الفصل الرابع

الاستجابة العاطفية

figure

لدي خبرة كبيرة في تطبيقات الألوان في البيئات البشرية، لكن خبرتي في استخدامها في المنازل أقل من خبرتي في استخدامها في الصناعات والمؤسسات التي تزاول فيها مهام العمل، أو يكون لزامًا فيها ضمان السلامة البصرية والبدنية والعاطفية الجيدة. ولقد أُجريَ عددٌ من الاختبارات السريرية كانت مهتمة في الأساس بإجهاد العين وتأثيره على الجسم وإطار الذهن، واستخدمت أجهزة خاصة بالعيون لقياس معدل رمش العين وإجهاد الشبكية، مع استدعاء متخصصي العيون لفحص الحاجة إلى العلاج الطبي أو إلى نظارات تصحيح الإبصار بعد فترات محددة من الوقت.

اكتُسبتْ هذه الشهادةُ مباشرةً وبسهولة؛ لأنه من الممكن استخدام الأجهزة وتسجيل بيانات حقيقية، لكن في المجالات النفسية لا يكون اتباع المنهج الواقعي و«العلمي» بهذه السهولة. إن أجسام البشر متشابهة للغاية، لكن عقولهم وأرواحهم مختلفة جذريًّا. ولطالما كان من الصعب إجراء أبحاث في مجال علم النفس. إن الاستجابات الواعية تجاه الألوان أو أي شيء آخر ليست ضرورية على الإطلاق مثل الاستجابات غير الواعية، ومن الممكن أن يحدث التداخل بينهما؛ ففي الفنون على سبيل المثال، يوجد أشخاص يفضِّلون الواقعية، ويكرهون التجريدية، والعكس أيضًا صحيح. وبالتأكيد فإن أيًّا من هذين التوجهين ليس صحيحًا أو مطلقًا بالنسبة «لكل» الأشخاص.

هل الألوان «دافئة» و«باردة»؟ منذ عدة سنوات أجريت دراسة في مجال الإضاءة وكانت نتائجها سلبية، وأعلن «دليل الإضاءة» الصادر عن جمعية هندسة الإضاءة أن هذا الزعم: «يبدو أنه ليس له أساس في حقيقة الأمر.» إن كلمة «حقيقة» تثير المشاكل دائمًا فيما يتعلق بأي شيء عاطفي. إن حقائق الجوع يمكن قياسها في ضوء تدفق العصارات الهضمية في معدة الشخص، لكن من سيشعر «بالجوع» إذا وضع أحد التقنيين أنبوبًا مطاطيًّا داخل المعدة لاستخراج العصائر! لا بد من قبول أدلة الحواس سواء أكانت حقائق أم لم تكن حقائق. فإذا كان الأحمر لونًا دافئًا بالنسبة لك، وكان لونًا باردًا بالنسبة لي، فكلتاهما حقيقة، لكنها حقيقة شخصية بالنسبة لكلٍّ منا.

يتناول هذا الفصل الاستجابات العاطفية للألوان. إن الدراسات المقدمة والنتائج الموصوفة في هذا الفصل خاضعة بكل صراحة للتشكيك والخلاف حولها، وأقدِّمها على أي حال مدركًا تمامًا «حقيقة» أنه إذا كانت الاستجابات الفردية تختلف، فإن الاستجابات الشائعة بين مجموعة من الأشخاص يمكن أن تكون مبررًا كافيًا للوصول إلى استنتاجات من الممكن قبولها. ليس لزامًا على الجميع قبول أن الأحمر لون دافئ، لكن إذا قبِل ذلك غالبية الأفراد، فسيكون هذا كافيًا. وتصف الفصول القادمة الأجهزة (البوليجراف وجهاز رسم المخ) المستخدمة في تسجيل الاستجابات البشرية تجاه الألوان. أما في الوقت الراهن، فدعوني أصف التجارب القديمة والحديثة المتعلقة بالألوان والاستجابة العاطفية.

قد لا تكون الاستجابات العاطفية للألوان غامضة ومراوغة كما اعتقد البعض، وربما يكون لها أساس فسيولوجي وأساس نفسي أيضًا. وقد كتب كندريك سي سميث؛ الرئيس السابق للجمعية الأمريكية لعلم البيولوجيا الضوئية، فقال: «إن الآثار النفسية للضوء، لا سيما الضوء الملون، معروفة جيدًا، لكنها ليست مفهومة جيدًا. إن هذه الآثار قد ترتبط بعلاقة سببية مع العمليات البيولوجية الصرفة التي يستثيرها الضوء في الدماغ. وهذا بدوره سوف يؤثر على السلوك النفسي. وشدة الضوء بالإضافة إلى نوعية الطول الموجي من الممكن أن تغيرا الإنتاجية والحالة المزاجية.» ويوافقه الرأي جون أوط فيقول: «وراء الاستجابات النفسية للألوان استجابات أساسية أكثر لأطوال موجية محددة للطاقة الإشعاعية.»

(١) عودة إلى التاريخ

في عام ١٨٧٥، زود طبيب أوروبي اسمه بونزا عدة غرف بنوافذ من الزجاج الملون، والحوائط الملونة، والأثاث الملون. وكان الأحمر والأزرق هما اللونين المستخدمين في الأساس. فيما يتعلق باللون الأحمر كتب يقول: «بعد قضاء رجلٍ يُعاني من هذيان يتَّسم بقلة الكلام ثلاث ساعات في غرفة حمراء، أصبح مسرورًا ومبتهجًا، وفي اليوم الذي أعقب دخول رجل مجنون كان يرفض كل أنواع الطعام إلى الغرفة، طلب الفطور وتناوله بنَهَم مفاجئ.» وفيما يخص اللون الأزرق «وُضع رجل عنيف كان لزامًا إبقاؤه مرتديًا قميص المجانين في غرفة النافذة الزرقاء، وبعد أقل من ساعة أصبح أهدأ.» ورغم ذلك، ففي الوقت الحاضر لم يعد ملاذ الغرفة الحمراء والغرفة الزرقاء موجودًا. لقد طبق الطب معالجات وطرقًا ومعدات وعقاقير جديدة. وأصبح استخدام الألوان، عند تخصيصه للبيئات، معقدًا إلى حد كبير، كما سنوضح في الفصل الثامن. والألوان بطبيعة الحال ليست علاجًا، لكنها مفيدة في المساعدة في إثارة حالة مزاجية لطيفة في البشر. وهذه الحالة ضرورية دائمًا لتحقيق أفضل رعاية طبية.

في عام ١٩١٠، لفت شتاين الانتباه إلى توترية عضلية عامة في الاستجابات العضلية في الجسم البشري بفعل الضوء. وتشير كلمة «توترية» إلى حالة النشاط الثابت التي يحافظ عليها الجسم. وتعد حالة التوتر العضلي والاسترخاء العضلي على سبيل المثال تغيرات توترية. وكلتا الحالتين واضحتان، وممكن قياسهما إلى حدٍّ ما، فضلًا عن كونهما دليلًا جيدًا على تأثير الألوان. واكتشف فير أن اللون الأحمر يزيد التوتر العضلي من ٢٣ وحدة؛ وهو معدله الطبيعي، إلى ٤٢ وحدة، وأن البرتقالي يزيد الوحدات إلى ٣٥، والأصفر إلى ٣٠، والأخضر إلى ٢٨، والأزرق إلى ٢٤، وكلها معدلات فوق المعدل الطبيعي. ورغم ذلك، ففي العموم نجد أن ألوان الطيف الدافئة مثيرة، بينما الألوان الباردة باعثة على الاسترخاء.

من خلال الإثارة البصرية، لاحظ إيه ميتسجر أنه عند تسليط الضوء على عين واحدة لكثير من الحيوانات والبشر يمكن حدوث حالة توتر عضلي في نصف الجسم المرتبط بهذه العين. وصاحب هذه التغيرات التوترية تغيرات في «الأحاسيس السطحية والعميقة. وأظهرت كلتاهما اعتمادها الثابت على المثيرات البصرية.» واستنتج أن تأثير الضوء لم يشمل العضلات فحسب، بل كان مؤثرًا في إحداث تغيرات في جسم الكائن كله.

وكطريقة تجريبية، جعل ميتسجر الشخص يمدُّ ذراعيه أفقيًّا أمام جسمه، وعند تسليط الضوء على إحدى عينيه، حدثت زيادة في التوترية في جانب الجسم نفسه الموجودة فيه العين. وارتفعت الذراع الموجودة في جانب الضوء وانحرفت ناحية جانب العين المضاءة. وعند استخدام الألوان، تسبب الضوء الأحمر في تباعد الذراعين إحداهما عن الأخرى، وتسبَّب الضوء الأخضر في تقاربهما إحداهما من الأخرى في سلسلة من الحركات التشنجية. وفي حالات الصعر (رجفة الرأس)، أدى التعرُّض للضوء الأحمر إلى زيادة التململ، بينما قلَّله الضوء الأخضر.

وعلى القدر نفسه من الإثارة كانت تجارب إتش إيرينفالد؛ فقد أوضح أنه عند تسليط الضوء على الوجه والرقبة من الجانب سوف تنحرف الذراعان الممدودتان نحو الضوء الأحمر، وتبتعدان عن الضوء الأزرق. وتحدث هذه الاستجابة على نحو مستقل عن حاسة البصر! فقد حدثت والعينان محجوبتان عن الضوء، بل وشوهدت في الأشخاص العميان!

يبدو أن الاستجابة التوترية تحدث في اتجاهين، في حين أن الأخضر المصفر هو النقطة الحيادية التي لا تحدث عندها أي استجابة معينة. وفيما يتعلق باللونين البرتقالي والأحمر، يحدث انجذاب للمثير. ومن ناحية الأخضر والأزرق، يحدث ابتعاد عن المثير. وحتى الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية غير المرئيتين، فإنهما يتسببان في حدوث ردود أفعال انعكاسية، مما يقدم أدلة أخرى على حقيقة أن الجسم يستجيب بالفعل للألوان حتى دون رؤيتها. وعلى الرغم من أن من أجروا التقارب فيما بعدُ وجدوا سببًا للاتفاق، وكذلك للاختلاف مع ميتسجر وإيرينفالد، فلا يمكن للمرء أن يشك في الوقت الحاضر في أن الجسم البشري يستجيب للضوء والألوان، وأنه بالفعل يبعث أيضًا إشعاعًا من تلقاء نفسه.

(٢) فيليكس دويتش

في عام ١٩٧٣، أجرى الطبيب فيليكس دويتش بحثًا يستحق الثناء عن الآثار العاطفية للألوان. وألقى اكتشافه ضوءًا مهمًّا ليس فقط على الممارسة الطبية فيما يتعلق بالألوان، بل أيضًا على علم نفس الألوان ككلٍّ. وكتب دويتش فقال: «كل فعل من أفعال الضوء له في تأثيره مكونات فيزيائية ومكونات نفسية أيضًا.» وهذا يعني ببساطة أن طاقة الضوء تؤثر على الجسم مباشرةً، وكذلك من خلال العين والعقل. ويوضح — على سبيل المثال — أنه عند علاج أحد الأمراض الرئوية، مثل السُّلِّ، باستخدام الضوء، يحدث أثر بيولوجي حقيقي، إلا أنه علاوة على ذلك أظهر المريض استجابة مبهجة للصفات الممتعة المتعلقة بالهواء الطلق وضوء الشمس. وسوف يشعر المريض ﺒ «أحاسيس وإثارات نفسية تعزز من خلال الجهاز العصبي الذاتي كل الوظائف الحيوية؛ فتفتح الشهية، وتحسن الدورة الدموية … إلخ. ومن خلال هذه المظاهر يتحسن بدوره التأثير الفيزيائي للضوء على عملية المرض.» وعلى هذا النحو، فإن دويتش يتحدث عن تأثير الضوء والانطباع الذي يتركه الضوء؛ فأحدهما تأثير فيزيائي، والآخر تأثير عاطفي، وكلٌّ منهما يحقق العلاج عند استخدامه على حدة، وعند استخدامهما معًا فإنهما يكونان «علاجًا» عالي الفعالية في كثير من الأمثلة.

كملاحظة شائعة، نرى أن أمزجة الناس تتغير بفعل البيئة، بفعل القبح والجمال، بفعل الطقس المشمس والطقس الممطر. وبالمثل هي الاستجابات للألوان؛ فهي إما محبطة وإما ملهمة. فإذا وضعنا الناس في مكان ساطع ومتناغم، فإن معظم الأشخاص سيجدون أن حالتهم المزاجية تحسنت. ومع تحسن الحالة النفسية، فإن الجهاز الدوري والنبض وضغط الدم والتوتر العصبي والعضلي قد تتأثر على نحو مبشر. وهذه الاستجابات لا تلاحظ بوضوح، ولا تتبع قاعدة عامة، وفقًا لما قاله دويتش. واستطرد قائلًا: «وعند تقييم هذه الاستجابات التي يمكن أن ينعتها المرء بالعاطفية، والتي تظهر نتائجها العضوية على نحو ثانوي فقط، يجب أن يعتمد المرء على نحو حصري تقريبًا على شهادات الأفراد الذين أُجري عليهم الاختبار. وهذه الشهادات ليس دائمًا من السهل تحديد مدى صحتها.»

إن هذا العمل الذي يعدُّ الأول من نوعه الذي قدمه دويتش سبق إلى حدٍّ كبير أعمالًا مشابهة باعثة على الثقة والتفاؤل قدَّمها غيره من الباحثين المؤهلين والثقات الذين جاءوا بعده، وقد كتب أيضًا: «إن تأثير الحالة المزاجية، والانزعاج النفسي، والخوف، والسعادة، والحزن، وانطباعات العالم الخارجي تكشف عن نفسها بوضوح في كلٍّ من التغيرات الداخلية والخارجية المتعلقة بالجهاز الدوري. إن التغيرات في تكرار وإيقاع النبض، وكذلك تذبذبات ضغط الدم تعدُّ تعبيرات خارجية عن العوامل المؤثرة نفسيًّا التي حدثت.» وقد عالج مرضى كانت حالاتهم تعود إلى أصل عصبي، أو كانوا يعانون من اضطرابات في إيقاع نبض القلب، فقال دويتش: «خلال فترة الاستقصاء، تخلينا عن كل الإجراءات العلاجية الأخرى التي قد تؤثر على الجهاز الدوري.»

كانت الطرق التي اتبعها دويتش أبعد ما تكون عن السطحية؛ فقد اختار غرفة مطلة على حديقة. وكانت الألواح الزجاجية الخاصة بالنوافذ مصممة بحيث تضم ألوانًا مختلفة، واستخدم إضاءة صناعية ملونة داخل الغرفة، واستعان بلونين أساسيين: الأحمر الدافئ والأخضر البارد، وطلب من الشخص النظر بهدوء من النافذة. وترك الشخص بمفرده لمدة ربع ساعة أو نصف ساعة. وبعد هذه المدة سأله عن إحساسه العام وعن انطباعه عن الإضاءة. وفي النهاية، طلب منه تكوين ارتباطات ذهنية حرة متعلقة بالمكان، وتذكر أي شيء من الممكن أن يكون قد ورد على باله.

وصف دويتش عددًا من الحالات والنتائج التي أعقبت التعرُّض لأماكن داخلية ملونة. واشتكت إحدى المريضات التي تعاني من الخوف من الذبحة الصدرية من ضيق التنفس، وعوز الهواء، وخفقان القلب، وخافت من عودة نوبة التشنج التي جعلتها تفقد الوعي عندما حدثت لها منذ عدة سنوات. وفي حالة أخرى، اشتكى المريض من نوبات ضعف، وضيق تنفس، وأحاسيس بالضغط على الصدر أدت إلى الخوف من الاختناق.

درس دويتش وقاس انخفاضات ضغط الدم، ولاحظ أي تغيرات أو تحسنات في الصحة الجسدية والسلامة العقلية لمرضاه، ولخص استنتاجاته على النحو التالي: تؤدي الألوان إلى حدوث رد فعل منعكس في الجهاز الدوري، وتسبب ذلك من خلال الأحاسيس والمشاعر. والتأثير الذي يحدث ليس خاصًّا بأي لون أو أي ألوان متعددة؛ فالألوان الدافئة قد تهدئ شخصًا وقد تثير آخر، والألوان الباردة بالمثل قد تثير أحد الأشخاص وتكون سلبية بالنسبة لشخص آخر. إن التعرض لإشعاع الضوء الأحمر أو الأخضر قد يسبب زيادة في مستوى ضغط الدم وتسارع معدل النبض، أو قد يحدث العكس اعتمادًا على التكوين النفسي الخاص بكل شخص.

ماذا يحدث؟ وفقًا لدويتش فإن: «الإثارات العاطفية التي نتعرف عليها من خلال التغيرات في مستوى ضغط الدم ومعدل وإيقاع النبض تحدث من خلال الارتباطات الذهنية.» فقد يذكرك اللون الأخضر بالطبيعة والجبال والبحيرات، وقد يذكرك اللون الأحمر بغروب الشمس والمدفأة. «هذه الارتباطات السطحية تؤدي إلى ذكريات راسخة، وهذا يفسر الأهمية الانفعالية للتوجهات تجاه الألوان.»

أعتقد أن هذا الملخص مقبول إلى حد ما، ويجب أن نلاحظ أن دويتش تجنب الإتيان بمزاعم محددة خاصة بألوان محددة. ومؤلف هذا الكتاب يتفق تمامًا مع هذا الموقف؛ فالألوان في حد ذاتها، كل الألوان، تعالج نفسيًّا، «إن العملية النفسية التي استثيرت نذكرها هنا بسهولة على هذا النحو إن الضوء الملون يغير البيئة. ومن خلال تغيير منظر البيئة، ينفصل الفرد عن الواقع.» ويصبح الفرد على طريقه للشفاء، ويساعده في المضي قدمًا عملياته الذهنية والعاطفية.

(٣) كيرت جولدشتاين

كان كيرت جولدشتاين من الكُتَّاب والباحثين المثيرين؛ وقد وجد في كتابه «الكائن الحي»، وفي الكثير من المقالات التي نشرها في الصحف الطبية أن الألوان لها قيمة علاجية وفائدة في العلاج النفسي.

كتب جولدشتاين يقول: «ليس تصريحًا زائفًا على الأرجح إن قلنا إن «إثارة لون معين يصحبها نمط استجابة معين في الكائن الحي ككلٍّ».» وتأكيدًا لأعمال ميتسجر وإيرينفالد المذكورة للتوِّ، فإن الاستجابة العضوية من الممكن ملاحظتها عند تقديم استثارة اللون وملاحظتها بحرصٍ. وهذا يعني أن الاستجابة للألوان راسخة، وهي أصيلة في العملية الحياتية. «يزيد تأثير الألوان لدى المصابين بالأمراض العصبية والمصابين بأمراض الذهان.» وكتب جولدشتاين عن امرأة مصابة بمرض مخيخي تميل إلى السقوط على نحو مفاجئ، وتمشي مشية مضطربة. وعندما ارتدت هذه المرأة فستانًا أحمر، أصبحت تلك الأعراض أكثر وضوحًا. وكان للملابس الخضراء والزرقاء تأثير معاكس؛ حيث استعادت المرأة توازنها إلى مستوًى طبيعي نسبيًّا.

وعلى هذا النحو، يمكن للألوان أن تؤثر على قدرة الجسم على الحفاظ على وضعيته. كما ذكرنا من قبل، فإن الضوء الأحمر من الممكن أن يجعل الذراعين المبسوطتين تبتعدان إحداهما عن الأخرى، والضوء الأخضر يمكن أن يجعلهما تقتربان إحداهما من الأخرى. وفي المريض المصاب بضمور الجانب الأيسر من الدماغ، فإن الذراع الموجودة في الجانب المتأثر سوف تنحرف بمعدل أبعد من الطبيعي. و«نظرًا لأن هذا الانحراف يكون محددَ القدر في ظل ظروف معينة، ويتغير قطعًا إثر الاستثارة بألوان مختلفة، فإن هذه الظاهرة يمكن أن تستخدم كمؤشر في دراسة تأثير الألوان على الأداء.»

يختل توازن الكائن البشري بتأثير اللون الأحمر على نحو أكبر بكثير من تأثير اللون الأخضر. وعلى هذا النحو، توصل جولدشتاين إلى استنتاج يقدم جوابًا مهمًّا للمهتمين بالاستجابة البشرية للألوان، فقال: «إن انحراف الذراعين على نحو أقوى عند الاستثارة بالضوء الأحمر يرتبط بتجربة الانزعاج والرفض والانجذاب إلى العالم الخارجي على نحو غير طبيعي. إنه مجرد تعبير آخر عن إحساس المريض بالتعرض للتطفل والعدوان والإثارة من قِبل اللون الأحمر. وقلة الانحراف (عند الاستثارة باللون الأخضر) ترتبط بالانسحاب من العالم الخارجي، والالتجاء إلى هدوئه ومركزه الشخصي. وتمثل التجارب الداخلية الجانب النفسي من استجابات الكائن البشري. ونواجه جميعنا في الظاهرة الملحوظة الجانب البدني من الاستجابة.» وكثير من الأشخاص الذين يعانون من الارتعاشات والتشنجات قد يجدون أن مثل هذه الاضطرابات تخف حدتها إذا ارتدوا نظارات خضراء؛ فتلك النظارات تحجب أشعة الضوء الأحمر، ولها تأثير مهدئ.

كتعميم حول مواصفات الألوان، يقدم جولدشتاين هذه التوصية المثيرة للمؤسسات التي يشغلها مجموعات من الأفراد بغرض العمل، أو بسبب الخضوع للعلاج الطبي أو النفسي: «يمكن القول إن الأحمر مثير للنشاط ومفضل للأفعال التي نحددها بعواطفنا، والأخضر يخلق حالة التأمل والتنفيذ الدقيق للمهمة. وقد يكون الأحمر مناسبًا لخلق الخلفية العاطفية التي ستنبثق عنها الأفكار والعمل، وفي ظل اللون الأخضر، تتطور تلك الأفكار، وتنفذ تلك الأفعال» (تأكيد جولدشتاين).

(٤) سيسيل ستوكس – الألوان والموسيقى

توجد علاقات عاطفية قوية بين الألوان والموسيقى، وقد كتب عنها الكثيرون، وفي حين أن أي علاقة «فيزيائية» (تردد الاهتزازات) يمكن أن تكون محل شكٍّ، فإن إحساس التناغم بين الموسيقى والألوان هو إحساس عام تمامًا. وقد كتب فاجنر عن هذا التناغم بصفته موسيقيًّا، وكتب عنه كاندينسكي بصفته فنانًا من بين الكثير من الفنانين والملاحظين الآخرين.

في حوالي عام ١٩٢١، اخترع توماس ويلفريد أحد فنون الألوان المتحركة، أطلق عليه اسم لوميا، إلا أن ويلفريد لم يكن مهتمًّا بأي شيء ذي طبيعة علاجية. وفيما بعدُ، في أربعينيات القرن العشرين، تمكن سيسيل ستوكس من كاليفورنيا من استخدام أفلام صور متحركة تجريدية تحتوي على ألوان وأصوات في علاج المصابين بأمراض الذهان. ولد سيسيل ستوكس في إنجلترا في ٦ أبريل عام ١٩١٠، وتوفي عن عمر يناهز ٤٦ عامًا في لوس أنجلوس، في ١٤ ديسمبر من عام ١٩٥٦. وخلال حياته ترأس مؤسسة أوروراتون الأمريكية في هوليوود، وتمكن من تأسيس العديد من ملاجئ الموسيقى والألوان في المستشفيات الحكومية في أنحاء أمريكا. لقد كان ستوكس واحدًا من رُوَّاد مهرجانات الضوء والسيرك الكهربائي، ونوادي الديسكو التي ظهرت لاحقًا. وكان ما تحتوي عليه من أنماط ضوئية متحركة، وألوان مستحثة بالصوت، وأدوات إلكترونية، وأفلام وعروض غريبة تهاجم الحواس لأغراض فَهِمَها كلها بنفسه جيدًا منذ ما يزيد على ثلاثة عقود.

ابتكر سيسيل ستوكس وصمم ما أصبح معروفًا باسم أفلام أوروراتون. وفي هذه الأفلام، كانت أنماط متحركة تجريدية «بالألوان الكاملة» تغطي شاشة عريضة بمصاحبة الموسيقى؛ حيث كان أندريه كوستالينتس وفرقته يعزفون «كلير دو لون»، وبينج كروسبي يغني «هوم أون ذا رانج»، و«جوينج ماي واي»، و«آفي ماريا»، كانت تأثيرات الألوان مأخوذة من تكوينات كريستالية نامية ومتمددة مصورة بالألوان التكنيكلر؛ باستخدام الضوء المستقطب (تقنية معروفة جيدًا اليوم). وعلى أي حال، كانت الألوان تتدفق في سلاسة، وعلى نحو رائع، أمام العيون بأنماط مبهجة وطبيعية تمامًا. ومن خلال مهارة يعرفها ستوكس فقط، كانت سرعة عرض النمط تتغير، وكان تصاعد وتضاؤل شدة اللون متناغمين — على نحو لافت للنظر — مع السمات البصرية والعاطفية للموسيقى.

وُثِّق عمل ستوكس على نحو منمق في مقالةٍ أعدَّها هيربرت إي روبين وإلياس كاتس، واشتملت المقالة على إطارين ملونين بحجم صفحة كاملة مأخوذين من أحد أفلامه. وانطلق روبين وكاتس «يراقبان آثار أفلام أوروراتون على المرضى المصابين بالاكتئاب الذهاني … لمعرفة الآلية النفسية المتحكمة في استجابات المرضى المصابين بالاكتئاب الذهاني عند مشاهدتهم هذه الأفلام، وأيضًا من أجل استخدام هذه الأفلام كوسيلة علاج نفسي.» قدمت المقالة بالتفصيل نتائج الدراسة، واقتبست من تقارير ست حالات على النحو التالي: «كان من الملاحظ أن مرضى الهوس الاكتئابي في الحالة المذكورة خاضوا تجارب تنفيس عن النفس، وبدا أنهم استفادوا من مشاهدة الأفلام.»

وكما أوضح روبين وكاتس، فإن المريض المصاب إصابة بالغة أو المشلول قد يصاب باكتئاب شديد، وقد يتملكه العناد ويقاوم المساعدة الطبية ويسعى إلى الانتحار. ومع ازدياد حالة الاكتئاب سوءًا قد يشتد مرضه على نحو مروع. ورغم ذلك، فمع التوصية المتمثلة في استخدام الموسيقى والألوان، كما هو الحال في أفلام أوروراتون، فإن «معظم المرضى أصبح من السهل التواصل معهم إلى حدٍّ كبير … والمرضى الذين كانوا يعانون في السابق من حبسة الكلام أو تأخُّر الكلام أصبحوا يتحدثون بحرية أكبر … ومع حالة سهولة التواصل مع هؤلاء المرضى، أصبح ممكنًا للطبيب النفسي بناء علاقة تفاهم معهم.»

إذا كانت نوادي الديسكو وفرق الروك آند رول الموسيقية بأضوائها الوامضة، وألوانها البراقة، وأصوات الصرير التي تُحدثها تُثير الأعصاب، وتتغلب على الخجل والحياء في البشر، وتثير تأثيرات مشابهة لتلك التي تعقب تعاطي عقار إل إس دي المهلوس — إذا كانت تسبب أشكالًا صغرى من الانهيار العصبي — فإن سيسيل ستوكس كان يعلق آمالًا مناقضة تمامًا لتلك التأثيرات على وسيلته المعتمدة على الصوت واللون؛ فمن خلال «الموسيقى البطيئة والمهدئة والحزينة نسبيًّا»، كان متأكدًا من أن الأرواح المريضة عقليًّا «يمكن أن تنفِّس عن توتراتها المكبوتة الناتجة عن الصراعات وخيبات الأمل.» لقد كان مهتمًّا، بوصفه رائدًا، بالقيم الروحية والنفسية للألوان والأصوات، وبالعوامل البيئية المؤثرة والمتحكمة التي سوف تتطور أكثر بلا شك، وتطبق على نطاق أوسع مع مرور الوقت.

إليكم مقتطفًا من إحدى الحالات المذكورة في مقالة روبن وكاتس: «المريض إي، دخل هذا المريض البالغ من العمر ٢٦ سنة المستشفى … في ٥ يونيو ١٩٤٥ لعلاج إضافي لجروح متعددة في الجسم من الدرجة الثانية والثالثة … لم يظهر هذا المريض أي أعراض عقلية حتى ١٦ أغسطس ١٩٤٥، عندما كتب على إحدى أوراق الصليب الأحمر الأمريكي عبارة: «أحضروا من فضلكم بعض السم لقتلي.» كان المريض مشوَّهًا نتيجة لحروق شديدة في الوجه متضمنة الأذنين، وكذلك كلتا اليدين. كان مضطربًا ومهتاجًا ومكتئبًا ومتأخرًا ومستغرقًا في التفكير، وكان يفكر كثيرًا في أنه فقد السيطرة على حياته … وكان يعبر في أغلب الأحيان عن رغبته في الموت كوسيلة لحل مشكلته العاطفية … في ٢١ سبتمبر ١٩٤٥ وقبل عرض الفيلم، بدا أن المريض مكتئب نسبيًّا. جلس المريض ورأسه لأسفل يتحسس حذاءه. وطوال عرض الفيلم، بدا مستغرقًا تمامًا في الموسيقى والألوان … وفي نهاية العرض جلس باستقامة، وأخذ ينظر إلى أرجاء الغرفة. لم يعد يبدو عليه الاكتئاب. وخلال جلسة النقاش الجماعي فيما بعد، تعاون مع الطبيب النفسي، وأجاب عن الأسئلة بصراحة، وعندما غادر الغرفة لم يعد يجر قدميه في تباطؤ.»

(٥) الأزرق جميل

هذا عنوان مقالة قصيرة نشرت في عدد ١٧ سبتمبر ١٩٧٣ من مجلة «تايم». أشارت المقالة إلى أحد أعمال هينر إيرتل؛ مدير أحد معاهد علم النفس العقلاني في ميونخ. وقد أجرى هينر دراسة استغرقت ثلاث سنوات على أطفال لتقدير تأثير لون البيئة على الكفاءة التعليمية، إن لم يكن لقياسه. طُليت غرف ذات أسقف منخفضة بألوان مختلفة. وكانت الألوان الأفضل والأكثر شعبية هي الأزرق الفاتح والأصفر والأخضر المصفر والبرتقالي. وفي هذه البيئات، يمكن أن يرتفع معدل الذكاء إلى قدر كبير يعادل ١٢ درجة. أما الألوان المسماة بالألوان القبيحة؛ الأبيض والأسود والبني، فسببت انخفاضًا في معدل الذكاء؛ «وجد الباحثون أن الألوان الشائعة تثير أيضًا الانتباه والإبداع، وغرف اللعب البيضاء والسوداء والبنية جعلت الأطفال يشعرون بقدر أكبر من الملل.» إن هذه النتائج التي توصل إليها إيرتل تؤكد اعتراض مؤلف الكتاب على استخدام الحوائط البيضاء، أو الرمادية، أو غير الملونة في البيئات الداخلية المغلقة التي تتجمع فيها مجموعات من الأشخاص، ويلزم فيها دعم الراحة البدنية، والكفاءة البصرية، والمهارة اليدوية، والهدوء العاطفي. ووجد إيرتل أن اللون البرتقالي يحسن السلوك الاجتماعي، ويرفع الروح المعنوية، ويقلل سمات العدوانية والانفعالية، وقد أكد مؤلف هذا الكتاب هذه النتيجة.

إن التكيف مع البيئة لا شك هو بداية الوعي والفهم لكل الحيوانات ومنها الإنسان. معظم الأشخاص شهدوا، أو شاهدوا في الأفلام، ميلاد الدجاج والماشية والمِهَار. في البداية، تشعر هذه الحيوانات الوليدة بالفضول تجاه العالم الذي يدور حولها، ويتبع ذلك تعلُّق شديد بحماية أمهاتها لها. ووضع هينر إيرتل وزملاؤه هذه الملاحظة في اعتبارهم، وصمَّموا مهدًا من البلاستيك المقوى الشفاف ليُمكِّن الوليد من رؤية ما يدور حوله. وقد تعزز التطور العقلي لعدد من الأطفال حديثي الولادة الذين تربوا بهذه الطريقة؛ «في عمر ١٨ شهرًا، كان الأطفال في المجموعة التجريبية أكثر ذكاءً على نحو قياسي مقارنةً بالأطفال البالغين من العمر عامين الذين وضعوا في مهود تقليدية.» أما عن التوصيات المقترحة حول الألوان المفضل استخدامها في البيئات والمستخلصة من واقع خبرتي، فأقدمها في الفصل الثامن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢