حماة

هذه البلدة واقعة في حدود ولاية سورية، وكانت أولًا تابعة لأيالة الشام، أما الآن فقد انفصلتْ عنها وجُعِلتْ متصرفية مستقلة، وهي مدينة قديمة التاريخ، ويظن كثير من الناس أن بانيها هو حمت بن كنعان، فإذا صح ذلك فيكون قد مضى عليها الآن أكثر من ٤ آلاف سنة، ويقال إن حماة كانت في وقت خروج الإسرائيليين من مصر مملكة مستقلة تتاخم أرض الميعاد التي احتلها الإسرائيليون، وكانت المملكة التي تسمَّى باسمها تمتد من منبع العاصي حتى مصبه، مع كل السهل الشرقي منه، وكان يتاخمها من الجنوب مدينة دمشق، ومن الغرب بلاد فينيقية، ومما يدل على أن هذه البلدة قديمة جاهلية ما جاء في شعر امرئ القيس من بعض قصائده، حيث قال:

تقطع أسباب اللبانة والهوى
عشية رحنا من حماة وشيراز

ثم إنها أوسع من مدينة حمص مساحةً، وأكبر منها عمارة، وسكانها يبلغون نحو ٩ آلاف نفس، ويقال إن المسلمين من هؤلاء السكان متمسِّكون بدينهم تمسكًا شديدًا بلغ بهم إلى درجة التعصب، ثم إنهم غاية في الشهامة والشجاعة، ويقال إن الملك المؤيد عندما فتح بلاد الشام جعل هذه المدينة قاعدة ملكه، وتسمَّى بسلطان حماة، ويُنسب إليها بعض العلماء والملوك، وأشهرهم المؤرخ أبو الفداء الحموي أحد ملوكها من الأيوبيين، والجغرافي الكبير ياقوت صاحب المعجم، وتقي الدين ابن حجة الشاعر المعروف، ومن أشهر بيوتها التي يفتخر بها أهل حماة ويذكرونها بالفضل والسيادة، بيت الشيخ عبد القادر الكيلاني شيخ الطريقة الكيلانية المعروفة.

أما صناعتها، فمنحصرة في اصطناع الأشياء العمومية التي لا يستغنى عنها من المنسوجات الحريرية والقطنية والأحذية وما أشبه ذلك، ومن محاصيلها الحنطة والشعير والذرة، وغيرها من الحبوب والفواكه التي يُصدَّر كثير منها إلى طرابلس، ويرسل أيضًا كثير من سمنها وجبنها إلى أسواق الشام وزحلة وغيرها، وتجارتها دائرة على تلك المصنوعات وهذه المحاصيل.

فتح حماة

وقد فُتحت حماة سنة ١٧ هجرية على أيدي المسلمين، وكان بطلها ذلك الفاتح العظيم أبا عبيدة بن الجراح، فإنه — رضي الله عنه — قصدها بعد فتح حمص، فتلقاه أهلها مذعنين، فصالحهم على الجزية والخراج، وقد توالت عليها بعد ذلك جملة حوادث عظيمة؛ ففي سنة ٢٩٠ قصدها القرامطة وقتلوا أهلها، ولم يبقوا على النساء والأولاد، وفي سنة ٣٥٢ خربت حماة بالزلازل التي أصابت الديار الشامية، ويروى أن معلمًا خرج من المكتب فلمَّا حدثت الزلزلة سقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم، ولم يأتِ أحد يسأل عن ولده، ممَّا كان دليلًا على أن جميع آبائهم هلكوا في تلك الحادثة أيضًا.

وفي سنة ٥٦٥ تخرَّبت بالزلازل أيضًا، وملكها السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٧٠ مظهرًا طاعة الملك الصالح بن نور الدين زنكي، وفي سنة ٥٧٣ حصرها الإفرنج وكان فيها خال صلاح الدين مريضًا، وكانت بينهم وبين أهلها مقتلة عظيمة، وأقاموا على قتالها أربعة أيام، ثم استظهر عليهم المسلمون فرحلوا عنها، ثم كانت بعد صلاح الدين لفرعٍ من عائلته، منهم ملكها المشهور أبو الفداء الحموي.

وعندما كنا وصلنا إلى محطة حماة وجدناها غاصة بعظماء الناس وأكابرهم، وكان بعضهم من حكومة حماة ومن رؤساء البيوت الكبيرة فيها؛ مثل زعيم أسرة الكيلاني الشهيرة، ورئيس أسرة الأزهري التي هي من أفخم الأسر في تلك المدينة، وقد عرفنا من حديثهم أن لهم قرابة في مديرية المنيا بالقطر المصري، وكان البعض الآخر من مدينة حلب، وهؤلاء منهم اثنان مندوبان من قبل عطوفة الوالي؛ وهما صاحبا السعادة مرعي باشا ناظر أوقاف حلب، والميرالاي «قومندان الچندرمة»، واثنان آخرين مندوبان من جهة أعيان المدينة ووجهائها.

وقد جاءوا جميعًا إلى محطة حماة ليستقبلونا على أطراف ولايتهم، يحملون إلينا سلام دولة الوالي وتحية عظماء البلاد، وليكونوا أيضًا في خدمتنا وتحت إشارتنا من هذا البلد حتى نصل إلى بلدهم، وإنه لا غرابة أن ألاقي مثل هذه العناية الفائقة والأريحية العظيمة من عطوفة الوالي ورجال حكومته وأهالي ولايته، بعد أنه رأيت شبيهًا أو أكثر في حمص وفي كثير من البلاد الشامية؛ إذ كان هؤلاء الناس الكرام المخلصون يقدِّرون ضيوفهم حق قدرهم، ويبالغون في إكرامهم وإحسان وفادتهم، ويبلغون بهم من الكرامة إذن ما هم حقيقون به وأهله.

ولقد شكرتُ هذا الوفد ومن كان واقفًا معهم من أهل حماة من لساني بما كنت أستطيع أن أعبر به عمَّا استقر في نفسي من معروفهم الكبير ولطفهم الكثير، وبعد ذلك ودَّعنا الحمويين؛ حيث كان قد تحرك القطار ونزل معنا فيه ذلك الوفد الجليل، فمررنا ببلدة تُعرف بمعرَّة نعمان نسبة — فيما يقال — إلى نعمان بن بشير، وهي من القرى التي اشتهرت بالحروب الصليبية، ويوجد فيها خربة مهدَّمة يقال إنها كانت قلعة نعمان، وسألت أصحابنا عن عدد سكانها الآن فقالوا إنهم يبلغون ٧ آلاف نفس.

وشاهدنا حول هذه القرية مروجًا وأحراشًا واسعة، يقال إن أكثر غرسها من شجر التين والفستق، ومررنا — بعدئذ — ببلدة تسمَّى السرمين، وهي مشهورة بالينابيع والعيون الكثيرة التي تتفجَّر من خلال الصخور، ويقال إن في هذه القرية عددًا كبيرًا من المغارات والكهوف؛ حيث كان الناس في سابق الزمان يسكنونها ويأوون إليها وإلى بطون الجبال، أما أرضها فكان منها الخصب المزروع ومنها القحل الأجرد بسبب تغلب الملوحة في تربته، أما تلك الأراضي المملحة فكانت ترى للمسافر على مسافة بعيدة من البلد.

ثم مررنا ببلد يُدعى بخان تومان، ويزعمون أن هذا الاسم مأخوذ من اسم أحد السلاطين، وعند هذه القرية يشاهد المسافر مآذن حلب من بعيد، ثم ما برحنا سائرين ننتقل من بلد إلى آخر، والمزارع من جمالها الطبيعي على ما وصفنا، حتى مررنا بنهر يسمَّى قويق، وهو من الأنهار المشهورة في تلك الجهات، أما المسافة من تلك النقطة إلى مدينة حلب فكانت تقرب من نصف الساعة بسير القطار، وقد كنا في غضونها نطلُّ من نافذة العربة فنشاهد أمامنا على بعدٍ هيكل مدينة حلب جسيمًا ضخمًا، تعلوه مآذنها الشاهقة التي هي أول ما يظهر للناظرين، وما كدنا نقرب من المحطة حتى وجدناها تموج بالمنتظرين من وجهاء المدينة وحكامها موجًا.

وهنا لا أستطيع أن أعبِّر عن وصف الابتهاج وشرح السرور الذي كان يخامر نفسي، من العناية الكبيرة والحفاوة التامة التي كنت أراها بين لحظة وأخرى من سعادة مرعي باشا ناظر الأوقاف وبقية الوفد الحلبي؛ حيث كانوا في أثناء هذا السفر لا يألون جهدًا في تعهد راحتنا وانبساطنا وإعمال ما كان يمكنهم من الوسائط لإدخال الفرح على أنفسنا، وقد كانوا يرشدوننا في الطريق إلى كل شيء مهم؛ سواء من جهة الزراعة والصناعة أو من جهة تاريخ البلاد التي كنا نمر بها، وأحوال السكان وعوائدهم في بلادهم، وآثار القدماء في تلك البقاع، ذلك فضلًا عن أنهم كانوا يراسلون بواسطة السلك البرقي جميع المحطات التي كان يرسو عليها القطار في طول السكة، ويهتمون جدًّا بخروج الناس لاستقبالنا على المواقف عند مرور القطار حتى وصلنا — بسلامة الله — إلى محطة حلب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠