طريق السفر إلى بعلبك

مرَّ بنا القطار في سهل البقاع — الذي سبق الكلام عليه — حتى وصل إلى محطة الريَّاق — التي أسلفنا أن القطار يقف عندها زمنًا يكفي المسافر لأخذ غايته من طعام الغداء — وقد كانت المسافة من هذه المحطة إلى مدينة بعلبك أقرب مسافة بين المحطات، ورأينا في انتظارنا على إفريزها سعادة عبد الحميد باشا الدروبي لمناسبة أننا كنا وعدناه بزيارتنا له في مدينة حمص التي هي بلده، وهو سيدها وأكبر واحد فيها. وكان معه في استقبالنا قائم مقام بعلبك وحضرة مطران بك أحد أسرة مطران الشهيرة في بلاد الشام، وإن شاء الله سنذكر نبذة من تاريخ هذه الأسرة الفخيمة.

وبعد أن تناولنا جميعًا طعام الغداء الذي كان مجهزًا مع جميع أدواته، نزلنا في القطار الذي ما فتئ يعبث بالأرض وينفذ كالسهم في كبد الفضاء، حتى وصل إلى محطة بعلبك، وكان الزمن الذي استغرقناه في طول المسافة بين الريَّاق وهذه المحطة لا يزيد عن ثلاثة أرباع الساعة.

(١) مدينة بعلبك

هذه المدينة ترتفع عن سطح البحر نحو ١١٧٠ مترًا، وهي قائمة في الجانب الشرقي من وادي الليتاني، وهو وادٍ خصب التربة جيد المعدن جدًّا، ثم إن هذه المدينة وإن كانت قديمة التاريخ مشهورة في سورية، غير أنها صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف ومائتي نفس، خمسهم من طوائف المسيحيين، وهي قصبة قضاء باسمها تابع لواء دمشق، وفيها حامية صغيرة وديرانِ روميان وآخران مارونيان ومدرستان للبنات؛ إحداهما لراهبات القديس يوسف، والأخرى للبعثة الإنجليزية.

وفيها أيضًا مساجد ومزارات لبعض الأولياء، وروضة أنيقة ونبع يسمَّى برأس العين، وهو من أجمل المنتزهات، وماؤه عذب لطيف، وفيها من الآثار المهمة والعجائب التاريخية قلعة بعلبك، التي هي من أعجب مباني العالم وأغلب الآثار السورية بعد تدمر، وسيأتي لنا عليها كلام بعد قليل مما سنذكره في تاريخ تلك المدينة.

(٢) تاريخ المدينة

أصل مدينة بعلبك غير معروف، وقد وُجد اسمها ضمن كتابة قديمة عُثر عليها في الآثار الآشورية والمصرية، ويؤخذ من هذه الكتابات أن المدينة كانت مخصَّصة بعبادة الإله بعل، وكان اليونان يقولون إن بعلًا هذا هو نفس إليوس إله الشمس، ويفسِّرون بعلبك ﺑ «إليوبوليس»، ولمَّا أن جاء الرومان قالوا إن إليوس هو المشتري، وكانوا يمثِّلونه بشاب أمرد، أمامه ثوران، وفي يمينه سوط، وفي يساره صاعقة وبعض من سنابل القمح.

وفي عهد الملك أوغيست اعتُبرت المدينة مستعمرة رومانية كما يدل على ذلك بعض نقود القرن الأول التي وُجدت تحت الجدران. وفي عهد الملك أنطنيوس الصالح، من سنة ١٣٨ إلى سنة ١٦١ بعد الميلاد، شرع في بناء معبد لآلهة إليوبوليس الثلاثة؛ المشتري والزهرة وعطارد، ولكن لم يتم بناء ذلك المعبد إلا في عهد «كراكلا» سنة ٢١٧. ثم بني بعد ذلك معبد الإله باكيس إله الخمر. ولما جاء عهد الإمبراطور قسطنطين الأول مُحيت عبادة الزهرة، وذلك كان من سنة ٣٢٤ إلى سنة ٣٣٧. وفي عهد الإمبراطور بتودوز، الذي كان من سنة ٣٧٩ إلى سنة ٣٩٥ هُدِم بأمر منه المعبد الكبير، بعد أن كانت الزلازل قد نالت منه مرادها أيضًا. ثم بنى الإمبراطور في موضعه كنيسة، وقد وُجد في ضمن الآثار كتابات يذكر فيها بعض أساقفة إليوبوليس.

وفي القرن السابع استولى على المدينة بطل المسلمين أبو عبيدة بن الجراح — رضي الله عنه — بعد أن دارت حرب بينه وبين بطريق يسمَّى هربيس، أرسله هرقل عظيم الروم، وكان هربيس هذا رجلًا شديد البأس شجاع القلب، ولكنه لم تنفعه شجاعته ولم تغنِه كثرة قومه وجنده، والمسلمون يومئذٍ أشد بأسًا وأشد تنكيلًا، وكان عليهم من أمراء الجيش وقوَّاده؛ خالد بن الوليد، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، ورافع بن عبد الله السهمي من سادات قريش، فنَصَر الله المسلمين وأيَّدهم بعدما كان حمي وطيس الحرب بين الروم والعرب، وحصر العرب الروم حصارًا شديدًا، ضايقهم حتى انتهى الأمر بانهزامهم واستكانتهم وخضوعهم لشروط الغالبين.

وقد ثار الروم أخيرًا بالبطريق هربيس زعيمهم، فقتلوه وانضموا للإسلام، وتم الفتح للمسلمين، واستخلف أبو عبيدة على بعلبك رافع بن عبد الله السهمي، وأوصاه على عادته بالعدل والاستقامة.

ويعتقد العرب أن القلعة من بناء سيدنا سليمان، وقد بنوا فيها حصونًا كان لها أهم تأثير في حروب القرون الوسطى، وفي سنة ١١٣٩ استولى الأمير محمود زنجي على المدينة والقلعة، وفي سنة ١١٧٥ استولى عليهما أيضًا السلطان صلاح الدين، وفي سنة ١٢٦٠ خرَّبها المغول تحت رياسة هولاكو، وجاء بعده تيمورلنك فأجهز عليها.

أما بناء المعابد فقد وُجدت نقود من عهد الإمبراطور «سبيتم سفير» سنة ١٩٣ إلى سنة ٢١١، وكذلك وُجدت نقود من العصور التي تلي عصر هذا الإمبراطور وعليها كلِّها صورتا المعبدين، ولكن مع هذا لم يُعلم بالتحقيق متى كان تم بناء المعبد الكبير، وقد وُجدت كتابة من عهد أنطنيوس الصالح تدل على أن المعبد الكبير كان لجميع آلهة إليوبوليس، وأما المعبد الصغير فكان خاصًّا بالإله باكيس. وعلى كل حال، فإن بناء المعبدين ينتهي تاريخه إلى عصر واحد، وقد هدمت جميع تلك المباني فيما جاء من العصور بعد ذلك.

وفي القرن السادس عشر عثر بعض الأوروبيين على آثار المعبدين، ومنذ ذلك الوقت تناوبتهما الزلازل، خصوصًا في سنة ١٩٥٩، وقد أظهرت مباحث علماء الألمان من سنة ٩٠٠ إلى سنة ٩٠٤ كثيرًا من الآثار المفيدة.

(٣) من المحطة إلى الفندق

نزلنا في محطة بعلبك، فوجدنا في استقبالنا على إفريزها عددًا كبيرًا من أعاظم البلد وأعيانها وأهاليها، وكان في مقدمتهم نقيب السادة الأشراف وبعض أسرته، وجناب أسقف الروم الكاثوليك، فرحبوا جميعًا بمقدمنا، وشكرناهم ثم ذهبنا إلى الفندق، بينما كان الطريق من المحطة إليه غاصًّا بالأهالي، ومذ وصلنا إليه طلبنا من صاحبه ما يكفينا وضيوفنا من الغرف، ولم تمضِ علينا فيه إلا برهة صغيرة، ثم توجهنا نردُّ زيارة من كانوا زارونا واستقبلونا على المحطة، فبدأنا بزيارة أسرة مطران بك، ثم نقيب السادة الأشراف، وقد دُعينا من جانب الأول لتناول طعام العشاء عنده في مساء ذلك اليوم، فأجبناه شاكرين له حسن عنايته ومعروفه.

وحين فرغنا من تلك الزيارات ذهبنا — وكنا إذ ذاك في وقت العصر — إلى التروُّض والفسحة في روضة أنيقة، يمرُّ في وسطها نُهَيْر غاية في العذوبة والصفاء، وقد اجتمع لأجلنا هنالك عدد كبير من الفرسان على خيلهم الجميلة، ثم أخذوا يلعبون أمامنا على جملة طرق كانٍ منها طريقة الهجوم، وكان البعض من تلك الخيل حروريًّا كريمًا، فسررتُ كثيرًا من ألاعيبهم، وأكثر ما سرَّني أني شاهدت بين هؤلاء الفوارس جملة من الشبان الأحداث الذين لا يزيد عمر أكبرهم عن ١٤ سنة، وكانوا يلعبون ألاعيب مدهشة بمهارة فائقة.

وقد مكثنا نشاهدهم معجبين بما كانوا يأتونه من ضروب الفروسية ريثما جيء لنا بالقهوة، ثم ذهبنا إلى حضرة أسقف المذهب الأرتدكسي — وهذا المذهب يحتمي أبناؤه بحماية دولة الروسيا — فاستقبلنا حضرته استقبالًا جميلًا مع بعض رجاله، ومذ جلسنا قام شاب من تلاميذ مدرستهم وألقى بين يدينا خطابة رشيقة اللفظ، كانت تنحصر عباراتها في الترحيب بنا، وبيان ما شمل القوم من السرور بزيارتنا لبلدهم، فشكرنا لحضرة الأسقف وحاشيته لطفهم وأدبهم، ثم خرجنا من عندهم مودَّعين بكل حفاوة واحترام، حيث قصدنا إلى بيت آل مطران.

(٤) أسرة مطران

هي أسرة كبيرة قديمة كاثوليكية المذهب، هاجرت من زمن بعيد من حوران إلى الشام، ثم توطَّنت بعلبك ولم تزل فيها منذ أربعمائة سنة، ويُحكى أن جدَّ هذه الأسرة كان المطران أبيفانيوس؛ أسقف بعلبك الذي حضر المجمع الأسقفي المعقود في قرية الراس ضد البطريرك كيرلس الدباس في سنة ١٦١٨، ومما ثبت بشهادة البطريرك مكاريوس الحلبي أن المطران أبيفانيوس المذكور ذا أولاد؛ فمن سلالته آل مطران الذين نحن بصددهم.

ولهذه الأسرة التي مضى عليها نحو أربعمائة سنة وهي في بعلبك تتناوب المجد وتتوارث الفضل والنبل إلى اليوم؛ تاريخ طويل، رأينا أن نكتفي منه بالقدر الذي ذكرناه، ليعرف القراء من هم آل مطران الذين دعونا، ونحن ذاهبون إليهم الآن إجابة لدعوتهم.

ومذ وصلنا إلى بيتهم رأيناه من أجمل البيوت، وكان فوق حسنه الذاتي وجماله الموضعي غاية في الزخرف والزينة، وفيه ثريَّات يكاد يبيَضُّ منها وجه الليل الحالك، وحين جلسنا في قاعة الاستقبال جاء إلينا حضرة البك يعرِّفنا بقرينته المصونة على حسب العادة، ثم دُعينا إلى المائدة، وإذ ذاك أخذوا يشعلون الصواريخ ذات الألوان البديعة، التي كانت تمثِّل في صعودها وهبوطها جملة أشياء مختلفة رائعة، حتى انتهينا من تناول الطعام الشهي، وخرجنا إلى مجالسنا ريثما تعاطينا القهوة، ثم انصرفنا مودَّعين من تلك الأسرة الكريمة بمثل ما استقبلنا به، حيث ذهبنا لا وجهة لنا إلا الفندق.

ثم ما لبثنا هناك أن جاء إلينا جناب ميخائيل أفندي موسى ألوف البعلبكي مدير مصلحة الآثار التاريخية في مدينة بعلبك، فاستقبلناه وقد عرَّفنا بنفسه ووظيفته، فسررت من هذا التعريف؛ لأني كنت مصمِّمًا على زيارة الأثر الغريب في هذا البلد وهو المسمَّى بقلعة بعلبك أو المعبد القديم. أمَّا هذا الزائر فقد كان عالمًا أثريًّا يكاد يتوقَّد فطنة وذكاء، عرفت ذلك مما كان يدور بيني وبينه من الكلام الذي كان يتناول بعض العموميات تارة، وبعض الخصوصيات تارة أخرى، ثم إنه خرج من عندنا على نية أن ينتظرنا عند الأثر ليرشدنا فيه إلى ما عساه يخفى علينا، وعلى ذلك انتهت رحلة اليوم الأول في تلك المدينة.

ولما أن جاء صباح اليوم الثاني توجَّهنا إلى زيارة القلعة، وكان في انتظارنا هناك مدير الآثار المذكور، فأخذ يسرد لنا قصتها وتاريخها من أول الأمر إلى آخره، ويشرح عجائبها وغرائبها شرحًا وافيًا ضافيًا، ومن ذلك أن هذه القلعة أو المعبد القديم كان قبل الآن مغمورًا معظمه بالأنقاض والأتربة، حتى ما كان يظهر من معالمه الأثرية المدهشة سوى جزء صغير، وما زال كذلك حتى أتاح الحظ لبعلبك أن زارها جلالة غليوم الثاني إمبراطور الألمانيين، ومذ رأى أن المعبد — كما وصفنا — ليس ظاهرًا منه إلا شيء قليل، توجَّهت همَّتُه لكشف هياكله وإظهار تماثيله ومعالمه ليعود إلى سيرته الأولى، فوجَّه من أجل ذلك بعثة علمية يتألف أعضاؤها من خير مهندسي حكومته، ويرأسها أحد مشاهير العلماء، فأخذت هذه البعثة في البحث والتنقيب عن الآثار تحت أطباق الردم والتراب، حتى كشفت ما هنالك للرومان والأوثان، وما تم بعده على يد البيزانطيين ودين المسيح، ثم ما زادوه من البناء غزاة الإسلام.

ويقال إن هذه البعثة الألمانية استمرت تشتغل في تلك المهمة نحو سنتين، وإنها اشترطت أن تأخذ لنفسها في نظير ذلك العمل كل ما تعثر عليه من الآثار ذات القيمة، متى كان يمكن لها نقله من جهة إلى أخرى. وقد ذُكِر لنا أيضًا أن العرب والأتراك كانوا قد اتخذوا حصنهم الحصين من ذلك المعبد مدة حرب الصليبيين، وأنهم هدموا ما كان يحيط به من البناء الذي كان يستطاع تسلُّقه، وكان غرضهم من ذلك تحصين القلعة وزيادة منعتها.

(٥) قلعة بعلبك

هذه القلعة قائمة في الجهة الغربية من المدينة، وهي مغطاه بآثار المعبدين، وقد تقدم ذكرهما.

قصدنا إلى تلك القلعة، وقد كنا قبل أن ندنو منها نشاهد منظرًا ضخمًا وبناءً شاهقًا لم نرَ له مثيلًا، فما برحنا نردِّد النظر حوله، حتى إذا صرنا منه على مسافة أمتار أفزعنا شكله في مجموعه، وروَّعنا ما رأيناه من أصوله وفروعه، وما زال يزداد عجبنا وتعظم دهشتنا كلَّما تدانينا منه، حتى بلغنا إليه فرأينا ذلك المنظر المهول وقد تحلَّلت جملته، وتفككت كليته بين حديقة وأغراس جميلة، إلا أنها من الأوضاع الحديثة. رادنا رئيس الآثار إلى القلعة، حيث دخل بنا إليها من باب كبير، على جانبه من اليسار واليمين بابان صغيران، فوصلنا إلى ساحة مسدَّسة الشكل، وفي جميع جوانبها آثار أعمدة يفيد ظاهرها وبعض شيء لا يزال باقيًا عليها أنها كانت مكسوَّة «بالموزاييك»، وعند كل من الجانبين الشرقي والغربي حُجَر صغيرة حوَّلها العرب إلى حصون ومنافذ ضيقة لإرسال السهام.

ومن تلك الساحة المسدسة يُدخَل إلى ساعة المذبح بعد اجتياز ثلاثة أبواب؛ منها اثنان متهدِّمان، أما الثالث وهو أصغرها، فلم يزل قائمًا على حاله، ويظهر أيضًا أن هذه الساحة كانت محاطة بأعمدة مثل التي تقدَّمتها، وأنه لا يزال يوجد فيها آثار بعض غرف على الجانبين الشمالي والجنوبي، وقد تأملنا الجدران في الساحتين فوجدناها آخذة من الزخرف والزينة بالصناعة الدقيقة ما يفوق الوصف، ثم إن في تلك الجدران محاريب كانت معدَّة لوضع الأصنام، ولم يزل بعض الحجرات إلى اليوم مسقوفًا وحافظًا لشيء من جمال سقوفه، ويظهر أن تلك الغرف كانت معدَّة لإيواء بعض زائري المعبد.

وفي وسط الساحة تقريبًا يوجد مذبح كبير لم يظهر إلا نصفه، وبعض الدرج التي كان الكهنة يقفون عليها عند تقديم القربان، أما النصف الثاني من ذلك المذبح فلا أثر له، ويقال إنه هُدِم لإدخاله ضمن الكنيسة التي بناها بيتودوز، ويوجد على المذبح حوض المعمودية الذي صنعه الإمبراطور المذكور أيضًا، وفي جنوب ذلك الحوض يوجد حوض آخر يظهر أنه كان للاستحمام، ولم يبقَ إلا شيء قليل من آثار المعبد الكبير الذي كان مخصصًا بجميع آلهة إليوبوليس، وأهم هذه البقية ستة أعمدة هائلة، ويوجد في الجنوب الشرقي من هذه الأعمدة معبد باكيس، وهو يكاد يكون وحده الأثر المحفوظ، وربما كان من أحسن الآثار القديمة في جميع البلاد السورية، وهو مستقل تمام الاستقلال عن المعبد الكبير، وأقل منه ارتفاعًا، وليس له ساحة، ويصعد إليه بسلم ذي ثلاث درجات، وسقفه مصنوع بغاية الإتقان يمثل مسدَّسات فيها بعض صور مُحيَ معظمها بمرور الزمان.

وفي الجهة الغربية توجد أعمدة لا تزال باقية حتى الآن، ويوجد في تلك الجهة نفسها بعض قطع هائلة من السقف، ومن الجهة الشرقية يوصِّل السلم المذكور سابقًا إلى دهليز على جانبيه أعمدة، ومن ذلك الدهليز يصل السائر إلى باب المعبد الداخلي، وهو باب جميل الصنع جدًّا، وعلى جانبي الباب الكبير بابان صغيران، وبأعلاهما يمتد على طول الجدار إفريز جميل يظهر أنه كان مزدانًا بنقوش بارزة.

أما الهيكل الداخلي، فقد رأيناه متهدِّمًا، إلا أنه في الجهة الشمالية كان أقل تهدُّمًا منه في الجهة الجنوبية، على أن النقوش التي كانت على هاتين الجهتين لا تختلف عنها في بقية الجهات، كما أن ما رأيناه من تيجان الأعمدة في كل جهات المعبد كان أيضًا لا يمتاز عن تيجان الأعمدة في الجهتين السابقتين، ورأينا في تلك الجدران أيضًا عدة محاريب كانت لوضع الصور والتماثيل، وقد وضع في إحداها لوحة من الرخام، منقوش فيها كتابة بالتركية والألمانية تذكارًا لزيارة إمبراطور ألمانيا.

ويوجد أمام واجهة هذا المعبد مبانٍ عربية حديثة العهد، بعضها مبني بأنقاض أخذت من نفس القلعة، ويؤخذ من شكلها أنها كانت حصونًا، وكانت في الأصل أقبية، ويقال إنهم كانوا جعلوها كذلك بقصد أن تكون مخازن. وفي طريق العرب الموصل إلى تلك الحصون توجد عدة غرف متقنة الصنع جميلة النقوش.

ثم إن آثار المعبد الكبير كانت محاطة بسور هائل على بعد عشرة أمتار من المعبد، وكان هذا الفضاء مملوءًا بأحجار ضخمة، كما يُشاهَد ذلك في الجهة الشمالية، ويظهر أن هذه الأحجار الكبيرة كانت مهيئة لأن تُستعمل في مبانٍ أخرى، ويوجد في تلك الجهة حفرة يمكن لمن نزل إليها أن يرى الأحجار العظيمة التي كانوا وضعوها في أساس البناء، أما ذلك السور الخارجي فإنه مبني بحجارة خارقة للعادة؛ إذ يبلغ سمك الحجر الواحد منها أكثر من أربعة أمتار.

وفي الجهة الشرقية للقلعة يقوم المعبد الصغير المسمَّى معبد الزهرة، وهو مستدير الشكل، ويُصعد إليه بسلم واقع في الجهة الشمالية منه، وهو معبد جميل في داخله رقوش بديعة ونقوش مشابهة لنقوش المعابد القائمة في القلعة، وفيه أيضًا محاريب لوضع التماثيل، وكان ظاهر هذا المعبد أجمل من باطنه؛ فإنه يحيي ذكرى الصناعة الرومانية في العصور المتأخرة، ثم هو خماسي الشكل، وجوانبه متسديرة في الدخل، وتحيط به من الخارج أعمدة على رءوس الزوايا، وبأعلى الجدار إفريز مزخرف بأكاليل الزهر، وقد استُعمل هذا المعبد فيما سبق كنيسة رومية، كما يدل على ذلك بقايا الصلبان التي لا تزال آثارها ظاهرة على الجدران.

إهداء مدير الآثار

وبعد أن انتهينا من زيارة القلعة من الخارج والداخل، شكرنا لمدير الآثار معروفه وخدمته الجليلة التي أدَّاها لنا أثناء ما كنا نزور تلك القلعة، وقد توَّج جميله بأن أهدانا ونحن خارجون كتابًا مطبوعًا في تاريخ بعلبك من تأليفه، وهو كتاب جليل حوى في موضوعه أحسن المسائل التاريخية الحاضرة والأثرية لهذه المدينة العتيقة، فتقبَّلنا منه هديته بالشكر والثناء.

كلمة عن القلعة

يخرج السائح من قلعة بعلبك بعد أن يتطوَّف على دوائرها، ويتعرف بواطنها بعد ظواهرها، ويتفقدها من أولها إلى آخرها. وإنه لقد حار في الأمر فكره وضاق بالعجب صدره، وبعد أن كانت المسألة عنده قاصرة على فخامة القواعد وضخامة المباني، تحوَّلت إلى بحث واسع في موضوع علمي حافل بجليل المقاصد وجميل المعاني، وبعد أن كان ذلك الزائر يحصر نظره كله في دائرة لا تزيد عن أطوال وأعراض ومهارة عمال وشطارة مهندسين، صار يجول في محيط عظيم من أطوار وأغراض السريانيين والكلدانيين، ومما كان أصاب الناس من ضروب المذلة والمهانة في العُصُر الماضية، عُصُر الأوثان والكهانة، تلك التي كان للكهنة فيها تأثير في سياسة الممالك مثل تأثير القياصرة والملوك، أو هو فوق ذلك.

وقد كان هذا التأثير نفسه هو الأصل الذي عليه ترتكن الحكومة عندما كانت تعمد إلى تشييد تلك المباني الضخمة مثل قلعة بعلبك وحلب في الشام، والأهرامات ومعبد الكرنك ومدينة هبو في مصر، وغير ذلك من الحصون والمعابد والمقابر التي نراها فيفزعنا منظرها ويهولنا شأنها، والتي لا تزال تتجلى فيها فكرة مؤسسيها وواضعيها.

يمر بعض الناس بهذه الآثار المدهشة مرَّ الكرام على اللغو من الكلام، وغاية ما في الأمر أنهم يعجبون من مناظر هذه الأشياء وظواهرها؛ لأنهم لم يعرفوها في عادتهم، ولم يألفوها في قدرتهم مثل إتقان البنيان وإحكامه، إلى حدِّ أن سن الإبرة لا يمكن أن ينفذ بين مداميكه وسافاته، أو قدرة البنَّائين والفعلة، إلى درجة أنهم يرفعون تلك الحجارة الثقيلة الهائلة إلى مسافة عظيمة حين لم يكن لديهم آلات لجر الأثقال ورفعها وما أشبه ذلك، ولكن الوقوف عند هذا الحد من مثل هذه الأعمال الخطيرة المفزعة قِصَرٌ في النظر، ثم هو عن الضالة المنشودة والغاية المطلوبة بمراحل طويلة، بل هو في نظري لا يزيد عن حدِّ الوقوف عند العاديات إلا بمقدار ما يسافر الفكر إلى ارتياد العلل وطلب الأسباب.

أما من عُني بالبحث والتدقيق واستنتاج الحقائق بالتحقيق فإنه لا يكتفي بتلك المناظر، ولا يهمه الالتفات إلى مجرد الظواهر، ولا يدع مثل قلعة بعلبك تفلت من يده حتى يدور نظره حولها مرارًا، ويعتصر فيها فكره اعتصارًا، فينتفع من أجزائها وجملتها وعمدتها وفضلتها بمعرفة ما لا يمكن أن يعرف إلا من طريقها، ومن ثمَّ نورد هنا كلمة فيلسوف بحَّاث في حصن بعلبك وهياكله، لا بقصد أن نفيد أن هذا هو منتهى ما وصلت إليه الأفكار وآخر ما استقر عليه الرأي، أو أن نشير إلى القطع بشيء مخصوص في موضوع لا يزال إلى اليوم مطروحًا على بساط البحث، والنظر أمام المفكرين من علماء الآثار والأخبار وغيرهم، وإنما ذلك لأن هذه الكلمة الطيبة في حدِّ ذاتها خلاصة بحث واسع، ونتيجة فكر سليم.

قال ذلك الفيلسوف: إن هذه الهياكل القائمة في معابد القدماء وحصونهم، سواء الموجود منها في صعيد مصر وفي بلاد الشام، تشير إلى ما كان عليه السريانيون والكلدانيون قبل الطوفان وبعده؛ من غلوِّهم في الوثنية وعبادة الأصنام، وهي مع هذا تشير أيضًا إلى قوة هؤلاء الناس وبأسهم في غابر الزمان، واستعصائهم على الأنبياء والرسل بعد أن أرشدوهم إلى الحق وأوضحوا لهم سبل السعادة، ومن هؤلاء الرسل الكرام النبي إلياس — عليه السلام — كان قد طلب إلى قومه أن يتركوا عبادة الصنم بعل، وأن يعبدوا الله — عز وجل — فعصوه واستمروا عاكفين على عبادة الصنم المذكور، قال — تعالى: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، وخَوْفَ أن يصيروا سدًّا بين نور الله والناس أغرقهم الله بالطوفان، وأرسل عليهم العذاب الأليم في أزمان مختلفة.

وتقادَمَ عهد الزمان وآثارهم العظيمة لا تزال باقية تنادي عليهم بالويل والثبور، وإنهم مع ما أوتوا من القوة والبطش لم يعصموا أنفسهم من بأس الله إذ جاءهم، فلئن كانوا أولي بأس وقوة فالله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا. ولمَّا كانوا ظاهرين في الأرض بالقوة لاستحواذهم على ضعاف العقول، وكان في ذلك من ضرر النوع الإنساني ما فيه؛ أشار الله في كتابه إلى ذم صنمهم القائم في أرض الشام إبَّان ظهور الدين الإسلامي، فقال: أَتَدْعُونَ بَعْلًا الآية، فالقرآن يشير إلى أن الوثنية كانت قائمة هناك، وغير القرآن من الكتب يشير أيضًا إلى ذلك.

إذن فالهياكل وطيدة الأركان، قائمة الدعائم ضخمة البنيان هنالك من أزمان متوغلة في القدم، ولا يناطح الزمان إلا مثله في القوة والبأس، ولقد اكتشف الألمان في هذا الزمان الآثار الموجودة في بعلبك، وأمكنهم أن يصلوا إلى السرِّ الذي عجز عنه الأولون. ولو كان انكشف لهم في سالف الزمان، ما كانوا قضوا أجيالًا كثيرة وأحقابًا طويلة وهم ملازمون للوثنية عاكفون على الأصنام، وما كانوا نازعوا رسل الله نزاعًا شديدًا، ولا جحدوا رسالة ربهم وكفروا به، وما كان تأخُّر العمران وانتشار الحضارة في الأرض.

لقد عَلِم الألمانيون، بالبحث الدقيق، أن جوف الصنم بعل أجوف وفيه فتحتان؛ فتحة من أمام وفتحة من وراء، وأن رئيس الكهنة هناك كان يسيطر على الأمة كلها؛ ملكها ومملوكها، وكانت له الكلمة النافذة التي لا يستطاع ردُّها ولا يمكن معارضتها؛ وذلك أنه كان إذا استشير في أمر خطير يهمُّ الملك والمملكة، قال: حتى نتقرب إلى الصنم وندعوه ويأذن لنا في هذا. فإن لم يأذن، فلا يكون هذا الأمر. ثم يذهب بعد ذلك إلى خادم خاص بالصنم، منعزل عن الناس، عاكف على الصنم، واقف في خدمته، ويقول: في غدٍ آتي إلى هنا مع الملك وأشياعه ونقرِّب القربان إلى الصنم، وندعوه أن يبيِّن لنا ما نحن بصدده؛ أنمضي في هذا الأمر أم لا نمضي فيه، فإذا نحن جئنا وخضعنا أمام الصنم ودعوناه، فهنالك تكون قد وضعت البوق الطويل في الفتحة التي من خلفه، قائلًا كذا وكذا. فما يكون من ذلك الخادم إلا أن يصدع بأمره، ويقوم بما أوحى إليه رئيس الكهنة، ولا يقول إلا ما أُذِن له في قوله حين وقوفهم بين يدي الصنم واستشارتهم إياه، فلا يحصل أمر الملك والمملكة إلا كما يسمعون من الصنم.

وعلى هذا النمط كانت أمور الكهنة مع الأمم في سائر الأرض الوثنية، ومن هنا نعلم أن الوثنية كانت جرثومة الفساد في الأرض، وأصل الظلم العظيم؛ ولذلك حاربها الله تعالى محاربة شديدة؛ حتى يرجع الناس إلى الاعتماد على عقولهم التي ركبت فيهم، وعلى أنفسهم، وحتى لا يخدعهم خادع ولا يصرفهم عن مصالحهم التي بين أيديهم صارف، فينتظم الكون وينتشر العمران في الوجود.

ولقد بالغ محمد في التنفير من الكهانة والابتعاد عنها كثيرًا، وما حكمة ذلك إلا أن تجري الناس على سنن الطبيعة وِفَاق الفطرة والمصلحة، تلك سنَّة الله في خلقه، فهو يردهم إليها إن انحرفوا عنها، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

(٦) إلى المسجد

ومن هذه القلعة ذهبنا إلى المسجد لتأدية فريضة الجمعة؛ حيث كنا على وشك الصلاة، وهناك رأينا في انتظارنا عددًا كبيرًا من عظماء القوم في مدينة بعلبك، يتقدَّمهم حضرات أصحاب الفضيلة والسعادة نقيب السادة الأشراف، وقائم مقام بعلبك، وعبد الحميد باشا الدروبي، وبعدما فرغنا من أداء الصلاة قصدنا إلى الفندق مباشرة، فتناولنا هناك طعام الغداء، وجلسنا بعد ذلك ريثما أخذنا أهبتنا للسفر، ثم ذهبنا على عرباتنا إلى المحطة التي كانت مكتظة بالمودِّعين من حكام المدينة وعِلية الناس فيها، فسلَّمنا عليهم.

وقد رأينا من عنايتهم وعناية الأهالي بتودعينا ما كان لا يقل عن ترحابهم وحفاوتهم بنا عند الاستقبال، أما نحن فقد بارحنا هذا البلد على غاية من السرور، شاكرين لأهلها الكرماء ما قابلونا به أولًا وآخرًا من اللطف والمعروف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠