أغنية الموت

قصة تمثيلية في فصل واحد

(دارٌ من دُور الفلَّاحين في الصعيد … امرأتان جالستان في ثياب سوداء قُرب المدخل … هما «عساكر» و«مبروكة»، وعلى مدى خطوة منهما عِجْل وجَدْي يأكلان الحشائش والدريس الجاف … والمرأتان في إطراق وصمت … وعندئذٍ يُسمَع صوت صفير القطار.)

مبروكة (ترفع رأسها) : هذا هو القطار.
عساكر (بلا حراك) : أتظنِّين أنه سيأتي فيه.
مبروكة : ألم يَقُل ذلك في خطابه الذي قرأه علينا البارحة الشيخ محمد الإسناوي عَرِيف الكُتَّاب؟
عساكر : إيَّاكِ يا مبروكة أن تكوني قلتِ لأحدٍ إنه ابني!
مبروكة : أأنا مجنونة؟! … ابنك علوان مات وهو طفل ابن عامَين … مات غريقًا في بئر الساقية … البلدة كلها تعرف ذلك.
عساكر : ولكنَّهم هم ما عاد يدخل عقولَهم هذا الكلام!
مبروكة : مَن هم؟ الطحاوية؟!
عساكر : ألم يَقُل لك ابنُك صميدة ما سمع ذلك النهار في السوق؟!
مبروكة : ماذا سمع؟
عساكر : سمع أحدهم يقول في حلقة من الناس: إمَّا أنَّ العزايزة لم يَبْقَ فيهم غيرُ نساء، وإمَّا أنهم يُخبِّئون رجلًا للأخذ بالثأر … رجلًا أقرب إلى القتيل من صميدة ابن أخيه … ومَن يكون أقربَ من ابن الأخ غير الابن؟!
مبروكة : نعم … قال ذلك ابني صميدة … ولولا هذه الإشاعة، لما استطاع أن يمشي في البلد مرفوع الرأس.
عساكر : فليعلموا اليوم أنَّ ابن القتيل لم يَزَلْ حيًّا … لم يَبْقَ هناك خوفٌ عليه وقد بلغ مَبلغ الرجال … لستُ أنا الآن التي أخاف … بل هم الذين يُؤرِّق أجفانَهم الخوف! … أسرِع به أيها القطار أسرِع … لقد انتظرتُ طويلًا … سبع عشرة سنةً! … أَعُدُّها ساعةً ساعةً … سبع عشرة سنةً أَحلُبها من ضَرع الدهر قطرةً قطرةً كما يُحلَب اللبن من ضَرع البقرة العجوز.
مبروكة (تُصغي إلى صوت صفيرٍ) : ها هو القطار قد دخل المحطة … سيجد ابني صميدة في انتظاره.
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها) : نعم.
مبروكة (تلتفت إليها) : ما لكِ يا عساكر؟! ترتعدين!
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها) : أغنية صميدة … ستدلُّني.
مبروكة : تدلُّكِ؟
عساكر : على حضوره.
مبروكة : قلتِ لابني أن يُغنِّي علامةً على وصول علوان؟!
عساكر : نعم، إذا اقتربا معًا من داير الناحية.
مبروكة : تجلَّدي يا عساكر تجلَّدي … مضى الكثير … ولم يَبْقَ غير القليل.
عساكر : ليس الذي بي الساعة خوف ولا ضعف.
مبروكة : أيام الخوف ذهبت إلى غير رجعة … لن أنسى ذلك اليوم الذي أخفيتِ فيه ابنكِ «علوان» وهو ابن عامَين في «قُفَّة» الطَّحين، وحملتِه ليلًا، خارجةً به من البلدة إلى القاهرة لتستودعيه قريبَك الدقَّاق في دُكَّان العطار بحي سيدنا الحسين.
عساكر : قلتُ له: أَنشِئْه جزَّارًا؛ ليُحسِن استخدام السكين.
مبروكة : لم يُنفِّذ رغبتكِ.
عساكر : بل نفَّذها وألحقه عندما بلغ السابعة بدكَّان جزَّار … ولكنه هرب بعد ذلك من دُكَّان الجزارة.
مبروكة : ليلتحق بالأزهر الشريف.
عساكر : نعم … وعندما ذهبتُ إليه في العام الماضي، رأيتُه في عمامته وجُبَّته، تكسوه المَهابة … فقلتُ له: آه لو كان رآكَ أبوك على هذه الحال، لقَرَّت عينُه بك! … ولكنَّهم لم يتركوه ليرى ابنه يكبر ويفرح به هذه الفرحة!
مبروكة : أَمَا كان من الخير أن يبقى في دكَّان الجزارة؟
عساكر : لماذا تقولين هذا يا مبروكة؟!
مبروكة : لا أدري … هو خاطرٌ مرَّ بي.
عساكر : أنا أعرف هذا الخاطر.
مبروكة : ما هو يا عساكر؟
عساكر : يسوءُك أن يلبس ابني العمامة والجُبَّة بينما يبقى ابنك بالدفية والزعبوط؟!
مبروكة : أحلف لك بروح المرحوم أنَّ هذا شيء لم يمرَّ بخاطري.
عساكر : ولماذا إذن تكرهين لعلوان أن يكون في الأزهر الشريف؟
مبروكة : ما كرهتُ والله ذلك … ولكني فقط أخشى …
عساكر : تخشَين ماذا؟
مبروكة : أن … ألَّا يُحسِن استخدام السكين.
عساكر : اطمئنِّي، اطمئنِّي يا مبروكة … عندما ترَين علوان الآن وقد شبَّ رجلًا، ستجدين عنده قوة الساعد التي تعرفينها في العزايزة.
مبروكة (تُصغِي إلى الصفير) : القطار يخرج من المحطة.
عساكر : فليخرج إلى حيث شاء … على أن يكون قد أحضر لنا علوان يُخرِج روح القاتل، ويتركه لكلاب العِزَب جيفةً وأشلاءً!
مبروكة : وإذا لم يحضر؟!
عساكر : لماذا تقولين هذا يا مبروكة؟!
مبروكة : لا أدري … هذا تخمين.
عساكر : وما الذي يمنعه من الحضور؟
مبروكة : وما الذي يدفعه إلى ترك القاهرة والبندر والأزهر، ليحضر إلى هنا؟!
عساكر : هنا مسقط رأسه … هنا مكان الدم الذي يناديه.
مبروكة : ما أبعدَ قريتنا عن القاهرة! … هل يستطيع صوت الدم أن يصل البنادر؟!
عساكر : أتعتقدين أنه لن يحضر؟
مبروكة : عِلمي علمك يا عساكر.
عساكر : وخطابه الذي قرأه علينا العَرِيف؟
مبروكة : أَنَسيتِ أنه قال فيه: «ربما أحضر إذا سمحت بذلك الظروف» … مَن يدري هل الظروف سمحت له أو لم تسمح؟
عساكر : لا تكسري نفسي يا مبروكة، ولا تهدمي أملي … أنا التي سمعت صفَّارات القطار تنقلب في قلبي زغاريد، مؤذنةً بقرب انتهاء هذا الحداد الطويل! … علوان لم يحضر؟! … وماذا يكون مصيري؟! … وإلى أي وقت أنتظر مرة أخرى؟!
مبروكة : المحطة ليست بعيدة … وداير الناحية قريب … ولو أنه حضر لكان صميدة الآن قد غنَّى.
عساكر : ربما كانا يمشيان متثاقلَين يتحادثان … إنهما لم يتقابلا منذ أكثر من ثلاث سنوات … منذ آخر مرة ذهب فيها ابنك إلى القاهرة … في مولد سيدنا الحسين.
مبروكة : لو كان حضر لكانت الفرحة هزَّت ابني فغنَّى قبل أن يصل إلى داير الناحية.
عساكر : ربَّما نسي أن يفعل.
مبروكة : لا يمكن أن ينسى.
عساكر (تُنصِت) : لا أسمع غناءً.
مبروكة (مُنصِتةً) : ولا أنا.
عساكر (وهي تُنصِت) : ما من أحد يُغنِّي … حتى ولا راعي غنم … وما من شيء يُغنِّي ولا بومة في خرابة! … صدقتِ يا مبروكة إنه لم يحضر.
مبروكة (كالمُخاطِبة نفسها) : قلبي يُحدِّثني بشيء!
عساكر : بل قلبي أنا … قلبي الكتوم كالقبر … الجامد كالصخر، بدأ يُحدِّثني الآن بأشياء.
مبروكة : بماذا يُحدِّثك؟
عساكر : بأشياء ستقع.
مبروكة : أخبريني.
عساكر (تُرهِف الأذن) : صه … اسمعي، اسمعي … سمعتِ يا مبروكة؟ … سمعتِ؟
مبروكة : صميدة يغني؟
عساكر : وا فرحتاه!

(تُصغِيان مليًّا إلى أغنية صميدة التي تُسمَع من الخارج واضحةً شيئًا فشيئًا.)

صميدة (يُغنِّي في الخارج باللهجة الصعيدية) :
يا خل كم عذر جدِّمنا إليك وتاب
لومك لما زاد مزَّجنا الجميص والتوب
أنا لما سمعت بالأب خجلي ما بجيش وصفه
وعيني الاتنين صبُّوا على الخدين وصفوا
عساكر : حضر … علوان حضر؟ … اليوم أُمزِّق قميص الذل، وألبس ثياب العز.
مبروكة : ونُقيم للمرحوم مأتمه.
عساكر : وننحر على روحه الجِدْي والعِجْل.
مبروكة : يا فرحتنا! (تريد أن تزغرد.)
عساكر (تمنعها) : لا تزغردي الآن؛ لئلَّا ينكشف الأمر قبل الأوان.
مبروكة : ساعاتك معدودة منذ الآن يا سويلم يا طحاوي.
(يدقُّ باب الدار فتُبادِر عساكر إلى فتحه … وعندئذٍ يظهر صميدة حاملًا حقيبة.)
صميدة : جئتُ بالشيخ علوان (يضع الحقيبة على الأرض ويظهر علوان في أثره).
عساكر (فاتحةً ذراعَيها لعلوان) : ابني … علوان … ولدي!
علوان (وهو يُقبِّل رأسها) : أمَّاه!
عساكر (لابنها) : سلِّم على خالتك مبروكة!
علوان (يلتفت) : كيف حالك يا خالتي مبروكة؟
مبروكة : حالنا هو حالنا يا علوان … والبركة فيك!
صميدة : هلمِّي بنا الساعة يا أمي إلى دارنا.
مبروكة : إلى دارنا … ساعة الفرج قرَّبت يا عساكر!

(تنصرف مبروكة مع ابنها صميدة، ولا يبقى غير عساكر وعلوان.)

عساكر : ألستَ جوعانَ يا علوان؟! … عندي إناء لبن رايب!
علوان : ليس بي جوع يا أمي … أكلتُ في القطار شيئًا من كعك وبيض.
عساكر : ألستَ عطشان؟
علوان : ولا عطشان.
عساكر : نعم … لم تَجِئ لطعامنا ولا لشرابنا … إنما جئتَ لتأكل من لحمه وتشرب من دمه!
علوان (كالحالم) : جئتُ يا أمي لأمر عظيم!
عساكر : أعرف يا ابني … أعرف … انتظر حتى آتيَ إليك بما لم تَرَ عينُك قبل الآن (وتُسرِع إلى حجرة داخلية وتغيب فيها لحظة).
علوان (وهو يُقلِّب النظر فيما حوله) : لم تَزَل عيني ترى في دُوركم هذا الحيوان وروثه، وزير الماء وقذره، وأعواد الحطب والذرة تُعرِّش هذه السقف المتداعية!
عساكر (تظهر من الحجرة حاملةً خرجًا تطرحه أمام ابنها) : سبع عشرة سنةً وأنا أحتفظ لك بهذه الأشياء!
علوان (ينظر إلى الخرج من غير أن يتحرَّك) : ما هذا؟!
عساكر : الخرج الذي جاءتني فيه جثة أبيك محمولةً على حماره … في هذا الجيب وجدتُ رأسه المقطوع، وفي الجيب الآخَر بقية الجسم مُقطَّعًا … قتلوه بسكينه الذي كان يحمله، وألقوا معه بالسكين في الخرج … انظر، ها هو السكين … تركتُه بدمه حتى صَدِئ عليه. أما الحمار الذي جاءني بأبيك المقتول، بخطواته التي تعرف الدار، وبرأسه المطأطئ، كأنَّه على صاحبه متفجِّع محزون، فلم أستطع الاحتفاظ به لك؛ فقد نَفَقَ بالموت، وعجز عن احتمال هذه السنين الطوال!
علوان : ومَن الذي فعل ذلك؟
عساكر : سويلم الطحاوي.
علوان : كيف عرفتِ؟
عساكر : البلدة كلها تعرف!
علوان : نعم … قلتِ لي ذلك، وذكرتِ لي هذا الاسم عشرات المرات كلَّما جئتِ لزيارتي في القاهرة … وكنتُ صغيرًا لا أُفكِّر ولا أناقش. أمَّا اليوم فإن عقلي يريد أن يقتنع … ما هو الدليل؟ … هل حصل تحقيق في هذه الجريمة؟
عساكر : تحقيق؟!
علوان : نعم … ماذا قلتم للنيابة؟
عساكر : النيابة؟ … يا للعار! … نحن نقول للنيابة؟! … العزايزة يفعلون ذلك؟! … أكان الطحاوية فعلوا ذلك في يوم من الأيام؟!
علوان : ألم تسألكم النيابة؟!
عساكر : سألتنا … وقلنا لا نعرف شيئًا … ولم نَرَ جثةً … وقد دفنَّا أباك في الليل سرًّا.
علوان (كالمُخاطِب نفسه) : كي نقتصَّ نحن بأيدينا!
عساكر : بعين السكين الذي قُتل به أبوك!
علوان : والقاتل؟
عساكر : حي يرزق … حي … وما من شيخٍ في الناحية ولا مزار ولا ولي، لم أتعلَّق بحديد شُبَّاكه، ولم أُعفِّر رأسي في ترابه، ولم أكشف شعري في مَقامه، داعيةً أن يُطيل الله في أجله إلى أن تقبض روحَه أنت يا ابني بيدك!
علوان : أواثقة أنت يا أمي أنه هو؟
عساكر : ليس لنا من عدوٍّ غير الطحاوية.
علوان : ومَن أدراكِ أنه سويلم الطحاوي بالذات؟!
عساكر : لأنه يعتقد أن أباك هو الذي قتل أباه.
علوان : وهل أبي قتل أباه حقًّا؟
عساكر : الله أعلم!
علوان : وما أصل هذه العداوة بين الأسرتَين؟!
عساكر : لا أدري … لا أحد يدري … هذا شيء قديم … كلُّ ما نعرف هو أنه دائمًا بيننا وبينهم دم.
علوان : قد يكون الأصل أن عِجْلةً لأجدادنا شربت ذات يوم من مروًى في غيط لأجدادهم!
عساكر : عِلم ذلك عند علَّام الغيوب! … كلُّ ما يعلم الناس هو أن بين العزايزة والطحاوية دماء تجري كالأنهار.
علوان : أنهار لا تروي الزراعة ولا الثمار!
عساكر (مستمرةً) : لم يقف لها جريان إلا بعد موت أبيك؛ لصغر سنك … وجرت الأعوام جافةً كأيام التحاريق … حتى همس الهامسون، وأرجف المُرجِفون … وأنا أتلوَّى على نار الغيظ وأكظم … انتظارًا لهذه الساعة … وها هي قد جاءت … فقم يا ابني وأطفئ ناري، وارْوِ غليلي من دم سويلم الطحاوي!
علوان : وهل لسويلم الطحاوي هذا ولد؟
عساكر : له ابن في الرابعة عشرة.
علوان : لن يبقى لي إذن في الحياة غير أربعة أعوام، أو خمسة!
عساكر : ماذا تقول؟
علوان (مستمرًّا) : إلى أن يشتدَّ ساعده فيصنع بي ما أصنع بأبيه!
عساكر : أتخاف على حياتك يا علوان؟!
علوان : وأنتِ يا أماه … ألا تخافين عليها؟!
عساكر : شهد الله كم أخاف على الشعرة التي في رأسك!
علوان : تحرصين على حياتي يا أماه؟!
عساكر : وهل لي حياة يا علوان إلَّا بحياتك؟! وهل للعزايزة حياة إلا بك؟! … إننا لا نعيش جميعًا إلَّا بأنفاسك منذ سبعة عشر عامًا.
علوان (مُطرِقًا) : نعم … فهمتُ.
عساكر : كم شعرنا بالمذلَّة وكم صبرنا على الضيم … فما يخطر لنا طيفك، حتى تنشط فينا الهمم وتقوى العزائم وتتلاقى نظراتنا على الأمل المعقود عليك!
علوان (مُطرِقًا كالمخاطِب نفسه) : حقًّا … لا بد لكم من حياتي.
عساكر : حتى مأتم أبيك في انتظارك يا علوان … وهذه الذبائح مُعَدَّة للنحر … وعويلي الذي حبستُه في حلقي طوال هذه الأعوام ينتظرك لينطلق … وقميصي الذي أمسكتُ عن شقِّه كلَّ هذا الزمن يترقَّبك ليُشَقَّ … كل شيء في وجودنا هامد راكد … يتطلع إليك لتدبَّ فيه الحياة.
علوان (كالمُخاطِب نفسه) : أهكذا تدُبُّ فيكم الحياة؟!
عساكر : نعم يا علوان … عجِّل بالساعة الموعودة … عجِّل؛ لقد انتظرناها طويلًا.
علوان (في عجبٍ) : الساعة الموعودة!
عساكر : ما من شيء نسيتُه … حتى الحجَر الذي سيُسَنُّ عليه السكين الصَّدِئ أحضرتُه لك وأخفيتُه في هذه الحجرة.
علوان : وكيف أعرف سويلم هذا وأنا لم أَرَه في حياتي؟
عساكر : صميدة يدلُّك عليه ويُريك مكانه.
علوان (ينظر إلى زيِّه) : وهل سأرتكب هذه الفِعلة وأنا بهذه الثياب؟!
عساكر : اخلع ثيابك هذه … عندي عباءة لأبيك … أحتفظ بها لك (تتجه إلى الحجرة الداخلية).
علوان (يستوقفها) : مهلًا يا أمي مهلًا … فيمَ الإسراع؟
عساكر : كلُّ نسمةٍ يستنشقها سويلم وأنت هنا منحةٌ منك له.
علوان : وأيُّ ضرر في ذلك؟
عساكر : إنها تؤخذ من أنفاسنا، وتُستقطَع من هنائنا … لقد مددنا له من حبال العمر، برغمنا، ما كاد يُلحِقنا نحن بالقبور … تأمَّل أمك يا علوان! … كنتُ في الشباب عند موت أبيك … انظر ماذا فَعَلَتْ بي هذه السنون؟! … لكأنَّها أربعون عامًا لا سبعة عشر! … غاض ماء الصبا، ووَهَن العظم، وما بقي لي من قوة غير الذاكرة التي لا يمكن أن تنسى، والقلب الذي لا يمكن أن يلين.
علوان (كالمُخاطِب نفسه) : نعم … ما أبهظَ ثمن الثأر على صاحب الدم!
عساكر (غير فاهمة) : ماذا تقول يا علوان؟!
علوان : أقول إن المنتقم الجبَّار كان بنا رحيمًا عندما أراد — تعالى — أن يحمل عنا هذا العبء بلا ثمن!
عساكر (بلهجة ارتياب) : ماذا تقصد؟
علوان : لا شيء يا أمي … لا شيء.
عساكر (حاسمة اللهجة) : اخلع ثيابك، وسأُحضِر لك العباءة، وأَسُنُّ لك بيدي السكين!
علوان : أليس هنا من مسجد قريب؟
عساكر : ما عندنا غير «زاوية» صغيرة بجوار كتَّاب الشيخ الإسناوي.
علوان (يتحرَّك) : سأذهب إليها لأصلي المغرب.
عساكر : الآن؟!
علوان : أظنُّ الشمس قد أوشكت على الغروب.
عساكر : أتريد أن يراك في المسجد كل أهل البلد؟!
علوان : إنها لخير فرصة تخدم غرضي!
عساكر (تُحملِق في وجهه) : أأنتَ مجنون يا علوان؟!
علوان (مستمرًّا) : هذا الاجتماع بأهل البلد هو لي من أهم الأمور … ألم أَقُل لكِ يا أمي الساعةَ إنِّي جئتُ لأمر عظيم؟
عساكر (كالمُتهكِّمة) : ما أظنُّكَ ستكشف لأهل البلد عمَّا جئتَ له؟!
علوان : لا بد من أن أُطلِع الجميع على هذا الأمر.
عساكر : علوان! … ابني! … ماذا أسمع منك؟! … أأنت جادٌّ! … أأنت في وعيك! … ماذا ستقول لهم؟!
علوان (كالحالم) : سأقول لهم ما جئتُ لأقول … إني طالما فكرتُ في بلدتي وأهل بلدتي على الرغم من اغترابي الطويل … هناك بعد الفراغ من دروس الأزهر؛ حيث يجتمع الزملاء، وتُقرَأ الصحف، ويُعاوِدنا الحنين إلى الأرض التي أنبتتنا، نُسائِل أنفسنا متلهِّفين: متى يعيش أهلنا في الريف كما يعيش الآدميون؛ في دُور نظيفة لا يؤاكلهم فيها الحيوان؟! ومتى تُعرَّش سقوفهم بغير أحطاب القطن والذرة، وتُطلَى جدرانهم بغير الطين وروث البهائم؟! متى يختفي «الزير» وتجري في الدور المياه النقية، وتذهب المِسرجَة وتضيء المصابيح الكهربائية؟! … أكثيرٌ هذا على أهلنا؟! أليس لأهلنا حقٌّ في الحياة مثل الآخرين؟!
عساكر (كمَن لم تفهم) : ما هذا الكلام يا علوان؟!
علوان : هذا ما يجب أن يعرفه أهل البلد … وواجبنا — نحن الذين تعلَّمنا في القاهرة — أن نُبصِّرهم بحقهم في الحياة … وليس بلوغ هذا المأرب بالصعب عليهم، إذا اتَّحدوا وتضافروا وتعاوَنوا على إنشاء مجلس منهم، يفرض الإتاوات على القادرين، وعلى تكوين فِرَق من الأشدَّاء، تنهض في أوقات الفراغ الطويلة هنا، بإقامة الجسور والمنشآت، بدلًا من إضاعتها في النفور والمشاحنات … لو جُمِعت هذه الكلمة، وبُذِلت هذه المهمَّة، لقامت هنا بلدة نموذجية … لن تلبث حتى تكون مثالًا يحتذي به كل بلاد القُطر.
عساكر : كلام القراءة والكتابة هذا تُسامر به فيما بعد الشيخ محمد الإسناوي، هو الذي يفهمه … أما الآن يا علوان فأمامنا ما هو أهمُّ من ذلك.
علوان (مصدومًا) : ما هو الذي أهمُّ من ذلك؟!
عساكر : نعم، دعك من الصلاة في الجامع الليلة؛ لئلَّا يفسد الأمر … صَلِّ هنا الليلة إذا شئتَ … قم واخلع ثيابك، وسأُحضِر لك من الزير ماءً تتوضأ، والبس العباءة ثم سُنَّ معي السكين!
علوان (مُطرِقًا هامسًا) : اللهمَّ رحمتك ورضوانك وغفرانك!
عساكر : ماذا تقول يا علوان؟!
علوان (يرفع رأسه) : أقول إنِّي ما جئتُ إلا لأُبصِر الحياة … وأحمل لكم الحياة.
عساكر : وهذا ما صبرنا الليالي ترقبًا له … سبعة عشر عامًا والعزايزة كلُّهم أموات … في انتظار مجيئك لتردَّ إليهم الحياة!
علوان (يُطرِق هامسًا) : ربَّاه! … ماذا أصنع مع هؤلاء؟!
عساكر : ما بالك يا علوان تُكثِر من الإطراق؟! انهض ولا تُضيِّع الوقت … انهض.
علوان (يرفع رأسه مُتشجِّعًا) : أمي … لن أقتل.
عساكر (تكتم ارتياعها) : ماذا أسمع؟!
علوان : لن أقتل.
عساكر (بصوتٍ أجشَّ) : دم أبيك!
علوان : أضعتموه أنتم بإخفائه عن الحكومة … القصاص لولي الأمر!
عساكر (بلا وعيٍ) : دم أبيك!
علوان : يدي لم تُخلَق لتُزهِق روحًا!
عساكر (شبه غائبة الصواب) : دم أبيك!
علوان (مرتاعًا لحالها) : أمي … ماذا أصابكِ؟ … أماه!
عساكر (كمَن لا ترى أحدًا أمامها) : دم أبيك … سبعة عشر عامًا … دم أبيك! … سبعة عشر عامًا!
علوان : هدِّئي روعك يا أمي … إنها حقًّا لصدمة … ولكن يجب أن تفهمي أني لست الرجل الذي يغتال بسكين!
عساكر (هامسةً كمَن أصابها مسٌّ) : سبعة عشر عامًا! … ثأر أبيك! … سبعة عشر عامًا!
علوان (كالمُخاطِب نفسه) : أعرف أنكِ احتملتِ وصبرتِ طويلًا يا أمي … لو كان صبركم هذا وقوة احتمالكم لهدف نافع، لأقمتم المعجزات! … لكن افهمي مني.
عساكر (في شبه حشرجة) : دم أبيك!
علوان (يُسرِع إليها مرتاعًا) : أمي … أمي … أمي!
عساكر (تُفيق قليلًا بين يديه) : من أنت؟!
علوان : ابنك علوان … ابنك!
عساكر (تفطن ثم تَصيح) : ابني؟! … ابني أنا؟! … لا، لا … أبدًا، أبدًا!
علوان (مأخوذًا) : أمي!
عساكر : لستُ أمكَ … ولا أعرفكَ … لم يخرج من بطني ولد … لم يخرج من بطني ولد!
علوان (مُتوسِّلًا) : افهمي مني يا أمي.
عساكر : اخرج من داري … لعنة الله عليك إلى يوم الدين! … اخرج من داري.
علوان : أمي!
عساكر (صائحةً) : اخرج من داري وإلَّا استنجدتُ بالرجال ليخرجوك … عندنا رجالنا … لم يَزَل في العزايزة رجال. أما أنت فلستَ منهم … اخرج، اخرج من داري!
علوان (يتناول حقيبته) : سأذهب إلى المحطة لأعود من حيث جئتُ … وأسأل الله أن تَسكُن نفسك الثائرة، وأراكِ قريبًا في القاهرة؛ لأُفهِّمك وجهة نظري، في جوٍّ هادئ بعيد … إلى اللقاء يا أمي!

(ينصرف تاركًا أمه عساكر في مكانها بلا حراك … ولا تمضي لحظة حتى يظهر صميدة مُطِلًّا برأسه من الباب الذي دفعه برفق.)

صميدة : أأنتِ التي كنتِ تصرخين يا خالة عساكر؟!
عساكر (بعزم وقد ثَابَتْ إلى رُشدها) : تعالَ يا صميدة!
صميدة (يلتفت حوله) : أين ابنك علوان؟
عساكر : ليس لي ابن … لم أُرزَق ولدًا!
صميدة : ماذا تقولين يا خالتي عساكر؟!
عساكر : لو كان لي ولد لأخذ بثأر أبيه!
صميدة (يبحث بعينه في المكان) : أين ذهب؟
عساكر : إلى المحطة … ليعود إلى القاهرة.
صميدة : صدقتْ أمي! … عندما رأته الساعة قالت ونحن خارجان: ليس هذا الأستاذ هو الذي سيقتل سويلم الطحاوي!
عساكر : ليت بطني قُطِّع تقطيعًا قبل أن يُخرِج إلى الدنيا مثل هذا الابن!
صميدة : هوِّني عليك يا خالتي … في العزايزة رجال!
عساكر : البركة فيك يا صميدة!
صميدة : ولد العم في مقام الابن.
عساكر : ولكن الابن حي … وهو الأَوْلى بدم أبيه … حي … حي يمشي بين الناس!
صميدة : هَبِي أنَّه قد مات.
عساكر : ليته مات حقًّا وهو صغير في بئر الساقية … ما كنا انتظرنا هذه السنين الطوال، نتجلب على جمر الغيظ المكتوم، ونترقَّب في غير طائل … ليته ميت! كنا عشنا بعذرنا، وما ارتدينا عارنا … ولكنه حي، وقد شاع في الناحية وذاع في الأسواق أنه حي … فيا للعيب ويا للخجل! … ويا للعار ويا للشَّنَار!
صميدة : هوِّني عليك يا خالة!
عساكر : كل شيء يهون إلا هذه الوصمة! … ما بعد هذه الوصمة عيش! … كيف أعيش في البلد وقد عرف الناس أن لي مثل هذا الولد؟! ما أكثر البصقات التي سوف تُقذَف من الأفواه كلما لُفِظ اسمه! … سوف نسمع الصيحات من كل جانب: «خيبة الله على بطن قذفه!» … هذا البطن! (تضرب بطنها بيدها ضربات شديدة جنونية) خيبة الله على هذا البطن! … سيسخر منه كل نساء البلدة … حتى الشوهاء والبلهاء والعاقر … هذا البطن، هذا البطن، هذا البطن!
صميدة (يحاول منعها) : يا خالة عساكر … لا تؤذي نفسك هكذا!
عساكر : هات السكين يا صميدة … أَبْقُرُه به!
صميدة : أُجُنِنتِ؟!
عساكر (صائحةً) : صميدة … أنت رجل؟!
صميدة (يُحملِق فيها) : ماذا تريدين؟
عساكر : ادرأ عن ابن عمك العار!
صميدة : علوان؟!
عساكر : وعن أمه … خالتك عساكر … ادرأ عنها العار!
صميدة : ماذا أعمل؟
عساكر (تتناول السكين من الخرج) : اقتُلْه بهذا السكين!
صميدة : أقتل مَن؟!
عساكر : علوان … أَغمِد هذا السكين في صدره!
صميدة : أقتلُ علوان … ابنك؟!
عساكر : نعم، اقتله … اجعله في الأموات.
صميدة : اعقلي يا خالة!
عساكر : افعل ذلك يا صميدة … من أجلي ومن أجله!
صميدة : من أجله؟!
عساكر : نعم، خير له ولي أن يُقال قُتل ومات من أن يُقال هرب من ثأر أبيه.
صميدة : ولد عمي!
عساكر : إذا كنتَ رجلًا يا صميدة فلا تدعه يفضح العزايزة … لن تستطيع بعد اليوم أن تمشي في الناس مِشية الرجال … سوف يتهامسون عليك ويضحكون منك في الأكمام، ويشيرون إليكَ في الأسواق، قائلين امرأة تستَّرت على امرأة!
صميدة (كالمُخاطِب نفسه) : امرأة؟!
عساكر : لو كان في الطحاوية مثل هذا الابن لما تركوه حيًّا ساعة من الزمان!
صميدة (كالمُخاطِب نفسه) : امرأة تستَّرت على امرأة!
عساكر : نعم، أنت! … إذا قبلتَ التغاضي عن ابن عمك بعد الذي حصل منه.
صميدة (مادًّا يده بعزم) : هاتي السكين!
عساكر (وهي تعطيه السكين) : خذ … بل انتظر حتى أغسل ما تجمَّد على حدِّه من الصدأ والدم!
صميدة (بعجلةٍ) : هاتي … قبل أن يُفلِت في قطار المغرب!
عساكر (تعطيه السكين بقوة وعزيمة) : خذ … وليَغسِلْ دمُه ما تجمَّد على النصل من دماء أبيه!
صميدة (وهو منصرف بالسكين) : إذا تمَّ قتله يا خالة فستسمعين صوتي يطلق بالأغنية من داير الناحية!

(ينصرف مسرعًا … وتبقى عساكر وحدها مُسمَّرة في الأرض كتمثال، جامدة النظرات كالغارقة في ذهول، إلى أن تظهر من الباب مبروكة حاملةً على رأسها إناءً.)

مبروكة (وهي تُنزِل الإناء من فوق رأسها) : ملوحة جئتُ بها للشيخ علوان!
عساكر (تلتفت ببطء) : البقية في حياتك يا مبروكة!
مبروكة : حياتك الباقية … فيمَن؟
عساكر : علوان!
مبروكة : ابنك؟!
عساكر : ليس الآن ابني … بل ابن التراب!
مبروكة : ما هذا الذي تقولين يا عساكر؟! لقد تركتُه معك منذ قليل … أين هو؟
عساكر : ذهب إلى المحطة ليعود من حيث جاء، هاربًا من ثأر أبيه!
مبروكة (مُطرِقةً) : هذا ما حدَّثني به قلبي!
عساكر : صدق فالُكِ يا مبروكة!
مبروكة : ليته ما حضر!
عساكر : سبعة عشر عامًا ونحن ننتظر!
مبروكة : وفي كل عام منها تقولين قد كبر … كأنه نبت ذرة، تقيسينه كل يوم بالشبر … حتى إذا ترعرع وطال نضج كوزه، نزعتِ غلافه فوجدتِه خاليًا من الحَبِّ والثمر!
عساكر : لو أنه كان نبتًا فارغًا لهان الخطب … فما كنَّا ننتظر منه غنمًا لنا، ولكننا كنَّا ننتظر منه ردًّا لكرامتنا … لطالما فخرتُ به يا مبروكة في نفسي … وفاخرتُ به أمامك … وحسبتُ أني أنجبتُ الولد الذي سيغسل شرف الأسرة … وإذا ابني أنا الذي ولدتُه وأخفيتُه كما يُخفَى الكنز في «الزلعة»، ليس غير وصمةٍ أصابت شجرتنا، كما تُصيب اللطعة شجرة القطن … ألف رحمة عليك يا زوجي المُهدَر الدم! … لقد خلفتُ لك الابن الذي يُشمِت خصومك وتَقَرُّ به أعين أعدائك!
مبروكة : يا فضيحة العزايزة!
عساكر : لو بقي حيًّا … ولكنه بعد قليل يُوارَى التراب!
مبروكة (تتلفَّت فجأةً) : أين صميدة؟
عساكر (تُرهِف الأذن لصوت صفيرٍ) : صه … هذا قطار المغرب يدخل المحطة!
مبروكة : أين صميدة يا عساكر؟!
عساكر (وهي تُرهِف الأذن) : اسكتي، اسكتي … الآن في هذه الساعة، في هذه الساعة؟
مبروكة (بدهشةٍ) : ماذا في هذه الساعة؟!
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها) : أتُرى القطار قد خطفه؟ … أم الذي خطفه …
مبروكة : ما دام قد ذهب إلى المحطة كما قلتِ، فلا بد أنه قد ركب القطار، ولن تُجدِي كلُّ دعوات الهلاك هذه التي تصبِّينها عليه!
عساكر : أتظنِّين حقًّا يا مبروكة أنه ركب القطار؟
مبروكة : وما الذي يكون قد منعه؟
عساكر (بدون وعيٍ) : صميدة!
مبروكة : صميدة؟! … أذَهَبَ خلفه ليمنعه من السفر؟!
عساكر : نعم.
مبروكة : متى ذهب؟
عساكر : قبل مجيئك بقليل.
مبروكة : ما أظنُّه سيلحق به.
عساكر (تتنفَّس) : أتعتقدين يا مبروكة؟
مبروكة : إلَّا إذا جرى وركض.
عساكر (تُرهِف الأذن لصفيرٍ) : ها هو القطار يُغادِر المحطة.
مبروكة (تُحملِق فيها) : ما لك يا عساكر؟! ما لوجهك قد اصفرَّ؟!
عساكر : بماذا يُحدِّثكِ قلبكِ يا مبروكة؟!
مبروكة : يُحدِّثني قلبي بأنه ذهب.
عساكر : ذهب … ذهب أين؟
مبروكة : من حيث جاء.
عساكر (مُحملِقةً) : ماذا تقصدين؟!
مبروكة (وهي تراقبها) : ما لصدرك يا عساكر يعلو ويهبط؟!
عساكر (تهمس زائغة البصر) : ذهب من حيث جاء؟
مبروكة : أما زلتِ يا عساكر تُؤمِّلين فيه خيرًا؟
عساكر : لا.
مبروكة : اعتبريه كأن لم يكن.
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها) : نعم … موته أستَرُ من حياته!
مبروكة : احمدي الله أنه بعيد.
عساكر (كمَن تُسائِل نفسها) : أهو الآن في القطار؟
مبروكة : من يدري؟ … ربما استطاع صميدة أن يلحق به، وأن يَثنيَه عن السفر، وأن يعود به الآن.
عساكر (كالحالمة) : يعود به الآن؟
مبروكة : ولِمَ لا؟ … إن صميدة إذا أطلق ساقَيه للريح فلن يفوته القطار.
عساكر (في همسٍ) : سيلحق به؟
مبروكة : وقد لا يمضي قليل حتى نراهما قد جاءا مرة أخرى معًا.
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها) : لا … هذه المرة لن يجيء صميدة إلَّا وحده!
مبروكة (وهي تراقبها بقلقٍ) : وجهك يا عساكر يُخيفني؟
عساكر (تُرهِف الأذن) : صه … اسمعي، اسمعي … ألَا تسمعين شيئًا؟
مبروكة : لا … ماذا تريدين أن أسمع؟!
عساكر : غناء!
مبروكة (تصغي) : لا … لا أسمع غناء.
عساكر (وهي تتنفَّس) : ولا أنا.
مبروكة : أقال لك صميدة إنه سيغني؟!
عساكر (كالمُخاطِبة نفسها في قلقٍ) : لعلَّه لم يصل بعدُ إلى داير الناحية!
مبروكة : في ظنِّي أنه وصل.
عساكر (وهي تتنفَّس) : وصل إلى داير الناحية ولم يُغَنِّ!
مبروكة : ما لوجهك يا عساكر قد تورَّد!
عساكر (هامسةً) : لم يلحق به.
مبروكة : تُفضِّلين يا عساكر ألَّا يعود، وأن يحمله قطاره بعيدًا عن هذه البلدة؟! … أنا أيضًا معك … أُفضِّل له العودة إلى قاهرته وشيوخه وأترابه … فما هو منا الآن وما نحن منه! … ولقد أحسن صنعًا بالإسراع إلى تركنا قبل أن يختلط به أهل البلد ويعرفوا من أمره ما عرفنا.

(عساكر مُصغِيةً إلى صوتٍ بعيد …!)

مبروكة (تلتفت إليها) : أذنكِ ليست معي يا عساكر … ألستُ أقول حقًّا؟!
عساكر (بصوت أجشَّ مُروِّعٍ) : لا … لا أسمع شيئًا!
مبروكة (مُصغِيةً) : بل هذا صميدة يغني! (تلتفت مذعورةً إلى عساكر التي تبلورت عيناها) … عساكر، عساكر … ماذا أصابكِ؟ … إنكِ تخيفينني!
صميدة (يُغنِّي من الخارج باللهجة الصعيدية) :
يا خل كم عذر
جدَّمنا إليك والتوب
لومك لمَّا زاد
مزَّجنا الجميص والتوب
أنا لمَّا سمعت بالأب
خجلي ما بجيش وصفه
وعيني الاتنين صبوا
على الخدين وصفوا
عساكر (تتجلَّد بقوةٍ حتى لا تنهار، ولكنَّ صيحةً خافتةً مكتومةً كالحشرجة تُفلِت منها) : ولدي!
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦