طرابلس

هي مركز أحد ألوية ولاية بيروت، وعدد سكانها ٣٠ ألف نسمة؛ يبلغ عدد المسلمين منهم نحو ٢٤ ألف نفس، والباقي من طوائف مختلفة، أغلبهم من الروم الأرتدكس، ويوجد في المدينة ١٤ مسجدًا، ومعبد لليهود، و١٤ كنيسة للمسيحيين؛ لكل مذهب عدد يخصه، ثم إن للراهبات الفرنسيات ملجأ للأطفال ومدرسة للبنات، وللقسس الأمريكيين مركز للتبشير ومدرسة، ويقال إن فيها للمسلمين مكتبات جميلة.

أما تجارتها، فقد كانت نامية رابحة، ولكنها أخذت في الضعف والانحطاط منذ تمت السكة الحديدية بين حماة وريَّاق، ويقال إن الواردات من الأقطان والمصنوعات قد بلغت نحو عشرة ملايين وسبعمائة ألف فرنك، وإن الصادرات من الغلال والصوف والحرير والصابون والإسفنج بلغ تقريبًا من سبعة ملايين ومائة ألف فرنك، وأهم ما فيها من الصناعات صناعة الحرير التي اشتهرت منها جدًّا المناطق الحريرية، وكذلك صناعة الصابون؛ حتى إن الباعة يروِّجون بضاعتهم من هذين الصنفين بنسبتها إلى طرابلس.

أما ضواحيها، فخصبة التربة جيدة المعدن، وفيها كثير من شجر الزيتون والبرتقال والليمون وشجر التوت، وهو أكثر من كل المغروسات؛ لتربية دود الحرير، وفيها أيضًا يزرع الدخان الذي لا تزال زراعته تتقدم شيئًا فشيئًا.

تاريخ طرابلس

لم يُعلم إلى الآن ما هو الاسم القديم الذي كان يطلقه الفينيقيون على مدينة طرابلس، وقال بعض المؤرخين إنه يغلب على الظن أن بناء هذه المدينة لا يتجاوز سبعمائة سنة قبل الميلاد، وهي باعتبارها مدينة من مدن الجمهورية الفينيقية لم يظهر عليها أنها كانت شغلت مركزًا مهمًّا في تاريخ تلك الجمهورية، ويقال إنها بُنيت في ذلك الوقت على شاطئ البحر، وقد بنى فيها الآشوريون والرومانيون بعد ذلك مباني فخمة تكوَّن منها إذ ذاك جمال المدينة وحسنها، ولكن الزلازل التي توالت عليها خرَّبتها ولم تبقِ شيئًا يُذكر من آثار تلك العمائر الجميلة.

وقد فتحها المسلمون بدون مقاومة منها مطلقًا، ثم توالت عليها حوادث الحروب الصليبية وغيرها، كما تعاقبت عليها مصائب طبيعية كثيرة، وهي تتألَّف كما قلنا من قسمين؛ قسم الميناء البحرية وقسم المدينة الداخلية التي بناها المسلمون، وازدادت عمارتها وكثر عدد سكنها في القرن السادس عشر، وقد اشتُهرت طرابلس فيما بين الناس بأنها مدينة غير صحية؛ بسبب ما يظهر فيها من الحميات، مع أن هذه الأمراض لا تظهر هناك إلا قُبَيل فصل الخريف، وهي مع ذلك قليلة الخطر جدًّا.

وتسمَّى هذه المدينة عند أهلها بدمشق الصغرى، وشوارعها مرصوفة ومرصوصة بالحجارة، وعليها أقبية وعقود يذكِّر منظرها بالقرون الوسطى، وفيها سوق للحرير الذي يصنع بها، وعدد كبير من الخانات، وأجملها خان الصاغة، وأحسن موضع يرى منه الناظر جمال طرابلس في مجموعه هو القصر الحصين المبني على الجبل المقابل لها، ويقال إن الذي شيد هذا القصر هو الكُنت ريموند ديسانجبيل، ويسمَّى عند المسلمين إلى الآن ساندجيل.

ويوجد خارج المدينة غابة من أشجار الفاكهة عظيمة المساحة جميلة المنظر، أما المدينة البحرية، فإنها قائمة على لسان داخل في البحر، تحيط بها عدة أبراج قديمة، وعدد سكانها يبلغ خمسة آلاف نفس تقريبًا، وهذا العدد محسوب من جملة العدد المتقدِّم.

هذا وقد قدرنا المسافة من طرابلس إلى ميناء بيروت بنحو أربع ساعات، قضيناها كلها — والحمد لله — في راحة تامة وسرور عظيم؛ لأن سير السفينة في طول هذا السفر كان قريبًا من الشاطئ، وناهيك بمنظر الطبيعة البديع الذي كنا نشاهده على الساحل من شاطئ البحر إلى جبال لبنان؛ فقد كان من أحسن ما اتفق أن يراه الإنسان في بلاد الجمال.

الوصول إلى بيروت

وصلنا إلى بيروت حيث كانت الساعة ستًّا ونصفًا بعد الظهر تقريبًا، فوجدنا في استقبالنا على المرفأ حضرات أصحاب السعادة والفضيلة رجال الحكومة، يتقدَّمهم دولة الوالي، ثم العلماء والرؤساء الروحيون، فالأعيان والوجهاء، وبالجملة، فإن الاحتفال كان بالغًا حدَّ الأبهة والوقار، لا ينقص عمَّا في المرة الأولى إن لم يكن قد زاد أمرًا معنويًّا، هو ما كان يدور بين القلوب من المحبة والإخلاص.

وبعد أن تبادلنا السلام والتحية ركبنا قاصدين إلى الفندق الذي كنا نزلنا فيه أول مرة، ولم يمضِ علينا إلا قليل من الزمن حتى توافد إلينا جميع الذين كانوا ينتظروننا على مرسى السفينة، فاستقبلناهم شاكرين لهم ما أبدوه نحونا من العناية واللطف، وكان في ضمنهم وفدٌ من التلاميذ المصريين في كلية الأمريكان، جاءوا ليتعرَّفوا منا الوقت الذي نحدده لزيارة مدرستهم، وقد وعدتهم بذلك في صباح اليوم الثاني إن شاء الله.

وكيل البطريك

وكان قد جاءنا على أثر نزولنا في الفندق أيضًا جناب وكيل غبطة بطريك الطوائف المارونية، يحمل إلينا سلام غبطته ويدعونا عن لسانه إلى زيارته في بيته الذي في الجبل؛ حيث هو لم يستطع الخروج منه، وقد بلغني أنه يميل كثيرًا إلى الأسرة الخديوية؛ لما يعرفه من رعايتهم لأبناء الشام، وما يبلغه من حسن معاملة الحكومة الخديوية لهذا الشعب، ومن ثمَّ كان غبطة البطريك يود من صميم قلبه أن نعدَهُ بزيارته كيما يستعد بعمل زينة باهرة واحتفال فخيم، حتى قال محدِّثنا في هذا الشأن إنه قد صمم على أن يبالغ في تكوين الزينة ورونقها إلى ما لم يسبق له نظير لسوانا من كل زائريه وضيوفه.

ولقد كنت أحب كثيرًا أن ألبي دعوة هذا الرئيس الديني الكبير، وأصعد لزيارته في الجبل، غير أنه — مع مزيد الأسف — كانت مدة إقامتنا لا تسمح بهذه الزيارة؛ ولذلك قلت لجناب الوكيل ما يتضمن هذا العذر، ووعدته أن أستبدل من زيارة غبطة البطريك زيارة مدرستهم، فشكر لنا ذلك وانصرف مشيَّعًا بما يليق به من الاحترام، محمَّلًا منَّا إلى رئيسه الكريم عاطر التحية والسلام، وعلى ذلك انقضت سحابة هذا اليوم.

زيارة المدارس

ولما أن أصبح الصباح ذهبنا إلى زيارة المدارس التي كنا بيَّتنا النية على مشارفتها، فابتدأنا بزيارة المدرسة الأهلية، وحين وصلنا إليها وجدنا في استقبالنا عند مدخلها جناب ناظرها الفاضل، وهو رجل هندي الجنس غاية في الأدب والنشاط، فسلَّمنا عليه ورحَّب بنا، وكان يعجبني منه زيادةً عن كل شيء احتفاظه بدينه وتمسُّكه به تمسُّكًا شديدًا.

ثم إنه عرض علينا ما كانت تشتمل عليه المدرسة من الأعمال والأدوات بعد أن طاف بنا على جميع مداخلها وغرفها، وعرض علينا أيضًا بعض التلاميذ ممَّن كانوا لا يزيد عمر الواحد منهم عن أربع سنوات، وامتحنهم أمامنا فيما كانوا يتدارسونه من المسائل والمواضيع المختلفة، فسررنا غاية السرور من نتيجة التعليم وآداب التلاميذ، وشكرنا ذلك الأستاذ الناظر الذي يرجع إليه الفضل في بلوغ هؤلاء الأحداث إلى مثل هذه النتيجة المحمودة، ومن هناك قصدنا توًّا إلى زيارة الكلية الأمريكانية.

كلية الأمريكان

وكانت هذه الكلية من ضخامة العمارة وسعة المساحة وجمال الموضع والبناء؛ بحيث تنطبق تمام الانطباق على شهرة الأمريكان وما يعرف لهم من الغنى الواسع والثروة الطائلة، على أنه قيل لنا إن تلك الكلية لم تقف حتى الآن عند حدٍّ محدود؛ سواء من كثرة البساتين أو من الأقسام والعمائر، بل هي لا تزال تزداد في كل سنة زيادة محسوسة بفضل ولاة الأمر فيها وتواصل عنايتهم بها.

وعندما نزلنا من مركباتنا وجدنا على مدخل المدرسة جناب رئيسها المحترم، الذي كان قد خرج إلى هذا المكان ليستقبلنا عنده، وقد اصطفَّ بجانبه التلاميذ المصريون، فاستقبلونا جميعًا بالحفاوة والاحترام، ثم ما كدنا نخطو أول خطوة من الباب حتى خاطبنا ذلك الرئيس بعبارات تدل على كرم أخلاقه ووداعة نفسه، فقال: إني أتشرَّف كثيرًا بزيارة دولتكم هذه، كما يتشرَّف تلاميذ المدرسة عمومًا، خصوصًا التلاميذ المصريين، وقبل أن تتفضلوا بزيارة المدرسة أستميحكم العفو فيما أريد أن أتشرَّف بإبلاغه إلى دولتكم وإنباهكم إليه. فقلنا له: نحن مستعدون أن نفهم من جنابك ما تريد.

فقال: أتشرَّف بتفهيم دولتكم أنه قد جرت العادة في زيارة هذه الكلية بأن الزائر لا بدَّ أن يبدأ قبل كل شيء بزيارة المعبد؛ حيث تقام فيه الصلاة، كما أنه من الضروري أن الزائر لا يبرح يشهد تلك الصلاة ويسمعها حتى تنتهي؛ لذلك أرجو دولتكم أن تتفضلوا بحضور الصلاة في المعبد وفاق العادة.

فقلت له: يا جناب الرئيس، إني وإن كنت امرأً مسلمًا، محتفظًا بديني متمسكًا به دائمًا، ومحبًّا له جدًّا، غير أني مع هذا نشأت منذ صغري على حرية الضمير وإطلاق الفكر، ولست أذكر في كل عمري الذي عشته أني خضعت لشيء حيث كان إلا بعد أن أتبيَّن أنه حق صحيح، هذا هو مبدئي ما دام يوافق ديني؛ لذلك تراني لا أبالي أن أزور بِيَعَ النصارى وصوامعهم، وأجتمع بقسسهم ورهبانهم، كما لا أخشى أيضًا أن أشاهد عبادتهم وصلاتهم، بل قد طالما دخلت المعابد والكنائس في بلاد أوروبا عندما كانت تقام فيها الحفلات الكبيرة لتتويج القياصرة والملوك، وعند غير ذلك أيضًا.

وقد زرت الفاتيكان في رومة ومواضع كثيرة من هذا القبيل، وأصحابي من النصارى وغير النصارى كثيرون جدًّا، وماذا عليَّ لو أزور المعابد وأحضر الدعاء، وأنا معتقدٌ ملءَ صدري أن ديني لا يخالفني على شيء من ذلك، بل إن استكناه الأشياء والوقوف على حقائق الأمور وماهيتها مما يحثُّ الدين الإسلامي عليه بلا نزاع.

فلا تظن إذن يا جناب الرئيس أني إذا لم أوافقك على ذلك الطلب أكون متعصبًا دينيًّا، أو أني أخشى شيئًا آخر — معاذ الله! — ولكن إذا أردت أن تفهم مني علَّة امتناعي من دخولي المعبد وحضور الصلاة فيه، فأنا أقول لجنابك بما اعتدته من الصراحة إنني اليوم في بلاد شرقية، ثم أنا أمير مسلم شرقي أيضًا، ولا يتفق أن أكون كذلك وأن أجري على العوائد والتقاليد الغربية، وإنه إذا صح أن الإنسان يصبغ نفسه في بعض الأحيان صبغة غير صبغته، ويجري على غير مبدئه وعادته، فذلك إنما يكون عندما تحيط به ظروف مخصوصة، وتقتضيه إلى ذلك دواعٍ قوية لا يجد له منها مفرًّا دون أن يفعل، أَمَا والإنسان له من الشيء مندوحة وسعة، وسواء عنده أن يكون ذلك الشيء وأن لا يكون، فإنه بالطبع في حِلٍّ من أن يختار لنفسه ما يلائم فطرته ويتفق ومصلحته.

فقال: إني أوافق دولتكم على فكرتكم هذه، وهي عندي سديدة صحيحة لو أنه كان هناك عبادة وصلاة حقيقة، أَمَا وليس ثمة إلا مجرد مقالة عادية تتلى على مسمع من دولتكم في ذلك المعبد، فإني لا أرى في تفضُّل دولتكم بإجابتي إلى ملتمسي ما لعله يُؤخذ عليكم أمام ضميركم أو أمام المسلمين، ولا ما عساكم تنفرون منه وتكرهون حضوره.

فقلت له: يا جناب الرئيس، إني قلت وما زلت أقول لجنابك لم يكن من عادتي أن أتكلَّف فعل ما لا أريده، وإن إقامة الصلاة على هيئتها الحقيقية لم يكن هو المانع لي من تلبية مطلبك؛ فإنه سواء عندي أن تكون الصلاة حقيقية أو صورية، أو أن لا تكون صلاة أصلًا، وإنما يمنعني من ذلك أولًا: أنه ليس لي فائدة من زيارة معبد قد زرت كثيرًا مثله في أوروبا وغيرها، كما أنه لا معنى لأن أحضر حفلة صلاةٍ كثيرًا ما شهدتها ورأيتها، وثانيًا: ما أنبهتك إليه من أنه لا معنى لأن أميرًا مسلمًا شرقيًّا في بلاد إسلامية شرقية، وفي ضيافة وحماية المسلمين الشرقيين، وهو منهم بالنظر الذي لا يستوي فيه كل الناس، ثم هو ينسلخ عن تقاليده وعوائده، وربما تساهل بعض الشيء في دينه؛ كل ذلك هو يفعله لغير سبب إلا مجرد الخضوع للعادة في زيارة كلية، أمَّا أنا فلست ممَّن يقدِّس العادة أو يخضع لحكمها كائنة ما كانت، فلتكن هذه عادتكم في مدرستكم، أما أنا فمخيَّر في أني لا أزور إلا ما أشاء، فانظر يا جناب الرئيس بعد ذلك ماذا أنت صانع.

أما هو، فلما يَئِسَ ولم يجد بعد الجهد والاحتيال إلا إباءً شديدًا، رجع عن فكرته مقتنعًا بما قلناه، ثم ذهب إلى المعبد وترك معنا أربعة من التلاميذ المصريين ليرشدونا إلى مكتبة المدرسة ريثما يؤدي رئيس الكلية صلاته، فذهبنا ومعنا أولئك الطلبة إلى دار الكتب الخصيصة بتلك الكلية، فاطَّلعنا عليها، وكان التلاميذ يرشدوننا إلى ما كانت تحويه تلك المكتبة النفيسة، ومنها ذهبنا إلى المتحف الذي توجد فيه مجموعة كبيرة من حيوانات محنَّطة مختلفة أنواعها، فاطَّلعنا عليها وقضينا منها مأربنا، ثم توجَّهنا إلى معمل الكيمياء والطبيعة، وإلى جملة معامل أخرى، فزرناها وكنا في غاية السرور بما كنا نجده من أدب التلاميذ ولطفهم.

وبينما نحن نسير بين تلك المعامل إذ حضر إلينا جناب الرئيس، وراودنا إلى زيارة المدرسة، فمررنا من الطريق المؤدي إليها أولًا بحديقة منسَّقة فسيحة، وشاهدنا في خلال ذلك الطريق دوائر كثيرة وغرفًا للتلاميذ، حتى انتهينا إلى قاعة واسعة كانت هي التي أُعدَّت لاستقبالنا، وكان فيما تشتمل عليه تلك القاعة صورة سمو الجناب العالي الخديوي، مكبَّرة محفوفة بإطار كبير وكراسي متعددة، وهناك كان ينتظرنا جناب قنصل أمريكا وعدد عديد من أساتذة الكلية ومعهم نساؤهم، فرحَّبوا جميعًا بمقدِمِنا، واستقبلونا بكل حفاوة واحترام.

وبعد أن تبادلنا التحية واستقرت بنا مجالسنا قام جناب ناظر المدرسة وتلا على مسامع الموجودين خطابًا رشيق العبارة، استهله بالكلام على فضل مصر والمصريين، ثم امتدح الأسرة الخديوية بأعمالها الجليلة في تاريخها الغابر والحاضر، وبعد ذلك رحَّب بنا وأهَّل شاكرًا لنا زيارتنا لمدرستهم، وما أوشك أن يفرغ من مقالته حتى قام أحد التلاميذ المصريين بالنيابة عن جميع إخوانه في تلك الكلية وخطب أيضًا خطبة جميلة، كانت لا تخرج عن نفس الموضوع، وقد أعقبها بقصيدة ظريفة، وهي:

في مثل ذلك اليوم العظيم
تهتز بالفخر النفوس
ولمثل ذا الضيف الكريم
بتجلة تحنى الرءوس
بك يا محمد قد زها
صرح به تجنى العلوم
بلقاك نلنا المشتهى
يا حبذا شرف القدوم!
يا فرع عائلة سمت
في المجد بين العائلات
وبعهدها مصر نمت
فتجددت فيها الحياة
ما الزهر في فصل الربيع
أذكى وأعطر من شذاك
ما لونه الزاهي البديع
أبهى رواء من سناك
لسموِّ عباس الأمير
بقلوبنا أسمى مكان
ندعو إلى المولى القدير
بدوامه طول الزمان
نحن الذين على الوطن
وقفوا النفوس الغالية
ولأجله من كل فن
نجني الدروس العالية
قد كان في ماضي العصور
نبع التمدُّن والفنون
وبفضل عباس الغيور
اليوم يوشك أن يكون
وطن لنا أبدًا يسود
بقوى المعارف لا القِراع
عنه إذا قمنا نذود
فسلاحنا هذا اليَراع
يا من أتانا زائرًا
متفقِّدًا منا الشئون
سيظل كلٌّ ذاكرًا
للفضل ما انقضت السنون
أوليتنا نعمًا على
نعمٍ بتشريف المقام
فجميعنا نهدي إلى
علياك شكرًا والسلام

هذا وقد قدَّم لنا صورة هذه القصيدة مكتوبة بخط جميل عليها إمضاؤه وإمضاء كاتبها، فشكرناه، وكانت الموسيقى إذ ذاك تعزف بالسلام الخديوي، وحينئذ نهض حضرات المحتفلين عن آخرهم يدعون لعزيز مصر بتأييد عرشه وحفظ ذاته الكريمة، فما وسعني عند ذلك سوى أن قمت وابتدأت خطابي له بشكر من كان حاضرًا من الأمريكان وغيرهم، وبعدئذ تكلَّمت باختصار على روابط المودَّة الوثيقة بين الشعب الأمريكي والشعب المصري، وبيَّنت ما كان للشعب الأوَّل من الثبات والإخلاص في أعماله، وذكرت على الخصوص نفرًا من الضباط الذين كانوا قد انتظموا في سلك الجيش المصري، وأَبَنْتُ لهم صادق خدماتهم التي لا تزال حتى اليوم تتردَّد على ألسنة المصريين مشفوعة بالشكر العاطر والثناء الجميل.

وما كدت أجلس حتى دوى المكان دوي النحل بعبارت الامتنان والاستحسان، وعلى أثر ذلك قُدِّمت لنا صحاف الحلوي وفناجيل الشاي، فتناولنا منها ما طاب لنا، وشكرناهم ثم قمنا مودَّعين من حضراتهم جميعًا بغاية الإجلال والتعظيم، ومن هناك عدنا توًّا إلى الفندق.

وبعد أن تناولنا طعام الغداء ركبنا سيارة ومعنا حضرة الأمثل سليم بك ثابت، حيث قصدنا إلى التنزه في جهات الضواحي، وكان سيرنا في هذه المركبة السريعة على شاطئ البحر من شمال بيروت بين المناظر الطبيعية الجميلة، حتى وصلنا إلى بلدة تسمَّى سوق مصباح، ومنها عدنا في نفس الطريق إلى الفندق، حين لم يبقَ من الوقت إلى ريثما يسعنا للعشاء والنوم.

وعند الصباح توجَّهنا إلى زيارة معمل الخواجة خوري السيوفي، وهو معمل كبير للمصنوعات الخشبية، وحركاته الصناعية تجري كلها بواسطة الأدوات والآلات التي تختلف على حسب اختلاف أدوار العمل وأجزائه، وهناك شاهدنا من العمال مهارة فائقة ونشاطًا عجيبًا، ولهم دقة غريبة في الصناعة، خصوصًا صناعة الدواليب التي كانت لا تقل في نظرنا عن الدواليب التي تصنع في أهم فبريقات أوروبا وأشهر معاملها.

وبالجملة، فإن هذا المصنع كان حافلًا بالعُدد المتينة والآلات المكينة التي تلزم لصناعة الخشب بجميع أنواعه؛ من المبدأ إلى المنتهى، على نحو ما يتصوره زائرو المصانع في البلاد الغربية، وقد طفنا في هذا المعمل على كل ما كان يدور فيه من العمل، وسررنا جدًّا من تلك النهضة العملية الشريفة التي تبشِّر بحسن مستقبل الصناعة في بلاد الشام، وتعد خطوة واسعة في طريق الحضارة الشرقية.

وإذ ذاك امتدحنا مؤسس هذا العمل المفيد الذي كان أكبر مشجعٍ لتلك الصناعة البديعة في بلاد الشرق، حتى أصبحنا نرى في مثل بيروت مصنوعات مهمة تضارع مصنوعات الغربيين في أعظم مصانعهم، ولا بدَّ على طول الزمان أن تنشأ المعامل لمثل هذه الصناعة وغيرها في كثير من حواضر البلاد النامية، وحينئذٍ يتوافر للبلاد شيء كثير من ثروتها يُتبادل بين أهاليها ويُصرف منها فيها، وذلك هو الأساس الأول الذي عليه يبنى استقلال البلاد، وترتكز سعادتها.

وإنه بقدر ما كان سرَّني أن أرى تلك الحركة العظيمة والنهضة السامية من أبناء سورية، لقد ساءني أني لم أجد مثل ذلك لأحد أبناء مصر، وفيهم الأغنياء المُثْرُون والعقلاء المفكرون، وقد أخبرني جناب الخواجة خوري بأن لأخيه تجارة واسعة في مصر تُصدَّر إليه من بيروت، وهي إذا كانت من الإتقان بالدرجة التي شاهدناها لا جَرَمَ كانت قمنةً بأن تحرز ثقة المصريين وتروج في أسواقهم رواجًا عظيمًا.

ولمَّا أن قضينا مأربنا من رؤية ما في المعمل، واطلعنا على جميع أدواته، وتعهدنا دوائره ومصنوعاته، شكرنا للرئيس همته ونشاطه وشجعناه، وحينئذٍ دقَّ الجرس، فوقفت حركة العمل في كل جهة من جهات المعمل، وجاء العمال عن بكرة أبيهم، وأحاطوا بنا إحاطة الثوب بالبدن، وكان يبلغ عددهم ٣٠٠ نفس تقريبًا، ثم تقدَّم نحوي أصغرهم وقدَّم باقة زهر، وجاء آخر وأخذ يهتف لنا بالدعاء بعد الترحيب والثناء، وعلى أثر ذلك قُدِّم لنا الشاي والحلوى، فتناولنا منهما ما وافقنا ثم خرجنا.

وكان ينتظرنا في غضون الطريق مصوِّرون معهم آلة التصوير «الفوتوغراف»، فأخذوا رسمنا حال مرورنا، ثم توجَّهنا إلى الفندق لنتهيَّأ من هناك للذهاب إلى مدينة صيدا؛ حيث كنا دُعينا لتناول الغداء فيها من قِبَل صاحب السعادة نسيم بك جنبلاط، أحد أمراء الدروز وعظمائهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠