الفصل السادس

إسلام إخوان الصفاء

تشيُّع إخوان الصفاء

يؤكد إخوان الصفاء أن مذهبهم يستوعب المذاهب كلها، ويجمع العلوم كلها. وهذا يعني أنهم لا ينتمون فعلًا لأي مذهب إسلامي من المذاهب المعروفة، بل يشكلون فرقة إسلامية قائمة بذاتها:

«وبالجملة ينبغي لإخواننا، أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم جميعها. وذلك أنه هو النظر في جميع المجودات بأسرها الحسية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليها وخفيها، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ واحد، وعلة واحدة، وعالم واحد، ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة، وأجناسها المتباينة، وأنواعها المُفنَّنة، وجزئياتها المتغايرة» (٤٥: ٤، ٤١-٤٢).

ولكن هنالك أمور تجمعهم إلى الشيعة على الرغم من عدم انتمائهم إلى إحدى فرقها. وها هم يخاطبونهم في الفصل المعنوَن «فصل في مخاطبة المتشيعين» بعبارات تؤكد الصلة دون توكيد التماثل التام:

«قد جمع الله بيننا وبينك أيها الأخ البار الرحيم في أسباب شتى وخصال عدة، مما يؤكد المودة بين الإخوان، ويجمع شمل الأصدقاء في جميع صلاح الدين والدنيا، أيدك الله …

ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا، عليه السلام، وأهل بيت نبينا الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الوصيين، صلوات الله عليهم أجمعين» (٤٨: ٤، ١٩٥).

وأيضًا:

«واعلم يا أخي أنَّا قد عملنا إحدى وخمسين رسالة في فنون الآداب وغرائب العلوم وطرائف الحِكم، كل واحدة منها شبه المدخل والمقدمات والأنموذج، لكيما إذا نظر فيها إخواننا وسمع قراءتها أهل شيعتنا، وفهموا بعض معانيها، وعرفوا ما هم مقرون به من تفضيل أهل بيت النبي ؛ لأنهم خزان علم الله، ووارثو علم النبوات، وتبيَّن له تصديق ما يعتقدون فيهم من العلم والمعرفة …» (٤٨: ٤، ١٨٦).

وفي كل موضع تعرَّض فيه الإخوان لوصف مذهبهم لم يشيروا من قريب أو بعيد لصلة هذا المذهب بالتشيع، بل يصفونه بالمذهب القديم غير المستحدث:

«واعلم أن هذا الأمر الذي قد ندبنا إليه إخواننا وحثثنا عليه أصدقاءنا ليس هو برأي مستحدث ولا مذهب محدث، بل هو رأي قديم قد سبق إليه الحكماء والفلاسفة والفضلاء، وهو طريق سلكه الأنبياء، عليهم السلام، ومذهب مضى عليه خلفاء الأنبياء والأئمة المهديون، وبه كان يحكم النبيون الذين أسلموا للذين هادوان والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله، وهي ملة أبينا إبراهيم وبه سمانا المسلمين من قبل» (٤٧: ٤، ١٢٦).

ويعلن الإخوان صراحة عدم انتمائهم إلى الشيعة الاثنا عشرية، الفئة الشيعية الرئيسة في ذلك العصر، وذلك عن طريق نقدهم لفكرة غيبة الإمام والإمام المختفي:

«ومن الشيعة من يقول إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، ولا يدرون حقيقة ما يقرون به وصحة ما يعتقدونه. ومنهم مَنْ يقول إن الإمام المنتظر مختفٍ من خوف المخالفين، كلا بل هو ظاهر بين ظهرانيهم وهم له منكرون» (٤٨: ٤، ١٤٨).

وأيضًا:

«من الآراء الفاسدة والاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها رأي … من يرى ويعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختفٍ لا يظهر من خوف المخالفين. واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول عمره منتظرًا لخروج إمامه، متمنيًا لمجيئه مستعجلًا لظهوره، ثم يفني عمره ويموت بحسرة وغُصة، لا يرى إمامه، ولا يعرف شخصه من هو» (٤٢: ٣، ٥٢٣).

وبشكل عام لم تأخذ مسألة الإمامة، على مركزيتها في العقيدة الشيعية، حيزًا يذكر في رسائل الإخوان، ولم يتعرضوا لها إلا لمامًا. ولعل من أهم ما أوردوه فيها هذا المقطع الطويل من الرسالة ٤٢ الذي يحتوي ضمنًا إنكارهم لفكرة الإمامة:

«اعلم أن مسألة الإمامة هي أيضًا من إحدى أمهات مسائل الخلاف بين العلماء، قد تاه فيها الخائضون إلى حجج شتى، وأكثروا فيها القيل والقال، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء، وجرت بين طالبيها الحروب والقتال … وهي باقية إلى يومنا هذا لم تنفصل … فنحتاج أن نذكر أولًا ما الأصل المتفق عليه بين أهلها، ثم نذكر أسباب الخلاف في فروعها فنقول:

اعلم أن الأمة كلها تقول إنه لا بد من إمام يكون خليفة لنبيها في أمته بعد وفاته، وذلك لأسباب شتى وخصال عدة؛ أحدها هو أن يحفظ الإمام الشريعة على الأمة، ويحيي السنَّة في الملَّة … وقوم آخرون يكونون خلفاءه في سائر البلدان للمسلمين بالنيابة عنه في جباية الخراج وأخذ الأعشار والجزية، وتفريقها على الجند والحاشية ليحفظ بها ثغور المسلمين … ويقهر الأعداء ويحفظ الطرقات من اللصوص والقطاع … وينصف ويعدل بين الناس فيما يتعاملون به، وما شاكل هذه الخصال التي لا بد للمسلمين من قيِّم بها في ظاهر أمور دنياهم.

وخصلة أخرى هي أن يَرجع فقهاء المسلمين وعلماؤهم عند مشكلاتهم في أمر الدين إليه، وعند مسائل الخلاف، فيحكم هو بينهم فيما هم فيه يختلفون … ويصدرون كلهم عن رأيه وتدبيره … فهذا هو الأصل المتفق بينهم في حاجتهم إلى الإمام.

وأما مَن ينبغي أن يكون الإمام؟ ومَن هو؟ فهم فيه مختلفون على رأيين ومذهبين. فمنهم من يرى ويعتقد أنه لا ينبغي إلا أن يكون أفضلهم كلهم بعد نبيها [أي الأمة]، وأقربهم إليه نسبة، ويكون قد نُص عليه، ومنهم مَنْ يرى بخلاف ذلك … ولكن نحتاج إلى أن نذكر علة اختلافاتهم من أين كان بدؤها، ومن أين أشكل الأمر عليهم فيه.

واعلم أن الإمامة إنما هي خلافة، والخلافة نوعان: خلافة النبوة وخلافة المُلك … ونحتاج إلى أن نذكر أولًا خصال النبوة قبل خصال المُلك فنقول: إن أول خصال النبوة الوحي … ثم إظهار الدعوة في الأمة، ثم تدوين الكتاب المنزل بالألفاظ الوجيزة، وتبيين قراءته في الفصاحة، ثم إيضاح تفسير معانيه وبلوغ تأويله، ثم وضع السنن المُركَّبة … وإجراء السُّنة في الشريعة … وتفصيل الحدود والأحكام في أمور الدنيا جميعًا … وما شاكل هذه الخصال … فأما خصال المُلك فأولها أخذ البيعة على الأتباع المستجيبين … وجباية الخراج والعُشر والجزية من الملة، وتفريق الأرزاق على الجند والحاشية، وحفظ الثغور … وقبول الصلح والمهادنة من الملوك والرؤساء … وما شاكل هذه الخصال …

ثم اعلم أنه ربما تجتمع هذه الخصال في شخص واحد من البشر في وقت من الزمان، فيكون هو النبي المبعوث وهو المِلك، وربما تكون في شخصين اثنين: أحدهما النبي المبعوث إلى تلك الأمة، والآخر المسلَّط عليهم. واعلم أنه لا قوام لأحدهم إلا بالآخر كما قال ملك الفرس أزدشير في وصيته: إن المُلك والدين توأمان لا قوام لأحدهما إلا بالآخر …

ثم اعلم أن الله تعالى قد جمع لنبيه محمد، عليه الصلاة والسلام والتحية، خصال المُلك والنبوة جميعًا … ولما أضاف إلى نبوته الملك، لم يضفها لرغبته [أي النبي] في الدنيا وحرصه عليها، ولكن أراد الله تعالى أن يجمع لأمته الدين والدنيا جميعًا، وكان القصد الأول هو الدين، والمُلك عارض لأسباب شتى، أحدها أنه لو كان المُلك في غير أمته لم يكن يؤمَن أن يردهم عن دينهم أو يسومهم سوء العذاب من كان مسلطًا عليهم، مثلما كان يفعل فرعون ببني إسرائيل … وخصلة أخرى هي أن الناس في طباعهم وجبلتهم لا يرغبون إلا في دين الملوك، ولا يرهبون إلا منهم. وبهذه الخصال وخصال أخرى يطول شرحها جمع الله الملك والنبوة لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام والتحية والرضوان … واعلم يا أخي أن الله تعالى قد جمع لمحمد، عليه السلام، المُلك والنبوة، وأيده بروح منه، حتى إنه قام بواجب حقهما لما خصه الله به من الجبلة القوية والقوة المتينة، كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ١ وقلَّ من يكون كذلك؛ لأن النبوة تتم بنيف وأربعين خصلة من فضائل البشرية» (٤٢: ٣، ٤٩٣–٤٩٧).

وأيضًا:

«… وأما سبب اختلافهم في الأئمة الذين هم خلفاء الأنبياء، عليهم السلام، في أممهم بعدهم، فمن أجل أن صاحب الناموس يحتاج في وضعه للناموس وتتميمه وتكميله إلى نيف وأربعين خصلة من الفضائل البشرية والملكية جميعًا؛ فإذا أحكم صاحب الناموس أمر الشريعة وسنن الدين ومنهاجه، وبيَّن المنهاج وأوضح الطريق، ومضى لسبيله، بقيت الخصال وراثة في أصحابه وأنصاره الفضلاء من أمته، ولكن لا تكاد تجتمع كلها أجمع وراثة في واحد منهم، ولا يخلو أحد من شيء منها» (٤٢: ٣، ٤٨٩).

في هذين المقطعين يقوض الإخوان الأسس التي تقوم عليها نظرية الإمامة. فالإمامة هي خلافة نبوة وخلافة ملك، والنبوة والملك يحتاجان إلى ما يزيد عن أربعين خصلة لن تجتمع لشخص واحد بعد رسول الله . وإنما تتفرق في الجيل الأول من أصحاب الرسول وفضلاء أمته:

«فإذا اجتمعت تلك الأمة، بعد وفاة نبيها، وتعاونت وتعاضدت وتناصرت مع ائتلاف القلوب … بقوا هادين راشدين منصورين على أعدائهم، سعداء في الدنيا والآخرة جميعًا. ثم إذا مضى أولئك على منهاج الذين تقدموهم، خلفهم من بعدهم قوم آخرون من ذرياتهم وتلامذتهم، متمسكين بسننهم في أي بلد كانوا، وأي منازل نزلوا، هادين راشدين» (٤٢: ٣، ٤٨٩). وأغلب الظن هنا أن الإخوان يشيرون إلى أنفسهم وتنظيمهم الذي يقوم بجميع مهام الإمامة، وإلى مذهبهم الذي يقوم على حكم العقل، فقد قالوا في موضع آخر:

«واعلم أنه ما من جماعة تجتمع على أمر من أمور الدين والدنيا … إلا ولا بد لها من رئيس يرأسها ليجمع شملها ويحفظ نظام أمرها … ونحن قد رضينا بالرئيس على جماعة إخواننا، والحكم بيننا، العقل الذي جعله الله تعالى رئيسًا على الفضلاء من خلقه الذين هم تحت الأمر والنهي، ورضينا بموجبات قضاياه على الشرائط التي ذكرناها في رسائلنا وأوصينا بها إخواننا، فمن لم يرضَ بشرائط العقل وموجبات قضاياه … فعقوبته في ذلك أن نخرج من صداقته ونتبرأ من ولايته …» (٤٧: ٤، ١٢٧).

وأيضًا:

«واعلم أن العقلاء الأخيار إذا انضاف إلى عقولهم القوة بواضع الشريعة، فليس يحتاجون إلى رئيس يرأسهم ويأمرهم وينهاهم ويزجرهم ويحكم عليهم؛ لأن العقل والقدرة لواضع الناموس يقومان مقام الرئيس الإمام، فهلم بنا أيها الأخ أن نقتدي بسُنَّة الشريعة، ونجعلها إمامًا لنا …» (٤٧: ٤، ١٣٧).

وفي كل موضع تحدث فيه الإخوان عن مراتب النفس الإنسانية على طريق الارتقاء لم يتحدثوا عن المرتبة الإمامية التي تلي النبوة في العقيدة الشيعية:

«اعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الحيوانات زينة الأرض، كما أن الكواكب زينة السماء، وأن أتم الحيوانات هيئة، وأكملها صورة، وأشرفها تركيبًا هو الإنسان، وأفضل الإنسان هم العقلاء، وأخيار العقلاء هم العلماء، وأعلى العلماء درجة وأرفعهم منزلة هم الأنبياء، عليهم السلام، ثم بعدهم في الرتبة الفلاسفة الحكماء» (٤٧: ٤، ١٢٤). في هذا النص وأشباهه لا يوجد ذكر للأئمة، وورثة الأنبياء هم الحكماء لا الأئمة، وهؤلاء الحكماء لم يرثوا المرتبة وراثة عن آل البيت ولكنهم حصَّلوها بكدحهم الروحي: «ثم اعلم أن الحكماء والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم سفراء الله بينه وبين خلقه … فإذا مضت الأنبياء لسبلها خلفهم العلماء والحكماء، وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا يقولون ويفعلون» (٤٠: ٣، ٣١٧).

الإخوان والإسماعيلية

وإذا لم يكن إخوان الصفاء ينتمون إلى إحدى الجماعات الشيعية المعروفة، وعلى الأخص إلى الشيعية الاثنا عشرية التي كانت تشكل الاتجاه الشيعي الرئيس، فمن الأولى عدم انتمائهم إلى الإسماعيلية التي وصل تركيزها على الإمامية حد قول بعض مفكريهم بأن الله وضع وحدته في الإمام وخلع عليه ألوهيته. وقد انشق الإسماعيليون عن الاتجاه الشيعي الرئيس عقب وفاة الإمام السادس جعفر الصادق عام ١٤٨ للهجرة. فقد كان الإمام قد أوصى بالإمامة من بعده لإسماعيل، ابنه من زوجته الأولى فاطمة حفيدة الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان يكبر أخاه غير الشقيق موسى الكاظم بنحو خمس وعشرين سنة. ولكن إسماعيل توفي في أواخر حياة والده. وعندما توفي جعفر الصادق دون وصية جديدة، قاد النزاع على خلافته إلى الانقسام الشيعي الكبير إلى موسوية تبعوا موسى الكاظم الأخ الأصغر غير الشقيق لإسماعيل، وإسماعيلية قالوا إن الإمامة لا تنتقل من أخ لأخيه، وإنما هي نازلة في الأعقاب، وبالتالي فإن الإمامة تنتقل من إسماعيل إلى ابنه محمد. وبعد سلسلة من الأئمة المكتومين من أعقاب محمد بن إسماعيل الذين أقام معظمهم في مدينة سلمية بالمنطقة السورية الوسطى، آلت الإمامة إلى عبد الله المهدي الذي تولى القيادة عام ٢٨٦ﻫ، ثم رحل إلى شمال أفريقيا حيث أسس الدولة الفاطمية.

لقد عاصر إخوان الصفاء صعود الخلافة الفاطمية التي كان على رأسها الأئمة الإسماعيليون، ولكن رسائلهم لم تشر من قريب أو بعيد إلى هؤلاء الأئمة، ولم تبدُ معنية بدعوتهم، وإنما كانت تبشر بدولة إخوان الصفاء ومملكتهم الروحانية.

«واعلم أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء حكماء وخيارٍ فضلاء يجتمعون على رأيٍ واحد، ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد، ويعقدون بينهم عهدًا وميثاقًا أن لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم فيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة» (٤: ١، ١٨١). «وينبغي لنا أيها الأخ بعد اجتماعنا على الشرائط التي تقدمت من صفوة الإخوان، أن نتعاون … ونبني مدينة فاضلة روحانية، ويكون بناء هذه المدينة في مملكة صاحب الناموس الأكبر الذي يملك النفوس والأجساد» (٤٨: ٤، ١٧١).

وبالمقابل فإننا لا نجد لإخوان الصفاء ورسائلهم ذكرًا لدى المفكرين الإسماعيليين إبان عصر نهضة الفكر الإسماعيلي في القرنين الرابع والخامس الهجري، من أمثال القاضي النعمان، والكرماني، والنسفي، والرازي، والسجستاني. ولو كانت رسائل الإخوان تشكل المصدر الأكبر للفكر الإسماعيلي، لاعتمد عليها هؤلاء المفكرون صراحة وأشادوا بها، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث. على أن هذا التجاهل لا يعني أن هؤلاء المفكرين والدعاة الإسماعيليين لم يعرفوا الرسائل أو يتأثروا بها، بل لقد عرفوها وتداولوها ونهلوا منها الكثير، ودخلت أفكارها في صلب العقائد الإسماعيلية، ولكنهم كانوا يعرفون أيضًا أن مؤلفي الرسائل لم يكونوا إسماعيليين، ولم يكن لهم بالتالي أن يعطوا أفكارهم مصداقية رسمية، أو أن يعتبروها بقضها وقضيضها تراثًا إسماعيليًّا. وفي الحقيقة فإن الرسائل لم تعتبر مصدرًا رسميًّا معتمدًا من قِبل أي فئة إسماعيلية عدا فئة الإسماعيلية الطيبية التي شكلت لها دولة في اليمن في القرن السابع الهجري، أي بعد انهيار الخلافة الفاطمية في مصر.

بعد زوال الخلافة الفاطمية عام ٥٦٩ﻫ، وأثناء فترات ضعف الدعوة الإسماعيلية، أخذ بعض المؤلفين الإسماعيليين بإعادة الاعتبار للرسائل، وصنفوها في عداد الأعمال الإسماعيلية المبكرة، حتى إن بعضهم عزا تأليفها إلى أحد الأئمة من سلالة محمد بن إسماعيل في دور الستر قبل تأسيس الدولة الفاطمية. وحذا حذوهم في ذلك بعض المفكرين الإسماعيليين المعاصرين الذين دافعوا عن هذه الفكرة بقوة. يورد الدكتور عارف تامر في مقدمته للرسالة الجامعة، وفي كتابه «حقيقة إخوان الصفاء وخلان الوفاء»٢ الشواهد الآتية:

قال المؤرخ اليمني الكبير إدريس عماد الدين المتوفى سنة ٨٧٢ﻫ في كتابه عيون الأخبار:

«وقام الإمام التقي أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، بعد أبيه بأمر الإمامة، وبث دعاته في الآفاق من مدينة سلمية، واتصل به الدعاة ودعوا إليه وهم مخفون لمقامه كاتمون لاسمه. وكان [الخليفة] المأمون حين احتال على علي بن موسى الرضى بن جعفر ظن أن أمر الله قد انقطع وحجته قد ارتفعت، فحين ظنَّ ذلك الظن ووهم ذلك الوهم سعى في تبديل شريعة محمد وتغييرها لكي يرد الناس إلى الفلسفة وعلم اليونانيين، فخشي الإمام أن يميل الناس إلى ما زخرف المأمون عن شريعة جده، فألف رسائل إخوان الصفاء» … وذكر هذا المؤلف أيضًا فهرست هذه الرسائل على التمام فقال: «هذه فهرست الرسائل التي ألفها الإمام. وقد جمع فيها أنواع العلوم الفلسفية والهندسية، وجعل رسالته الجامعة الغاية التي يتبين منها المراد ويتضح المعنى للمرتاد، وقصرها على خلصاء شيعته وخبرة خاصته. وإنما ألَّف الإمام تلك الرسائل لتقوم الحجة على المأمون وأتباعه حين انحرفوا عن علم النبوة».

وقال الفقيه اليمني الكبير شرف الدين جعفر المتوفى سنة ٨٣٤ﻫ، في رسالته «الموقظة»:

«حتى همَّ المأمون أن يرد الأمة إلى دين القول بالنجوم … وقال: ما جاء محمد إلا بناموس مَلك به الناس، وحقيقة وأساس، حتى أظهر ولي الله وابن رسول الله رسائل إخوان الصفاء، وفيها ما تحيَّر به جميع العالم من العلوم في كل فن، والاستشهاد على شريعة الرسول، وهو في كهف التقية مستتر، ودعاته الباقون مغرقون لتلك الرسائل في كل شهر وقُطر.»

ويورد المؤرخ الإسماعيلي نور الدين أحمد المتوفى سنة ٨٨٥ﻫ في بلدة مصياف السورية، في كتابه «فصول وأخبار»:

«بعد أن اشتد الضغط على الإمام السابع محمد بن إسماعيل … لأن الرشيد يريد القبض عليه … خرج مستترًا إلى مدينة تدمر في بلاد الشام، حيث عاش فيها إلى أن أدركته الوفاة، بعد أن نصَّ على إمامة ولده عبد الله، الذي عاش في مدينة سلمية قرب حمص. وبعد وفاته تسلم الإمامة حسب النص الشرعي ولده أحمد، وهو مؤلف رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء.»

وفي الحقيقة فإن هذه الشواهد وأمثالها مما يعتمد عليها أصحاب نظرية إسماعيلية إخوان الصفاء، لا تتمتع بمصداقية تاريخة؛ لأنها متأخرة قرونًا عديدة عن عصر إخوان الصفاء في القرن الرابع الهجري. أما المصادر الأقرب إلى عصرهم فإنها تُجمع على أن مؤلفي الرسائل هم جماعة من الحكماء، بينهم زيد بن رفاعة، وأبو سليمان المقدسي، وأبو حسن الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوقي.

وأما الرأي الذي يورده عارف تامر عن المستشرق كازانوفا بأن آراء الإسماعيلية توجد كلها في رسائل إخوان الصفاء، فإن التشابه بين العقيدتين لا يُعزى إلى إسماعيلية إخوان الصفاء، بل إلى التأثير الذي مارسه فِكر الرسائل في الفكر الإسماعيلي إبان عصر نهضته، وهو تأثير خفي لم يعلن عنه رواد النهضة الإسماعيلية. ولو أن الرسائل كانت فعلًا من تأليف الإمام أحمد بن عبد الله، لكان لها مكان الصدارة في الأدبيات الإسماعيلية في ذلك العصر، ولاعترف بفضلها عليهم أولئك المفكرون الذين وضعوا أسس العقيدة الفلسفية الإسماعيلية. يضاف إلى ذلك أننا إذا سلمنا جدلًا بأن آراء الإسماعيلية توجد كلها في رسائل إخوان الصفاء، فإن آراء إخوان الصفاء لا توجد كلها في مؤلفات الإسماعيليين، وهناك اختلاف بيِّنٌ بين الفريقين بخصوص بعض الأفكار الاعتقادية الرئيسة، كما هو الحال في نظرية الفيض التي تشكل عماد كوزمولوجيا الإخوان، والتي يرفضها كل المفكرين الإسماعيليين، ويستبدلونها بنظرية الإبداع. وهذه نقطة لن نتوقف عندها طويلًا حتى لا ننحرف عن المنهج الذي وضعناه لهذا الكتاب.

مما لا شك فيه أن الإخوان قد نشئُوا في بيئة شيعية، وأنهم بشروا بعقيدتهم أول ما بشروا بين الشيعة. ولكن تشيعهم كان تشيعًا فضفاضًا انطلقوا منه لبناء عقيدة إنسانية شمولية تسمو على الحرفية الأيديولوجية وعلى تعصب المذاهب التي صُبت عقائدها في صيغ جامدة متحجرة … ولكي أشرح ما أعنيه بالتشيع الفضفاض يمكن أن أقارن استقلال إخوان الصفاء عن الخط الشيعي الرئيس باستقلال الشيعة الزيدية، مع الفارق الواسع بين الاتجاهين والجماعتين.

فقد شهدت السنوات الأولى من إمامة جعفر الصادق ظهور حركة انشقاقية قادها زيد بن علي، الأخ غير الشقيق للإمام الخامس محمد الباقر وعم جعفر الصادق، تميزت بالمواقف الصدامية الواضحة في مقابل ما دعاه زيد بالاستكانية التي ميزت مواقف الأئمة الشيعية، ورُوي عنه قوله إنه إذا ما رغب الإمام في اعتراف الناس به عليه أن يخرج وسيفه بيده. لم يعلق زيد أهمية كبرى على الإمامة الوراثية، ونظر باستخفاف إلى المفاهيم الأخروية المرتبطة بمهدية الإمام، وقال بجواز انتقال الإمامة إلى أي شخص من سلالة علي دون حصرها في نسب الحسين بن علي على ما تقول عامة الشيعة. وقد اعترف زيد بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان مظهرًا تجاههم موقفًا إيجابيًّا نابعًا عن براجماتية سياسية أوضحها بقوله الشهير عن جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل. فعلى الرغم من أن عليًّا كان الأفضل لخلافة النبي، إلا أن البيعة التي أعطيت للخلفاء الثلاثة الأوائل المفضولين تبقى شرعية طالما أن المصلحة في ذلك الوقت تطلب ذلك. وفي هذا الموقف من الخلفاء الأوائل تتفق آراء الزيدية وآراء إخوان الصفاء الذين أشادوا في أكثر من موضع بأبي بكر وعمر وعثمان ودعوهم بالخلفاء الراشدين، وهو نعت لم تستخدمه الشيعة، وأينما ورد ذكر أحدهم أتبعوه بقولهم رضي الله عنه (٩: ١، ٣٢٣ و٣٤٦). كما أظهر الإخوان الموقف نفسه من عائشة على الرغم من مواقفها المعادية لعلي (٩: ١، ٣٥٨).

على أننا إلى جانب ما أوردناه من نصوص، وغيرها ممَّا لم نورده، والتي تبين الموقف السلبي للإخوان من مفهوم الإمامة، فإننا نجد أنفسنا أمام نصوص قليلة متفرقة تؤكد الإمامة، وتستخدم في التعامل معها مصطلحات إسماعيلية لا لبس فيها، ومعظمها يرد في الرسالة الأخيرة، وفي الرسالة الجامعة. نقرأ في الرسالة الأخيرة على سبيل المثال أن الأئمة:

«هم خلفاء الله تعالى، التابعون لأمره، وبهم صلاح العالم. وربما كانوا ظاهرين بالعيان موجودين في المكان في دور الكشف، وبالضد من ذلك في دور الستر. غير أنهم في دور الستر لا يكونون مفقودي الوجه جملة من أعدائهم. فأما أولياؤهم فيعرفون مواضعهم، ومن أراد منهم قصدهم تمكن منه. ولو كان غير ذلك كان منه خلوُّ الزمان من الإمام الذي هو حجة الله على خلقه، وهو تعالى لا يرفع حجته ولا يقطع الحبل الممدود بينه وبين عباده، فهم [أي الأئمة] أوتاد الأرض وهم الخلفاء بالحقيقة في الدورين جميعًا، ففي دور الكشف يظهر مُلكهم في الأجسام والأرواح، وفي دور الستر يجري أمرهم في الأنفس والعقول …» (٥٢: ٤، ٣٧٩).

كيف نوفق بين ما يظهر في هذا المقطع من إعطاء أهمية لفكرة الإمامة، وما ورد فيه من مصطلحات وأفكار إسماعيلية، وبين ما أوردناه قبل ذلك من شواهد تدل على عدم أخذ الإخوان بجدية فكرة الإمامة، بل وحتى صرفهم النظر عنها تمامًا؟ إن التفسير المنطقي الوحيد لهذا التناقض في موقف الإخوان من فكرة الإمامة، وهم الذين عودونا على الاتساق والبُعد عن التناقض، هو أن بعض المتحمسين الإسماعيليين للرسائل في الفترات المتأخرة، قد قاموا بإقحام بعض المقاطع أو إعادة تحرير مقاطع أخرى من أجل التوكيد على الآراء التي كانت تظهر في ذلك الوقت عن إسماعيلية الرسائل وصلة الأئمة المتقدمين بتأليفها أو الإشراف على عملية تأليفها. مثل هذا التحريف يبدو ممكنًا إذا علمنا أن الحلقات الإسماعيلية كانت وحدها هي المعنية بنسخ وتداول الرسائل بعد تفكك تنظيم الإخوان وتشتت شملهم.

بين الدين والفلسفة

يؤكد الإخوان في كل مكان من رسائلهم ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، لا يسقطون منها حرفًا، وهم الأولى بها من غيرهم:

«واعلم أيها الأخ أن جماعة إخوان الصفاء أحق الناس بالعبادة الشرعية ومراعاة أوقاتها وأداء فروضها ومعرفة تحليلها وتحريمها؛ لأنَّا أخص الناس بها وأولاهم بحملها وأقرب الناس إلى من جاءت على يديه وأولاهم به» (٥٠: ٤، ٢٦٨).

ولكن الدين الإسلامي لا يُختصر إلى أوامر ونواهي الشريعة، بل له جانب فلسفي يحثُّ الإنسان على معرفة نفسه ومعرفة ربه حق المعرفة، والارتقاء من رتبة الحيوانية إلى الرتبة الملائكية على طول طريق الارتقاء الصاعد نحو ملكوت السماوات. وهنا يأتي دور الفلسفة التي تنير لنا هذا الجانب الآخر من الدين وتعيننا على فهمه. إن غرض الأنبياء والفلاسفة واحد، وهو طب النفوس وعونها على النجاة:

«واعلم بأن غرض الأنبياء، عليهم السلام، وواضعي النواميس الإلهية [من الفلاسفة والحكماء] أجمع، غرض واحد وقصد واحد، وإن اختلفت شرائعهم وسنن مفترضاتهم، وأزمان عباداتهم، وأماكن بيوتاتهم، وقرابينهم وصلواتهم، كما أن غرض الأطباء كلهم غرض واحد ومقصد واحد في حفظ الصحة الموجودة واسترجاع الصحة المفقودة، وإن اختلفت علاجاتهم … وذلك أن غرض الأطباء كلهم هو اكتساب الصحة للمريض وحفظها على الأصحاء، ودفع الأمراض وإزالتها عن المرضى. فهكذا غرض الأنبياء، عليهم السلام، وغرض جميع واضعي النواميس الإلهية من الفلاسفة والحكماء. وذلك أنهم أطباء النفوس، وغرضهم هو نجاة النفوس الغريقة في بحر الهيولى، وإخراجها من هاوية عالم الكون والفساد، وإيصالها إلى الجنة عالم الأفلاك وسعة السماوات، [ذلك] بتذكيرها ما قد نسيت من مبدئها ومعادها» (٢٠: ٢، ١٤١).

وأيضًا:

«ثم اعلم أن العلوم الحِكمية والشريعة النبوية كلاهما أمران إلهيان يتفقان في الغرض المقصود الذي هو الأصل، ويختلفان في الفروع. وذلك أن الغرض الأقصى من الفلسفة هو ما قيل: إنها التشبه بالإله بحسب طاقة البشر، كما بينا في رسائلنا أجمع. وعمدتها أربع خصال: أولاها معرفة حقائق الموجودات، والثانية اعتقاد الآراء الصحيحة، والثالثة التخلق بالأخلاق الجميلة والسجايا الحميدة، والرابعة الأعمال الزكية والأفعال الحسنة. والغرض من هذه الخصال هو تهذيب النفس والترقي من حال النقص إلى التمام، والخروج من حد القوة إلى الفعل بالظهور؛ لتنال بذلك البقاء والدوام والخلود في النعم مع أبناء جنسها من الملائكة.

وهكذا الغرض من النبوة والناموس، هو تهذيب النفس الإنسانية وإصلاحها وتخليصها من جهنم عالم الكون والفساد، وإيصالها إلى الجنة ونعيم أهلها في فسحة عالم الأفلاك وسعة السماوات، والتنسم من ذلك الروح والريحان المذكور في القرآن. فهذا هو المقصود من العلوم الحكمية والشريعة النبوية جميعًا. وأما اختلافهما في الطرق المؤدية إليها، فمن أجل الطبائع المختلفة والأعراض المتغايرة التي عرضت للنفوس. وبذلك اختلفت موضوعات النواميس وسنن الديانات ومفروضات الشرائع، كما اختلفت عقاقير الأطباء وعلاجاتها بحسب اختلاف الأمراض» (٢٨: ٣، ٣٠).

وليس ما يبدو من تناقض بين الفلسفة والدين إلا من قبيل قصور فَهم بعض أهل العلوم الحكمية والعلوم الشرعية:

«ثم اعلم أن الحكماء الأولين قد تكلمت في فنون من العلوم وضروب من الآداب وغرائب من الحكم كثيرة لا يحصي عددها إلا الله … وقوم من العلماء الشرعيين ينكرون أكثره، إما لقصور فهمهم عمَّا وصف القوم، أو لتركهم النظر فيها واشتغال بعلم الشرع وأحكامه، أو لعناد بينهما. وكذلك أيضًا إن أكثر من ينظر في العلوم الحكمية، من المبتدئين فيها والمتوسطين من بينهم، يتهاونون بأمر الناموس وأحكام الشريعة ويزرون بأهله، ويأنفون من الدخول تحت أحكامه إلا خوفًا وكرهًا من قوة المُلك الذي هو أخو النبوة. كل ذلك لقصور فهم الفريقين جميعًا عن معرفة حقائق هذه الأشياء المذكورة، ولقلة علمهم بماهيات الكائنات. ولما كان مذهب إخواننا الفضلاء الكرام النظر فيها جميعًا والكشف عن حقائق أشيائها، أعني العلوم الحكمية والنبوية جميعًا، وكان هذا العلم بحرًا واسعًا وميدانًا طويلًا، احتجنا أن نتكلم فيما دعت الضرورة إلى عمل هذه الرسائل التي هي إحدى وخمسون رسالة، والكلام فيها بأوجز ما يمكن» (٢٨: ٣، ٢٩).

ونفوس الفلاسفة والحكماء من طينة نفوس الأنبياء، وهي أكثر قبولًا لفيض النفس الكلية من بقية النفوس:

«واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصور بصورة النفس الكلية، ومنها ما يقاربها، وذلك بحسب قبولها ما يفيض عليها من العلوم والمعارف والأخلاق الجميلة. وكلما كانت أكثر قبولًا كانت أفضل وأشرف من سائر أبناء جنسها، مثل نفوس الأنبياء عليهم السلام، فإنها لما قبلت بصفاء جوهرها الفيض من النفس الكلية أتت بالكتب الإلهية … وما وضعت من الشرائع العلمية النافعة للكل، والسنن العادلة الزكية، فاستنقذوا بها نفوسًا كثيرة غريقة في بحر الهيولى وأسر الطبيعة. ومثل نفوس المحققين من الحكماء، التي استنبطت علومًا كثيرة حقيقية، واستخرجت صنائع بديعة، وبنت هياكل حكيمة … وإلى مثل هذه النفوس أشاروا بقولهم: … من خاصية العقل المنفعل أن يقبل الجزء منه صورة الكل» (١٥: ٢، ١٠).

من هنا فإن الفلسفة لا تتفق مع الدين فقط، بل إنها تساعد على فهم النص المقدس نفسه، وتفسير آياته، والكشف عن أسراره:

«إن نعمة الله تعالى على عباده جمة لا تفنى، ومواهبه كثيرة لا تُحصى، ولكن يتفاضل بعضها بعضًا بحسب جزالتها وغزارتها. فمن مواهب الله الجزيلة وعطاياه الجميلة لبعض عباده، التي خص بها قومًا دون قوم، هي الحكمة البالغة كما ذكر بقوله: … وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا …٣ يعني به علم القرآن خاصة، وتفسير آياته ومعاني أسراره وإشاراته اللطيفة … حيث يفسر قوم آيات الله على خلاف ما هو معناه، كما فسَّروا الاستواء بالجلوس والتمكن على العرش، و[فسروا] الرؤية بالنظر إلى الجسم المشار إليه، وبالسمع والبصر فسروا الأعضاء الإلهية، وفسروا الكلام بالنطق والحروف، وبالنزول الانتقال من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وغير ذلك من الآيات التي لا يعرف تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون ويعرفون تأويل آياته وأسراره. ويقولون: … آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا …٤ فهذا قول الحكماء الربانيين والعلماء المتفلسفين.

ثم اعلم أن لفظ الفيلسوف عند اليونانيين معناه الحكيم، والفلسفة تسمى الحكمة. والحكيم هو الذي أفعاله تكون محكمة وصناعته متقنة، وأقاويله صادقة، وأخلاقه جميلة، وآراؤه صحيحة، وأعماله زكية، وعلومه حقيقية …» (٤٠: ٣، ٣٤٤-٣٤٥).

«ثم اعلم أن الحكماء والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم سفراء الله بينه وبين خلقه … فإذا مضت الأنبياء لسبلها خلفهم العلماء والحكماء، وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا يقولون ويفعلون، ويُعلمون الناس من معالم الدين وطريق الآخرة ومصالح الدنيا. فمن قبل منهم ما قالوه وعمل بما أمروه، فهو على طريق النجاة والفوز، ومَن أَبَى وكفر به فهو على خطر عظيم وخوف من الهلاك. فاحذر يا أخي مخالفة الحكماء ومعاندة العلماء، بل كن منهم إذا استوى لك. وينبغي أن لا ترضى لنفسك إلا بأعلى مرتبة في العلم والحكمة، فإن بذلك يكون القربة إلى الله كما ذكر بقوله: … قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.٥

… ويحتاج كل من يدعي أنه يعرف الحكمة … أن يكون له قلب فارغ من هموم الدنيا وأمورها، ونفس زكية، وفَهْم دقيق، وعقل واضح، وأخلاق طاهرة، وصدر سليم من الدغل والغش والآراء الفاسدة، ويكون مرتاضًا بالرياضيات الحكمية الأربع، والنظر في المنطق والطبيعيات، ويكون قد عرف السؤالات وأجوبتها، ثم ينظر في هذا الفن الذي يسمى علم الأنبياء الملقب بعلم الإلهيات [= الحكمة]؛ لأن هذا العلم هو الغاية القصوى التي ينتهي إليها الإنسان في علم المعارف» (٤٠: ٣، ٣٤٧-٣٤٨).

وقبل هذا كله لا بد من إتقان علوم الدين وأحكام الشريعة:

«… ويُكره النظر في علوم الفلسفة للأحداث والصبيان وكل من لم يتعلم علم الدين، ولا يعرف من أحكام الشريعة قدر ما يحتاج إليه، وما هو فَرضٌ عليه، ولا يسعه جهلُه وتركُه. فأما من قد تعلم علم الشريعة وعرف أحكام الدين وتحقق أمر الناموس، فإن نظره في علم الفلسفة لا يضره بل يزيده في علم الدين تحقُّقًا، وفي أمر المعاد استبصارًا، وبثواب الآخرة وبالعقاب الشديد يقينًا، وإليها اشتياقًا، وفي الآخرة رغبة» (٣: ١، ١٥٧).

هذه العروة الوثقى بين الدين والفلسفة تبدو واضحة في الشواهد التي يوردها الإخوان، حيث يقتبسون في حيز واحد أقوالًا للفلاسفة والأنبياء معًا، كما هو الحال في هذا المقطع الذي يستشهد فيه الإخوان بأرسطو وفيثاغورس وغيرهما من الحكماء، مثلما يستشهدون بأقوال الرسول:

«ويحكى في الحكمة القديمة أنه من قدر على خلع جسده ورفض حواسه وتسكين وساوسه، وصعد إلى الفلك، جوزي هناك بأحسن الجزاء. ويقال إن بطليموس كان يعشق علم النجوم، وجعل علم الهندسة سلمًا صعد به إلى الفلك، فمسح الأفلاك وأبعادها، والكواكب وأعظامها، ثم دوَّنه في [كتاب] المجسطي. وإنما كان ذلك الصعود بالنفس لا بالجسد.

ويحكى عن هرمس المثلث بالحكمة … إنه صعد إلى فلك زحل ودار معه ثلاثين سنة، حتى شاهد جميع أحوال الفلك، ثم نزل إلى الأرض فخبَّر الناس بعلم النجوم …

وقال أرسطاطاليس في كتاب الثالوجيا، شبه الرمز: إني ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلًا في ذاتي، خارجًا عن جميع الأشياء، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما أبقى له متعجبًا باهتًا، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الفاضل الشريف.

وقال فيثاغورس في الوصية الذهبية: إذا فعلتَ ما قلت لك يا ديوجانس وفارقتَ هذا البدن حتى تصير نحلًا في الجو، فتكون حينئذٍ سائحًا غير عائد إلى الإنسانية ولا قابل للموت.

وقال المسيح، عليه السلام، للحواريين في وصية له: إذا فارقتُ هذا الهيكل [= البدن] فأنا واقف في الهواء عن يمنة عرش ربي، وأنا معكم حيثما ذهبتم، فلا تخالفوني حتى تكونوا معي في ملكوت السماء غدًا.

وقال رسول الله لأصحابه في خطبة له طويلة: أنا واقف لكم على الصراط، وإنكم ستَردون على الحوض غدًا، فأقربكم مني منزلًا يوم القيامة من خرج من الدنيا على هيئة ما تركته. ألا لا تَبدَّلوا بعدي، ألا لا تتبدلوا بعدي.

فهذه الحكايات والأخبار كلها دليل على بقاء النفس بعد مفارقة الجسد، وإن الإنسان العاقل إذا استبصرت نفسه في هذه الدنيا وصفت من دون الشهوات والمآثم، وزهدت في الكون ها هنا، فإنها عند مفارقة الجسد لا يعوقها شيء عن الصعود إلى السماء ودخول الجنة، والكون هناك مع الملائكة» (٣: ١، ١٣٧-١٣٨).

ويروي الإخوان عن رسول الله أنه قال: «أنا أرسطاطاليس هذه الأمة.» فهو إلى جانب كونه صاحب شريعة، فقد كان متعمقًا بالفلسفة الإلهية:

«كان، عليه السلام، مؤمنًا عارفًا بالدعاء في وقت الإجابة، ولذلك كان لا يُردُّ له دعاء. وكان إمامًا للمسلمين والمؤمنين عارفًا بالفلسفة الإلهية. ولما تمت الفضيلة لواحد من أهله وأصحابه قال مفتخرًا: أنا أرسطاطاليس هذه الأمة» (٥٠: ٤، ٢٦٣).

إن إسلام إخوان الصفاء يقوم على الميراث الروحي والثقافي الإنساني بأكمله، وعلومهم مستمدة من مصادر متنوعة، وكلها تغني إيمان المسلم وتفتح قلبه لفهم خوافي النص الديني، وإدراك مدلولات الشرائع:

«إن علومنا مأخوذة من أربعة كتب: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة، من الرياضيات والطبيعيات؛ والآخر الكتب المنزلة التي جاءت بها الأنبياء، صلوات الله عليهم، مثل التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة، وما فيها من الأسرار الخفية؛ والثالث الكتب الطبيعية، وهي صور وأشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك، وأقسام البروج، وحركات الكواكب ومقادير أجرامها، وتصاريف الزمان، واستحالة الأركان، وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات … والنوع الرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة … وهي [معرفة] جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزيئاتها، وتصاريفها للأجسام، وتحريكها لها وتدبيرها إياها وتحكُّمها عليها، وإظهار أفعالها بها ومنها حالًا بعد حال، في ممر الزمان وأوقات القرانات والأدوار، وانحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام، وارتفاع بعضها تارة من ظلمات الجثمان، وانبعاثها من نوم الغفلة والنسيان …» (٤٥: ٤، ٤٢).

وأيضًا:

«واعلم أيها الأخ، أيَّدك الله وإيَّانا بروح منه، أن لنا كُتبًا نقرؤها مما شاهَدها الناس ولا يُحسِنون قراءتَها، وهي صورةُ أشكالِ الموجودات بما هي عليه الآن … ولنا كتابٌ آخَر لا يُشارِكنا فيه غيرُنا ولا يَفهمه سِوانا؛ وهو معرفةُ جواهرِ النفوس ومَراتب مَقاماتها، واستيلاء بعضِها على بعض، وافتنان قُواها، وتأثيرات أفعالها في الأجسام من الأفلاك والكواكب، والأركان والمعادن والنبات والحيوانات، وطبقات الناس … فإن نشطْتَ أيها الأخ البار الرحيم، إلى قراءة هذه الكتب أنت وإخوانك؛ لتعلم ما فيها وتفهم معانيها وتعرف أسرارها، فهلمَّ إلى حضور مجلس إخوان لك فضلاء وأصدقاء لك كرام، تسمع أقاويلهم وترى شمائلهم وتعرف سيرتهم، لعلك تتخلق بأخلاقهم وتتهذب بآدابهم فتنبه نفسك من نوم الغفلة، وتستيقظ من رقدة الجهالة … فترى ما قد أبصروه بعيون قلوبهم، وتشاهد ما قد عاينوه بصفاء جواهر نفوسهم، وتنظر إلى ما نظروا إليه بنور عقولهم، وتفهم معاني هذه الكتب الأربعة كما فهموها …» (٤٨: ٤، ١٦٧-١٦٨).

وعلى الرغم من أولوية العقل على النقل عند الإخوان، إلا أنهم يعطون الأسبقية للإيمان على العلم الذي يلي لاحقًا، وعلى الإنسان ألا يطلب البرهان أولًا، بل يبتدئ بالتصديق ثم يطلب البرهان الفلسفي بعد ذلك:

«إن الحكماء قالوا: إن العلم هو تصوُّر النفس رسوم المعلومات في ذاتها. فإذا كان العلم هو هذا فليس كل ما يرد الخبرُ به من طريق السمع تتصوره النفس بحقيقته؛ فإذن لا يكون ذلك علمًا بل إيمانًا وإقرارًا وتصديقًا. ومن أجل هذا دعت الأنبياء أممها إلى الإقرار أولًا ثم طالبوها بالتصديق بعد البيان، ثم حثوهم على طلب المعارف الحقيقية. والدليل على صحة ما قلنا قول الله عز وجل: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ …،٦ ولم يقل يعلمون بالغيب. ثم حثهم على طلب العلم بقوله: … فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ …٧ ثم مدح فقال: … يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ …٨   … الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ …٩ فكفى بهذا فرقًا بين العلم والإيمان …

واعلم يا أخي أن الناس كلهم في المعارف على أربع منازل: فمنهم من قد رُزق العلم ولم يرزق الإيمان، ومنهم مَنْ رزق الإيمان ولم يرزق العلم، ومنهم مَنْ قد وفر حظه منهما جميعًا، ومنهم مَنْ قد حرمهما جميعًا … وأما الذين أوتوا الإيمان ولم يُرزقوا العلم، فهم طائفة من الناس المقرِّين بما في كتب الأنبياء، عليهم السلام، من أخبار البعث وأمر المبدأ والمعاد، وأحوال الملائكة ومقاماتهم، وحديث البعث والقيامة والحشر والنشر … وما شاكلها من الأمور الغائبة عن الحواس، البعيدة عن تصور الأوهام. وهم، مع قلة علمهم، ساكنة نفوسهم ما أخبرت به الأنبياء، وما أشارت إليه الحكماء من الثواب في المعاد ونعيم الجنان، ومصدقون لهم في السر والإعلان، راغبون فيها، طالبون لها، عاملون من أجلها، ولكنهم تاركون البحث عنها والكشف لها والنظر في حقائقها …

وأما الذين رُزقوا حظًّا من العلم ولم يرزقوا الإيمان، فهم طائفة من الناس نظروا في كتب الفلاسفة والحكماء، وبحثوا عنها، وارتاضوا بما فيها من الآداب، مثل الهندسة والتنجيم والطب والمنطق والجدل والطبيعيات، وما شاكلها، فأعجبوا بها وتركوا النظر في كتب النواميس والتنزيلات النبوية … فعميت عليهم الأنباء فهم شاكُّون في حقائقها، متحيرون في معرفة معانيها، جاهلون بلطيف أسرارها، غافلون عن عظيم شأنها، وإليهم أشار بقوله: … فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ….١٠
وأما الذين حرموا العلم والإيمان جميعًا، فهم طائفة من الذين أُترفوا في هذه الحياة الدنيا، فهم مشغولون الليل والنهار في طلب شهواتها، مغرورون بعاجل حلاوات لذَّات نعيمها، تاركون لطلب الآداب، معرضون عن العلم وأهله، غافلون عن أمر الديانات وأحكام الشرائع … وإليهم أشار بقوله: … وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا …١١
فأما الذين أوتوا من العلم والإيمان حظًّا جزيلًا، فهم إخواننا الفضلاء الكرام الأخيار الذين أشار إليهم بقوله: … يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ….١٢ وقد أخبرنا عن مذهبهم، وعرَّفناكم أخلاقهم، وبينَّا آراءهم، وأوضحنا أسرارهم في إحدى وخمسين رسالة …
واعلم يا أخي أن الإيمان يورث العلم لأنه متقدم الوجود على العلم. ومن أجل هذا دعت الأنبياء، عليهم السلام، الأمم إلى الإقرار أولًا بما خبَّرتهم، والتصديق بما كان غائبًا عنهم عن إدراك حواسهم وتصور أوهامهم، فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند ذلك المؤمنين. ثم طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر الله: … وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ …١٣ فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديقين، كما قال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ١٤

… واعلم أنك أيضًا محتاج إلى الإيمان والتصديق لقول المخبر لك، الذي هو فوقك في العلم وأعلى منك في المعارف؛ لأنك إن لم تؤمن بما يخبرك به حُرمت أشرف العلوم وأجلَّ المعارف. وتعلم أنه ليس لك طريق إلى تصديق المخبر لك في أول الأمر إلا حسن الظن بصدقه، ثم على ممر الأوقات تتبين لك حقيقة ذلك. فلا تطلبه بالبرهان في أول الأمر، ولكن اجتهد في أن تتصور في فكرك ما تسمع بأذنك، ثم اطلب السبيل والبرهان بعد ذلك. ولا ترضَ بالتقليد إذا توسطتَ في العلم، ولا تطلب البرهان في أوله …» (٤٦: ٤، ٦٢–٦٦).

وإذا كان الإخوان أحق الناس بالعبادة الشرعية وأداء فروضها، كما قدمنا سابقًا، فإن لهم إلى جانبها عبادات فلسفية تقام في مواعيد محددة، ويكون لمن اقتدى بها بعد ذلك أعياد فلسفية أيضًا:

«فأما العبادتان فإحداهما الشرعية الناموسية باتباع صاحب الناموس والانقياد إلى أوامره ونواهيه، والمسارعة إلى ما جاء به وقضاه وحكم به على من استجاب إليه … والنظر إلى أفعال النبي والاقتداء بأفعاله، والتشبه به في جميع أفعاله، كما قال الله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ …،١٥ والتضرع إلى الله سبحانه بالدعاء والابتهال في وقت الاجتماعات في الأعياد والجمعات … وأما العبادة الثانية فهي العبادة الفلسفية الإلهية، وهي الإقرار بتوحيد الله عز وجل …
فاعلم يا أخي أنك متى كنت مقصرًا في العبادة الشرعية فلا يجب لك أن تتعرض لشيء من العبادة الفلسفية وإلا هلكت وأهلكت وضللت وأضللت، وذلك أن العمل بالشريعة الناموسية، والقيام بواجب العبادة فيها، ولزوم الطاعة لصاحبها، عليه السلام، إسلامٌ،١٦ والعلم بالعبادة الفلسفية الإلهية إيمان. ولا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، والإسلام سابق على الإيمان كما قال الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ …١٧ وإنما تخصص أصحاب الرسول بعده بالصبر الذي رأوه كان يستعمله في العبادة والطاعة لربه فرضًا على نفسه وتعليمًا لأصحابه، فقام بالأمرين وكمُل بالمنزلتين وحاز الفضيلتين؛ لأنه كان مسلمًا مؤمنًا عارفًا بالدعاء في وقت الإجابة، ولذلك كان لا يُردُّ له دعاء، وكان إمامًا للمسلمين والمؤمنين، عارفًا بالفلسفة الإلهية.

وأما العبادة الفلسفية الإلهية فإن أول درجة منها، وهي التي كانت الفلاسفة القدماء والأجلَّة العلماء يأخذون بها أولادهم وتلامذتهم بعد تعليمهم أحكام السياسات الجسمانية والنفسانية والعبادات الناموسية الشرعية، أن يكون لهم في كل شهر من شهور السنة اليونانية ثلاثة أيام في كل شهر: يوم في أوله، ويوم في وسطه، ويوم في آخره.

فأما اليوم الأول من الشهر، فيجب له أن يتطهر أنظف طهور، ويتبخر بأطيب ما يقدر عليه من البخور، ولا يفرط في طهارته وصلواته المفروضة عليه في شريعة الناموس. فإذا انقلب من محراب صلاة العشاء الآخرة، جلس يسبح الله ويقدسه ويهلله ويكبِّره إلى أن يمضي من الليل الثلث الأول. ثم يقوم ويجدد الوضوء ويُسبغ الطهارة ليكون طهور على طهور ونور على نور، ويبرز من بيته إلى أن يحصل تحت السماء بحذاء الجدي، وهو النجم الذي يُهتدى به … فيتأمل الكتاب المبين ويتدبر آياته ويرى الملكوت دائمًا، وهو يسبح الله ويقدسه ولا يدع التكبير والتهليل … ولا يزال كذلك حتى يذهب من الليل الثلثان، فيكون الثلث الأول قيامًا بعبادة الناموس، والثلث الثاني قيامًا في التفكير في الملكوت.

فإذا زال أوان الثلث الأوسط هبط إلى الأرض ساجدًا بتذلل وخضوع لباريه، فلا يزال كذلك ما قدر عليه، ثم يرفع رأسه ببكاء واستغفار وتوبة واستعبار، فيعدد ذنوبه على نفسه، وينوي التوجه بحسناته وصالح أعماله، ويدعو بالدعاء الأفلاطوني والتوسل الإدريسي [= الهرمسي]، والمناجاة الأرسططالية المذكورة في كتبهم. فلا يزال كذلك حتى يبدو الفجر، فيقوم فيسبغ الوضوء ويتطهر، فيرجع إلى محرابه فيصلي صلاة الفجر، ويجلس في مكانه إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس وأقبل أول النهار، ذبح بيده إذا كان ممن قد اعتاد ذلك ما قدر عليه من محلل الحيوان، ويأمر بإصلاح ما كان من الطعام، ويأذن لأهله وإخوانه بالدخول عليه والوصول إليه، ويُحضر ذلك بين أيديهم. فإذا فرغوا من طعامهم حمدوا الله، جل وعز اسمه، وشكروه وخروا له سجَّدًا شكرًا له بما منَّ عليهم. ثم يُخرج إليهم من الحكمة بحسب ما يوجبه الزمان ويسعه المكان. ولا يزالون كذلك بقية يومهم إلى الوقت من [صلاة] العشاء الآخرة. فيرجعون إلى منازلهم … إلى اليوم الثاني [في وسط الشهر] وهو يوم ليلة البدر … فيفعل في تلك الليلة وصبيحة ذلك اليوم كما فعل في اليوم الأول وأزيد قليلًا … ثم في آخر الشهر وهو اليوم الخامس والعشرون …

ويكون لمن اقتدى بهذه السُّنَّة ثلاثة أعياد: العيد الأول يوم نزول الشمس برج الحمل، وذلك أنه في هذا اليوم يستوي الليل والنهار في الأقاليم، ويعتدل الزمان، ويطيب الهواء … ويذوب الثلج، وتسيل الأودية … وينبت العشب، ويطول الزرع … وكان الحكماء في هذا اليوم يجتمعون ويجمعون أولادهم وشبان تلامذتهم بأحسن زينة وأنظف طهور إلى الهياكل التي كانت لهم، ويذبحون الذبائح الطاهرة … فإذا أكلوا وفرحوا أخذوا في استعمال الموسيقى بالنقرات المحركة للأنفس إلى معالي الأمور، والنغمات اللذيذة بتلاوة الحكمة ونشر العلم، فيكون بذلك راحة النفس وكمال الأنس، فلا يزالون كذلك بقية يومهم ثم ينصرفون إلى أشغالهم. ولهذا اليوم اسم باليونانية [وهو] نوء الربيع.

فإذا نزلت الشمس أول السرطان، فإن ذلك اليوم [هو] العيد الثاني: نوء الصيف. وفيه يتناهي طول النهار وقصر الليل، وانصراف الربيع، ومجيء الصيف، واشتداد الحر وهبوب السمائم، ونقصان المياه، ويبس العشب، واستحكام الحب، وإدراك الحصاد والثمار. فيكون ذلك اليوم عيدًا لاستقبال زمان جديد تابع للزمان الأول …

فإذا نزلت [الشمس] أول دقيقة من برج الميزان، استوى الليل والنهار مرة أخرى، ودخل الخريف، وطاب الهواء، وهبت رياح الشمال … فيكون ذلك اليوم أيضًا يوم عيد، فيدخلون إلى الهيكل المبني لذلك اليوم، ويكون استعمالهم من الأكل ما يوافق طبيعة ذلك اليوم والزمان، ومَن نشر العلم ما لاق به، ولا عيد لهم بعده إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس أول الجدي.

العيد الرابع يتناهى طول الليل وقصر النهار، ويأخذ الليل في النقصان والنهار في الزيادة، وينصرف الخريف، ويدخل الشتاء ويشتد البرد … ويتساقط ورق الشجر ويموت أكثر النبات … وكانت الحكماء تتخذ هذا اليوم يوم حزن وكآبة وندم واستغفار، وكانوا يصومونه ولا يفطرون فيه» (٥٠: ٤، ٢٦١–٢٦٨).

والإخوان إذ يتبنون هذه الأعياد الفلسفية القديمة، فلأنها تتطابق مع مناسبات معينة في تاريخ التنظيم غامضة علينا، ويصعب إلقاء الأضواء عليها في ظل الوضع الحالي لمعلوماتنا عنهم. وهم في الإشارة إليها لا يزيدوننا إلا غموضًا:

«فأعيادنا أيها الأخ هي أشخاص ناطقة وأنفس فعالة تفعل بإذن ربها ما يوحيه إليها ويلهمها من الأفعال والأعمال. فاليوم الأول من أيامنا والعيد الفاضل من أعيادنا هو يوم خروج أول القائمين١٨ مِنَّا، ويكون اليوم الموافق له لنزول الشمس برج الحمل، لمجيء الربيع والخصب والنعمة … وهو يوم فرح وسرور لنا ولجميع إخواننا. واليوم الثاني هو يوم قيام الثاني، الموافق يوم قيامه يوم نزول الشمس أول السرطان في تناهي طول الليل وقصر النهار؛ إذ كان فيه تصرم دولة أهل الجور وانقضاؤها، وهو فرح وسرور واستبشار. واليوم الثالث هو يوم قيامة ثالثنا الموافق لنزول الشمس أول الميزان واستواء الليل والنهار، ودخول الخريف، وهي مقاومة الباطل الحق، وكون الأمر على خلاف ما كان عليه. ثم اليوم الرابع يوم الحزن والكآبة، يوم رجوعنا إلى كهفنا وكهف التقية والاستتار، وكون الأمر على ما قال صاحب الشريعة: إن الإسلام ظهر غريبًا وسيعود غريبًا، فيا طوبى للغرباء»١٩ (٥٠: ٤، ٢٦٩-٢٧٠).

ويختم الإخوان حديثهم عن الأعياد بنص أكثر غموضًا عن قربان إخوان الصفاء:

«واعلم أيها الأخ أن القربان كما ذكرنا قربانان: شرعي وفلسفي لا ثالث لهما. فأما القربان الشرعي فهو المأمور به في الحج من ذبح الحيوانات المذكورة الموصوفة على شرائطها … وأما الفلسفي فهو مثل ذلك إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى الله سبحانه بتسليمها إلى الموت وترك الخوف، كما فعل سقراط لما شرب السم المذكورة قصته في كتاب فأذن، وكاستبشار أرسطاطاليس لما نزل الموت به لما حزن عليه تلامذته وما كان من خطابه به ووصيته المذكورة في رسالة التفاحة.

واعلم أيها الأخ أن أعظم القرابين هو ترك النفس محبة الدنيا، والزهد فيها، وقلة الخوف من الموت وتمنيه.

وأما قربان إخوان الصفاء فهو قربان يجمع هذه الخصال كلها بأسرها شرعيها وفلسفيها، وهو التقرب بما تقرب به إبراهيم من الكبش الممنون به عليه فداءً لولده الذي قد رعى في أرض الجنة أربعين خروفًا. فإن تمكنت أن تتقرب بكبش رعى في أرض الجنة ولو شبرًا، فافعل ولا تقعد عنه، واجتهد في ذلك لتكون قد بلغت المجهود وأقمت المثل، وعمرت عالم الله تعالى. وأرجو أن يوفقك الله لفهم ما تسمع ويجعلك من أهله» (٥٠: ٤، ٢٧٠-٢٧١).

الظاهر والباطن

تتخلل ثنائية الظاهر والباطن رسائل الإخوان من أولها إلى آخرها، وكل ما في الوجود له ظاهر وباطن بما في ذلك الإنسان الذي يمتلك جسدًا ظاهرًا ونفسًا خفية:

«اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الإنسان لما كان هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية، وهما جوهران متباينان في الصفات، متضادان في الأحوال، ومشتركان في الأفعال العارضة والصفات الزائلة، صار الإنسان من أجل جسده الجسماني مريدًا للبقاء في الدنيا متمنيًا الخلود فيها، ومن أجل نفسه الروحانية صار طالبًا للدار الآخرة متمنيًا للبلوغ إليها. وهكذا أكثر أمور الإنسان وتصرُّف أحواله مثنوية متضادة، كالحياة والممات والنوم واليقظة والعلم والجهالة» (٧: ١، ٢٥٩).

«فلما كان الإنسان هو جملة مركبة من جسد جسماني ظاهر جَلي، ومن نفس روحانية باطنة خفية، صارت أحكام الدين والإسلام وحدود الشريعة على وجهين ظاهر وباطن. والظاهر هو أعمال الجوارح، والباطن هو اعتقادات الأسرار في الضمائر، وهو الأصل، كما قال، عليه السلام: الأعمال بالنيَّات، ولكل امرئ ما نوى» (٤٢: ٣، ٤٨٦).

«فاعلم يا أخي بأن لكل شيء من الموجودات في هذا العالم ظاهرًا وباطنًا. وظواهر الأمور قشور وعظام، وبواطنها لب ومخ، وأن الناموس هو أحد الأشياء الموجودة في هذا العالم منذ كان الناس، وله أحكام وحدود ظاهرة بينة يعلمها أهل الشريعة وعلماء أحكامها من الخاص والعام، ولأحكامه وحدوده أسرار وبواطن لا يعرفها إلا الخواص منهم والراسخون في العلم» (٩: ١، ٣٢٨).

«ثم اعلم، أيدك الله، أن علم الدين وآدابه وما يتعلق به نوعان: فمنها ظاهر جلي، ومنها ما هو باطن خفي، ومنها ما هو بين ذلك. وأوْلى ما يصلح للعامة من حكم الدين وآدابه ما كان ظاهرًا جليًّا مكشوفًا، مثل علم الصلاة والصوم، والزكاة والصدقات … وما شاكلها تعليمًا وتسليمًا وإيمانًا. وأَوْلى علوم الدين بالمتوسطين بين الخاصة والعامة هو التفقه في أحكامها، والبحث عن السيرة العادلة، والنظر في معاني الألفاظ مثل التفسير والتنزيل والتأويل، والنظر في المُحكمات والمتشابهات، وطلب الحجة والبرهان، وأن لا يرضى من الدين تقليدًا إذا كان يمكنه الاجتهاد ودقة النظر.

والذي يصلح للخواص البالغين في الحكمة الراسخين في العلوم من علم الدين أن يطلبوه … هو النظر في أسرار الدين وبواطن الأمور الخفية، وأسرارها المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون … وهي البحث عن مرامي أصحاب النواميس في رموزهم وإشاراتهم اللطيفة، المأخوذة معانيها عن الملائكة، وما تأويلها وحقيقة معانيها الموجودة في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف الأنبياء عليهم السلام، من الأخبار عن بدء كون العالم وخلق السماوات في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وخلق آدم الأول الترابي، وأخْذ الميثاق عليه وعلى ذريته، وعتاب الملائكة لربها … وما شاكل هذه الإشارات والمرامي عن أمور قد مضت مع الزمان وانقضت مع الأيام، وما ينتظر في المستقبل كالمكث في البرزخ، والبعث والقيامة … وما شاكل هذه الأمور المذكورة في كتب الأنبياء» (٤٢: ٣، ٥١١).

«واعلم أن الله تعالى جعل الدين طريقًا من الدنيا إلى الآخرة، وجعل في قوام الدين صلاحًا للدنيا والآخرة جميعًا. وذلك أن الدين له ظاهر وباطن وقوامه بها جميعًا. فمن الناس من لا يريد بتمسكه بالدين إلا صلاح الدنيا ومنافعها، فيحرص في أحكام الدين وشريعته من الصلاة والصوم وما شاكلهما، ويرائي الناس وبذلك يطلب منافع الدنيا، فيكون في حفظه أحكام الدين قوام له، كما قيل: إن الله ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. ومن الناس من يريد الدنيا لطلب الآخرة وصلاح المعاد، فهم يزهدون في الدنيا ويتركون الشرور، ويؤدون الأمانات سرًّا وإعلانًا، ويعاملون الناس بالصدق … وفي ذلك صلاح أمر الدنيا والآخرة جميعًا» (٤٢: ٣، ٤٩٢).

«اعلم أن اعتقادات الناس كثيرة لا يحصى عددها إلا الله تعالى، ولكن لا تخرج كلها من ثلاثة أنواع: فمنها ما يصلح للخاص دون العام، ومنها ما للعام دون الخاص، ومنها ما بين الخاص والعام» (٤٢: ٣، ٤٥٢). وذلك بحسب استعداداتهم لفهم ما يُلقى إليهم:

«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه لما كان العقلاء متفاوتي الدرجات في ذكاء نفوسهم، وصفاء أذهانهم وجودة تميزهم، صاروا أيضًا متفاوتي الدرجات في العلوم والمعارف. ولما كان الأمر كما وصفنا، لم يكن أن يخاطبوا بصريح الحقائق خطابًا واحدًا، إلا بألفاظ مشتركة المعاني، ليحمل كل ذي لب وعقل وتمييز بحسب طاقته واتساعه في المعارف والعلوم، كما ذكر الله، جل ثناؤه، بقوله على سبيل المثال: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا …٢٠ قال المفسرون معنى هذه الآية وتأويلها أنه أنزل القرآن من السماء إلى الأرض، كما أنزل المطر من الغيم، فاحتملت القلوب من علم القرآن بحسب اتساعها في المعارف وصفاء جواهر النفوس، كما تحمل الأودية من سيل المطر بحسب سعتها وجريانها. ثم افهم أن لفظ القلب ليس هو قطعة لحم صنوبري الشكل، المعلقة من الصدر الموجود في أكثر الحيوانات؛ وليس المراد من القلب ها هنا ذاك، بل مراد إخواننا أمر وراء ذلك وهي النفس» (٣٨: ٣، ٢٩٩-٣٠٠).

من هنا فإن الأنبياء صرحوا للخواص دون استخدام الرموز، ورمزوا للعوام بمعانٍ محتملة للتأويل بما تفهمها عقولهم وتقبلها نفوسهم:

«واعلم يا أخي أن الأنبياء يستعملون في خطابهم للناس ألفاظًا مشتركة المعاني، لكيما يفهم كل إنسان بحسب ما يحتمل عقله؛ لأن المستمعين لألفاظهم وقُراء تنزيلات كتبهم متفاوتون في درجات عقولهم: فمنهم خاص، ومنهم عام، ومنهم بين ذلك. فالعامة يفهمون من تلك الألفاظ معاني، والخاصة يفهمون معاني أخرى أدق وألطف. وفي ذلك صلاح للجميع؛ لأنه قد قيل في الحكمة: كلموا الناس على قدر عقولهم. وقال المسيح، عليه السلام، للحواريين: لا تضيعوا الحكمة فتضعوها عند غير أهلها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (٤٦: ٤، ١٢٢).

وأيضًا:

«وإنما يستعمل صاحب النواميس هذه الألفاظ في تنزيله وخُطبه؛ لأن كلامه على العموم للناس: الخاص والعام. وفي المخاطبين: نساء وصبيان، وعلماء وجهال، وعقلاء وأغبياء. ما بيَّن ذلك إلا لكي يَعقل ويُكمِّل كل إنسان منهم معاني ألفاظه بحسب فهمه وذكائه وصفاء جوهره، فلا يخلو أحد منهم من فائدة إذا سمعوا قراءة التنزيل. وهذا هو من أجل المعجزات في كتب الأنبياء، وخاصة القرآن منها. ومن أجل هذا قال النبي : نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ. كل آية لها ظاهر وباطن» (٤٢: ٣، ٤٨٨).

وأيضًا:

«فإذا تحققتْ هذه الآراء في نفس واضع الشريعة، وتصورها في فكرة كأنه يشاهد يقينًا لا شك فيه، دعا عند ذلك إليها أهل دعوته الذين أُرسل إليهم، ويجتهد في إنبائهم ما قد اعتقده [وذلك] بالتصريح عنها للخواص من أهل دعوته في السر والإعلان، غير مرموز ولا مكتوم، ثم يشير إليها ويرمز عنها عند العوام بالألفاظ المشتركة، والمعاني المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور وتقبلها نفوسهم. فمَن فهم تلك المعاني وتصور حقائق تلك الأمور التي أشار إليها واضع الشريعة، وتيقن بها، ودام بعد نصرتها مجتهدًا في معاونته، محتملًا للضيم، صابرًا في السُّر أو الضُّر طلبًا لمرضاة الله تعالى، سماهم واضع الشريعة الصِّدِّيقين والشهداء والصالحين … وإنما سماهم الشهداء لمشاهدتهم لتلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولى، يعني به: جنة الحياة ونعيمها، وسماهم الصديقين؛ لتصديقهم لها بالطلب والاجتهاد …

فأما من قصَّر فهمه عن معرفة تلك المعاني، وعن تصور تلك الأمور بحقائقها، فأقر بما أخبره واضع الشريعة، وصدقه على ما قال، وقام معه بنصرته مجتهدًا في معاونته، صابرًا تحت أمره ونهيه، سماهم واضع الشريعة المؤمنين، ومدحهم الله تعالى وأثنى عليهم من جهة إيمانهم بما أخبرهم، وتصديقهم له واجتهادهم معه في نصرته ومعاونته فقال: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ….٢١ وأما من أقر بلسانه وشك فيما قال بقلبه سماهم المسلمين، وذمهم الله تعالى قال: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا …»٢٢ (٤٧: ٤، ١٣٢).

والناجون من أَسْرِ الطبيعة المرشحون للرتبة الملائكية هم أهل الباطن الذين وُفقوا لفهم معاني الكتب الإلهية وأسرار موضوعات الشريعة. أما أهل الظاهر فلعلهم ينجون بشفاعة أهل الباطن:

«واعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة، وهي الألفاظ المقروءة المسموعة، ولها تأويلات خفية باطنة … وفي استعمال أحكامها الظاهرة صلاح للمستعملين في دنياهم، وفي معرفة أسرارها الخفية صلاح لهم في أمر معادهم وآخرتهم. فمن وُفق لفهم معاني الكتب الإلهية، وأُرشد إلى معرفة أسرار موضوعات الشريعة، واجتهد في العمل بالسُّنة الحسنة والسير بسيرته العادلة، فإن تلك النفوس هي التي إذا فارقت الجسد ارتفعت إلى رتبة الملائكة التي هي جنات لها، وهي ثماني مراتب، وفازت ونجت من الهيولى ذي ثلاث الشُّعب التي هي الطول والعرض والعمق … ومَن لم يُرشد لفهم تلك المعاني ولا معرفة تلك الأسرار، ولكن وُفِّق للعمل بسُنته العادلة وأحكامه الظاهرة، فإن تلك النفوس عند مفارقتها الجسد تبقى محفوظة على صورة الإنسانية التي هي الصراط المستقيم إلى أن يتفق لها الجواز على الصراط المستقيم»٢٣ (٤٧: ٤، ١٣٨).

وأيضًا:

«فقد بينا أن خير صناعة تبلغ إليها طاقة البشر وضعُ الناموس الإلهي … فاجتهد يا أخي في معرفة أسراره، لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف العقلية، فتعيش بعيش العلماء الربانيين، وتنال نعيم عالم الروحانيين في جوار الملائكة المقربين مخلدًا أبد الآبدين، فإن لم يستوِ لك ذلك فكن خادمًا في الناموس بحفظ أحكامه والقيام بحدوده، لعلك تنجو بشفاعة أهله من بحر الهيولى وأسر الطبيعة وهاوية عالم الأجسام، بالكون والفساد ذوي الآلام» (٨: ١، ٢٩٥).

إن ثنائية الظاهر والباطن في الدين تجعل من تأويل النص الديني ضرورة لا غنى عنها؛ لأن غرض واضعي النواميس الإلهية بعيد الغور، وقد جاءوا بكلام محتمل للمعاني؛ لتفهم كل طبقة من الناس منه على قدر مبلغها من العلوم:

«واعلم أن الحق هو غاية ليست وراءها نهاية، ولكن دونها أمور متشابهة مشكلة. واعلم أن الألفاظ محتملة للمعاني، والأوهام تذهب في طلبها كل مذهب. فينبغي لك إذا سمعت لفظة محتملة للمعاني ألا تحكم عليها حُكمًا دون أن تتبين بعقلك كل المعاني التي تحتملها تلك اللفظة، لعلك تفهم الغرض الأقصى الذي هو الصواب، وتبلغ الغاية القصوى التي هي الحق.

واعلم أن غرض واضعي النواميس الإلهية بعيد الغور جدًّا في أحكام النواميس، لا يُتصور لك في أول وهلة، ولكن بعد النظر الشافي والبحث الشديد» (٤٦: ٤، ٧٨).

ففي النص الديني إشارات ورموز مثل:

«سبب بدء كون العالم بعد أن لم يكن، ووقوع النفس وغرورها وخلق آدم الأول وسبب عصيانه، وحديث الملائكة وسجودهم لآدم، وقصة إبليس والجان واستكباره عن السجود، وشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى، وسبب أخذ الميثاق إلى ذرية آدم، وأخبار القيامة والنفخ في الصور والبعث والنشور والحساب، وفصل القضاء، والجواز على الصراط، وزيارة الرب تبارك وتعالى، وما شاكل هذا من الأخبار المذكورة في كتب الأنبياء، صلوات الله عليهم، وما حقائق معانيها؛ لأن في الناس أقوامًا عقلاء مميزين متفلسفين، إذا فكروا في هذه الأشياء وقاسوها بعقولهم لا تتصور لهم معانيها الحقيقية، وإذا حملوها على ما يدل عليه ظاهر ألفاظ التنزيل لا تقبله عقولهم، فيقعون عند ذلك في الشكوك والحيرة، وإذا طالت تلك الحيرة بهم أنكروها بقلوبهم، وإن كانوا لا يظهرون ذلك باللسان مخافة السيف.

وفي الناس أقوام دونهم في العلم والتمييز يؤمنون ويعلمون أنها الحق، وأقوام آخرون يأخذونها تقليدًا ولا يتفكرون فيها. وفي الناس طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل نفرت نفوسهم منها واشمأزوا عن ذكرها، وينسبون المتكلم أو السائل عنها إلى الكفر والزندقة والتكلف لما لا ينبغي … وفي الناس طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل تطلعت همم نفوسهم إلى أجوبتها ورغبت في معرفة معانيها، فإذا سمعوا الجواب عنها قبلتها بلا حجة ولا برهان، ولكن على التقليد. أولئك قوم نفوسهم سليمة بعدُ لم تتعوج بالآراء الفاسدة ولم تستغرق بعدُ في نوم الجهالة، فيحتاج المُذكِّر إلى أن يسلك بهم طريقة التعليم إلى التدريج … وفي الناس طائفة من أهل العلم قد نظروا في بعض العلوم وأقروا بعض كتب الحكماء … قد تكلموا في مثل هذه المسائل وأجابوا عنها بجوابات مختلفة، ولم يتفقوا على شيء واحد ولا صح لهم فيها رأي واحد، بل وقعت بينهم في ذلك منازعات ومناقضات. كل ذلك لأنهم لم يكن لهم أصل واحد صحيح ولا قياس واحد مستوٍ يمكن أن يُجاب به عن هذه المسائل …

… ونحن لا نرخص لأحد بالنظر في مثل هذه الأشياء ولا السؤال عنها إلا بعد تهذيب نفسه بمثل ما قلناه ووصفناه … فمن أجل هذا وجب على الحكماء، إذا أردوا فتح باب الحكمة للمتعلمين٢٤ وكشف الأسرار للمريدين، أن يروضوهم أولًا، ويهذبوا نفوسهم بالتأديب، كيما تصفو نفوسهم وتطهر أخلاقهم؛ لأن الحكمة كالعروس تريد لها مجلسًا خاليًا فإنها من كنوز الآخرة، وإن الحكم إذا لم يفعل ما هو واجب في الحكمة من رياضة المتعلمين قبل أن يكشف لهم أسرار الحكمة، فيكون مثله في ذلك كمثل حاجبِ ملكٍ أذِن لقوم بُلهٍ بالدخول على الملك من غير تأديب ولا ترتيب» (٤٣: ٤، ٩–١٣).
وللإخوان من التأويل موقف اعتزالي يقوم على تحكيم العقل في فهم النص الديني وردِّ المتشابه منه إلى المحكم. فالمؤوِّلون هم أهل العقل الراسخون في العلم، والإخوان يقرءُون الآية ٧ من سورة آل عمران على الشكل الآتي: … وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا …٢٥ فالواو قبل كلمة «الراسخون» هي واو العطف، والذي يعرف تأويل الآيات المتشابهات هو الله والراسخون في العلم، الذين يقولون: آمنا به … الآية. وكما أوردنا من أقوالهم في موضع سابق، فإن: «أفضل الإنسان هم العقلاء، وأخيار العقلاء هم العلماء، وأعلى العلماء درجة وأرفعهم منزلة هم الأنبياء، عليهم السلام، ثم بعدهم في الرتبة الفلاسفة الحكماء» (٤٧: ٤، ١٢٤).

فالعقل هو الرئيس، والهادي والمرشد للفضلاء من خلق الله: «ونحن قد رضينا بالرئيس على جماعة إخواننا، والحكم بيننا، العقل الذي جعل الله تعالى رئيسًا على الفضلاء من خلقه الذين هم تحت الأمر والنهي، ورضينا بموجبات قضاياه على الشرائط التي ذكرناها في رسائلنا وأوصينا بها إخواننا» (٤٧: ٤، ١٢٧). وأيضًا: «واعلم أن العقلاء الأخيار إذا انضاف إلى عقولهم القوة بواضع الشريعة، فليس يحتاجون إلى رئيس يرأسهم ويأمرهم وينهاهم ويزجرهم ويحكم عليهم؛ لأن العقل والقدرة لواضع الناموس يقومان مقام الرئيس الإمام. فهلم بنا أيها الأخ أن نقتدي بسنة الشريعة ونجعلها إمامًا لنا فيما عزمنا عليه» (٤٧: ٤، ١٣٧).

من هنا يلجأ الإخوان إلى ذكر العقل والعقلاء وحكم العقل عندما يلجئون إلى التأويل:

«ومن الآراء الفاسدة أيضًا أنه يرى بأن أهل الجنة أجسادهم لحمية وأجسامهم طبيعية مثل أجساد أبناء الدنيا، قابلة للتغيير والاستحالة، متعرضة للآفات. فإذا تأمل ما وصف الله تعالى في صفات أهل الجنة، [أنهم] لا يمسهم فيها نصب، ولا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وأنهم خالدون، وما شاكل هذه الأوصاف المذكورة في القرآن، التي لا تليق بالأجساد اللحمية والأجسام الطبيعية. واعلم أنه لا يليق بالعقلاء أن يعتقدوها فضلًا عن عقول الحكماء، بل النساء والجهال والصبيان جيد لهم، فإن هذا الرأي يليق بأفهامهم ويصلح لهم … وأما من رزقه الله قليلًا من التمييز والعقل والفهم ونظر في علوم الحكمة، فإن هذا الرأي لا يصلح له ولا يليق به؛ لأنه إذا عرضه على عقله، أنكره عليه» (٤٢: ٣، ٥٢٨).

ومن تأويل الكتاب ما يمكن توضيحه للعامة، ومنه ما يجب أن يبقى وقفًا على الخاصة؛ لأن عقول العامة لا تحتمل فهم ذلك:

«لأن أكثر كلام الله تعالى وكلام أنبيائه وأقاويل الحكماء رموز لسرٍّ من الأسرار مخفيًّا عن الأشرار، وما يعلمها إلا الله تعالى والراسخون في العلم. وذلك أن القلوب والخواطر ما كانت تحمل فهم معاني ذلك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: كلموا الناس على قدر عقولهم. و[قال]: إفشاء سر الربوبية كفر. وأما الخواص من الحكماء الذين هم الراسخون في العلم، فهم لا يحتاجون إلى زيادة بيان؛ إذ هم مطلعون على حقائق جميع الأسرار والمرموزات» (٢٢: ٢، ٣٤٣).

وقد جاءت معظم تأويلات إخوان الصفاء، مما عرضنا له في ثنايا هذا الكتاب، في اتفاق مع حكم العقل ومع ما بينت لهم علومهم أنه الحق. وهم غالبًا ما يعطون المصطلح الواحد لفظًا شرعيًّا ولفظًا عقليًّا فلسفيًّا.

«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الطبيعة إنما هي قوة من قوى النفس الكلية، منبثة منها في جميع الأجسام التي دون فلك القمر، سارية في جميع أجزائها كلها، تسمى باللفظ الشرعي الملائكة الموكلين بحفظ العالم وتدبير الخليقة بإذن الله، وتسمى باللفظ الفلسفي قوى طبيعية» (١٨: ٢، ٦٣).

وأيضًا:

«واعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلية الفلكية البسيطة التي ذكرنا أنها تعمل أجناس النبات وأنواعها، هي التي ذُكرت في كتب الأنبياء عليهم السلام أنها ملائكة الله وجنوده الموكلون بها. وذُكر أنه قد ورد في الأخبار المتواترة أن مع كل ورقة وثمرة وحبة تخرجها الأرض من النبات ملكًا موكلًا يربيها وينشئها ويحفظها من الآفات …» (٢١: ٢، ١٥٦). وأيضًا:

«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن النبات مصنوعات ظاهرة جلية لا تخفى، ولكن صانعها وعلتها باطنة خفية محتجبة عن إدراك الأبصار لها، وهي التي يسميها الفلاسفة القوى الطبيعية، ويسميها الناموس الملائكة وجنود الله الموكلين بتربية النبات وتوليد الحيوانات وتكوين المعادن، ونحن نسميها النفوس الجزئية. والعبارات مختلفة والمعنى واحد. وإنما نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطبيعية، و[نسبها] صاحب الشرع إلى الملائكة، ولم ينسبها إلى الله تعالى؛ لأنه يُجِل الباري، جل ثناؤه، عن مباشرة الأجسام الطبيعية والحركات الجرمانية والأعمال الجسدانية، كما يُجَل الملوك والسادة والرؤساء عن مباشرة الأفعال بأنفسهم، وإن كانت تُنسب إليهم على سبيل الأمر بها والإرادة لها، كما يُقال: بنى الإسكندر السد، وبنى سليمان مسجد إيليا [= القدس]، وبنى المنصور مدينة السلام» (٢١: ٢، ١٥٢-١٥٣).

ومن أمثلة التأويل العقلاني ما أوردوه في الآية الكريمة: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ …٢٦ فقالوا:
«واعلم يا أخي أن الملائكة الحافين بالعرش هم حملة العرش، وهي الكواكب الثابتة الحافة بالفلك التاسع [فلك الكواكب الثابتة] من داخله، كما يحف الحجاج بالبيت في طوافهم من خارجه. فهم يسبحون بحمد ربهم، كما قال: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ٢٧ ويؤمنون ويقرون بأن من وراء مراتبهم ومقاماتهم أمورًا أخرى هي أشرف وأعلى، يقصِّر علمهم عنها، ويقف فهمهم دونها» (٢٠: ٢، ١٤٢).

وقد رأينا في فصل ارتقاء النفس، كيف فسر الإخوان الصراط المستقيم بأنه الصورة الإنسانية التي تسير عليها النفس في آخر ارتقائها، وهي الصراط المنتصب في مقابل الصراط المنكوس الذي هو صورة النبات، والصراط المقوس الذي هو صورة الحيوان. كما عرضنا لنماذج من تأويلاتهم في الجنة والنار والحساب والحشر وغيرها، في فصل الآخرة والنشأة الثانية، بما لا ضرورة لتكراره هنا.

الإسلام الكوني

لما كان مذهب الإخوان «يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها»، وكانت آراؤهم مستمدة من الموروث الإنساني بكامله «من الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة … والكتب المنزلة التي جاء بها الأنبياء … والكتب الطبيعية … والكتب الإلهية»، على ما قالوه في الرسالة ٤٥، فإن مذهبهم هو إسلام كوني شمولي لا يَدَّعي احتكار الحقيقة المطلقة، ولا يُسفِّه المذاهب الأخرى باعتبارها ضلالًا وغيًّا وبعدًا عن جادة الحق. وما اختلاف المذاهب إلا من قبيل دخول الشبهة عليها، فإذا زالت الشبهات زالت الاختلافات وتبينت لنا الوحدة الجوهرية للأديان. قد يكون الإسلام بالنسبة للإخوان أفضل الطرق الموصلة إلى الله وأقصرها، ولكنه ليس الطريق الوحيد المقبول، وقد عرضت له الشبهات مثلما عرضت للأديان الأخرى، بسبب التعصب وضيق الأفق والوقوف عند حرفية النص المقدس:

«فاعلم أن الحق في كل دين موجود، وعلى كل لسان جارٍ، وأن الشبهة دخولها على كل إنسان جائز ممكن. فاجتهد يا أخي أن تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه الشبهة التي دخلت عليه إن كنت تحسن هذه الصناعة، وإلا فلا تتعاطاها إن كنت لا تحسنها. ولا تُمسك بما أنت عليه الآن من دينك ومذهبك، واطلب خيرًا منه، فإن وجدْتَ لا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن واجب عليك الأخذ بالأخير الأفضل والانتقال إليه. ولا تشتغلنَّ بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب» (٤٢: ٣، ٥٠١).

لهذا ينبذ الإخوان التعصب البغيض، ويدعون لانفتاح المذاهب على بعضها والإفادة بعضها من بعض؛ لأن في كل مذهب جانبًا من جوانب الحق:

«وبالجملة، ينبغي لإخواننا، أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علمًا من العلوم، أو يهجروا كتابًا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب» (٤٥: ٤، ٤١-٤٢). «واعلم أيها الأخ أنَّا لا نعادي علمًا من العلوم، ولا نتعصب على مذهب من المذاهب، ولا نهجر كتابًا من كتب الحكماء والفلاسفة مما وضعوه وألَّفوه في فنون العلم، وما استخرجوه بعقولهم وتَفَحُّصهم من لطيف المعاني. وأما معتمدنا ومعوَّلنا وبناء أمرنا فعلى كتب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وما جاءوا به من التنزيل» (٤٨: ٤، ١٦٧). «… ثم اعلم أنه ينبغي لمن يريد أن يعرف حقائق الأشياء أن يبحث أولًا عن علل الموجودات وأسباب المخلوقات، وأن يكون له قلب فارغ من الهموم والغموم والأمور الدنيوية … ويكون غير متعصب لمذهب أو على مذهب؛ لأن العصبية هي الهوى، والهوى يعمي عين العقل وينهى عن إدراك الحقائق، ويعمي النفس البصيرة عن تصور الأشياء بحقائقها» (٤٠: ٣، ٣٧٦).

والأنبياء لا يختلفون فيما جاءوا به من معتقدات على الرغم من اختلاف شرائعهم باختلاف الأزمنة والأمكنة:

«ثم اعلم أن الأنبياء، عليهم السلام، لا يختلفون فيما يعتقدون من الدين سرًّا وعلانية، ولا في شيء منه البتة، كما قال تعالى: … أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ …٢٨ وقد بينَّا أنها اثنتا عشرة خصلة يعتقدها الأنبياء وأصحاب النواميس الإلهية أجمعون لا يختلفون فيها، كما بينَّا في رسالة النواميس.
وأما الشرائع التي هي أوامر ونواهٍ وأحكام وحدود وسنن. فهم فيها مختلفون، كما قال تعالى: … لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا …٢٩ وقال: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ….٣٠

ثم اعلم أنَّ اختلاف الشرائع ليس بضارٍّ إذا كان الدين واحدًا … لأن أوامر أصحاب النواميس ونواهيهم مماثلة لأمر الطبيب الرفيق الشفيق فيما أمَرَ العليل من الحمية … وفيما يرى ويأمر له. فمن أجل هذا اختلفت شرائع الأنبياء … لأنهم أطباء النفوس ومنجموها … فقد تعْرِض للنفوس من أهل كل زمان أمراض وأعلال مختلفة من الأخلاق الرديئة والعادات الجائرة والآراء الفاسدة من الجهالات المتراكمة، كما يعرض للأجساد من الأمراض والأعلال من تغييرات الزمان والأهوية والأغذية، فبحسب ذلك يجب أن يكون اختلاف علاجات الأطباء ومداواتهم.

فهكذا شرائع الأنبياء واختلاف سننهم بحسب أهل كل زمان وما يليق بهم أمةً أمةً، وقرنًا قرنًا، مثل شريعة نوح، عليه السلام، في زمانه، وشريعة إبراهيم، عليه السلام، بعده في زمان آخر وقوم آخرين، وشريعة موسى … وشريعة المسيح … وشريعة سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام … فهؤلاء كلهم دينهم واحد وإن كانت شرائعهم مختلفة» (٤٢: ٣، ٤٨٦).

فطريق الخلاص مفتوح أمام جميع الأديان وليس حكرًا على المسلمين وحدهم، والإخوان عندما يذكرون العابدين التائبين، لا يشيرون إلى المساجد وحدها كأماكن للعبادة، وإنما يشيرون إلى الهياكل والمساجد والبيَع، أي إلى أماكن العبادة لدى جميع الأديان. ومن ذلك قولهم الذي اقتبسناه في موضع سابق: «إن أحق النفوس الإنسانية أن تنتقل إلى رتبة الملائكة، هي النفوس المتعوبة في التعبد، المنقادة لأحكام الشريعة، الخادمة في الهياكل والمساجد والبيَع، والصلوات والصوم والقرابين والدعاء والتأله، كما ذكر الله تعالى بقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ …٣١

إن هذه الآية من سورة البقرة، التي يستشهد بها الإخوان هنا واضحة الدلالة؛ فأهل الأديان السماوية، وكل من آمن بالله واليوم الآخر، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وعلى ما ورد في سورة البقرة، الآية ٦٢: … فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ….

لهذا يذم الإخوان اقتتال أهل الشرائع المختلفة وتكفير بعضهم بعضًا وهدر دم بعضهم بعضًا، ويعلنون أنَّ مذهبهم هو مذهب الرحمة والشفقة لكل الناس:

«… فإنَّ من الناس من يرى ويعتقد في دينه ومذهبه أنه حلال له سفك دم كل مخالف له في مذهبه، مثل اليهود والخوارج، وكل من يكفر بالرب. ومن الناس من يرى ويعتقد في دينه ومذهبه الرحمة والشفقة للناس كلهم، ويرثي للمذنبين ويستغفر لهم، ويتحنن على كل ذي روح من الحيوان، ويريد الصلاح للكل. وهذا مذهب الأبرار والزهاد والصالحين من المؤمنين، وهذا مذهب إخواننا الكرام [إخوان الصفاء]» (٤٥: ٤، ٤٤).

وأيضًا:

«فإذا تأملت في أمور الدنيا وجدتها كدار قد مُلئت أجناس حيوانات تعادي بعضها بعضًا عداوة طبيعية … كعداوة البوم والغربان، وعداوة الكلب والسنانير … فهكذا أمور الدنيا وأهلها، الأشرار أعداء الأخيار، والفقراء أعداء الأغنياء يتمنون لهم المصائب، وإذا قدروا على شيء من أموالهم أخذوه ونهبوه. وكذلك أهل الشرائع المختلفة يقتل بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، كما يفعل النواصب والروافض والجبرية والقدرية والخوارج والأشاعرة، وغير ذلك. وكذلك في الملَّة العبرانية مثل العينية والسمعية، وفي الملة السريانية كالنسطورية واليعقوبية وما بينهما من الخلاف. وكذلك في الملَّة الصابئية … ثم اعلم أنه لا يُصلح بين أهل الديانات ولا يؤلف بين المتعاديات … إلا المعرفة بالحق الذي يجمعهم على كلمة التقوى» (٣١: ٣، ١٦٠-١٦١).

ولإيضاح مذهبهم المتسامح البعيد عن الهوى والتعصب، يورد الإخوان الحوار الآتي:

«فهذه محاورات جرت بين رجلين، أحدهما: من أولياء الله تعالى وعباده الصالحين الذين نجَّاهم الله من نار جهنم … والآخر: من الهالكين المعذبين فيها بألوان العذاب.

قال الناجي للهالك: كيف أصبحتَ يا فلان؟

قال: أصبحتُ في نعمة من الله، طالبًا للزيادة راغبًا فيها حريصًا على جمعها، ناصرًا لدين الله، معاديًا لأعداء الله، محاربًا لهم.

قال الناجي: ومَن أعداء الله هؤلاء؟

قال: كل من خالفني في مذهبي واعتقادي.

قال: وإن كان مِن أهل لا إله إلا الله؟

قال: نعم.

قال: إن ظفرت بهم ماذا تفعل بهم؟

قال: أدعوهم إلى مذهبي واعتقادي ورأيي.

قال: فإن لم يقبلوا منك؟

قال: أقاتلهم وأستحل دماءهم وأموالهم، وأسبي ذراريهم.

قال: فإن لم تقدر عليهم ماذا تفعل؟

قال: أدعو عليهم ليلًا ونهارًا، وألعنهم في الصلاة، كل ذلك تقربًا إلى الله تعالى.

قال: فهل تعلم أنك إذا دعوت عليهم ولعنتهم يصيبهم شيء؟

قال: لا أدري! ولكن إذا فعلت ما وصفت لك، وجدت لقلبي راحة، ولنفسي لذة، ولصدري شفاء.

قال له الناجي: أتدري لمَ ذلك؟

قال: لا، ولكن قل أنت.

قال: لأنك مريض النفس، مُعذَّب القلب، مُعاقَب الروح. لأن اللذة هي خروج من الآلام. ثم اعلم أنك محبوس في طبقة من طبقات جهنم، وهي الحُطَمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، إلى أن تخلص منها وتنجو نفسُك من عذابها، إذا لقيت الله عز وجل كما وعد بقوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا٣٢ ثم قال الهالك للناجي: أخبرني أنت عن رأيك ومذهبك وحال نفسك كيف هي؟
قال: نعم. أما أنا فإني أرى أني قد أصبحت في نعمة من الله وإحسان لا أحصي عددها، ولا أؤدي شكرها، راضيًا بما قسم الله لي وقدَّر، وصابرًا لأحكامه، لا أريد لأحدٍ من الخلق سوءًا، ولا أضمر لهم دغلًا، ولا أنوي لهم شرًّا. نفسي في راحة، وقلبي في فسحة، والخلق من جهتي في أمان. أسلمت لربي مذهبي، وديني دين إبراهيم عليه السلام، أقول كما قال: … فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ٣٣   إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»٣٤ (٣٨: ٣، ٣١٢-٣١٣).

ويورد الإخوان أيضًا هذه الحكاية التي تحمل في ثناياها نقدًا لاذعًا للتعصب وضيق الأفق اليهوديَّين، على الرغم من أنهم استشهدوا بها في حديثهم عن الأخلاق. وبطلا الحكاية يهودي متعصب يرى أن بقية البشر من غير اليهود على ضلال ويُحلل سفك الدماء، ومجوسي متسامح يؤمن بإله أعلى للبشر يريد الخير لكل إنسان:

«جاء في الخبر أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار، أحدهما مجوسي من أهل كرمان، والآخر يهودي من أهل أصفهان. وكان المجوسي راكبًا على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه المسافر في سفره من الزاد والنفقة والأثاث، فهو يسير مرفَّهًا، واليهودي كان ماشيًا ليس معه زاد ولا نفقة. فبينا هما يتحدثان؛ إذ قال المجوسي لليهودي: ما مذهبك واعتقادك يا خوشاك؟ قال اليهودي: اعتقادي أن في هذه السماء إلهًا هو إله بني إسرائيل؛ وأنا أعبده وأسأله وأطلب إليه ومنه سعة الرزق، وطول العمر … أريد منه الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، ولا أفكر فيمن يخالفني في ديني ومذهبي، بل أرى وأعتقد أن من يخالفني في ديني ومذهبي، فحلال لي دمه وماله، وحرام عليَّ نصرته أو نصيحته أو معاونته أو الرحمة أو الشفقة عليه. ثم قال للمجوسي: قد أخبرتك عن مذهبي واعتقادي لما سألتني عنه، فأخبرني يا مغا أنت أيضًا عن مذهبك واعتقادك.

قال المجوسي: أما اعتقادي ورأيي، فهو أني أريد الخير لنفسي ولأبناء جنسي كلهم، ولا أريد لأحد سوءًا، لا لمن كان على ديني ويوافقني، ولا لمن يخالفني ويضادُّني في مذهبي. فقال اليهودي له: وإن ظلمك وتعدَّى عليك؟ قال: نعم؛ لأني أعلم أن في هذه السماء إلهًا خبيرًا فاضلًا عادلًا حكيمًا عليمًا لا تخفى عليه خافية في أمر خلقه، وهو يُجازي المحسنين بإحسانهم، ويكافئ المسيئين على إساءتهم. فقال اليهودي للمجوسي: فلست أراك تنصر مذهبك وتحقق اعتقادك. فقال المجوسي: وكيف ذلك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وأنت تراني أمشي متعوبًا جائعًا، وأنت راكب شبعان مترفِّهًا. قال: صدقت، وماذا تريد؟ قال: أطعمني واحملني ساعة لأستريح قد أعييت. فنزل المجوسي عن بغلته، وفتح له سفرته، فأطعمه حتى أشبعه، ثم أركبه ومشى معه ساعة يتحدثان. فلما تمكن اليهودي من الركوب وعلم أن المجوسي قد أعيا، حرك البغلة وسبقه، وجعل المجوسي يمشي فلا يلحقه، فناداه: يا خوشاك، قف لي وانزل فقد أعييت. فقال له اليهودي: أليس قد أخبرتك عن مذهبي يا مغا وخبَّرتني عن مذهبك ونصرته وحققته، وأنا أيضًا أريد أن أنصر مذهبي وأحقق اعتقادي؛ وجعل يُجري البغلة والمجوسي في أثره يعدو ويقول: ويحك يا خوشاك، قف لي قليلًا واحملني معك، ولا تتركني في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعًا وعطشًا، وارحمني كما رحمتك. وجعل اليهودي لا يفكر في ندائه ولا يلوي عليه حتى مضى وغاب عن بصره.

فلما يئس المجوسي منه وأشرف على الهلاك، تذكر تمام اعتقاده، وما وصف له بأن في السماء إلهًا خبيرًا فاضلًا عالمًا عادلًا لا يخفى عليه من أمر خلقه خافية، فرفع رأسه إلى السماء فقال يا إلهي، قد علمتَ أني قد اعتقدتُ مذهبًا ونصرتُه وحققته، ووصفتك بما سمعت وعلمت وتحققت، فحقق عند اليهودي خوشاك ما وصفتك به ليعلم حقيقة ما قلت. فما مشى المجوسي إلا قليلًا حتى رأى اليهودي وقد رمت به البلغة فاندقت عنقه، وهي واقفة بالبعد منه تنتظر صاحبها. فلما لحق المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله، وترك اليهودي يقاسي الجهد ويعالج كرْب الموت. فناداه اليهودي: يا مغا، ارحمني واحملني ولا تتركني … وحقق مذهبك وانصر اعتقادك. قال المجوسي: قد فعلت مرة، ولكن بعدُ لم تفهم ما قلت لك، ولم تعقل ما وصفت لك … قال اليهودي: قد فهمتُ ما قلتَ وعلمتُ ما وصفتَ. فقال له المجوسي: فما الذي منعك أن تتعظ بما قلتُ لك يا خوشاك؟ فقال اليهودي: اعتقاد قد نشأت عليه ومذهب قد ألفته وصار عادة وجبلة بطول الدءوب فيه، وكثرة الاستعمال له اقتداءً بالآباء والأمهات والأستاذين والمعلمين من أهل ديني ومذهبي، فقد صار جبلة وطبيعة ثابتة يصعب عليَّ تركها والإقلاع عنها. فرحمه المجوسي وحمله معه حتى جاء به إلى باب المدينة وسلمه إلى أهله مكسورًا» (٩: ١، ٣٠٨–٣١٠).

هذا الفكر الكوني للإخوان يربط الإنسان المسلم بالتراث الثقافي والروحي للإنسانية جمعاء، سواء أكان مذهبًا فلسفيًّا أم مسيحيًّا أم إسلاميًّا:

«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العلم والحكمة للنفس كتناول الطعام والشراب للجسد … وذلك أن الأنفس الجزئية تتصوَّر بالعلوم جواهرها، وتنمو بالحكمة ذواتها، وتضيء بالمعارف صورها، وتقوى بالرياضيات فكرها، وتنير بالآداب خواطرها … ويشتد على البلوغ إلى أقصى مدِّ غاياتها عزماتها، من الترقي في المراتب العالية بالنظر في العلوم الإلهية، والسلوك في المذاهب الروحانية الربانية، والتعبد في الأمور الشريفة من الحكمة على المذهب السقراطي، والتصوف والتزهد والترهب على المنهج المسيحي، والتعلق بالدين الحنيفي. وهو التشبه بجوهرها الكلي ولحوقها بعالمها العلوي» (٢٧: ٣، ٨).

وهم يرون أن الفضائل تجتمع في أحد الأشخاص إذا كان:

«الفاضل الذكي، المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف …» (٢٢: ٢، ٣٧٦).

وهم يعبرون عن معتقدهم في وحدة الأديان أعمق تعبير في هذا النص المرموز الذي لا يخفى تأويله على مَن مشى معنا حتى الآن على درب إخوان الصفاء:

«أو هل لك يا أخي أن تنظر معنا حتى ترى ملكوت السماوات التي رآها أبونا إبراهيم لما جَنَّ عليه الليل حتى تكون من الموقنين؟

أو هل لك يا أخي أن تُتم الميعاد وتجيء إلى الميقات عند الجانب الأيمن [من الطور] حيث قيل: يا موسى. فيُقضى إليك الأمر، فتكون من الشاهدين؟

أو هل لك يا أخي أن تصنع ما عمل فيه القوم، كي يُنفخ فيك الروح فيذهب عنك اللوم، حتى ترى الأيسوع٣٥ عن ميمنة عرش الرب قد قُرِّب مثواه كما يُقرب ابن الأب، أو تر مَن حوله من الناظرين؟
أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرِمن٣٦ حتى ترى اليزدان٣٧ قد أشرق منه النور في فسحة أفريحون؟
أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون،٣٨ حتى ترى الأفلاك التي يحيكها أفلاطون، وإنما هي أفلاك روحانية لا ما يشير إليه المنجمون؟ وذلك أن علم الله تعالى محيط بما يحوي العقل من المعقولات، والعقل محيط بما تحوي النفس من الصور، والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات، والطبيعة محيطة بما تحوي الهيولى من المصنوعات. فإذن هي أفلاك روحانية محيطات بعضها لبعض.

أو هل لك أن لا ترقد من أول ليلة القدر، حتى ترى المعراج في حين طلوع الفجر، حيث أحمد المبعوث في مقامه المحمود، فتسأل حاجتك المقضية لا ممنوعًا ولا مفقودًا، وتكون من المقربين؟

وفقك الله، أيها الأخ البار الرحيم، وجميع إخواننا لفهم هذه الإشارات والرموز، وفتح قلبك وشرح صدرك وطهر نفسك ونوَّر عقلك، لتشاهد بعين البصيرة حقائق هذه الأسرار. فلا تفزع من موت الجسد إذا فارقته، وفيه حياة للنفس» (٤٤: ٤، ١٨-١٩).

١  سورة القلم: الآية ٤.
٢  الرسالة الجامعة، منشورات عويدات، ببيروت، ١٩٩٥م — حقيقة إخوان الصفاء وخلان الوفاء، منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت ١٩٥٧م.
٣  سورة البقرة: الآية ٢٦٩.
٤  سورة آل عمران: الآية ٧.
٥  سورة الزمر: الآية ٩.
٦  سورة البقرة: الآية ٣.
٧  سورة المائدة: الآية ١٠٠.
٨  سورة المجادلة: الآية ١١.
٩  سورة الروم: الآية ٥٦.
١٠  سورة غافر: الآية ٨٣.
١١  سورة المؤمنون: الآية ٣٣.
١٢  سورة المجادلة: الآية ١١.
١٣  سورة التغابن: الآية ١١.
١٤  سورة الزمر: الآية ٣٣.
١٥  سورة الأحزاب: الآية ٢١.
١٦  كلمة إسلام هنا ساقطة من النص لسهو في النسخ. وقد أضفتها اعتمادًا على السياق العام لهذا المقطع الذي يميز بين الإسلام والإيمان.
١٧  سورة الحجرات: الآية ١٤.
١٨  القائم في الفكر الإسماعيلي هو كل إمام سابع في سلسلة الأئمة.
١٩  يقول المؤلف الإسماعيلي عارف تامر في مقدمته لرسائل إخوان الصفاء، طبعة عويدات، في تأويل هذا المقطع ما يأتي:
«لهذا القول تأويل ظلت معرفته مقتصرة على أهله. فهو هنا يرمز إلى عصور ظهور الأئمة في الأدوار … فالعيد الأول بعد الدور الثاني هو مثول الإمام الفاطمي العزيز بالله الذي انتصر على القرامطة ورد غزواتهم عن الأراضي المصرية. والعيد الثاني هو يوم ظهور الحاكم بأمر الله، وهو الذي هدم ثورة أهل الجور. أما العيد الثالث فهو يوم ظهور الظاهر لإعزاز دين الله. وأما الرابع فهو يوم الحزن والكآبة، أي يوم ذهاب الدولة الفاطمية بوفاة الإمام المستنصر بالله، وعودة الأئمة إلى كهف الستر والتقية.»
ونحن إذا أخذنا هذا التأويل على محمل الجد، فأمامنا تفسيران لذلك، فإما أن الإخوان كانوا يتنبئون بأحداث ستقع بعد أكثر من قرنين من عصرهم، أو أن أحدًا من النساخ الإسماعيليين المتأخرين قد حشر هنا هذا المقطع. ومن ناحية أخرى نقول: إن الأعياد تقام إحياءً لذكرى مناسبات ماضية لا استبشارًا بمناسبات آتية.
٢٠  سورة الرعد: الآية ١٧.
٢١  سورة التوبة: الآية ٧٢.
٢٢  سورة الحجرات: الآية ١٤.
٢٣  على الرغم من غموض موقف الإخوان من مسألة عودة النفس الإنسانية للتناسخ في أجساد بشرية حتى تستكمل معارفها وتصبح مهيأة للانعتاق، فإن هذا المقطع الأخير لا يمكن فهمه إلا على ضوء معتقد التناسخ هذا. ولربما كان هذا معنى استشهادهم بالآية الكريمة من سورة النساء (٥٦): … كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا …. أي ألبسناهم صورة إنسانية أخرى.
٢٤  وردت في النص: للمعلمين. وأعتقدُ بوجود خطأ في النسخ أو خطأ مطبعي.
٢٥  سورة آل عمران: الآية ٧.
٢٦  سورة الزمر: الآية ٧٥.
٢٧  سورة الصافات: الآيات ١٦٤–١٦٦.
٢٨  سورة الشورى: الآية ١٣.
٢٩  سورة المائدة: الآية ٤٨.
٣٠  سورة الحج: الآية ٦٧.
٣١  سورة البقرة: الآية ٦٢.
٣٢  سورة مريم: الآية ٧٢.
٣٣  سورة إبراهيم: الآية ٣٦.
٣٤  سورة المائدة: الآية ١١٨.
٣٥  أي يسوع المسيح.
٣٦  أهرِمن هو أهريمان إله الظلام والشر الفارسي.
٣٧  اليزدان هو أهورا مزدا إله النور والخير الفارسي.
٣٨  عاديمون ألوهة صابنية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤