٩٦٥ وهي تبدو متوحدة الخواص في السماء. ولاحقًا، اكتُشف أن ثمة تفاوتًا واسع النطاق في درجة الحرارة عبر السماء يبلغ نحو جزء واحد في الألف. يُعرف هذا الآن بأنه من تأثير دوبلر، الذي تسبب فيه دوران الأرض حول نفسها عبر المجال الإشعاعي المتخلف عن الانفجار العظيم؛ إذ تبدو السماء أكثر دفئًا بقليل في الاتجاه الذي نتحرك صوبه، فيما تبدو أبرد قليلًا في الاتجاه الذي نبتعد عنه. لكن إذا نحَّيْنا هذا التفاوت «ثنائي القطب» (كما يطلق عليه) جانبًا، يبدو الإشعاع وكأنه يأتي على نحو متساوٍ من كل الاتجاهات. لكن لوقت طويل والمنظِّرون يتشككون في وجود بنية في الخلفية الميكرونية، على صورة أنماط متذبذبة من البقع الحارة والباردة. وقد عثر «مستكشف الخلفية الكونية» على هذه الأنماط، وأبرزت الصحف حول العالم اكتشافه هذا.

لماذا إذن لا تتسم الخلفية الميكرونية بالتجانس؟ إجابة هذا السؤال مرتبطة على نحو وثيق بأصل البنية الواسعة النطاق، وشأن المواضع الأخرى في علم الكونيات، تقدم الجاذبية ذلك الرابط.

تُقدِّم نماذج فريدمان أفكارًا ثاقبة مهمة بشأن الكيفية التي تتغير بها الخصائص الكبيرة الخاصة بالكون؛ تتغير مع الزمن. بَيْدَ أن هذه النماذج غير واقعية؛ لأنها تصف عالمًا مثاليًّا متجانسًا تمامًا وخاليًا من أي خلل. والكون إن بدأ على هذا النحو فسيظل مثاليًّا إلى الأبد. لكن في الواقع الفعلي، هناك مواضع من الخلل. فبعض المناطق قد تكون أكثر كثافة قليلًا من المتوسط، وبعضها أقل كثافة. كيف سيكون سلوك هذا الكون الذي يشوبه قدرٌ من التفاوت في الكثافة؟ الإجابة مختلفة على نحو جذري عن الحالة المثالية. فأي جزء من الكون أشد كثافة من المتوسط سيكون له تأثير جذبي أقوى من المتوسط على ما يحيط به؛ ومن ثم سيميل إلى امتصاص المادة داخله، مستنزفًا بذلك المنطقة المحيطة به. وخلال هذه العملية سيصير أشد كثافة نسبة إلى المتوسط، ومن ثم يمارس قوة جذب أكبر. ويكون الأثر المترتب على ذلك حدوث نمو منفلت لتكتلات المادة يسمى «عدم الاستقرار الجذبي». وفي النهاية تتكون كتل مترابطة بقوة وتبدأ في التجمع على صورة خيوط وألواح تشبه تلك التي نراها في خرائط البنية الكونية. وكل ما هو مطلوب في البداية من أجل إطلاق هذه العملية هو تفاوتات طفيفة للغاية في الكثافة، وستعمل الجاذبية كمضخِّم قوي محوِّلة التموجات الأولية الطفيفة إلى تفاوتات ضخمة في الكثافة. وبإمكاننا تخطيط الناتج النهائي لهذه العملية باستخدام عمليات المسح التي تُجرَى على المجرات، بينما نرى المُدخل الأوَّلي لها في خريطة «مستكشف الخلفية الكونية». بل إن لدينا كذلك نظرية جيدة تفسر الكيفية التي انطبعت بها التفاوتات الأولية في الكثافة، وكيف أنتج التضخم الكوني التفاوتات الكمية.

إن الصورة العامة الأساسية للكيفية التي تكونت بها المادة معروفة منذ سنوات عديدة، لكن من العسير تحويل هذه الصورة العامة إلى حسابات تنبُّئِية تفصيلية؛ وذلك بسبب السلوك المعقد للجاذبية. ذكرتُ في الفصل الثالث أن قوانين نيوتن للجاذبية من الصعب حلُّها من دون التناظر المبسِّط. وفي المراحل المتأخرة من عدم الاستقرار الجذبي، لا وجود لمثل هذا التبسيط. فكل شيء في الكون يمارس قوى الجذب على كل شيء آخر، ومن الضروري متابعة كل هذه القوى المؤثرة في كل شيء وفي كل مكان. والمسائل الحسابية الداخلة في هذه العملية من المستحيل فعليًّا حلها بالورقة والقلم.

fig23
شكل ٧-٤: تموجات «مستكشف الخلفية الكونية». في عام ١٩٩٢ قاس القمر الصناعي المسمى «مستكشف الخلفية الكونية» تفاوتات طفيفة قدْرها نحو جزء واحد في المائة ألف في درجة حرارة إشعاع الخلفية الميكروني الكوني في السماء. وهذه «التموجات» يُعتقَد أنها البذور التي نمتْ منها المجرات والبِنى الكونية الواسعة النطاق.

لكن خلال ثمانينيات القرن العشرين، ظهرت أجهزة الكمبيوتر الضخمة على الساحة، وشهد هذا المجال تقدمًا متسارعًا. وقد صار من الواضح أن بمقدور الجاذبية تكوين البنى الكونية، لكن كي تؤدي المهمة بفَعَالِيَة لا بد من وجود قدر كبير للغاية من الكتلة في الكون. ولأن فرضيات التخليق النووي البدائي لا تسمح إلا بوجود قدر صغير نسبيًّا من المادة «العادية»، افترض المنظِّرون أن الكون تهيمن عليه مادة مظلمة عجيبة لا تشارك في التفاعلات النووية. وقد أظهرت المحاكاة الحاسوبية أن أفضل صورة تكون عليها هذه المادة هي المادة المظلمة «الباردة». فإذا كانت المادة المظلمة «حارة»، فستتحرك عندئذٍ بسرعة كبيرة تمنع تكوُّن كتل من المادة بالحجم المناسب.

وفي النهاية، بعد سنوات عديدة من وقت المحاكاة الحاسوبية، ظهرت صورة تنشأ فيها البنية الكونية بطريقة تدريجية تراكمية. أولًا: تتكون كتل صغيرة من المادة. وهذه الوحدات البنائية تتجمع بعد ذلك مكوِّنةً وحداتٍ أكبرَ، وهي بدورها تتجمع بعضُها مع بعضٍ مكونة وحدات أكبر، وهكذا دَوَالَيْك. وفي النهاية تتكون أجرام في حجم المجرات. ينهار الغاز (المكون من مادة باريونية) على نفسه، وتتكون النجوم، وتكون لدينا مجرات. وتواصل المجرات نموها الهرمي في البنية عن طريق التجمع في سلاسل وألواح. وفي هذه الصورة، تتطور البنية بسرعة كبيرة مع مرور الزمن (أو على نحو مكافئ، مع الإزاحة الحمراء).

fig24
شكل ٧-٥: صورة «حقل هابل العميق». التُقطت هذه الصورة عن طريق توجيه تليسكوب هابل الفضائي إلى قطعة خالية من السماء، وهي تُظهر مصفوفة رائعة من المجرات البعيدة الخافتة. بعض هذه الأجرام يقع على مسافات بعيدة للغاية، لدرجة أن الضوء الصادر عنها استغرق أكثر من ٩٠ بالمائة من عمر الكون كي يصلنا. وبهذا يمكننا رؤية تطور المجرات وهو يحدث أمام أعيننا.

حققت فكرة المادة المظلمة الباردة نجاحًا كبيرًا، لكن هذا النهج أبعد ما يكون عن الاكتمال. فلا يزال من غير المعروف مقدار المادة المظلمة الموجود في الكون، أو الشكل الذي تتخذه هذه المادة. تظل أيضًا مشكلة الكيفية التفصيلية التي تكونت بها المجرات دون حل؛ وذلك بسبب العمليات الهيدروديناميكية والإشعاعية الداخلة في حركة الغاز وتكوُّن النجوم. لكن في الوقت الحالي لم يَعُدْ هذا المجال مقصورًا على النظريات والمحاكاة الحاسوبية؛ إذ تُمَكِّننا الإنجازات المتحققة حاليًّا في التكنولوجيا الرصدية، على غرار تليسكوب هابل الفضائي، من أن نرى المجرات على إزاحات حمراء عالية، ومن ثم ندرس بدقةٍ الكيفية التي تغيرت بها خصائصها وتوزيعاتها في الفضاء مع مرور الوقت. ومع الجيل القادم من عمليات مسح الإزاحة الحمراء الضخمة سيكون لدينا معلومات شديدة التفصيل بشأن النمط الذي تسير عليه تلك المجرات في الفضاء. وهذا أيضًا يمدنا بخيوط عن مقدار المادة المظلمة الموجودة بالكون، والكيفية التي تكونت بها المجرات تحديدًا. بَيْدَ أن الحل النهائي لهذه المشكلة ليس من المرجح أن يأتي من المشاهدات الخاصة بالنواتج النهائية لعملية عدم الاستقرار الجذبي، وإنما من تلك المتعلقة ببداياتها.

صوت الخلق

مثَّل «مستكشف الخلفية الكونية» تقدمًا كبيرًا في دراسة تكوُّن البنية الكونية، بَيْدَ أنه من نواحٍ عدة تُعَدُّ هذه التجربة محدودة للغاية. وأبرز مواطن قصور مستكشف الخلفية الكونية هو أنه يفتقد القدرة على سَبْر أغوار البنية التفصيلية للتموجات في الخلفية الكونية. وفي الواقع كانت الدقة الزاويَّة لمستكشف الخلفية الكونية لا تتجاوز عشر درجات فحسب، وهو مقدار بسيط للغاية بالمعايير الفلكية. وعلى سبيل المقارنة، يبلغ عرض القمر وهو بدر حوالي نصف درجة عرضًا. ويأمل علماء الكونيات أن يجدوا في البنية الدقيقة للخلفية الميكرونية إجابات للعديد من الأسئلة الحاضرة بقوة.

أُنتجت التموجات في الكون المبكر بواسطة نوع من الموجات الصوتية. فحين كان الكون حارًّا للغاية، تصل درجة حرارته إلى عدة آلاف درجة، كان يعج بالموجات الصوتية الآخذة في التحرك جيئة وذهابًا. وسطح الشمس له درجة حرارة مشابهة، وهو يهتز بطريقة مماثلة. وبسبب الدقة المنخفضة لمستكشف الخلفية الكونية فإنه استطاع رصد تلك التموجات التي لها طول موجي طويل وحسب. وهذه التموجات تمثل موجات صوتية ذات درجة منخفضة للغاية؛ النغمة الخفيضة لعملية الخلق. والمعلومات التي تحويها هذه الموجات مهمة، لكنها ليست تفصيلية؛ فصوتها رتيب نسبيًّا.

fig25
شكل ٧-٦: محاكاة حاسوبية لتكوُّن البِنى. ابتداءً من ظروف ملساء تقريبًا، يمكن استخدام أجهزة الكمبيوتر الفائقة الحديثة في محاكاة تطور قطعة من الكون مع مرور الزمن. في هذا المثال، الذي أجراه «اتحاد العذراء»، يمكننا أن نرى التجمع الهرمي يتطور مع تمدد الكون بمُعامل قدره ٤. العُقَد الكثيفة التي تُرى في الإطار الأخير تكوِّن مجرات وعناقيد مجرية، بينما البنى الخطية تشبه بشدة تلك التي تُرى في عمليات المسح الخاصة بالمجرات.

على الجانب الآخر، من المفترض أن يُنتج الكون أيضًا صوتًا ذا درجة أعلى، وهذا أمر أكثر إثارة للاهتمام بكثير. فموجات الصوت تنتقل بسرعة محددة. وفي الهواء، على سبيل المثال، تكون هذه السرعة نحو ٣٠٠ متر في الثانية. في الوقت المبكر من عمر الكون، كانت سرعة الصوت أكبر بكثير؛ بحيث كانت تقارِب سرعة الضوء. وبحلول الوقت الذي أُنتجت فيه الخلفية الميكرونية كان عمر الكون حوالي ٣٠٠ ألف عام. وخلال الوقت المنحصر بين ذلك الوقت وبين الانفجار العظيم، الذي يُفترض أن موجات الصوت استُثيرت فيه في المقام الأول، لم يكن بوسع تلك الموجات الانتقال إلا لحوالي ٣٠٠ ألف سنة ضوئية. والذبذبات التي لها هذا الطول الموجي تنتج «نغمة» مميزة، تشبه النغمة الأساسية لأي آلة موسيقية. ومن ثم ليس من قبيل المصادفة أن تكون العناقيد المجرية الفائقة بهذا الحجم؛ إذ إنها نتجت عن هذا اللحن الكوني المجلجِل.

ينبغي أن يكشف الطول الموجي المميز للكون المبكر عن نفسه في صورة أنماط من البقع الحارة والباردة على الخلفية الميكرونية في السماء، لكن لأن الطول الموجي قصير إلى حدٍّ بعيد، فإنه يظهر على نطاق أدق كثيرًا من ذلك الذي يستشعره مستكشف الخلفية الكونية. في الواقع، يصل الحجم الزاويُّ للبقع التي ينتجها إلى حوالي درجة واحدة. ومن ثم، منذ إطلاق مستكشف الخلفية الكونية وهناك سباق دائر؛ من أجل تطوير المعَدَّات القادرة على رصد النغمة الأساسية للكون، فضلًا عن النغمات الأعلى المتوافقة معها. ومن خلال تحليل دقيق لصوت عملية الخلق، من المأمول أن يُجاب عن العديد من الأسئلة الكبرى التي تواجه علم الكونيات الحديث. فطيف الصوت يحتوي معلومات بشأن مقدار المادة الموجودة في الكون، وهل هناك ثابت كوني أم لا، ومقدار ثابت هابل، وهل المكان منحنٍ، بل وربما هل حدث التضخم أم لا.

fig26
شكل ٧-٧: تجربة «بوميرانج». تُظهر الصورة هذه التجربة بينما هي على وشك الإطلاق على متن منطاد فوق القارة القطبية الجنوبية. معدات التجربة موجودة على المركبة إلى يمين الصورة. مسار الطيران الخاص بهذا المنطاد مر بالقطب الجنوبي، واستفاد من الرياح الدوارة من أجل العودة بالقرب من نقطة الانطلاق. القارة القطبية الجنوبية جافة للغاية، وهو ما يجعل منها أفضل مكان على الأرض لإجراء تجارب الخلفية الميكرونية، بَيْدَ أنه لا يزال من الأفضل الخروج إلى الفضاء إن أمكن.
fig27
شكل ٧-٨: انبساط المكان. يُظهِر الإطار العلوي النمط الدقيق لتفاوتات الحرارة المقيسة بواسطة التجربة «بوميرانج». وأسفل منه يوجد أنماط مصنوعة بالمحاكاة الحاسوبية تأخذ في الاعتبار الحجم الزاوي المتوقع لهذه التفاوتات في كلٍّ من الكون المغلق والمفتوح والمنبسط. ويتحقق التطابق الأفضل مع نموذج الكون المنبسط (في المنتصف). وقد منحت هذه الإشارة القوية دافعًا أقوى للتجربتين المستقبليتين «مسبار قياس تباين الأشعة الكونية» و«مرصد بلانك الفضائي» اللتين سترسمان خريطة للسماء كلها بهذه الدقة.

ثمة تجربتان كبيرتان، هما «مسبار قياس تباين الأشعة الكونية» المُزمَع إطلاقه عام ٢٠٠١ تحت إشراف ناسا، و«مرصد بلانك الفضائي» تحت إشراف وكالة الفضاء الأوروبية المزمع إطلاقه في غضون سنوات قليلة، من شأنهما أن يرسما خرائط تفصيلية لأنماط التموجات على السماء بدقة عالية جدًّا. وإذا صح تأويل هذه البِنى، فمن المفترض أن يكون لدينا إجابات محددة في وقت قريب للغاية. والجميع ينتظر هذه النتائج بفارغ الصبر.

في الوقت الحالي، ثمة إشارات قوية للغاية بشأن الكيفية التي ستئول إليها الأمور. فقد حلَّلتْ تجربتان مهمتان تم إجراؤهما من على المناطيد — هما «بوميرانج» و«ماكسيما» — أجزاءً صغيرة من السماء بدقة تقل بقدر طفيف عن دقة «مسبار قياس تباين الأشعة الكونية» و«مرصد بلانك الفضائي». لم تقدم هاتان التجربتان بعدُ إجابات حاسمة، لكنهما تشيران إلى أن هندسة المكان منبسطة. والحجة التي يقوم عليها هذا الافتراض بسيطة. فنحن نعلم الطول الموجي المميِّز للأصوات التي أنتجت الملامح المقيسة، ونعلم المسافة التي رُصدت عليها هذه الموجات (حوالي ١٥ مليار سنة ضوئية)، ومن ثم يمكننا حساب الزاوية التي من المفترض أن تحتلها في السماء لو كان الكون منبسطًا. فإذا كان الكون مفتوحًا فستكون الزاوية أقل مما هو الحال في الكون المنبسط، وإذا كان مغلقًا فستكون الزاوية أكبر. والنتائج تشير ببساطة إلى أن الكون منبسط. وإلى جانب التسارع الذي تحدثتُ عنه في الفصل السابق، تمنحنا هذه القياسات دليلًا قويًّا على وجود ثابت كوني. والطريقة الوحيدة كي يكون لدينا كون منبسط ومتسارعٌ أيضًا في تمدده هي أن توجد بالكون طاقة فراغ.

ويبدو أن الصورة الآخذة في الظهور من واقع دراسات البنية الكونية تتفق مع الخيوط الأخرى التي ناقشتها، لكننا ما زلنا لا نعرف الكيفية التي تمكَّن بها الكون من أن يصير على النحو الذي هو عليه. وستعتمد إجابة هذا اللغز الأعمق على فهمنا الأعمق لطبيعة المادة والمكان والزمن. وسأناقش هذه الأمور في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤