الفصل السابع

طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية

إن ما يميز مذهب إخوان الصفاء عن كثير من مذاهب الخلاص هو تركيزهم على أن النجاة التي يسعون إليها لا تتحقق إلا بالجهد الجمعي المشترك، وتعاون الأفراد مع بعضهم على تحقيقها. فكما أن البشر محتاجون للتعاون في شئون دنياهم، كذلك هم محتاجون إليه في شئون آخرتهم:

«اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش وحده إلا عيشًا نكدًا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش من إحكام صنائع شتى، ولا يمكن الإنسانَ الواحد أن يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير والصنائع كثيرة؛ فمن أجل هذا اجتمع في كل مدينة أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضًا. وقد أوجبت الحكمة الإلهية والعناية الربانية بأن يشتغل جماعة منهم بإحكام الصنائع، وجماعة في التجارات، وجماعة بإحكام البنيان … لأن مَثَلَهم في ذلك كمثل إخوة من أب واحد في منزل واحد، متعاونين في أمر معيشتهم، كلٌّ منهم في وجهٍ منها …

واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ينبغي لك أن تتيقن بأنك لا تقدر أن تنجو وحدك مما وقعْتَ من محنة هذه الدنيا وآفاتها بالجناية التي كانت من أبينا آدم، عليه السلام؛ لأنك محتاج في نجاتك وتخلُّصك من هذه الدنيا … والصعود إلى عالم الأفلاك … إلى معاونة إخوان لك نصحاء وأصدقاء لك فضلاء، متبصرين بأمر الدين علماء بحقائق الأمور، ليُعرفوك طرائق الآخرة وكيفية الوصول إليها، والنجاة من الورطة التي وقعنا فيها كلنا بجناية أبينا آدم عليه السلام. فاعتبر بحديث الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة، وكيف نجت من الشبكة، لتعلم حقيقة ما قلنا» (٢: ١، ٩٩-١٠٠).

«واعتبر يا أخي كيفية انصراف الحج إلى بلدانهم، فإنك ترى لأهل كل بلد قافلة وطريقًا يمرون فيه متعاونين ذاهبين وراجعين؛ فهكذا وردت النفوس إلى هذا العالم في كل أمة بدلالة كوكب وبرج في قران، ولا تنصرف من الدنيا إلا بدين ومذهب، ويكون زاد كل نفس ما كسبت من خير وشر. فلا تظن يا أخي أنك تقدر على أن ترجع بنفسك وحدها.

واعلم أن الطريق بعيدة، والشياطين بالمرصاد قعود كقطَّاع الطريق، فاعتبر؛ فكما أنك لا تقدر على أن تعيش وحدك إلا عيشًا نكدًا، ولا تجد عيشًا هنيًّا إلا بمعاونة أهل المدينة، وملازمة شريعة، فهكذا ينبغي لك أن تعتبر لتعلم بأنك محتاج إلى إخوان أصدقاء متعاونين، لتنجو بشفاعتهم من جهنم، وتصعد إلى ملكوت السماء بمعاونتهم، وتدخل الجنة بلا حساب.

واعلم يا أخي علمًا يقينًا أنه لو كان يمكن أن تنجو نفس وحدها بمجردها لما أمر الله تعالى بالتعاون، حيث قال: … تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ …١ وقال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا …»٢ (٢٠: ٢، ١٣٩).

«واعلم أنَّ هذا الجسد لهذه النفس، في المثال، بمنزلة دار تُسكن، أو دابة تُركب، أو آلة تُستعمل؛ وما دامت هذه النفس مع هذا الجسد مربوطة به إلى الوقت المعلوم، فلا بد من النظر فيما تصلح به معيشة الدنيا، وما تنال به النجاة والفوز في الآخرة.

واعلم أن هذين الأمرين لا يجتمعان ولا يتمَّان إلا بالمعاونة، والمعاونة لا تكون إلا بين اثنين أو أكثر من ذلك. وليس شيء أبلغ على المعاونة من أن تجتمع قوى الأجساد المتفرقة، وتصير قوة واحدة، وتتفق تدابيرُ النفوس المؤتلفة وتصير تدبيرًا واحدًا، حتى تكون كلها كأنها جسد واحد ونفس واحدة، فعند ذلك تغلبُ كل من رام غلبتها، وتقهر كل من خالفها وضادَّها. فهلم بنا يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، لنجتمع ونتعاون على ذلك» (٤٨: ٤، ١٦٩-١٧٠).

«فهل لك يا أخي بأن تنظر إلى نفسك وتسعى في صلاحها وتطلب نجاتها … وأن ترغب في صُحبة أصدقاء لك نصحاء، وإخوان لك فضلاء، وادِّين لك كرماء، حريصين معاونين لك على صلاحك ونجاتك مع أنفسهم، قد خلعوا أنفسهم من خدمة أبناء الدنيا، وجعلوا عنايتهم وكدهم في طلب نعيم الآخرة، بأن تسلك مسلكهم وتقصد مقصدهم، وتُخلص سرك معهم وتتخلَّق بأخلاقهم، وتسمع أقاويلهم لتعرف اعتقادهم، وتنظر في علومهم لتفهم أسرارهم وما يخبرونك به من العلوم النفسية … إذا دخلت مدينتنا الروحانية وسرت بسيرتنا الملكية وعملت بسنتنا الزكية وتفقمت في شريعتنا العقلية، فلعلك تؤيَّد بروح الحياة، لتنظر إلى الملإ الأعلى وتعيش عيش السعداء» (١٥: ٢، ٢٣).

«واعلموا أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من أقوام خيار فضلاء يجتمعون في بلد ويتفقون على رأي واحد ودين واحد ومذهب واحد، ويعقدون بينهم عهدًا وميثاقًا بأنهم يتناصرون ولا يتخاذلون ويتعاونون ولا يتقاعدون عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في جميع تدابيرهم وفيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة» (٤٨: ٤، ١٨٧-١٨٨).

ويورد الإخوان حكاية رمزية تشير إلى أسلوبهم في الدعوة إلى مذهبهم واكتساب المريدين:

«اعلم أنه في الزمان السالف ذكروا أنه كان رجلًا من الحكماء عارفًا بالطب، دخل إلى مدينة من المدن، فرأى عامة أهلها بهم مرض خفي لا يشعرون بعلَّتهم، ولا يحسون بدائهم الذي بهم. ففكر ذلك الحكيم في أمرهم كيف يداويهم ليبرئهم من دائهم ويشفيهم من علتهم التي استمرت بهم، وعلم أنه إن أخبرهم بما هم فيه لا يستمعون قوله ولا يقبلون نصيحته، بل ربما ناصبوه بالعداوة، واستعجزوا رأيه، واستنقصوا آدابه، واسترذلوا علمه. فاحتال عليهم في ذلك لشدة شفقته على أبناء جنسه، ورحمته لهم وتحننه عليهم، وحرصه على مداواتهم طلبًا لمرضاة الله عز وجل، بأن طلب من أهل تلك المدينة رجلًا من فضلائهم الذين كان بهم ذلك المرض، فأعطاه شربة من شربات كانت معه قد أعدها لمداواتهم، وسعطه بدُخنة كانت معه لمعالجتهم، فعطس ذلك الرجل من ساعته، ووجد خفة في بدنه، وراحة في حواسه، وصحة في جسمه وقوة في نفسه. فشكر له وجزاه خيرًا وقال له: هل لك من حاجة أقضيها لك مكافأة لما اصطنعت إليَّ من الإحسان في مداواتك لي؟ فقال: نعم، تعينني على مداواة أخ من إخوانك، قال سمعًا وطاعة لك. فتوافقا على ذلك، ودخلا على رجل آخر ممن رأيا أنه أقرب إلى الصلاح، فخلوا به من رفقائه وداوياه بذلك الدواء، فبرَّأ من ساعته. فلما أفاق من دائه جزاهما خيرًا وبارك فيهما وقال لهما: هل لكما حاجة أقضيها لكما مكافأة لما صنعتما إليَّ من الإحسان والمعروف؟ فقال: تعيننا على مداواة أخ من إخوانك. فقال: سمعًا وطاعة لكما. فتوافقوا على ذلك، ولقوا رجلًا آخر، فعالجوه وداووه بمثل الأول، فبرئ … ثم تفرقوا في المدينة يداوون الناس واحدًا بعد آخر في السر، حتى أبرءوا أناسًا كثيرًا، وكثر أنصارهم وإخوانهم ومعارفهم … حتى أبرءوا أهل المدينة كلهم.

واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن هذا مثل الأنبياء صلوات الله عليهم في بدء دعوتهم الناس … وذلك أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في أول مبعثه ودعوته ابتدأ أولًا بزوجته خديجة، عليها السلام، ثم بابن عمه علي، عليه السلام، ثم بصديقه أبي بكر، ثم مالك وأبي ذر وصهيب وبلال وسلمان وجبير وبشار وغيرهم، حتى التأموا تسعة وثلاثين رجلًا وامرأة. ثم دعا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يُعز الله عز وجل، الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فاستجيبت دعوته في عمر وأسلم، والتأموا أربعين رجلًا، وأظهروا الدعوة» (٤٤: ٤، ١٤–١٦).

هذا الرقم الرباعي هو الذي يبني عليه إخوان الصفاء تنظيمهم، تيمنًا بما رُوي عن النبي أنه قال: لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلًا من الصالحين على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام:

«ويقال إن من هؤلاء الأربعين رجلًا أربعةٌ منهم الأبدال. وإنما سُمُّوا الأبدال؛ لأنهم بُدِّلوا خلقًا بعد خَلق، وصُفُّوا تصفية بعد تصفية. وذلك أن هؤلاء الأربعين منتقون من جملة أربعمائة من الزاهدين العارفين المحققين، الأربعمائة منتقون من أربعة آلاف من المؤمنين التائبين المخلصين. وكلما مضى شخص من الأربعة قام في رتبته شخص من الأربعين. وإذا مضى شخص من الأربعين قام في رتبته شخص من الأربعمائة، وإذا مضى شخص من الأربعمائة ارتقى إلى منزلته شخص من الأربعة الآلاف، فبلغ مرتبته وقام مقامه، وكلما مضى شخص من الأربعة الآلاف ارتقى مكانه بدلًا منه واحد من المؤمنين التائبين المخلصين، فبلغ درجته وقام مقامه» (٩: ١، ٣٧٧).

فمراتب تنظيم إخوان الصفاء أربع، ولكنها تقوم على قاعدة واسعة من الأنصار المهيئين للترقي إلى مرتبة الأعضاء العاملين، وهم الذين دعاهم النص بالمؤمنين التائبين المخلصين. وهذه القاعدة منتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي على ما يقوله لنا الإخوان، ولا نملك إلا تصديقهم فيما يقولون:

fig4
شكل ٧-١

«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن لنا إخوانًا وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم متفرقين في البلاد؛ فمنهم طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكُتاب، ومنهم طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتُّنَّاء، ومنهم طائفة من أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين، ومنهم طائفة من أولاد الصناع والمتصرفين وأمناء الناس. وقد ندبنا لكل طائفة منها أحدًا من إخواننا ممن ارتضيناه في بصيرته ومعارفه، لينوب عنَّا في خدمتهم بإلقاء النصيحة إليهم بالرفق والرحمة والشفقة عليهم» (٤٨: ٤، ١٦٥).

وكل مرتبة من هذه المراتب لها سن معين ودرجة في العلم والرقي الروحي:

«واعلم أيها الأخ البار الرحيم أن قوة نفوس إخواننا في هذا الأمر الذي نشير إليه ونحث عليه على أربع مراتب: أولها صفاء جواهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور، وهي مرتبة أرباب ذوي الصنائع في مدينتنا التي ذكرناها في الرسالة الثانية، وهي القوة العاقلة المميِّزة لمعاني المحسوسات، الواردة على القوة الناطقة بعد خمس عشرة سنة من مولد الجسد. وإلى هذا أشار [تعالى] بقوله: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ …٣ وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الأبرار الرحماء.
وفوق هذه المرتبة مرتبة الرؤساء ذوي السياسة، وهي مراعاة الإخوان، وسخاء النفس وإعطاء الفيض بالشفقة والرحمة والتحنن على الإخوان. وهي القوة الحِكمية الواردة على القوة العاقلة بعد ثلاثين سنة من مولد الجسد. وإليه أشار بقوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا …٤ وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الأخيار الفضلاء.
والمرتبة الثالثة فوق هذه، وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف … وهي القوة الناموسية الواردة على النفس بعد مولد الجسد بأربعين سنة، وإليها أشار بقوله تعالى: … حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ …٥ وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الفضلاء الكرام.
والرابعة فوق هذه، وهي التي ندعو إليها إخواننا كلهم في أي مرتبة كانوا، وهي التسليم وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانًا. وهي القوة الملكية الواردة بعد خمسين سنة من مولد الجسد، وهي الممهدة للمعاد، والمقرِّبة بمفارقة الهيولى، وعليها ترد قوة المعراج، وبها تصعد إلى ملكوت السماء … وإلى هذه المرتبة أشار بقوله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً»٦ (٤٨: ٤، ١٧٣-١٧٤).

فالمرتبة الدنيا يشغلها مَن هم بين الخامسة عشرة والثلاثين من العمر، والتي فوقها يشغلها من هم بين الثلاثين والأربعين، والتي فوقها من هم بين الأربعين والخمسين، والتي فوقها من أتم الخمسين.

والإخوان يركزون في دعوتهم على الشباب؛ لأن عقولهم لم تمتلئ بعد بالأفكار المسبقة، ولم يتشكل لديهم بعدُ هوى وتعصب لمذهب من المذاهب:

«واعلم أن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم واعتقاد من الآراء كمثل ورق أبيض نقي لم يُكتب فيه شيء، فإذا كُتب فيه شيء، حقًّا كان أم باطلًا، فقد شُغل المكان ومُنع أن يُكتب فيه شيء آخر، ويصعب حكُّه ومحوه. فهكذا حُكم أفكار النفوس، إذا سبق إليها علم من العلوم واعتقاد من الآراء أو عادة من العادات، تمكَّن فيها، حقًّا كان أو باطلًا، ويصعب قلعها ومحوها، كما قال القائل:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبًا فارغًا فتمكنا

فإذا كان الأمر كما وصفتُ، فينبغي لك أيها الأخ أن لا تشغل بإصلاح المشايخ الهرمة، الذين اعتقدوا من الصبا آراءً فاسدة وعادات رديئة وأخلاقًا وحشية، فإنهم يتعبونك ثم لا ينصلحون، وإن صلُحوا قليلًا قليلًا فلا يفلحون. ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور، الراغبين في الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم … التاركين الهوى والجدل، غير متعصبين على المذاهب.

واعلم أنَّ الله تعالى ما بعث نبيًّا إلا وهو شاب، ولا أعطى لعبد حكمة إلا وهو شاب، كما ذكرهم ومدحهم فقال عز اسمه: … إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى٧ وقال تعالى: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ٨ وقال أيضًا: … قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ….٩
واعلم أن كل نبي بعثه الله فأول من كذَّبه مشايخ قومه المتعاطون الفلسفة والنظر والجدل، كما وصفهم تعالى فقال: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ»١٠ (٤٥: ٤، ٥١-٥٢). وأول ما يتلقاه الشاب في فترة تحضيره للانخراط في الجماعة هو التعليم المناسب:

«واعلم بأن خير شيء يُرزقه الإنسان [هو] السعادة، وأن السعادات نوعان: داخلٌ وخارجٌ؛ فالذي هو داخل نوعان؛ أحدهما في الجسد والآخر في النفس. فالذي في الجسد كالصحة والجمال، والذي في النفس كالذكاء وحسن الخلق، والذي من خارج نوعان: أحدهما مِلْك اليد كالمال ومتاع الدنيا، والآخر الأقران من أبناء الجنس كالزوجة والصديق والولد والأخ والأستاذ والمعلم … فمن أسعد السعادات أن يتفق لك يا أخي معلم رشيد عالم عارف بحقائق الأشياء والأمور … ومن أنحس المناحس أن يكون لك ضد ذلك. واعلم أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها وعلة حياتها، كما أنَّ والدك أب لجسدك وكان سببًا لوجوده. وذلك أن والدك أعطاك صورة جسدانية ومعلمك أعطاك صورة روحانية …» (٤٥: ٤، ٤٩-٥٠).

لا يقتصر تعاون إخوان الصفاء على النواحي العلمية والروحانية، وإنما يشمل كل نواحي الحياة:

«فينبغي لإخواننا ممن رُزق المال والعلم جميعًا أن يؤدي شكر ما أنعم الله، عز وجل، به عليه بأن يضم إليه أخًا من إخوانه ممن قد حُرمهما، ويواسيه من فضل ما أتاه الله تعالى من المال؛ ليقيم به حياة جسده في دار الدنيا، ويرفده ويعلمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة … ولا ينبغي له أن يمُنَّ عليه بما ينفق عليه من المال ولا يستحقره، ويعلم أن الذي حَرَمَ أخاه هو الذي أعطاه؛ وكما أنه لا يمنُّ على ابن له جسداني فيما يربيه وينفقه عليه من ماله … كذلك لا يجب أن يمن على ابنه النفساني؛ لأنه إذا كان ذلك ابنه الجسداني فهذا ابنه النفساني، كما رُوي أن النبي قال لعلي عليه السلام: أنا وأنتَ أبوا هذه الأمة. وقال : المؤمن أخو المؤمن من أبيه وأمه … وبهذا المعنى قال المسيح، عليه السلام، للحواريين: جئت من عند أبي وأبيكم … فهذه الأبوة نفسانية لا ينقطع نسبها كما قال النبي، عليه السلام: يا بني هاشم لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، فإني لا أُغني عنكم من الله شيئًا. إنما أراد النسبة الجسدانية لأنها تنقطع إذا اضمحلت الأجسام وبقيت النسبة النفسانية …

وأما من رُزق المال ولم يُرزق من العلم من إخواننا، فينبغي له أن يطلب أخًا ممن قد رزق العلم ويضمه إليه، ويواسيه هذا من ماله ويرفده هذا من علمه، ويتعاونان جميعًا على إصلاح أمر الدين والدنيا … فهكذا ينبغي أن يكون تعاون إخوان الصفاء في طلب صلاح الدين والدنيا، وذلك أن معاونة الأخ ذي المال للأخ ذي العلم بماله، ومعاونة الأخ ذي العلم للأخ ذي المال بعلمه، في صلاح الدين، كمثل رجلين اصطحبا في الطريق في مفازة، أحدهما بصير ضعيف البدن معه زاد ثقيل لا يطيق حمله، والآخر أعمى قوي البدن ليس معه زاد، فأخذ البصير بيد الأعمى يقوده خلفه، وأخذ الأعمى ثقل البصير فحمله على كتفه، وتواسيا بذلك الزاد، وقطعا الطريق، ونجوا جميعًا. فليس لأحدهما أن يمن على الآخر في إنجائه له من الهلكة في معاونته؛ لأنهما نجوا جميعًا بمعاونة كل واحد منهما صاحبه» (٤٥: ٤، ٥٢–٥٥).

ويقولون في خطاب موجه إلى أخ بعثوه للإشراف على أحد فروع الجمعية:

«وقد اخترناك أيها الأخ الرحيم، أيدك الله وإيانا منه، لمعاونتهم … لتكون مساعدًا لهم ومعاضدًا لإخوانك؛ لأن جوهرك من جوهرهم، ونفسك من نفوسهم. فانظر بعقلك وميز ببصيرتك من ترى من إخوانك وأصدقائك من الكُتاب والعمال، وأهل العلم والفضل، وحملة الدين والأديان، ومن تبعهم من حاشيتهم وغلمانهم، ممن يمكنك الوصول إليهم بأرفق ما تقدر عليه من اللطف والمداراة، بأن تذكر لهم ما ألقيناه عليك من حكمتنا وأسرار علمنا … فإذا عرفتَ منهم أحدًا وآنست منه رشدًا، عرَّفنا حاله وما هو بسبيله من أمر دنياه وطلب معايشه وتصرُّفه في حالاته، لكي نعرف ذلك ونعاونه على ما يليق به من المعاونة. فإن كان ممن يخدم السلاطين ويتصرف في أعمالهم، أوصينا إخواننا ممن يكون بحضرة السلاطين والملوك بالنيابة عنه والنصيحة له وحسن الرأي فيه لدى الملوك والسلاطين والوزراء؛ وإن كان من أبناء التُّنَّاء والدهاقين والأشراف وأرباب الضياع، أوصينا إخواننا ممن يتولى عمل السلطان بصيانته وحسن معاونته في ملَّته وكف الأذية عنه، وقبض أيدي الظالمين عن البسط إليه؛ وإن كان من أبناء أصحاب النعم وأرباب الأموال عاونَّاه بحسب ذلك؛ وإن كان من الفقراء المحتاجين واسيناه مما آتانا الله من فضله؛ وإن كان ممن يرغب في العلم والحكمة والأدب وأمر الدين وطلب الآخرة، علَّمناه مما علمنا الله، عز وجل، وألقينا إليه من حكمتنا وأطلعناه على أسرارنا، بحسب ما يحتمل عقله وتتسع له نفسه وتتوق إليه همته.

… واعلم أننا لا نستعين بأحد من إخواننا على أمر الدين قبل أن نبذل له من المعاونة على أمر الدنيا؛ فإن كان مستغنيًا عن معاونتنا فذلك الذي نريد له، وإن كان محتاجًا إلينا فذلك الذي نريد منه، حتى إذا كفيناه ما يهمه من أمور دنياه، وأفرغ لنا قلبه وأجمع لنا رأيه واستغنى عن ذلك بقوة نفسه وتمييز عقله وصفاء جوهره، فإن كان عنده علم ليس عندنا تعلمنا منه تعلُّمَ صبيان الكُتَّاب … وإن كان يرغب فيما لدينا من العلم علمناه، بحسب رغبته وطُلبته» (٤٨: ٤، ١٦٥–١٦٧).

«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ليس من جماعة يجتمعون على تعاونٍ في أمر من أمور الدنيا والآخرة أشد نصيحة بعضهم لبعض من تعاون إخوان الصفاء. وينبغي أن تعلم أن العلة التي تجمع بين إخوان الصفاء هي أن يرى ويعلم كل واحد منهم أنه لا يتم له ما يريد من صلاح معيشة الدنيا، ونيل الفوز والنجاة في الآخرة، إلا بمعاونة كل واحد منهم لصاحبه. وأما السبب الذي يحفظهم على تلك الحال فهو المحبة والرحمة والشفقة والرفق من كل واحد منهم، والمساواة فيما يريد ويحب ويبغض ويكره لنفسه. واعلم أن هذه الشرائط تتم وتدوم إذا علم كل واحد منهم بأن أنفسهم نفس واحدة وإن كانت أجسادهم متفرقة» (٤٨: ٤، ١٧٠).

«… إنا نحن جماعة إخوان الصفاء، أصفياء وأصدقاء كرام، كنا نيامًا في كهف أبينا آدم مدة من الزمان تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان، حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرق في البلاد في مملكة صاحب الناموس الأكبر، وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء، وهي التي أُخرج منها أبونا آدم وزوجته وذريتهما، لما خدعهما عدوهما اللعين وهو إبليس وقال: … هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى.١١ واغترَّا بقوله … وأخرجاهما وذريتهما جميعًا بعضهم لبعض عدو. وقيل لهم: اهبطوا منها ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فيها تحيون وفيها تموتون، ومنها تخرجون يوم البعث، إذا انتبهتم من نوم الجهالة واستيقظتم من رقد الغفلة … فهل لك يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن تبادر وتركب معنا في سفينة النجاة التي بناها أبونا نوح، عليه السلام، فتنجو من طوفان الطبيعة قبل أن تأتي السماء بدخان مبين، وتسلم من أمواج بحر الهيولى ولا تكون من المغرقين؟» (٤٤: ٤، ١٨).

«وتبادر قبل الفوات في فكاك نفسك من أسر الطبيعة … وتخرجها من قعر الأجسام وظلمة الأجساد ونيران الشهوات المحرقة والغرور باللذات الجرمانية في جوار الشيطان، وتعمل كما يعمل النجباء بأن تصحب إخوانًا لك نصحاء وأصدقاء كرماء، محبين لك وادِّين، مواظبين على نجاتك ونجاة نفوسهم، وأن ترغب في صحبتهم، وتسمع أقاويلهم وتفهم كلامهم بحضورك في مجالسهم، وتنظر في كتبهم لتعرف اعتقادهم، وتتخلق بأخلاقهم، وتتعلم علومهم، وتسير بسيرتهم العادلة، وتعمل بسنتهم الزكية، وتتفقه في شريعتهم العقلية» (٤٤: ٤، ٣٣).

وهنالك إشارات متفرقة تعطينا لمحات عامة وغير وافية عن المسائل التنظيمية:

«اعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ينبغي لإخواننا، أيدهم الله حيث كانوا من البلاد، أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة، لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم، ويتحاورون فيه أسرارهم. وينبغي أن تكون مذاكرتهم أكثرها في علم النفس، والحس والمحسوس، والعقل والمعقول، والنظر والبحث عن أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية، ومعاني ما تضمنها من موضوعات الشريعة. وينبغي أيضًا أن يتذاكروا العلوم الرياضيات الأربعة، أعني العدد والهندسة والتنجيم والتأليف. وأما أكثر عنايتهم وقصدهم فينبغي أن يكون البحث عن العلوم الإلهية التي هي الغرض الأقصى» (٤٥: ٤، ٤١).

وهنالك معايير خاصة يمتحن عليها المرشحون للعضوية:

«وينبغي لإخواننا، أيدهم الله، حيث كانوا في البلاد، إذا أراد أحدهم أن يتخذ صديقًا مجدَّدًا أو أخًا مستأنفًا، أن يعتبر أحواله ويتعرف أخباره، ويجرب أخلاقه، ويسأله عن مذهبه واعتقاده، ليعلم هل يصلح للصداقة وصفاء المودة وحقيقة الأخوة أم لا؛ لأن في الناس أقوامًا طبائعهم متغايرة … فمنهم خيِّر وشرير، وكفور وشكور، وذو أمانة وغدار، وحليم وسفيه … وما شاكل هذه الأخلاق المحمودة والمذمومة، مضادات بعضها لبعض … فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقًا أو أخًا أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير … واعلم أن الخَطْب في اتخاذ الإخوان أجلُّ وأعظم خطرًا من هذه كلها؛ لأن إخوان الصدق هم الأعوان على أمور الدين والدنيا جميعًا … وهم أعزُّ من الكبريت الأحمر. وإذا واحدًا وجدت منهم فتمسك به، فإنه قرة العين ونعيم الدنيا وسعادة الآخرة؛ لأن إخوان الصدق نصرةٌ على دفع الأعداء، وزين عند الأخلاء، وأركان يُعتمد عليهم عند الشدائد والبلوى …» (٤٥: ٤، ٤٣–٤٥).

«واعلم يا أخي أن الإنسان كثير التلوُّن قليل الثبات على حال واحد؛ وذلك أنه قلَّ من الناس من تحدُث له حال من أحوال الدنيا أو أمر من أمورها؛ من غِنى إلى فقر، أو من فقر إلى غِنى، أو من حضرٍ إلى سفر، أو من عزوبة إلى تزويج، أو من ذل إلى عز … إلا ويحدث له خُلق جديد وسجية أخرى، ويتغير خلقه مع إخوانه، ويتلون مع أصدقائه، إلا إخوان الصفاء الذين ليست صداقتهم خارجة من ذاتهم. وذلك أنَّ كل صداقة تكون لسبب ما، فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة، إلا صداقة إخوان الصفاء فإن صداقتهم قرابة رحم، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض، ويرث بعضهم بعضًا. وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فكيفما تغيرت حال الأجساد بحقيقتها فالنفس لا تتبدل ولا تتغير، كما قال القائل:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
ولو أن ما في الوجه منه خرابُ
يغير مني الدهر ما شاء غيرها
فأبلغ أقصى العمر وهي كَعابُ»
(٤٥: ٤، ٤٧-٤٨).

ويبدو أن الدعاة يخضعون لتدريب خاص على كيفية مخاطبة وإقناع الشرائح المختلفة من الناس. وهذا ما نجد أثرًا له في الرسالة ٤٨ التي أفردت حيزًا لهذه المسألة. فقد أفردوا فصلًا في كيفية خطاب المتفلسفين الشاكين في أمر الشريعة، وفصلًا في خطاب الشاكين في أمر النفس، وفصلًا في خطاب الملوك والسلاطين، وفصلًا في مخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس، وفصلًا في مخاطبة المتشيعين نقتطف فيما يأتي بعض فقراته التي نفهم منها أن هنالك صلة وثيقة بين الإخوان والمتشيعين، ولكنها لا تصل حد التماثل، وهم يخاطبونهم هنا كإحدى الجماعات التي يرغبون في استمالتها:

«قد جمع الله بيننا وبينك أيها الأخ البار الرحيم في أسباب شتى وخصال عدة … فمن إحدى تلك الخصال والأسباب التي تؤكد المودة بين الأصدقاء ملة الإسلام التي هي آكدُ الأسباب …

ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا، عليه السلام، وأهل بيت نبينا الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الوصيين، صلوات الله عليهم أجمعين. ومما يجمعنا وإياك حرمة الأدب والخروج من جملة العوام، وهو العماد لما نحن بسبيله ونشير إليه. ومما يجمعنا وإياك من الأخلاق الجميلة والأفعال الحميدة وحرية النفس وصفاء جوهرها، وهي التي تدعونا إلى مكاتبتك ومراسلتك، وما نرجو منه النفع لك فيما يُستقبل من الأمر، والله يؤيدك وإيَّانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد. وقد أنفذنا إليك أخًا من إخواننا ممن قد ارتضيناه في بصيرته وحمدنا طريقته في دينه وأخلاقه. وأنت أيدك الله تعرف حقه وما يجب من حرمته وتوصلهُ إليك على خلوة من مجلسك وفراغ من قلبك، وتصغي إليه فيما يقول، وتسمع منه ما ألقينا إليك من أسرارنا وما نشير إليه من علمنا، ليتبين لك مذهبنا، وتفهم اعتقادنا في أمر الدين والدنيا جميعًا. فإذا سمعت أقاويلنا وفهمت معانيها … أجبتنا عن رأيك فيما أشرنا إليه … لا محتشمًا ولا متهيبًا … والله يوفقك للصواب» (٤٨: ٤، ١٩٥).

وأيضًا:

«واعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن شيعتنا وإخواننا المتفرقين في البلاد وسائر من يُنسب إلينا، فهم في أحوالهم ومراتبهم على منازل ثلاث: فطائفة منهم خواص عقلاء، متدينون أخيار فضلاء، وطائفة منهم أغبياء أشرار أردياء، وطائفة بين ذلك متوسطون …

إنَّ من خواص إخواننا الفضلاء أنهم العلماء بأمور الديانات، العارفون بأسرار النبوات، المتأدبون بالرياضيات الفلسفية؛ وإذا لقيت أحدًا منهم وأنست منه رشدًا، فبشره بما يسره، وذكِّره باستئناف دور الكشف والانتباه، وانجلاء الغمة عن العباد بانتقال القرآن من برج مثلثات النيران إلى برج مثلثات النبات والحيوان، في الدور العاشر الموافق لبيت السلطان وظهور الأعلام.

واعلم أن من إخواننا وأهل شيعتنا طائفة أخرى بوجودنا شاكون، وفي بقائنا متحيرون فيما يعتقدون من موالاتنا، وطائفة أخرى موقنون ببقائنا لكنهم غافلون عن أمرنا غير عارفين بأسرارنا، وكلهم منتظرون لظهور أمرنا، مستعجلون لمجيء أيامنا، مشتهون نصرة أمرنا. فإذا لقيت منهم أحدًا فبشره بما يسره، وأقر عينه بما يظنه بعيدًا مما يؤلمه … وذكِّر من وثقت بهم من إخواننا بما ألقينا إليك من علمنا … وأخرج إليهم من رسائلنا ما ترغب نفوسهم فيه وترتاح إليه، وليكن ذلك على النظام والترتيب كما بينا لك. فلعلهم إذا استمعوا إليها وفهموا معانيها انتبهت نفوسهم من نوم الغفلة ورقدة الجهالة.

واعلم يا أخي بأن في الناس طائفة من أهل ملتنا مقرون بفضلنا وفضل أهل بيتنا، ولكنهم جاهلون بعلومنا غافلون عن أسرارنا وحكمتنا؛ فمن ذلك أنهم يجحدون وجودنا وينكرون بقاءنا، ومع هذا فإنهم يزرون بشيعتنا المقرين بوجودنا المنتظرين ظهور أمرنا، ومعاندون لهم متعصبون عليهم مبغضون لهم.

واعلم بأن أحد الأسباب في ذلك هو أن قومًا من أشرار الناس جعلوا التشيع سترًا لهم عما يحذرون من الآمرين عليهم بالمعروف والناهين لهم عن المنكر فيما يفعلون. وذلك أنهم يركبون كل محظور ويتركون كل مأمور به، وإذا نُهوا عن منكر فعلوه، بارزوا بإظهار التشيع … ومن الناس طائفة ينسبون إلينا بأجسادهم وهم براء بنفوسهم منا، ويسمون أنفسهم العلوية وما هم من العلويين ولكنهم من أسفل سافلين، لا يعرفون من أمرنا إلا نسبة الأجساد، ولا من القرآن إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه … ومن الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسبًا لها، مثل النائحة والقصاص، لا يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللعنة والبكاء مع النائحة …

ومن الشيعة من يقول إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، ولا يدرون حقيقة ما يقرون به وصحة ما يعتقدونه. ومنهم مَنْ يقول إن الإمام المنتظر مختفٍ من خوف المخالفين، كلا بل هو ظاهر بين ظهرانيهم يعرفهم وهم له منكرون» (٤٨: ٤، ١٤٥–١٤٨).

إن الإشارة في هذا المقطع الأخير إلى الإمام الظاهر ليست إشارة إلى الإمام الإسماعيلي الفاطمي، للأسباب التي بيناها في الفصل السابق، ولم يكن في تلك الفترة من إمام شيعي يدعو إليها الدعاة بعد اختفاء الإمام الثاني عشر. من هنا، فلا بد أن يكون المقصود بالإمام تنظيم إخوان الصفاء نفسه. فهو الإمام وهو الهادي بتنظيمه الذي يتربع على قمته أربعون رجلًا صالحًا مختارين من أربعمائة تم اختيارهم من أربعة آلاف، من ورائهم شريحة لا نعرف عددها من الأنصار. وفوق هؤلاء جميعًا يقوم أربعة أشخاص هم بمثابة الهيئة التنفيذية لهذه القيادة الجماعية التي لا تعترف برئيس ولا بسلطة إلا سلطة العقل. ويدعم رأينا هذا، أنَّ الإخوان عبر رسائلهم كلها لم يظهروا دعوتهم لإمام ما سواء أكان هذا الإمام ظاهرًا أم مكتومًا، ولم يولوا مسألة الإمامة أهمية تذكر، على ما أشرنا إلى ذلك سابقًا. وقد عبَّر الإخوان عن ذلك بشكل واضح عندما قالوا: «وليس كل أمر يتم بواحد من الناس بل ربما يُحتاج فيه إلى الجمع العظيم. وخاصة أمر الناموس، وأقل ما يُحتاج فيه إلى أربعين خصلة تجتمع في أحد من الأشخاص، أو أربعين شخصًا مؤتلفي القلوب» (٤٨: ٤، ١٧٧). وبما أن خصال النبوة الأربعين لا يمكن أن تجتمع في واحد من الناس حتى يكون هاديًا لهم بعد النبي ، على ما قالوه لنا في مقطع أوردناه سابقًا، فإن الرئاسة تبقى في هؤلاء الأربعين المؤتلفي القلوب، وهم بؤرة تنظيم إخوان الصفاء.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا لم يصطدم هذا التنظيم الواسع الانتشار في العالم الإسلامي مع السلطة الزمنية في بغداد؟ ولماذا لم يلقَ إخوان الصفاء من عسف واضطهاد العباسيين ما لقيت جماعات وتنظيمات أخرى عديدة؟ والجواب عن ذلك واضح كل الوضوح، فالسلطة العباسية لم تكن معنية كثيرًا بتحري ومراقبة الحركات الفلسفية والروحانية قدر عنايتها بتحري ومراقبة الحركات السياسية المعارضة التي تهدف إلى قلب نظام الحكم وإحلال تغييرات جذرية في المجتمع والسلطة عن طريق القوة. والإخوان لم يكونوا من دعاة الانقلاب على السلطة، ولم يخططوا للصدام معها، والمملكة التي دعوا إلى إخلالها كانت أقرب إلى مفهوم المسيح عن ملكوت الرب السماوي منها إلى المملكة السياسية الأرضية:

«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أنَّا لا نكتم أسرارنا عن الناس خوفًا من سطوة الملوك ذوي السلطنة الأرضية، ولا حذرًا من شغب جمهور العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا كما أوصى المسيح قال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

واعلم أيها الأخ أنَّا لا نحسد ملوك الأرضين ولا نتنافس في مراتب أبناء الدنيا، ولكن نطلب المُلك السماوي ومراتب الملائكة الذين هم أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع. لأن جوهرنا جوهر سماوي وعالمنا عالم عُلوي، ونحن ها هنا أسرى غرباء في أسر الطبيعة، غرقى في بحر الهيولى بجناية كانت من أبينا آدم الأول حين خدعه عدوه اللعين إذ قال: … هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى»١٢ (٤٨: ٤، ١٦٦).

لقد وصفوا الخلافة العباسية بأنها دولة أهل الشرِّ وتوقعوا زوالها وحلول دولة أهل الخير محلها، ولكنهم رأوا أن هذا الزوال محكوم بحتمية تاريخية سوف تقود إليه، وأن عليهم الاستعداد لتلك اللحظة الآتية دون استعجالها بالعنف:

«واعلم بأن كل دولة لها وقت منه تبتدي، وغاية إليها ترتقي، وحد إليه تنتهي؛ فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها ومدى نهاياتها تسارع إليها الانحطاط والنقصان، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان … والمثال في ذلك مجاري أحكام الزمان، وذلك أن الزمان كله نصفان، نصفه نهار مضيء، ونصفه ليل مظلم، وأيضًا نصفه صيف حار ونصفه شتاء بارد، وهما يتداولان في مجيئهما وذهابهما … وكلما تناهى أحدهما في الزيادة ظهرت قوته وكثرت أفعاله في العالم، وخفيت قوة ضده وقلَّت أفعاله. فهكذا حكم الزمان في دولة أهل الخير ودولة أهل الشر: تارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الخير، وتارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم لأهل الشر …

وقد نرى أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه قد تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم وكثرت أفعالهم في العالم في هذا الزمان، وليس بعد التناهي في الزيادة إلا الانحطاط والنقصان. واعلم بأن الدولة والمُلك ينتقلان في كل دهر وزمان ودور وقران من أمة إلى أمة، ومن أهل بيت إلى أهل بيت، ومن بلد إلى بلد.

واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء حكماء وخيار فضلاء، يجتمعون على رأي واحد، ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد، ويعقدون بينهم عهدًا وميثاقًا أن لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة بعضهم بعضًا، ويكونون كرجل واحد في جميع أموره، وكنفس واحدة في جميع تدبيرهم فيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه الله ورضوانه جزاءً ولا شكورًا. فهل لك أيها الأخ البار الحكيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن ترغب في صحبة إخوان لك نصحاء، وأصدقاء لك أخيار فضلاء، هذه صفتهم، بأن تقصد مقصدهم وتتخلق بأخلاقهم، وتنظر في علومهم لتعرف مناهجهم، وتكون معهم وتنجو بمفازاتهم، لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون» (٤: ١، ١٨٠–١٨٢).

ومن حديث الإخوان عن المدينة الفاضلة التي يسعون إلى بنائها، يظهر بكل وضوح أنهم ليسوا في سبيل مُلك أرضي وإنما في سبيل ملكوت سماوي، وليس تنظيم إخوان الصفاء إلا الصورة الأرضية عن ذلك الملكوت المنشود. فمدينتهم تؤسس على تقوى الله لا على أبنية مادية حجرية، ويشيد بناؤها لا من لبنات الآجر والقرميد بل من لبنات الصدق في الأقاويل والتصديق في الضمائر، وتتم أركانها على الوفاء والأمانة. ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض ولا على وجه الماء ولا مرتفعًا في الهواء وإنما في الأعالي بحيث يشرف على سائر البلدان. أي إن هذه المدينة ستكون منزهة من العناصر التي تؤلف الوجود المادي. وينبغي أن يكون الهيكل التنظيمي لهذه المدينة مرتبًا على أربع مراتب هي مراتب تنظيم إخوان الصفاء نفسه:

«وينبغي لنا أيها الأخ، بعد اجتماعنا على الشرائط التي تقدمت من صفوة الإخوان، أن نتعاون ونجمع قوة أجسادنا ونجعلها قوة واحدة، ونرتب تدبير نفوسنا تدبيرًا واحدًا، ونبني مدينة فاضلة روحانية، ويكون بناء المدينة في مملكة صاحب الناموس الأكبر الذي يملك النفوس والأجساد؛ لأن من ملك النفوس ملك الأجساد، ومن لم يملك النفوس لم يملك الأجساد. وينبغي أن يكون أهل هذه المدينة قومًا أخيارًا حكماء فضلاء مستبصرين بأمور النفوس وحالاتها، وما يتبع ذلك من أمور الأجساد وحالاتها. وينبغي أن يكون لأهل المدينة سيرة جميلة كريمة حسنة يتعاملون بها فيما بينهم، وأن يكون لهم سيرة أخرى يعاملون بها أهل المدن الجائرة.

ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض حيث تكون أخلاق أهل سائر المدن الجائرة؛ ولا ينبغي أيضًا أن يكون بناؤها على وجه الماء؛ لأنه يصيبها من الأمواج والاضطراب ما يصيب أهل المدن التي على السواحل من البحار، ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الهواء مرتفعًا لكيلا يصعد إليها دخان المدن الجائرة فتكدر أهويتها، وينبغي أن تكون مشرفة على سائر المدن ليكون أهلها يشاهدون حالات أهل سائر المدن في دائم الأوقات، وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله كيلا ينهار بناؤها، وأن يشيد بناؤها على الصدق في الأقاويل والتصديق في الضمائر وتتم أركانها على الوفاء والأمانة كيما تدوم ويكون كمالها على الغرض في الغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم. فإذا فرغنا من بنائها بنينا المركب الذي هو سفينة النجاة، حتى تكون السفينة مستقلة بثقل الأجساد وتكون المدينة مأوى الأرواح.

وينبغي أن يكون تعاون أهل المدينة مرتبًا أربع مراتب: إحداهما مرتبة أرباب الأركان الأربعة ذوي الصنائع، والثانية مرتبة ذوي الرياسات، والثالثة مرتبة الملوك ذوي الأمر والنهى، والرابعة مرتبة الإلهيين ذوي المشيئة والإرادة …

واعلم أيها الأخ علمًا يقينًا أن هذه المدينة مفروغ من بنائها على هذا الوصف، ولكن لا يمكن أحدًا أن يدخل مدينتنا هذه متى لم يكن علمه مساويًا لعلمنا؛ لأن حولها أربعة أسوار مبنية من جهالات الناس، ما بين كل سورين خندق من سوء أعمالهم وفساد آرائهم ورداءة أخلاقهم، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. فمن عزم على دخولها فعليه بعلم النفس ومعرفة جوهرها، فإنه أولى بأن يستفتح في مدينتنا. وقد بينَّا كل ما يحتاج إخواننا، أيدهم الله، إليه من هذا العلم في إحدى وخمسين رسالة. فانظر فيها أيها الأخ إن لم يكن يستوي لك الحضور في مجلسنا، واعرضها على إخوانك الذين ترتضيهم وتأنس منهم الرشد والسداد، لعلكم توفقون لفهم معاني ما ذكرنا فيها من معاني فنون العلم وغرائب الحكم، وتُرشدون إلى العمل بما يقربكم إلى الله زلفى» (٤٨: ٤، ١٧١-١٧٢).

هذا السعي الروحي للإخوان وطلبهم لسعادة النفس في العالم الآخر، ولجوئهم للأساليب السلمية في نشر دعوتهم، لم تعنِ أبدًا أنهم قد أداروا ظهورهم لمشكلات عصرهم ومجتمعهم، بل على العكس من ذلك؛ فرسائلهم طافحة بالنقد الاجتماعي والسياسي. ويتركز هذا النقد بشكل خاص في حكاية احتكام الإنس والأنعام إلى ملك الجن بيراست، والتي تشغل عشرات الصفحات من الرسالة ٢٢، وهي الرسالة الثامنة من القسم الثاني الطبيعي. وهي حكاية مليئة بالرموز والتوريات ذات الدلالات العميقة. نقرأ على لسان الببغاء هذا النقد اللاذع الذي لم يستثنِ حتى مقام الخلافة نفسه:

«وأما تجاركم فيجمعون من حرام وحلال، ويبنون الدكاكين والخانات، ويملئونها من الأمتعة ويحتكرونها، ويضنون بها على أنفسهم وجيرانهم وأحبابهم، ويمنعون الفقراء والمساكين حقوقهم، ولا ينفقون حتى تذهب جملة واحدة، إما في حرق أو غرق أو سرقة أو مصادرة سلطان جائر أو قطع طريق، وما شاكل ذلك. ويبقى هو بحزنه ومصيبته معاقبًا بما كسبت يداه، فلا زكاة أخرج، ولا صدقة أعطى، ولا يتيمًا برَّ …

وأما الذين ذكرتَهم من الكتاب والعمال وأصحاب الدواوين، وافتخرت بهم، فهكذا يليق بكم الافتخار بالأشرار الذين يهتدون إلى أسباب الشرور ما لا يهتدي غيرهم، ويصلون إلى ما لا يصل إليه سواهم، لدقة أفهامهم وجودة تمييزهم، ولطف مكايدهم وطول ألسنتهم، ونفاذ خطابهم في كتبهم. يكتب أحدهم إلى أخيه وصديقه زخرًا من القول غرورًا، بألفاظ مُسْجعَة وكلام حلو وخطاب فصيح يغريه، وهو من ورائه في قطع دابره، والحيلة في إزالة نعمته، والوصول إلى أسباب نكايته، وتدوين الأعمال في مصادراته وتأويلات الأخذ لماله.

وأما قراؤكم وعُبَّادكم الذين تظنون أنهم أخياركم … فهم الذين غروكم بإظهارهم الورع والخشوع والتقشف والنسك … وترك التفقه في الدين … وترك تهذيب النفس وإصلاح الخلق، واشتغلوا بكثرة السجود والركوع بلا علم، حتى ظهر أثر السجود على جباههم … وتركوا الأكل والشرب حتى جفت أدمغتهم ونحلت شفاههم … وقلوبهم مملوءة بغضًا وحقدًا وجفاءً لمن ليس مثلهم، ونفوسهم مملوءة وساوس وخصومة مع ربهم بضمائرهم …

وأما فقهاؤكم وعلماؤكم، فهم الذين يتفقهون في الدين طلبًا للدنيا، وابتغاءً للرياسة والولاية والقضاء والفتاوى بآرائهم وقياساتهم، يحللون تارة ويحرمون تارة بتأويلاتهم، ويتَّبعون ما تشابه ويتركون حقيقة ما أنزل الله من الآيات المحكمات، فنبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ويتبعون ما تتلو الشياطين على قلوبهم من الخيالات. كل هذا طلبًا للدنيا وتكسبًا للرياسة من غير ورع ولا تقوى من الله تعالى …

وأما قضاتكم وعدولكم والمزكُّون لكم، فأدهى وأظلم وأبطر وهم أشرُّ سيرة من الفراعنة والجبابرة. وذلك أنك تجد الواحد منهم قبل الولاية قاعدًا بالغدوات في مسجده، حافظًا لصلاته، مقبلًا على شانه، يمشي بين جيرانه على الأرض هونًا، حتى إذا ولي الحكم والقضاء تراه راكبًا بغلة فارهة وحمارًا مصريًّا بسرج ومركب، وغاشية يحملها السودان … قد ضمن القضاء من السلطان الجائر بشيء يؤديه إليه من أموال اليتامى ومال الوقوف. وصالحَ عدولَهُ بشيء من السحت والبراطيل، فَقَبل منهم الرشوة، ويرخص لهم في الجنايات وشهادات الزور وترك أداء الأمانات والودائع …

وأما خلفاؤكم الذين تزعمون أنهم ورثة الأنبياء، عليهم السلام، فكفى وصفهم ما قاله الله تعالى. وقال رسول الله : ما من نبوة إلا ونسختها الجبروتية. ويُسمون باسم الخلافة، ويسيرون بسيرة الجبابرة، وينهون عن منكرات الأمور، ويرتكبون هم منها كل محظور، ويقتلون أولياء الله وأولاد الأنبياء، عليهم السلام، ويسبونهم ويغصبونهم على حقوقهم، ويشربون الخمر، ويبادرون إلى الفجور … فبدلوا نعمة الله كفرًا … فويل لهم مما كسبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون! وذلك أنه إذا ولي أحد منهم ابتدأ أولًا بالقبض على من تقدمت له حرمة لآبائه وأسلافه، وأزال نعمته، وربما قتل أعمامه وإخوانه وأبناء عمه وأقربائه، وربما كحلهم أو حبسهم ونفاهم … كل ذلك حرصًا على طلب الدنيا وشدة الرغبة فيها، وشُحًّا عليها وقلة الرغبة في الآخرة …» (٢٢: ٢، ٣٥٨–٣٦١).

لقد طال هذا النقد الشامل الذي تحفل به الرسائل جميع شرائح المجتمع، وكل الأخلاق الرديئة والعادات الفاسدة السائدة لدى الناس، وذلك انطلاقًا من نظرة الإخوان إلى النجاة من عالم الكون والفساد، والتي لا تتهيأ للفرد المنعزل عن المجتمع، بل للفرد الفاعل فيه الساعي إلى تحسينه وتطويره. فإذا كان الخلاص يبدأ بجهد فردي إلا أنه لا يتحقق فعلًا إلا بجهدٍ جمعيٍّ، عندما تتحد الإرادات وتتوحد الغايات، لا من أجل قلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة، بل من أجل إحداث انقلاب في صميم الثقافة الإسلامية يهيئها لقدوم دولة أهل الخير، ويمهد لها.

١  سورة المائدة: الآية ٢.
٢  سورة الزمر: الآية ٧٣.
٣  سورة النور: الآية ٥٩.
٤  سورة القصص: الآية ١٤.
٥  سورة الأحقاف: الآية ١٥.
٦  سورة الفجر: الآيات ٢٧-٢٨.
٧  سورة الكهف: الآية ١٣.
٨  سورة الأنبياء: الآية ٦٠.
٩  سورة الكهف: الآية ٦٠.
١٠  سورة الزخرف: الآيات ٥٧-٥٨.
١١  سورة طه: الآية ١٢٠.
١٢  سورة طه: الآية ١٢٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣