منشأ الماسونية

للمؤرخين في منشأ هذه الجمعية أقوال متضاربة، فمن قائلٍ بحداثتها، فهي على قوله لم تدرك ما وراء القرن الثامن عشر بعد الميلاد، ومنهم مَن سار بها إلى ما وراء ذلك، فقال إنها نشأت من جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة ١٦١٦ب.م ومنهم مَن أوصلها إلى الحروب الصليبية. وآخرون تتبعوها إلى أيام اليونان من الجيل الثامن قبل الميلاد، ومنهم مَن قال إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة تقول إن منشأ هذه الجمعية أقدم من ذلك كثيرًا، فأوصلوها إلى الكهانة المصرية والهندية وغيرها. وبالَغَ آخرون في أن مؤسسها آدم، والأبلغ من ذلك قول بعضهم إن الله سبحانه وتعالى أسَّسها في جنة عدن، وإن الجنة كانت أول محفل ماسوني، وميخائيل رئيس الملائكة كان أول أستاذ أعظم فيه. إلى غير ذلك من الأقوال المبنية على مجرد الوهم.

والسبب في تفاوت هذه الأقوال وتضاربها طموس التاريخ الماسوني قبل القرون المتأخرة؛ لأن الماسونية كما لا يخفى جمعية سرية، ونظرًا لما كان يتهددها من الاضطهادات المتواترة في الأجيال المظلمة وغيرها، كانت تبالغ في إخفاء أوراقها إخفاءً، ربما لا يعود يتيسَّر معه لمَن يبقى حيًّا بعد الاضطهاد أن يكتشفها، هذا إذا لم يعثر عليها المضطهدون ويعدموها حرقًا.

ولكنهم نهضوا مؤخرًا إلى جمع تاريخ هذه الجمعية، فعثروا على أوراق قديمة العهد أمكنهم الاستدلال منها ومن غيرها — مع ما هو محفوظ في أعمالها الحاضرة من التقاليد — أن يتوصلوا على سُبُلٍ مختلفة إلى إتمامه، على أنهم مع ذلك لا يزالون في تضارب من حيث منشؤها على ما تقدَّمَ.

ولكلٍّ منهم أدلة على صحة رأيه لا نرى لها محلًّا هنا، فضلًا عن أنها لا تأتي بفائدة إذا ذكرناها. وقد طالعت جميع هذه الآراء بالتمعُّن الممكن، وقابلت أدلتها من غثٍّ وسمين مستعينًا بالاستدلال والاستقراء، مع مراعاة النصوص التاريخية غير الماسونية من قديم وحديث، فوصلت إلى نتيجة أشرحها للقارئ على ما يأتي، وأظنها أقرب إلى الحقيقة، والله الموفِّق إلى الصواب.

وجد الإنسان على سطح هذه الكرة عرضة للعوامل الكثيرة المحيطة به، والمؤثرة على طبيعته تأثيرات تختلف نوعًا ومقدارًا باختلاف الزمان والمكان؛ فنتج من ذلك اختلاف الأفراد بالقوة بدنًا وعقلًا، فامتاز بعضهم بالقوة العقلية، وبعضهم بالقوة البدنية، وامتاز آخرون بالقوة البدنية والعقلية معًا.

ولما كان للإنسان احتياجات لا مفرَّ له من السعي وراءها، مع ما طُبِع عليه من حب الأثرة والسيادة، التجأ الضعيف إلى القوي يستنصره أو يستجير به أو يستشيره في حاجاته، فحصل الاجتماع الإنساني على أبسط حالاته.

والإنسان على فِطْرته ميَّال للبحث عن أصل الموجودات وتعليل الحوادث. وأول حادث استوقف تصوراته تَوَالِي الليل والنهار؛ فكان يراقب الشمس وهي تسير من الشرق إلى الغرب، ثم تتوارى وراء الأفق، ثم تعود فتظهر في الغد، ثم تسير فتتوارى كالأمس، ثم تعود فتشرق وتتوارى على الدوام، وكان ينظر إلى الأجرام السماوية وكثرة عددها نظر الاندهاش. وكان في أشهر الربيع يرى الطبيعة مكسوة حلة كثيرة الألوان، تبهج النظر وتشرح الصدر، والأثمار كثيرة والأعشاب يانعة، ثم إذا جاء الشتاء تمر عليه أشهر والسماء مطبقة ليلًا ونهارًا والمطر يتساقط مدرارًا، فيمنعه من الجولان سعيًا وراء رِزْقه، ثم ربما رافق ذلك بروق ورعود وصواعق، فكان ينذعر، وربما فَرَّ من أمام البرق خشية أن يخطف أبصاره، ومن الرعد لئلا يكون جبلًا منقضًّا عليه من أعالي الجو فيسحقه، ويجعل أصابعه في آذانه من الصواعق، ويهرول طالبًا ملجأ في الكهوف والمغر. وهو إذ ذاك في ظلمات من الجهل لا تزيده إلا اضطرابًا ودهشة؛ فأجهد فكرته يطلب تعليلًا لذلك جريًا على ما فُطِر عليه من حبِّ البحث، فشاور كبيره وعاقله فأجمعوا على أن للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية قوة وسلطة، وهي التي تبعث الأمطار، وتنبت الأثمار، وترسل البرق الذي يخطف الأبصار، ثم تتبعه بالرعد والصواعق إرهابًا وتهديدًا؛ فعبدوها وتديَّنوا لها على أساليب تفوق الحصر، والشورى في ذلك والرأي لكبارهم وعاقليهم.

ومعلوم أن تسلُّط الفئة العاقلة وانقياد الفئة الجاهلة إليها من النواميس الطبيعية المقررة.

فانتشرت هذه العبادة بين أولئك القوم وامتدت إلى نسلهم، فمرت بهم أجيال وهم يضيفون إليها ويحورونها طبقًا لما اختبروه من حوادث يومهم وأمسهم. وكان يرافق كل ذلك تقدُّمٌ في هيئتهم الاجتماعية على مقتضيات بيئاتهم، فوُجِدت بينهم العلوم والصنائع، فأقيم عليهم نوع من الحكومة تدبِّر أعمالهم. كل ذلك بتدبير تلك الفئة العاقلة، فوصلوا إلى ما ندعوه بالقبائل، حتى إذا تمصروا وانتظمت هيئتهم وارتقت أفكارهم فكَّروا في أمر ما كانوا يعبدون، فرأت تلك الفئة العاقلة أن تعبُّدَهم لتلك الأجرام المنظورة ضربٌ من العبث، فأجهدوا الفكرة فاهتدوا إلى عبادة الإله غير المنظور. على أنهم لم يستطيعوا تصوره إلا بعد أن استنارت عقولهم بالعلم والاختبار، فأصبحوا إذا أرادوا إفهام العامة شيئًا من ذلك لا يستطيعون، فلم يتحول هؤلاء عما كانوا يعبدون.

فالأمة في هذه الحال كانت مؤلَّفة من فئتين كبيرتين تحتهما فئات كثيرة، الفئة الواحدة وهي التي بيدها زمام البلاد دينيًّا وسياسيًّا وعلميًّا وصناعيًّا، وهم جماعة الحكام والكهنة، وقد تكونان الكهنة والجنود فقط، والفئة الأخرى باقي الشعب من فعلة وخدمة ورعاة وباعة وتراجمة وملاحين، فقد كان في يد هذه الفئة العاقلة جميع علوم ذلك العصر ومعارفه وصنائعه، من بناء وفلك ورياضيات وطب وموسيقى وفلسفة أدبية ودينية وغيرها، وكانت لا تسمح بتعليمها إلا لمَن تختبر فيه اللياقة والمقدرة على اكتسابها واستعمالها، ووضعوا لانتقاء اللائقين من الراغبين شروطًا وقوانين بالغوا في المحافظة عليها.

ذلك كان شأن الأمم التي تمدنت قديمًا في مصر والهند وآشور وفينيقية وسوريا واليونان وغيرها، فكانت فيها تلك الفئات من الفلاسفة تُدعَى غالبًا بالكهنة وعلومهم بأسرار الكهانة. وكان بين طرق تعليمهم وشروط قبول الراغبين في الاشتراك معهم من المشابهة، ما يحمل على القول بوحدة أصلهم أو بتفرُّع جمعياتهم بعضها من بعض.

وإيضاحًا لما سيجيء لا بد لنا من ذِكْر شيء عن أحوال تلك الجمعيات، كل منها على حدة، فنقول …

الكهانة المصرية

قال هيرودوتس المؤرخ المشهور: إن مصر قبل دخول تعاليم إيزيس وأوزيريس إليها كانت من الهمجية والتوحش على غاية، أما بعدها فسَادَ فيها النظام، وازدهت بالعلم والفضيلة، وارتقت في الدين والشرائع، ولا يخفى أن عهد هذين الإلهين وراء التاريخ المصري القديم بأزمان.

ويستفاد من المصادر التاريخية القديمة أنه كان في مصر عند إبَّان تمدُّنها جمعية سرية تُدعَى «جمعية إيزيس السرية»، وكانت ذائعة الصيت في سائر أنحاء العالم، وكان يقصدها الطالبون من أنحاء شتى، ولم يكن يُقبَل فيها إلا مَن عُلِم عنه — بعد التحرِّي التام والشهادات الحسنة — أنه أهلٌ لنوال تلك الأسرار الثمينة. وليس ذلك فقط، فإنهم كانوا يسومونه عند القَبول مشقات عظيمة تختلف بين تخويف وتهديد؛ حتى إذا جازها بثبات قالوا إنه تغلَّبَ على الشر فيلقِّنونه الأسرار. وكيفية ذلك أنهم كانوا يأتون بالطالب بعد الإقرار على قبوله، فيمرون به على امتحانات شتى، ثم يوقفونه أمام أحد الكهنة المدعوِّ أوزيريس (وهو عندهم نائب الإله أوزيريس) جالسًا على كرسي مرتفع، وبإحدى يديه سوط وبالأخرى عقافة١ رمزًا عن العدالة والإحسان، فيقف الطالب جزعًا من هول الموقف، فيسألونه عن سيرة حياته، وكل ما عمله وكابده ويدققون عليه كثيرًا، فإذا لم يروا في سيرته ما يمنع إتمام قَبوله يسلمونه إلى قائد متنكر، على رأسه غطاء كرأس الكلب يسير به في أتياهٍ من الطرق تغشاها الظلمات، إلى أن يصل إلى مجرى من الماء، فيقف به وفي يده كأس فيه ماء، ويخاطب الطالب قائلًا: «أيها الراغب في مؤاخاتنا، الساعي وراء السداد الأعلى، هذا هو ماء النسيان تجرعه يُنْسِكَ جميع ما مرَّ بك من الأدناس والنقائض، فتصير أهلًا لاقتبال الفضيلة والحق والصلاح التي ستتشرف بنوالها الآن.» فيشرب، ثم يتقدم به إلى أماكن أشد ظلامًا وإرهابًا من ذي قبلُ، فيزيد وجلًا، ثم ينبثق النور بغتةً، وينسم الهواء المنعش مضوعًا بالروائح العطرية، ثم يسمع الترنيمات الموسيقية المطربة تضرب نغم الانتصار؛ إشارةً إلى انتصاره على تلك التجارب المهولة، ثم يُلقَّن الأسرار المقدسة وتُتلَى عليه العلوم والمعارف، ويُحسَب من ذلك الحين في عداد سعاة الكمال، ثم يرقى في سلك تلك الجمعية بموجب دستورها.

مجمع الإلوسينيا

نشأ في تراسيا (اليوم بلغاريا وروملي) نحو الجيل الرابع عشر قبل المسيح، ومؤسسه أورفيوس التراسي، وكان من عائلة ملوكية وذا قوى عاقلة شديدة مع عزمٍ وثبات، تلقَّنَ العلم في الجمعية الإيزيسية السرية في مصر، واختلط بسائر طبقات البشر إتمامًا لاختباره، ولما عاد إلى بلاده جعل يعلِّم أبناء وطنه، وكانوا على جانب من الهمجية، فطفق يخطب في الأسواق ويعلم جهارًا في الأحراش والجبال على الجماهير الكبيرة ويحثهم على الفضيلة. ويقال إن هذا الرجل العظيم هو المؤسس الأول للتمدُّن اليوناني، ثم بعد وفاة أورفيوس رأى تلامذته ومَن كان على دعوته أن يجعلوا تعليمهم الشعب على أسلوب الجمعية الإيزيسية، فبنوا لهم مجمعًا في إلوسيس من أعمال اليونان دعَوه «مجمع إلوسينيا». وقد اشتهر هذا المجمع في تلك الأعصر بالعلم والصناعة والفلسفة على أنواعها، وكانت تُلقَّن فيه العلوم سرًّا، ولم يكن يُقبَل في سلك هذا المجمع إلا المنتخبون والذين يُجمَع على أنهم لائقون، فإذا أقروا على قَبول طالبٍ يغمون عينيه جيدًا ثم يقودونه في طرق معوجة، فيخال له أنه صاعد متلمسًا على آكام، وكأن تحت أرجله أرضًا وعرة تخدش أخمصيه، ثم يتراءى له أنه منحدر في منحدرات من الأرض تنتهي بأودية أو أحراش غضة يعسر المرور فيها، ثم يسمع أصواتًا مرعبة يخال له أنها زئير أسود وفحيح أفاعي. ولا يزال يشعر بمثل ذلك حتى يأتي على نهاية الطواف الأول، فيُرفَع الحجاب عن عينيه، فيشاهد أمامه ما لا يزيده إلا اضطرابًا؛ إذ يرى أرضًا قفرًا مُظلِمة يضيء فيها قبس ضعيف النور يزيدها رهبة، ويرى حوله أسرابًا من الوحوش الضارية من أسود ونمور وضباع وثعابين تتهدده، وكأنها تهمُّ للوثوب عليه، ثم يرى برقًا ويسمع أصوات الرعود القاصفة، ويشعر بالزلازل والعواصف الشديدة، فيخال أن السماء ساقطة على الأرض، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وبينما هو في تلك المشاهد المرعبة لا يبدي حراكًا، يرى أمامه بابًا كبيرًا من الحديد مكتوبًا عليه ما معناه: «إن الذين يبغون منتهى الكمال وأعالي البركة لا بد لهم من تطهير أنفسهم بالنار والهواء والماء.» ولم يكد يقرأ هذه الكلمات حتى ينفتح الباب بغتة، فيدخل ذلك الطالب إلى متسع من البناء مظلم لا يسمع فيه إلا تأوهات وزفرات وأنين، كأنما هناك مئات من البشر يتوجعون لعذابات أليمة يقاسونها. وبينما هو في اضطراب من هول ذلك الموقف، لا يدري إذا كان ما يراه حقيقة أم حلمًا، يُفتَح من على يمينه بابان من الحديد كبيران، تنبعث منهما مجارٍ من الهواء حارة، كأنها صاعدة من الحميم، ترافقها لهب عظيمة تكاد تخطف بصره ثم يُغلَقان بغتة، ثم يلتفت إلى ورائه فيرى هوَّة لا قرار لها، تنبعث منها ريح سموم ترافقها أصواتُ توجُّعٍ ينفطر لها القلب، وإذا أمعن نظره في قرار تلك الهوَّة يشاهد الخطاة المتوجعين يقاسون ألوان العذاب، ثم يرى من على يساره بحيرة تغشاها الغيوم، تتطهر فيها الأنفس التي خطاياها لا تستوجب التطهير بالنار أو الهواء.

وبعد تلك المشاهد المرعبة يقاد الطالب إلى الدرجة الثالثة من الامتحانات، فيُفتَح أمامه بابٌ آخَر من الحديد فيدخله وقائده، فيسمع صوتًا مرعبًا وكلمات كأنها قصف الرعد، فيقف لاستماعها، وإذا هي: «هأنذا أُطلِع هذا الأجنبي على سرٍّ من أسرارنا، فأَصْغِ إليَّ يا نسل سيلانا، فإني أتلو عليك حقائق مهمة.» ثم يوجه الخطاب إلى الطالب قائلًا: «انظر إلى الطبيعة الإلهية، إلى الصمد الأعلى، تأمَّلْه بلا انقطاع، اقْمَعْ نفسك وطهِّرْ قلبك، وإذا مررت في طرق العدالة ومأمن الحق أعجبْ بمدبِّر الكائنات، ذلك الفرد الكائن بذاته الذي قد وهب الحياة لكل الأحياء.»

ولما يتم القائل كلامه ينقلب المنظر من الرعب إلى الأمن، فيظهر النور، فيرى الطالب كل ما يستدعي تسكين جأشه، ثم يقاد إلى رجل جالس على مرتفع يراد به رئيس ذلك المجمع، فيلقِّنه الأسرار وحوله ٢٤ رجلًا في لباس أبيض يرتلون التراتيل المقدسة.

مجمع الكبراء

يظهر أن منشأ هذا المجمع قديم العهد جدًّا، وتعاليمه كانت منتشرة في سائر المدن القديمة كفينيقية والهند ومصر وسوريا واليونان وغيرها، حتى قيل إنها أصلٌ لجميع تعاليم المجامع السرية القديمة في العالم، ولا يجتمعون إلا ليلًا.

فالذي يقرُّون على إدخاله بينهم كانوا يمتحنونه امتحانات شبيهة بالامتحانات المتقدم ذكرها. وكان على الطالب أيضًا عند الإقرار على قبوله أن يغتسل أولًا بالماء والدم، ثم يقدِّم ثورًا أو كبشًا ضحية، ثم يتقدم إلى الامتحانات المرعبة، وبعد ذلك يُلقَّن التعاليم السرية، ثم يُعمَّد بالماء كما يفعل المسيحيون، ويُعطَى اسمًا جديدًا منقوشًا مع علامة أخرى رمزية على حجر أبيض صغير، فيحفظه الطالب كطلسم مقدَّس وينقله معه إلى حيث توجَّهَ؛ إشارةً إلى كونه عضوًا في ذلك المجمع، فيعرفه سائر الأعضاء في سائر الأنحاء ويعاملونه معاملة الأخ.

وقد كانت تعاليم هذا المجمع منتشرة في سائر مدن سوريا، ولا ريب أن حيرام ملك صور كان أحد كبار الكهنة فيها.

وقد كانت هذه التعاليم معروفة في أيام المسيح في اليهودية؛ ولذلك نرى في رؤيا يوحنا اللاهوتي، الإصحاح الثاني عدد ١٧، ما يشير إلى شيء من ذلك حيث يقول: «مَن له أُذُن فَلْيسمع ما يقوله الروح للكنائس. مَن يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن الخفي، وأهبه حصاة بيضاء منقوشًا عليها اسم جديد لا يعرفه أحدٌ غير الذي يأخذه.»

وكانت تُعرَف هذه الجمعية في ذلك العهد باسم طائفة الأسينيين، وقد ذكرها يوسيفوس مطولًا وذكر كثيرًا من تعاليمها ومبادئها. ولا نعلم ما الداعي لإغفال السيد المسيح ذِكْرها مطلقًا، مع أنه تكلَّمَ كثيرًا عن طائفتي الصديقيين والفريسيين المعاصرتين لها.

ومن تعاليم هذه الجمعية ومبادئها الانقطاعُ عن الملذات، وقمع الشهوات، والتقشُّف في العيش وكره الغنى، والمساواة في الأرزاق والممتلكات، وأعضاؤها لا يستقرون في سكن، فقد يسكن الواحد في مدن كثيرة. وإذا اجتاز أحدهم من بلد إلى آخَر يلاقي حيث توجَّهَ من أبناء جمعيته من يكون له أخًا مساعدًا ونصيرًا، ولذلك لا يحملون في أسفارهم شيئًا من احتياجاتهم إلا الأسلحة لدفع الأعداء إذا باغتوهم، فأقاموا في كل مدينة مَن يعتني بمسافريهم ويدبِّر لهم ما يحتاجون إليه من حاجيات العيش والنقل، وكانوا إذا لبسوا لباسًا لا يغيِّرونه إلا متى فني من الاستعمال. والبيع ممنوع بينهم، فإذا احتاج أحدهم ما بيَدِ الآخَر يأخذه منه عفوًا. وهم شديدو التورع في الدين إلى ما يفوق التصديق، ففي الصباح لا يذكرون شيئًا من حطام هذه الدنيا؛ لأن ذلك رجس في اعتقادهم، لكنهم يتلون من الصلوات ما كانوا تعلَّموه من أجدادهم، فإذا كان الضحى يذهب كلٌّ منهم إلى عمله، فإذا كانت الساعة الخامسة يجتمعون مرتدين بألبسة بيضاء للاغتسال بالماء البارد، وبعد الاغتسال يلتئمون في منتدى خاص بهم لا يُسمَح لأحد من الخوارج الدخول إليه، فإذا كان العشاء همُّوا إلى العشاء وتناولوا الطعام بعد أن يباركه أحد كهنتهم.

وكانوا معروفين بالأمانة، ويعتبرون القَسَمَ شرًّا من الجريمة؛ لاعتقادهم أن مَن لا يركن لقوله بغير قَسَمٍ يستوجب القصاص.

وهناك مجامع كثيرة كانت تبث تعاليمها ومبادئها سرًّا على الأساليب المتقدم ذكرها منها.

تعاليم فيثاغورس

الذي عاش في الجيل السادس قبل المسيح. أخذ العلم عن الكهنة المصريين في الجمعية الإيزيسية السرية، ومن سحرة وعلماء الكلدانيين، ومن جمعية الكبراء المتقدم ذكرها في فينيقية، وزار لهذه الغاية أيضًا اليهودية وسوريا وكريت وسبارطا والسي وفليوس، ثم عاد إلى وطنه ساموس من أعمال اليونان، ونظَّم مجمعًا لتعليم العلوم والآداب التي اكتسبها في تلك السياحة الطويلة، وجعل طريقة تعليمه على مثال سائر المجامع، وكان على الطالب قبل التقدم إلى الامتحان أن ينقطع عن الكلام من سنتين إلى خمس سنوات. ثم انتقل فيثاغورس إلى كروتونا وجعل يبث تعاليمه هناك، ومنها امتدت إلى أنحاء شتى من العالم، فغيَّرت فيه ورقَّته إلى أوج من العمران. ومن العلوم التي كان يعلِّمها فيثاغورس الرياضيات والموسيقى والفلك والفلسفة واللاهوت وعلم الإنسان.

ومن أمثال ما تقدم:

تعاليم الإسكندينافيين وجمعياتهم السرية

نشأت هذه التعاليم نحو سنة ٥٠ قبل الميلاد في حدود آسيا الغربية، وانتشرت إلى أنحاء أوروبا، فغيَّرت هيئتها الاجتماعية، وكانت مصدرًا لتمدُّنها بعد ذلك بأجيال.

وكيفية نشوئها أن دولة الروم بعثت جيشًا في الجيل الأول قبل الميلاد لمحاربة الملك ميتريداتس الذي لم يَبْقَ غيره من ملوك أوروبا على غير دعوة الروم، وكان قد التجأ إلى أحراش سكيثيا والتف حوله كثير من القبائل البدوية؛ ظنًّا منه أنهم يقوون على نجدته في محاربة الروم، لكنه بعد الامتحان تحقَّق خيبة الأمل ووقع هو ومن معه في سلطة الروم، فأخذ الروم بعضًا من جيش عدوهم يستخدمونهم في قضاء حاجاتهم، وكان في عداد أولئك أحد عظماء الكهنة المدعو أودن «واسمه الحقيقي سيغ»، فكان يكابد من مشاق الذل ما كان يثير منه حب الموت ويكرهه بالحياة، على أنه كان كاظمًا غيظه صابرًا لبلواه، لولا أن قائد الجيش الرومي لم يصفعه مرة، فإنه عند ذلك لم يَعُدْ يستطيع الصبر على الذل، فهاجت فيه خواطر حملته على احتمال المخاطر في سبيل الانتقام؛ ففر من خدمة الجيش وهام على وجهه في القفار، ثم جعل ينتقل من أمة إلى أمة يبث تعاليمه بينهم، وكان فصيحًا بليغًا وحازمًا حكيمًا، فانقادت جميع الشعوب إلى تعاليمه، فكبرت أحزابه ولُقِّبَ حينئذٍ بأودن، وهو اسم إله التيوتينيين في ذلك العهد، وكان مقامه في مدينة تُدعَى اسغار بجوار بحر قزيين، ومنها امتدت سطوته إلى أوروبا شمالًا وغربًا، فأخضع جميع مَن مَرَّ به من الأمم وأقام عليها نوَّابًا من بنيه.

ثم سار إلى إسكندينافيا مارًّا في سيمبريا، وتُدعَى الآن هولستين، فأخضعها وأخضع كثيرًا غيرها حتى انتشرت سلطته على كل الشمال، فعهد أمور الملك لأولاده بعد أن وضع لهم قوانين جديدة وحوَّر القوانين القديمة، وانقطع هو إلى التعاليم السرية المقدَّسة، ولم تَمْضِ مدة حتى انتشرت هذه التعاليم في سائر أنحاء إسكندينافيا، ودخل في عداد تلامذته جميع عظماء وحكما تلك البلاد، فدخلت تلك الأنحاء في دور جديد من التمدن.

وكان يُشترَط على الطالب شروط تشبه شروط الجمعيات المتقدم ذكرها، ومتى قُبِل يُلقَّن العلوم والمعارف على سبيل الاستجواب.

وتفرَّع عن هذه الجمعية جمعيات أخرى زادتها انتشارًا، وكان من ضمن تعاليمها وجوب الوجود وخلود النفس. واشتهر بعض هذه الجمعيات بعدم خوفها من الموت، فإن أعضاءها كانوا يستقبلونه بترحاب.

جماعة الهرمنداد في إسبانيا

نشأت هذه الجمعية في كستيل وليون سنة ١٢٩٥ بعد الميلاد، وكانت غايتها التعاون على اتقاء مظالم الحكام في ذلك العهد ومقاومة العسف والعتوِّ، ففازت وانتشرت مبادئها هذه واستنارت البلاد بها، وكانت وثيقة الارتباط بين أعضائها يدافعون بعضهم عن بعض ما استطاعوا، فإذا شكى أحدهم ظلمًا لا ينفكون عن الظالم حتى يقتصوا منه ضعف ما ارتكب. وعظم شأن هذه الجمعية حتى أيام فرنديناد وإيزابلَّا من ملوك إسبانيا، فاعتنى الملوك برعايتها، فتحوَّل اهتمامها إلى تنظيم البلاد وحِفْظ النظام فيها، فكانت أقوى نصير للحكومة.

ومن أمثال هذه الجمعيات السرية القديمة كثير في العالم، ووجودها في مقدمة كل تمدُّن قديم وحديث دليل على شدة احتياج البشر إليها، فانتشار العلم والفضيلة على طريق الجمعيات السرية أمر طبيعي، والبشر منقادون إليه بالفطرة.

ومن العناية أن هذه الجمعيات تظهر في كل عصر بما يحتاج إليه ذلك العصر من الدين والعلم والصناعة، فارتقاء الهيئة الاجتماعية تابع لارتقائها، وهي دعامة العمران حيث وُجِد.

ولا نظن أحدًا يجادلنا في احتياج البشر لمثل هذه الجمعيات السرية، وفي أن العلم لا ينمو وينتشر إلا بواسطتها، على أننا لا نحتاج إلى شديد عناء في إقناعهم إذا أصروا على الجدال؛ كيف لا وإن مِن أشهر الأديان الحديثة المتدينة لها أكبر دول الأعصر الأخيرة ما لم يَنْمُ وينتشر إلا باتباعه خطة تلكم الجماعات من التعاليم والتبشير سرًّا، مع الاحتراس والتشديد في انتقاء مَن رغب الالتحاق بها.

الديانة المسيحية

هذه الديانة المسيحية — ولا نزيدكم علمًا بشأنها — من هيئتنا الاجتماعية الحاضرة، فإنها لم تتأيد دعوتها إلا بما اتبعته من طُرُق التعليم السري، فقد كانت في بادئ نشأتها أشبه بإحدى الجمعيات السرية التي سبقتها، ولم تكن تسلِّم أسرارها إلا لمَن يطلبها، ويبرهن على شدة رغبته في الحصول عليها، وعلى صدق نيته بها وطاهر إخلاصه في اكتسابها، بعد أن يتعهد بالقسم أن لا يكاشف بأسرارها غير المستحِقِّين.

وكانت تلك الأسرار مراتب متفاوتة يتدرج فيها الطالب مرتبةً بعد أخرى، بموجب قانونها وعلى حسب استحقاقه، بعد تجارب شديدة على مثال ما تقدَّمَ في جماعات الأعصر الخالية. ولم يكن لأصحاب المراتب الأولى أن يطَّلِعوا على شيء من أسرار المراتب الأخيرة ولا يعكس، ولم يكن بين جميع المسيحيين مَن يعرف جميع تعاليم الديانة المسيحية إلا الذين جازوا المراتب كلها، فكانوا يجيزون لمَن أرادوا الحضور في مجامعهم العمومية لاستماع شيء من مواعظهم، وكانوا يلقِّبونهم بالموعوظين، فهؤلاء متى تُلِي عليهم بعض الصلوات والأعمال مما لا شيء من الأسرار فيه، كتلاوة فصل من الكتاب أو ما شاكل، يناديهم الكاهن أن يخرجوا، ويبقى المسيحيون يتمون الصلاة «ما يسمونه أحيانًا بالكلام الجوهري»، وهذا معنى قول الكاهن في معظم كنائس المسيحيين بعد تلاوة فصل من الكتاب المقدس: «اخرجوا أيها الموعوظون، اخرجوا ليس أحد الموعوظين، بل كافة الموعوظين، والبثوا أيها المؤمنون … إلخ».

ولا يزال أولئك الموعوظون يترددون إلى الكنائس على ما تقدَّمَ إلى أن يرتدَّ أحدهم فيطلب الاعتماد، فيجربونه التجارب اللازمة، حتى إذا رأوا منه رغبة وإخلاصًا عمَّدوه ودعوه «مؤمنًا».

«وللمؤمنين» الحق بالاشتراك في الصلاة الربانية، ولهم وحدهم أن يقولوا «أبانا الذي في السموات» إلخ.

ثم يرتقي المؤمن بالاستحقاق إلى درجة «المستنيرين»، ولهؤلاء الحق في استطلاع أسرار الديانة المسيحية التي عليها مدار تعاليمها، وكانت لها امتيازات أخرى.

ومن هذه المرتبة يرتقي المسيحي إلى مرتبة «الكاملين»، وهم الذين يحق لهم الاشتراك بالعشاء الرباني.

وكان للمسيحيين غير ذلك من الشئون، مما يُستدَل منه على أن الديانة المسيحية كانت تنشر تعاليمها في بادئ أمرها على مثال الجمعيات السرية، منها:
  • (١)

    أن تعاليمها كانت تُبلَّغ سرًّا بعد إخراج الموعوظين على ما تقدَّمَ.

  • (٢)

    أنها كانت تستعمل في احتفالاتها ملابسَ بيضاء، ولا سيما عند العمادة.

  • (٣)

    كانت لها علامات سرية مخصوصة، منها الاسم الجديد الذي يعطونه للمعتمد حديثًا منقوشًا مع علامة أخرى رمزية على حجر أبيض، كما كان يفعل الأسينيون على ما تقدَّمَ. وأشهر علامة استعملها المسيحيون إشارة الصليب، وقد أكثروا من استعمالها حتى أدخلوها في كل أحوالهم، فهم يرسمونها عند التحية، وعند النوم، وعند النهوض من النوم، وعند الدخول إلى الكنيسة وفي الخروج منها، وفي غير ذلك، ومن هذا القبيل قول بعضهم «المسيح قام»، وكانت عبارة التحية بين المسيحيين في الأزمنة السالفة.

  • (٤)

    أنه كان بين المسيحيين روابط شديدة تربطهم بعضهم ببعض، وقوانين تقضي بوجوب مساعدة أحدهم الآخر بكل ممكن. وقد كان ذلك مشهورًا بينهم إلى حد يفوق التصديق، فإذا سافر أحدهم إلى حيث لم يكن يعرف أحدًا، لا يلبث أن يصل حتى يرى إخوانًا ينتظرون أمره في كل ما يشاء، ولمثل ذلك فُتِحت الأديرة في البلدان، وطُلِب من المسيحي أن يتوجه إلى الدير، وفيه من الأقوات والنزل ما يضمن راحته، فضلًا عما يلاقي من الاستئناس بمَن هو مرتبط بهم بعهود مقدَّسة.

  • (٥)

    أن غايتها رفع منار الفضيلة، وترقية شأن الهيئة الاجتماعية. وبالحق إنها قد بلغت مما أرادت شأوًا عظيمًا.

    فالديانة المسيحية كانت في بادئ أمرها متخذة سُبُلَ الجمعيات السرية في نشر تعاليمها.

النتيجة

فقد تبيَّنَ أن الطريقة المثلى لنشر العلم والفضيلة إنما هي الجمعيات السرية المنظَّمة على مثل ما تقدَّمَ، فضلًا عن أن وجود مثل هذه الجمعيات في الأعصر الخالية في سائر العالم المتمدن دليل على أن ذلك أمر طبيعي في جسم العمران. وقد تقدَّمَ عليه من الأمثلة ما يكفي، فلا تُعاب الماسونية في اتِّبَاعها مثل تلك الخطة.

وإذا تأملت بما مَرَّ ذكره من الجمعيات وكيفية نشوئها، وتشابه تعاليمها ومبادئها، وأساليب التعليم فيها، مع علمك بإغفالنا كثيرًا من أمثالها؛ يترجح لديك القول بوحدة أصلها أو بتفرُّعها بعضها من بعض.

فالماسونية إذا لم تكن أحد تلك الفروع، فهي لا شك في أول نشأتها منسوجة على منوالها؛ لأن الذين سعوا إلى تأسيسها واهتموا في نشر تعاليمها لا يخلو أن يكونوا على بيِّنة من تلك التعاليم أو خلوًّا منها، ولا يتأتى لمَن كانوا على الفرض الثاني أن يُقدِموا على مثل هذا العمل. فالمؤسسون إذن من فئة العلماء، وهم لا يُقدِمون على ما تقدَّمَ إلا وهُمْ على شيء من أمر الجمعيات السرية وقوانينها وأساليب تعليمها، لكي يتهيَّأ لهم تنظيم مثل هذه الجمعية، فلا يخلو أن يكون هؤلاء أعضاء جمعية أو جمعيات سرية وُجِدت في العصر الذي أُسِّست فيه تلك الجمعية أو قبله. فالماسونية إذن قد نُسِجت على منوال الجمعيات السرية القديمة، هذا إذا لم نَقُلْ إنها فرع من فروعها، أو استمرار إحداها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١  عصا معقوفة من أعلاها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠